8. النصرة النهائية
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

وفي ختام الألف السّنة سيجيء المسيّا إلى الأرض مرّة أخرى. ويصحبه جموع المفتَدين وتحفّ به حاشية من الملائكة. فإذ ينزل في جلال مُرهب يأمر الموتى الأشرار بأن يقوموا ليُدانوا ويُحكم عليهم. فيخرجون وهم جمعٌ كبيرٌ جدّاً بلا عدد كرمل البحر. فيا له من فرق شاسع بين هؤلاء وأولئك الذين كان لهم نصيب في القيامة الأولى! لقد كان الأبرار متسربلين بالشّباب الخالد الجميل، أمّا الأشرار فيحملون في أجسامهم آثار المرض والموت.

وكلّ عين في ذلك الجمع العظيم تلتفت لتشاهد مجد ابن يهوه. وبصوت واحد يصرخ الأشرار قائلين:  "مبارك الآتي باسم يهوه" . ليست المحبّة ليهوشوه هي التي تلهمهم هذا الكلام بل قوّة الحقّ تنتزع الكلام من شفاههم الكارهة انتزاعاً. فكما نزل الأشرار إلى قبورهم كذلك خرجوا بالعداوة للمسيّا وبروح العصيان نفسيهما. ولن يُعطَوا فرصة اختبار أخرى ليصلحوا نقائص حياتهم الماضية. ولن يجديهم هذا فتيلاً. فحياتهم التي قُضيت في العصيان لم تجعل قلوبهم أقلّ صلابة. ولو أُعطوا زمنَ النّعمة من جديد لكانوا يقضونه في التّهرّب من مطالب يهوه وإثارة العصيان ضدّه.

والمسيّا ينزل على جبل الزيتون الذي من فوقه صعد إلى السّماء بعد قيامته وحيث كرّر الملاكان الوعد بمجيئه الثّاني. والنّبي يقول: "يأتي يهوه إلهي وجميع القدّيسين معك"، "وتقف قدماه في ذلك اليوم على جبل الزيتون الذي قدّام أورشليم من الشّرق فينشقّ جبل الزيتون من وسطه ... وادياً عظيماً جدّاً"،  "ويكون يهوه ملكاً على الأرض. في ذلك اليوم يكون يهوه وحده واسمه وحده" (زكريا 14: 5, 4, 9). وإذ تنزل أورشليم الجديدة من السماء ببهائها الذي يخطف الأبصار فهي تستقر في الموضع الذي قد تطهّر وأُعدّ لاستقبالها، فيدخل إليها المسيّا ومعه شعبه وملائكته ويحلّون في تلك المدينة المقدّسة.

أمّا الآن فالشيطان يتأهّب لخوض معركة أخيرة عظيمة للسّيادة. إنّ سلطان الشّرّ إذ كان مجرّداً من سلطانه ومنقطعاً عن عمل الخداع كان شقيّاً ومغموماً، ولكن إذ يُقام الموتى الأشرار ويرى هو ذلك الجمع العظيم إلى جانبه تنتعش آماله ويصمّم على عدم التّسليم في ذلك الصّراع الهائل. وحينئذ يصفّ كل جيوشه من الهالكين تحت رايته وبواسطتهم يحاول تنفيذ خططه. والأشرار هم أسرى الشيطان منذ رفضوا المسيّا وقبلوا حكم ذلك القائد المتمرِّد. وهم على استعداد لقبول مقترحاته وتنفيذ أمره. ولكن تمشيّاً مع خداعه ومكره القديم فهو لا يعترف بأنّه الشّيطان. ويدّعي أنّه الملك والمالك الشّرعي للعالم الذي اغتصب منه ميراثه ظلماً. وهو يصوّر نفسه لرعاياه المخدوعين بأنّه الفادي ويؤكّد لهم أنّ قوّته هي التي أخرجتهم من قبورهم وأنّه مزمعٌ أن يخلّصهم من أقسى طغيان. وإذ يكون المسيّا قد انسحب منهم فإنّ الشّيطان يجري آيات ليسند ادّعاءاته. فيقوّي الضعفاء ويلهم الجميع بروحه ونشاطه وقوّته. ويقترح أن يتقدّمهم لمحاربة معسكر القدّيسين للاستيلاء على مدينة يهوه. وبفرح جهنّمي يشير إلى الملايين التي لا حصر لها الذين قد أُقيموا من الأموات ويعلن أنّه بصفته قائداً لهم هو قادر على قلب المدينة واستعادة سلطانه ومُلكه.

وبين ذلك الجمع الغفير توجد جماهير من الجنس الذي كان يعيش منذ عصور القدم قبل الطوفان، رجال طوال القامة ذوو عقول جبّارة خضعوا لسلطان الملائكة الساقطين فكرّسوا كلّ ذكائهم ومعرفتهم لتمجيد أنفسهم، رجال قادت أعمالهم الفنّية العجيبة العالم إلى أن يعبد عبقريّتهم ونبوغهم لكنّ قسوتهم  ومخترعاتهم الشّريرة التي نجّست الأرض وشوّهت صورة يهوه جعلته يمحوهم من على وجه الخليقة. يوجد ملوك وقوّاد قهروا الأمم، وجبابرة بأس لم ينهزموا قطّ في معركة، رجال حرب متكبّرون طامعون كانوا يُرعبون الممالك التي يقتربون منها. والموت لم يُحدث تغييراً في هؤلاء القوم. فإذ يخرجون من قبورهم يستأنفون تفكيرهم السّابق نفسه. والرّغبة نفسها في الغزو والفتح تحفّزهم مثلما كانت تفعل عندما سقطوا.

المعركة الأخيرة ضدّ يهوه

يتشاور الشّيطان مع ملائكته ثمّ مع هؤلاء الملوك والفاتحين والجبابرة. وهم ينظرون إلى القوّة والجيوش العديدة التي في صفّهم فيعلنون أنّ الجيش الذي في داخل أسوار المدينة صغير بالمقابلة مع جيوشهم وأنّه يمكن الانتصار عليه. ثم يرسمون خططهم للاستيلاء على غنى أورشليم الجديدة ومجدها. ففي الحال يبدأ الجميع في التأهّب للقتال. ويشرع الرّجال المهرة في صنع أسلحة القتال. والقوّاد الحربيّون الذين اشتهروا بنجاحهم يصفّون جموع رجال الحرب في جماعات وأقسام.

وأخيراً يصدر الأمر بالانطلاق فيتقدّم إلى الأمام ذلك الجمع الذي لا يُحصى عديده، جيشٌ لم يسبق للفاتحين الأرضيين أن عبّأوه ولا تُضارعه كلّ الجيوش في مختلف العصور مجتمعةً معاً منذ بدأت الحرب على الأرض. والشيطان الذي هو أعظم المحاربين يتقدّم الجيش وملائكته يضمّـون قوّاتهم إليه لخوض هذه المعركة الأخيرة. والملوك الجبابرة هم ضمن حاشيته والجموع هائلة، وكل جماعة منها تحت قيادة قائدها الخاص. وبدقّة حربية تتقدّم تلك الصفوف المتماسكة إلى الأمام على سطح الأرض المشقّق الوعر نحو مدينة يهوه. وبناءً على أمر يهوشوه تُغلق أبواب أورشليم الجديدة فتُحاصِر جيوش الشّيطان المدينة ويستعدّون للهجوم.

المسيّا  يظهر

ومرّةً أخرى يُظهر المسيّا نفسه أمام عيون أعدائه. وفوق المدينة على ارتفاع شاهق يوجد عرشٌ عالٍ ومرتفع على أساس من الذهب المصقول. وعلى هذا العرش يجلس ابن يهوه وحوله رعايا ملكوته. ولا يمكن لأفصح لسان أن يصف قدرة المسيّا وجلاله، ولا يمكن لقلم كاتب أن يصوّره. إنّ مجد يهوه السّرمدي يحيط بابنه وبهاء حضوره يملأ مدينة يهوه ويفيض خارج الأبواب ويملأ الأرض كلّها بلألائه.

وأقرب النّاس إلى العرش هم أولئك الذين كانوا قبلاً متحمّسين للشّيطان، ولكن إذ كانوا كشعلات منتشلة من الحريق فقد اتّبعوا مخلّصهم في تكريس عميق قوي. ويلي هؤلاء أولئك الذين قد كمّلوا الصّفات المسيّحيّة واحتفظوا بها في وسط الكذب والإلحاد، أولئك الذين أكرموا شريعة يهوه في وقت اعتبرها العالم المسيحي باطلة، وملايين من كلّ الأجيال الذين استشهدوا لأجل إيمانهم. وخلف هؤلاء يوجد "جمعٌ كثير لم يستطع أحد أن يعدّه من كلّ الأمم والقبائل والشّعوب والألسنة واقفون أمام العرش وأمام الخروف متسربلين بثياب بيض وفي أيديهم سعف النّخل" (رؤيا 7: 9). لقد انتهت حربهم وأحرزوا الانتصار. لقد أكملوا السّعي وأخذوا الجعالة. وسعف النّخل التي في أيديهم هي رمز الانتصار، والثّياب البيض هي رمز لبرّ المسيّا الخالي من العيب الذي صار لهم الآن.

ثمّ إنّ المفتدين ينشدون ترنيمة حمد تعلو ويرنّ صداها في كلّ أبهاء السّماء فيقولون: "الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف" (رؤيا 7: 10). والملائكة والسّرافيم يشتركون بأصواتهم في هذا  التّمجيد. وكما قد رأى المفتدون قوّة الشّيطان وخبثه، فقد رأوا كما لم يروا قبلاً أنّه لا توجد قوّة غير قوّة  المسيّا كان يمكن أن تمنحهم النّصرة. وفي كلّ ذلك الجمع المتألّق بالنّور لا يوجد أحد ينسب الخلاص إلى  نفسه كما لو أنّه قد انتصر بقوّته وصلاحه. ولا يُذكر شيء عمّا قد  فعلوه أو قاسوه، لكنّ عبء كلّ أغنية ومطلع كلّ أنشودة هو: "الخلاص لإلهنا وللخروف" .

إصدار الحكم على العصاة

وفي محضر سكان الأرض والسّماء المجتمعين يُتوّج ابن يهوه نهائيّاً. والآن وقد زُوِّد الجلال والمجد الفائقين فإنّ ملك الملوك ينطق بحكمه ضدّ العصاة على سلطانه وينفّذ عدله على من قد عصوا عليه وتعدّوا شريعته وضايقوا شعبه وظلموهم. يقول نبيّ يهوه: "ثمّ رأيت عرشاً عظيماً أبيض والجالس عليه الذي من وجهه هربت الأرض والسّماء ولم يوجد لهما موضع. ورأيت الأموات صغاراً وكباراً واقفين أمام يهوه وانفتحت أسفار وانفتح سفر آخر هو سفر الحياة ودين الأموات ممّا هو مكتوب في الأسفار بحسب أعمالهم" (رؤيا 20: 11, 12).

وحالما تُفتح الأسفار وتقع عين يهوشوه على الأشرار يشعرون بكلّ خطيئة ارتكبوها. ويرون المكان نفسه الذي فيه انحرفت أرجلهم بعيداً عن طريق الطّهارة والقداسة، وإلى أيّ مدى ساقتهم الكبرياء والتمرّد للتّعدّي على شريعة يهوه، والتّجارب الخادعة التي شجّعوها على تضليلهم بانغماسهم في الخطيئة، والبركات التي عكسوها، ورسل يهوه الذين احتقروهم، والإنذارات التي رفضوها، وأمواج الرّحمة التي  صدُّوها بقلوبهم العنيدة القاسية غير التّائبة، كلّ هذه تظهر واضحة كما لو كانت مكتوبة بحروف من نار.

الصّليب فوق العرش

وفوق العرش يُرى الصّليب واضحاً، وتظهر مشاهد تجربة آدم وسقوطه كما على شاشة بيضاء فسيحة، والخطوات المتتابعة في تدبير الفداء العظيم. فميلاد المخلّص الوضيع، وحياته في صباه التي قضاها في بساطة وطاعة، وعماده في الأردن، والصّوم والتّجربة في البريّة، وخدمته الجهاريّة التي كشف فيها للنّاس عن أثمن بركات السّماء، والأيّام التي ازدحمت بأعمال المحبّة والرّحمة، واللّيالي التي كان يقضيها ساهراً ومصليّاً معتزلاً في الجبال، والجزاء الذي ناله من مؤامرات الحسد والكراهية والخبث في مقابل الخير العظيم الذي نالوه على يديه، والعذاب الأليم المخيف الغامض في جثسيماني تحت الثقل العظيم لخطايا العالم كلّه، وتسليمه لأيدي الرّعاع المجرمين القتلة، والحوادث المخيفة التي حدثت في ليلة الرّعب تلك، ـ الأسير المستسلم وقد تركه تلاميذه الأحبّاء، وهو يُساق بكلّ قسوة وعنف في شوارع أورشليم؛ ابن يهوه يوقَف بكل فرح وانتصار أمام حنّان ويُحاكَم في قصر رئيس الكهنة، وفي دار ولاية بيلاطس وأمام هيرودس الجبان القاسي، وقد سخروا به وأهانوه وعذّبوه وحُكم عليه بالموت، كلّ ذلك يُصوَّر بكلّ وضوح.

والآن تُعلن المشاهد النهائية أمام ذلك الجمع الحاشد: فالمتألِّم الصبور يسير في الطّريق إلى جلجثة، ملك السماء يُعلّق على الصليب، الكهنة والسّوقة يهزأون بآلام احتضاره، الظّلمة غير الطّبيعية تغشى الأرض التي تزلزلت والصّخور التي تشقّقت والقبور التي تفتّحت محدّدةً اللّحظة التي فيها أسلم فادي العالم روحه.

يبدو المنظر المخيف كما كان تماماً، فالشّيطان وملائكته ورعاياه لا يستطيعون الابتعاد عن الصّورة التي تصوِّر عملهم. فكلّ ممثِّل يذكر الدّور الذي مثَّله: هيرودس الذي قتل أطفال بيت لحم الأبرياء لكي يهلك ملك إسرائيل، وهيروديا السّافلة التي يستقرّ على نفسها الآثمة دم يوحنا المعمدان، وبيلاطس الضّعيف خادم الزّمان، والجنود السّاخرون، والكهنة والشّيوخ والشعب المجنون الذي صرخ قائلاً:"دمه علينا وعلى أولادنا" ... الجميع يرون هول جريمتهم. وعبثاً يحاولون الاختباء من جلال وجه يهوه الذي يكسف بهاء الشّمس، بينما المفتدون يطرحون أكاليلهم عند رجلي المخلّص صارخين وقائلين: "لقد مات عنّي!".

وبين جموع المفتدين يوجد رسل المسيّا، بولس الشّجاع وبطرس الغيور ويوحنّا المُحبّ والمحبوب وإخوتهم المخلصون، ومعهم الجمهور الكبير من الشّهداء، بينما يوجد في خارج الأسوار مع كلّ ما هو دنس ورجس أولئك الذين قد اضطهدوهم وسجنوهم وقتلوهم. فهناك يوجد نيرون ذلك الوحش الذي اشتهر بالقسوة والرّذيلة وهو يرى فرح الذين قد عذّبهم وتمجيدهم فيما كان يجد سروره الشّيطاني وهو يراهم يقاسون أرهب العذابات. وأمّه هناك لتشهد نتيجة عملها ولترى كيف أنّ طابع خلقها الشّرير قد انتقل إلى ابنها، والأهواء والشّهوات التي تجرّأ على السّير فيها وتنميتها بقوّة تأثيرها ومثالها قد آتت ثمارها في الجرائم التي جعلت العالم يرتعد من هولها.

وهناك يوجد كهنة وأساقفة بابويّون ممّن ادّعوا أنّهم سفراء المسيّا ومع ذلك فقد لجأوا إلى آلات التّعذيب والسّجون والحرق بالنّار ليتحكّموا في ضمائر شعبه. وهناك الباباوات المتكبّرون الذين رفعوا أنفسهم فوق يهوه وتجرّأوا على تغيير شريعة العليّ. فآباء الكنيسة الأدعياء أولئك عليهم حساب عسير يقدّمونه إلى يهوه، وهم يشتاقون إلى أن يُعفوا من ذلك، ويرون في وقت متأخّر جدّاً أنّ يهوه العليم بكلّ شيء يغار على شريعته وأنّه لا يبرّر المذنب. وهم يعلمون الآن أنّ المسيّا يقرن مصلحته بمصالح شعبه المتألّمين ويحسّون بقوّة كلامه القائل: "بما أنّكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم" (متى 25: 40).

إنّ العالم الشّرير كلّه يقف متّهماً أمام محكمة يهوه بتهمة الخيانة العظمى ضدّ حكم السماء. ولا يجدون من يترافع عنهم في قضيّتهم، فهم بلا عذر وقد صدر ضدّهم الحكم بالموت الأبدي.

لقد اتّضح للجميع الآن أنّ أجرة الخطيئة ليست الاستقلال النّبيل والحياة الأبديّة بل العبودية والدّمار والموت. والأشرار يرون ما قد أضاعوه بحياة العصيان التي عاشوها. إنّ ثقل المجد الأبدي الاستثنائي  قد احتُقر عندما قُدم إليهم، ولكن كم يبدو مرغوباً فيه الآن. تقول النّفس الهالكة صارخةً: "كان يمكنني  امتلاك كلّ هذا ولكنّي أبعدت كلّ هذه الأشياء عنّي. آه يا له من جنون غريب! لقد استعضت عن السّلام والسّعادة والكرامة بالشّقاء والعار واليأس". والجميع يرون أنّ طردهم من السّماء عادل. ففي حياتهم أعلنوا  قائلين: "لا نريد أنّ يهوشوه هذا يملك علينا" .

لقد نظر الأشرار إلى تتويج ابن يهوه وكأنّهم ذاهلون. إنّهم يرون بين يديه لوحي الشّريعة الإلهيّة، الوصايا التي قد احتقروها أو عصوها. ويشهدون الدّهشة المشبوبة والفرح الغامر والتّمجيد الذي يقدّمه المُخلّصون. وإذ تكتسح موجة النّغمات المطربة الجموع الذين خارج المدينة فالجميع يصرخون قائلين بصوت واحد: "عظيمة وعجيبة هي أعمالك أيّها السّيّد الاله القادر على كلّ شيء. عادلة وحقّ هي طرقك يا ملك القدّيسين"(رؤيا 15: 3)، وإذ يسقطون على وجوههم يقدّمون السّجود لرئيس الحياة.

هزيمة الشيطان في النّهاية

ثمّ أنّ الشيطان يبدو وكأنّه قد شُلَّت قواه عندما يرى مجد المسيّا وجلاله. فذاك الذي كان قبلاَ كروباَ مظلّلاَ يذكر من أين سقط. إنّ الذي كان أحد السّرافيم المتألّقين بالنّور و"ابن الصّبح"كم تبدَّل وانحطّ! لقد طُرد إلى الأبد من المجلس الذي كان قبلاً مكرَّماً فيه والآن يرى آخر غيره واقفاً بالقرب من الأبدي ساتراً مجده. لقد رأى الإكليل يُوضع على رأس المسيّا بيد ملاك طويل القامة جليل المنظر، ويعرف أنّ المركز السّامي الذي يشغله هذا الملاك كان يمكن أن يشغله هو.

ثمّ تستعيد الذاكرة وطن برارته وطهارته والسّلام والقناعة اللذين كانا من صفاته إلى أن انغمس في التّبرّم والتّذمّر ضدّ يهوه والحسد للمسيّا. فاتّهاماته وتمرّده ومخاتلاته في الحصول على السيادة وعطف الملائكة وتعضيدهم، وإصراره العنيد في عدم محاولة الرّجوع عندما كان يمكن ليهوه أن يمنحه الغفران، كلّ هذه ظهرت أمامه بكلّ جلاء. ثمّ يستعرض أعماله بين النّاس ونتائجها: عداوة الإنسان لأخيه الإنسان، وهلاك الحياة الرّهيب وقيام الممالك وسقوطها وقلب العروش، وتوالي حوادث الشّغب الطويلة والحروب والثّورات. ثم يستعرض محاولاته المستمرّة في مقاومة عمل المسيّا وانحداره إلى أسفل وأسفل. وهو يرى أنّ مؤامراته الجهنميّة كانت عاجزة عن إهلاك الذين وضعوا ثقتهم في يهوشوه.وإذ ينظر الشيطان إلى مملكته، ثمرة جهوده، لا يرى غير الفشل والخراب. لقد جعل جماهير من النّاس يعتقدون أنّ مدينة يهوه  ستكون غنيمة باردة ولكنّه يعلم أنّ هذا كذب. ومراراً وتكراراً في سير الصراع الهائل انهزم وأُرغم على التّسليم. وهو يعرف تمام المعرفة قوّة الإله السّرمدي وجلاله.

افتضاح المُضلّ الأكبر

لقد كان غرض المتمرّد الأعظم دائماً تبرير نفسه وإقامة البرهان على أنّ سياسة يهوه هي المسؤولة عن  العصيان. ولأجل هذه الغاية سخّر كلّ قوى عقله الجبّار. لقد عمل بتروٍّ ونظام وبنجاح مدهش إذ جعل جماهير كثيرة من النّاس يقبلون تفسيره للصّراع الهائل الذي ظلّ محتدماً هذا الأمد الطّويل. فعلى امتداد  آلاف السّنين ظلّ رئيس التّآمر هذا يُلبس الباطل ثوب الحقّ. ولكن ها قد أتى الوقت الذي فيه يُهزم العصيان نهائيّاً ويُكشف السّتار عن تاريخ الشّيطان وصفاته. إنّ المخادع الأعظم في محاولته الأخيرة أن  يخلع المسيّا عن عرشه ويهلك شعبه ويستولي على مدينة يهوه انكشف القناع عن وجهه تماماً. والذين اتّحدوا معه يرون فشل قضيّته أخيراً فشلاً تامّاً. وأتباع المسيّا والملائكة الأمناء يرون مدى مكايد  الشّيطان ضدّ حكم يهوه. وقد صار الشّيطان موضوع كراهية الجميع واشمئزازهم.

يرى الشّيطان أنّ تمرّده الذي أقدم عليه بمحض اختياره لا يؤهّله للسّماء. لقد درّب قواه على محاربة يهوه. وطهارة السماء وسلامها وانسجامها ستكون سبب عذاب هائل له. لقد أُسكتت الآن اتّهاماته ضدّ  رحمة يهوه وعدله. والعار الذي حاول أن يلصقه بالسّيّد يستقر كلّه عليه. والآن فها الشيطان ينحني معترفاً بعدالة الحكم الذي صدر ضدّه.

"من لا يخافك يا يهوه ويمجّد اسمك؟ لأنّك وحدك قدّوس. لأنّ جميع الأمم سيأتون ويسجدون أمامك لأنّ  أحكامك قد أُظهرت" (رؤيا 15: 4). والآن قد اتّضح كلّ شكّ أو تساؤل في ما يختص بالحقّ والضّلال  في الصّراع الهائل الطويل الأمد. ونتائج العصيان وثمار طرح شريعة يهوه جانباً اتّضحت أمام أنظار  كلّ الخلائق العاقلة. وعُرضت نتائج حكم الشّيطان، على نقيض حكم يهوه، أمام المسكونة كلّها. فأعمال  الشّيطان قد دانته. بينما حكمة يهوه وعدله وصلاحه قد تزكّت تماماً. وقد رؤي أنّ كلّ معاملاته في  الصّراع الهائل قد دُبِّرت بحيث تؤول إلى خير شعبه الأبدي وخير كلّ العوالم التي خلقها. "يحمدك يا  يهوه كلّ أعمالك ويباركك أتقياؤك" (مزمور 145: 10). إنّ تاريخ الخطيئة سيظلّ إلى الأبد شاهداً على  أنّ سعادة كلّ خلائق يهوه مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بوجود شريعته. ومع كلّ الحقائق الخاصّة بالصّراع  الهائل الذي أمامنا فكلّ المسكونة, المُخلَّصون منهم والعصاة، يعلنون بفمٍّ واحد قائلين: "عادلةٌ وحقٌّ هي  طرقك يا ملك القدّيسين".  

وأمام المسكونة عُرضت بكلّ وضوح الذّبيحة العظيمة التي قدّمها الآب والابن لأجل إنسان. وقد أتت السّاعة التي يتبوّأ فيها المسيّا مركزه الشّرعي ويتمجّد فوق الرّياسات والسّلاطين وكلّ اسم يُسمَّى. إنّه من أجل السّرور الموضوع أمامه ـ لكي يأتي بأبناء كثيرين إلى المجد ـ احتمل الصليب مستهيناً بالخزي. ومع أنّ الحزن والآلام والعار كانت عظيمة جدّاً فإنّ السّرور والمجد أعظم. إنّه ينظر إلى المفتدين وقد تجدّدوا فصاروا في شبه صورته، وكلّ قلب يحمل الطّابع الإلهي الكامل، وكلّ وجه يعكس صورة مليكه. إنّه يرى فيهم نتيجة تعب نفسه فتطيب نفسُه. وبصوت يصل إلى أسماع الجماهير المجتمعة من الأبرار والأشرار يعلن حينئذٍ قائلاً: "هوذا مقتنى دمي! فلأجل هؤلاء تألّمت ولأجلهم مُتّ لكي يسكنوا في حضرتي مدى دهور الأبد". وحينئذٍ ترتفع أنشودة الحمد من أفواه اللّابسين الثياب البيض حول العرش قائلةً: "مستحقٌّ هو الخروف المذبوح أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوّة والكرامة والمجد والبركة" (رؤيا 5: 12).

صراع أخير يائس

ولكن على الرّغم من كون الشّيطان قد أُجبر على الاعتراف بعدالة يهوه والانحناء أمام سيادة المسيّا فإنّ  صفاته تبقى كما هي من دون تغيير. فروح العصيان ترتدّ عليه كسيلٍ جارفٍ. وإذ يمتلئ بالجنون يصمّم  على عدم الاستسلام في الصّراع الهائل. لقد جاء الوقت الذي فيه يشتبك في صراعٍ أخيرٍ يائس ضدّ ملك  السّماء. فيندفع في وسط رعاياه محاولاً أن يلهمهم بما يعتمل في صدره من ثورة واهتياج ويثيرهم  للاشتباك في الحرب في الحال. ولكن من بين الملايين التي لا تُحصى الذين قد أغواهم على العصيان لا  يوجد الآن ولا واحد يعترف بسيادته. لقد انتهى سلطانه. والأشرار تملأهم ذات الكراهيّة التي تعتمل في  قلب الشّيطان تجاه يهوه. لكنّهم يرون أنّ قضيّتهم صارت ميئوساً منها وأنّهم لا يستطيعون الانتصار على  يهوه. فيثور غضبهم ضدّ الشّيطان وضدّ الذين كانوا أعوانه في الخداع، فبغضب إبليسي يرتدُّون عليهم.

يقول يهوه: "من أجل أنّك جعلت قلبك كقلب الآلهة لذلك هأنذا أجلب عليك غرباء عتاة الأمم فيجرّدون سيوفهم على بهجة حكمتك ويدنّسون جمالك. ينزلونك إلى الحفرة فتموت موت القتلى"، "أُبيدك أيّها الكروب المُظلّل من بين حجارة النّار ... سأطرحك إلى الأرض وأجعلك أمام الملوك لينظروا إليك...  وأصيّرك رماداً على الأرض أمام عيني كلّ من يراك ... وتكون أهوالاً ولا توجد بعد إلى الأبد" (حزقيال 28: 6 ـ 8, 16 ـ 19).

"لأنّ كلّ سلاح المُتسلِّح في الوغى وكلّ رداءٍ مدحرج في الدّماء يكون للحريق مأكلاً للنّار"، "لأنّ ليهوه  سخطاً على كلّ الأمم وحموّاً على كلّ جيشهم. قد حرّمهم دفعهم إلى الذّبح"، "يمطر على الأشرار فخاخاً  ناراً وكبريتاً وريح السّموم نصيب كأسهم" (إشعياء 9: 5؛ 34: 2؛ مزمور 11: 6). إنّ النّار تنزل من  عند يهوه من السّماء، والأرض تتكسّر والأسلحة المخفيّة في أعماقها تخرج. فتخرج من فجواتها نارٌ محرقة ونفس الصّخور تشتعل بالنّار. لقد جاء اليوم المُتّقد كالتّنور. والعناصر تذوب بحرارة متوقّدة وتحترق أيضاً الأرض وكلّ المصنوعات التي فيها (ملاخي 4: 1؛ 2 بطرس 3: 10). وسطح الأرض يبدو كأنّه كتلة واحدة ذائبة: بحيرة واسعة من النّار تغلي. إنّه وقت الدّينونة والهلاك للأشرار. "لأنّ  ليهوه  يوم انتقام سنة جزاء من أجل دعوى صهيون" (إشعياء 34: 8).

إنّ الأشرار ينالون جزاءهم في الأرض (أمثال 11: 31). "يكونون قشّاً ويحرقهم اليوم الآتي قال يهوه إله الجنود" (ملاخي 4: 1). فالبعض يهلكون كما في لحظة، بينما آخرون يتعذّبون أيّاماً طويلة. والجميع سيُعاقبون "حسب أعمالهم". وحيث أنّ خطايا الأبرار قد وُضعت على الشّيطان فهو سيتألّم لا لأجل عصيانه فحسب بل لأجل كلّ الخطايا التي جعل شعب يهوه يرتكبونها. وسيكون قصاصه أرهب بكثير من قصاص الذين قد أضلّهم. فبعد هلاك كلّ من قد غُرِّر بهم سيظلّ حيّاً وسيقاسي الأهوال. إنّ الأشرار يهلكون أصلاً وفرعاً في النّار المُطهِّرة؛ فالشّيطان هو الأصل وأتباعه هم الفروع. لقد وقع قصاص التّعدي على النّاموس كاملاً، وقد أُجيبت كلّ مطالب العدل، والسّماء والأرض إذ تنظران ذلك تعلنان عدالة يهوه.

إنّ عمل التّخريب والهلاك الذي قام به الشّيطان قد انتهى إلى الأبد. فخلال ستّة آلاف سنة تمّم الشّيطان إرادته إذ ملأ الأرض شقاءً، وسبَّب الأحزان لكلّ خلائق المسكونة. فكلّ الخليقة تئنّ وتتمخّض من فرط الألم. أمّا الآن فإنّ خلائق يهوه سيتخلّصون إلى الأبد من وجود الشّيطان وتجاربه. "استراحت اطمأنت  كلّ الأرض. هتفوا (الأبرار) ترنّماً"(إشعياء 14: 7). وسترتفع هتافات حمد وانتصار من كلّ المسكونة  الأمينة: "صوت جمعٍ كثير" (كصوت مياه كثيرة وكصوت رعود شديدة) يُسمع قائلاً: "هلّلويا فإنّه قد ملك يهوه الإله القادر على كلّ شيء" (رؤيا 19: 6).

وإذ تلتفّ الأرض في رداء من النّار المُهلكة يكون الأبرار ساكنين مطمئنين في المدينة المقدّسة. وأولئك الذين كان لهم نصيب في القيامة الأولى ليس للموت الثّاني سلطان عليهم. وفي حين أنّ يهوه هو نار آكلة للأشرار فهو لشعبه شمسٌ ومجنٌّ (رؤيا 20: 6؛ مزمور 84: 11).

"ورأيت سماءً جديدة وأرضاً جديدة لأنّ السّماء الأولى والأرض الأولى مضتا" (رؤيا 21: 1). إنّ النّار التي تحرق الأشرار تطهّر الأرض. وكلّ أثر من آثار اللّعنة يُمحى. ولن تكون هنالك نار جحيم أبديّة لتذكّر الأبرار المفديين بعواقب الخطيئة المخيفة.

مذكِّر واحد

ولكن يبقى مذكِّر واحد، ذلك أنّ فادينا سيظلّ حاملاّ في جسده سمات صلبه. ففي رأسه الجريح وجنبه ويديه ورجليه توجد الآثار الوحيدة للعمل القاسي الذي قد أحدثته الخطيئة. إنّ النّبي إذ يرى المسيّا في  مجده يقول: "وكان لمعانٌ كالنّور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته"(حبقوق  3: 4). فذلك الجنب المطعون الذي سال منه الدّم القاني الذي صالح الإنسان مع يهوه إنّما هو مجد المُخلِّص و"استتار قدرته". إنّه "العظيم للخلاص" عن طريق ذبيحة الفداء، ولذلك كان قادراً على تنفيذ عدالته في من قد ازدروا برحمة يهوه. وسمات اتّضاعه هي أسمى كرامة له، ومدى دهور الأبد ستكون جروح جلجثة مبعث الحمد له وإعلاناً لقدرته.

"وأنت يا برج القطيع أكمة بنت صهيون إليك يأتي ويجيء الحكم الأوّل" (ميخا 4: 8). لقد أتى الوقت الذي ظلّ القدّيسون يتطلّعون إليه بشوق منذ سدّ لهيب السّيف المتقلِّب طريق أبوينا الأوّلين إلى عدن، وقت "فداء المُقتنى" (أفسس 1: 14). فالأرض التي أُعطيت للإنسان أصلاً على اعتبار أنّها مملكته والتي أسلمها هو للشّيطان وظلّت مدى هذه الحقبة الطويلة تحت سيطرة هذا العدو الجبّار أُعيدت عبر تدبير الفداء العظيم. وقد استرجع كلّ ما قد أضاعته الخطيئة. "هكذا قال يهوه ... مصوِّر الأرض وصانعها. هو قرّرها. لم يخلقها باطلاً. للسّكن صوّرها" (إشعياء 45: 18) إنّ غرض يهوه الأصلي من خلق الأرض قد تحقّق إذ صارت موطن المفتدين الأبدي. "الصدّيقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد"  (مزمور 37: 29).

إنّ الخوف من جعل الميراث العتيد يبدو مادّياً أكثر من اللّازم جعل كثيرين يفسّرون الحقائق التي تقودنا إلى اعتباره وطننا تفسيراً روحيّاً يُفقدها معناها. لقد أكّد المسيّا لتلاميذه أنّه ماضٍ ليُعدّ لهم منازل في بيت الآب. فالذين يقبلون تعاليم كلمة يهوه لن يجهلوا جهلاً تامّاً ما يختصّ بالمسكن السّماوي. ومع ذلك فإنّه:  "ما لم ترَ عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعدّه يهوه للذين يحبونه" (1 كورنثوس 2: 9) إنّ لغة البشر قاصرةٌ عن وصف مكافأة الأبرار. ولن يعرفها إلاّ من يرونها. ولا يمكن لعقل محدود قاصر أن يدرك مجد فردوس يهوه.

موطن المخلّصين

يُدعى ميراث المخلّصين في الكتاب المقدّس "وطناً" (عبرانيين 11: 14 ـ  16). فهناك يقود الرّاعي السّماوي قطيعه إلى ينابيع مياه حيّة. وشجرة الحياة تعطي كلّ شهر ثمرها وأوراق الشّجرة لشفاء الأمم. ويوجد دائماً أنهار جارية صافية ونقيّة كالبلّور وعلى جوانبها أشجار تلقي ظلالها الوارفة على الطّرق المُعدّة لمفتدي السيّد. وهناك ترتفع السّهول الفسيحة فتصير تلالاً آية في الجمال وجبال يهوه تعلو بقممها الشّامخة. وفي تلك السّهول الهادئة التي بجوار الينابيع الحيّة يجد شعب يهوه، الذين ظلّوا أمداً طويلاً غرباء وتائهين، وطناً ومستَقَرّاً.

"ويسكن شعبي في مسكن السّلام وفي مساكن مطمئنّة". "لا يُسمع بعد ظلمٌ في أرضك ولا خراب أو سَحقٌ في تخومك بل تُسمّين أسوارك خلاصاً وأبوابك تسبيحاً"، "ويبنون بيوتاً ويسكنون فيها ويغرسون كروماً ويأكلون أثمارها. لا يبنون وآخر يسكن ولا يغرسون وآخر يأكل ... يستعمل مختاريَّ عمل أيديهم"  (إشعياء 32: 18؛ 60: 18؛ 65: 21, 22).

هناك "تفرح البريّة والأرض اليابسـة ويبتهج القفـر ويزهـر كالنّرجـس"، "عوضاً عن الشّوك ينبت سرو  وعوضاً عن القرّيس يطلع آس"، "فيسكن الذّئب مع الخروف ويربض النّمر مع الجدي ... وصبيٌّ صغير يسوقها"، "لا يسوؤون ولا يفسدون في كلّ جبل قدسي قال يهوه" (إشعياء 35: 1؛ 55: 13؛ 11: 6, 9)

ليس للألم وجود في جوّ السماء. ولن تكون هناك دموع ولا مواكب جنازات ولا شارات حداد. "والموت لا يكون في ما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ... لأنّ الأمور الأولى قد مضت"، "ولا يقول ساكن أنا مرضت. الشعب السّاكن فيها مغفور الإثم" (رؤيا 21: 4؛ إشعياء 33: 24).

وهناك أورشليم الجديدة قصبة الأرض الجديدة المجيدة: "إكليل جمال بيد يهوه وتاجاً ملكيّاً بكفّ إلهك". "لها مجد يهوه ولمعانها شبه أكرم حجر كحجر يشب بلّوري"، "وتمشي شعوب المخلّصين بنورها وملوك الأرض يجيئون بمجدهم وكرامتهم إليها". والسيّد يقول: "فأبتهج بأورشليم وأفرح بشعبي"،"هوذا مسكن يهوه مع النّاس وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعباً ويهوه نفسه يكون معهم إلهاً لهم"  (إشعياء 62: 3؛ رؤيا 21: 11, 24؛ إشعياء 65: 19؛ رؤيا 21: 3).

وفي مدينة يهوه "لا يكون ليلٌ هناك". ولن يكون أحد في حاجة إلى الهجوع أو الرّاحة أو يرغب فيهما. ولن يشعر أحد بالسّآمة من عمل إرادة يهوه وتقديم الحمد لاسمه. وسنشعر دائماً بنضارة الصّباح ولن نخشى من انتهائها. "ولا يحتاجون إلى سراج أو نور شمس لأنّ يهوه الإله ينير عليهم" (رؤيا 22: 5). ويفوق نورَ الشّمس ضياءٌ لا يبهر الأبصار أو يؤذيها ومع ذلك فهو يفوق نور منتصف النّهار بما لا يُقاس. ومجد يهوه والخروف يغمر المدينة المقدّسة بنور لا يخبو. والمفتدون يسيرون في مجد النّهار الأبدي الذي لا شمس فيه.

"ولم أرَ فيها هيكلاً لأنّ يهوه القادر على كلّ شيء هو والخروف هيكلها" (رؤيا 21: 22). ولشعب يهوه امتياز الشّركة المُباحة مع الآب والابن. "فإنّنا ننظر الآن في مرآة في لغز" (1 كورنثوس 13: 12). إنّنا نرى انعكاساً لصورة يهوه كما في مرآة في أعمال الطّبيعة وفي معاملاته مع النّاس، ولكنّنا سنراه حينئذٍ وجهاً لوجه من دون أن يكون هناك حجاب يحجب الرّؤية. إنّنا سنمثل في حضرته ونرى مجد وجهه.

انتصار محبة يهوه

وهناك سيُعرف المفتدون كما قد عُرفوا (1 كورنثوس 13: 12). وستجد المحبّة والعطف اللذين غرسهما يهوه نفسه في القلب أصدق تدريب وأعذبه، والشّركة الطّاهرة مع الخلائق المقدّسة والحياة الاجتماعية المتناسقة مع الملائكة المغبوطين ومع الرّجال الأمناء في كلّ العصور، الذين غسلوا ثيابهم وبيّضوها في دم الخروف، والرّوابط المقدّسة التي توحِّد بين "كلّ عشيرة في السّموات وعلى الأرض" (أفسس 3: 15)

هناك ستتأمّل العقول الخالدة، بسرور لا يكلّ، في عجائب القوّة الخالقة وفي أسرار المحبة الفادية. ولن يكون هناك عدوٌّ قاسٍ مخادع ليجرّب النّاس لنسيان يهوه. وستنمو وتتطوّر كلّ قوى النّفس وتزداد مهاراتها، وتحصيل المعرفة لن يُتعب العقل ولن يرهق القوى. وهناك يمكن تنفيذ أجلَّ المشاريع. وأسمى الرّغائب تتحقّق وأرفع المطامع تُنال، ومع ذلك تظهر ذرىً ليبلغها الإنسان، وعجائب جديدة ليُعجب بها، وحقائق جديدة عليه ليدركها، وأغراض جديدة تتطلّب بذل قوى العقل والنّفس والجسد.

وكلّ كنوز المسكونة ستكون مُباحة لدراسة مفتدي يهوه. ولكونهم غير مقيّدين بقيود الفناء فسيرتفعون إلى أعالي العوالم البعيدة، عوالم اختلجت قلوب أهلها بالحزن على شقاء بني الإنسان وترنّمت بأغاني الفرح عندما علمت بأنباء النّفوس المُفتداة. فبفرح لا ينطق به يدخل أبناء الأرض فرحَ الخلائق غير السّاقطين وحكمتهم. وهم يتقاسمون معهم كنوز المعرفة والعلم التي حصلوا عليها مدى أجيال بعد أجيال في التأمّل في صنع يهوه. وبعيون صافية ينظرون إلى مجد الخليقة: الشّموس والكواكب والأنظمة الكونيّة كلٌّ منها في مسارها المحيط بعرش يهوه. وعلى كلّ الأشياء من أصغرها إلى أعظمها مكتوب اسم الخالق، وفي كلّ شيء يظهر غنى قدرته.

وإذ تمرّ سنو الأبديّة فستأتي بإعلانات أغنى وأمجد عن يهوه والمسيّا. وكما تتجدّد المعرفة فكذلك ستتجدّد المحبّة والوقار والسّعادة وتزيد كذلك. وكلّما عرف النّاس أشياء أكثر عن يهوه زاد إعجابهم بصفاته. وإذ يكشف يهوشوه أمامهم غنى الفداء والأعمال العظيمة المُدهشة في الصّراع الهائل مع الشيطان فإنّ قلوب المفتدين تختلج بتعبّد حار عميق، وبفرح مذهل للعقل يضربون على قيثاراتهم الذّهبية فتّتحد ربوات ربوات وألوف ألوف من الأصوات في إنشاد أغنية الحمد العظيمة.

  "وكلّ خليقة ممّا في السّماء وعلى الأرض وتحت الأرض وما على البحر كلّ ما فيها سمعتها قائلة: للجالس على العرش وللخروف البركة والكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الآبدين" (رؤيا 5: 13).

لقد انتهى الصّراع العظيم. وما عاد للخطيئة أو للخطاة وجود. وقد صارت المسكونة كلّها طاهرة. وفي عاطفة واحدة من الوفاق والفرح يشترك كلّ الخلائق. ومن ذاك الذي قد خلق الجميع تفيض الحياة والنّور والبهجة في كلّ الأقاليم في الفضاء الذي لا حدود له. فمن أصغر ذرّة إلى أعظم كوكب، من حيٍّ إلى جماد، بجمالها وكمالها ـ كلّها تشهد شهادةً واحدة قائلةً: يهوه محبة

 
حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
2
1
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
04
27
نتمنى لكم يوم رأس شهر مبارك.
Calendar App