6. نجاة شعب يهوه
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

عندما تُسحب حماية القوانين البشرية من الذين يكرِّمون شريعة يهوه فستوجد في بلدان مختلفة وفي الوقت نفسه حركة ترمي إلى إهلاكهم. وإذ يقترب الوقت المعين في ذلك الأمر العالي فالناس سيتآمرون على استئصال تلك الطائفة المكروهة والقضاء عليها. وسيتقرر ضربهم ضربة حاسمة في ليلة واحدة تُسكت نهائياً صوت الانشقاق والتّوبيخ.

أمّا شعب يهوه الذين يكون بعض منهم في السجون والبعض الآخر مختبئين في مخابئ سريّة منعزلة في الغابات وبطون الجبال فسيواصلون التّوسّل في طلب الحماية الإلهيّة، بينما توجد في كلّ حي فِرَق من الرّجال المسلّحين مسوقين بقوّة أجناد الملائكة الأشرار، مستعدّون للقتل والاغتيال. فالآن في ساعة الحاجة القصوى سيتدخّل إله يعقوب لنجاة مختاريه. يقول السّيّد: "تكون لكم أغنية كليلة تقديس عيد وفرح قلب كالسّائر ... ليأتي إلى جبل يهوه إلى صخر إسرائيل. ويُسمع يهوه جلال صوته ويُرى نزول ذراعه بهيجان غضب ولهيب نار آكلة نوء وسيل وحجارة برد" (إشعياء 30: 29, 30).

فبهتافات الانتصار والاستهزاء واللّعنات توشك جموع من النّاس الأشرار أن ينقضّوا على فريستهم، وإذا بظلمة داجية أشدّ من ظلمة اللّيل تسقط على الأرض. وحينئذٍ يذرع السّموات قوس قزح يسطع بمجد من عرش يهوه ويبدو كأنّه يحيط بكلّ جماعة مصليّة. وحينئذ تتوقّف تلك الجموع الغاضبة فجأة. وصرخاتهم السّاخرة تتلاشى، ويُنسى أولئك الذين كانوا سبب هياجهم الإجرامي. وبتطيّرات مخيفة يشخصون إلى رمز عهد يهوه ويتوقون إلى الاحتماء بعيداً من نوره ولمعانه الباهر.

ثم يسمع شعب يهوه صوتاً رائقاً وصافياً وموسيقيّاً قائلاً لهم: "انظروا فوق" . فإذ يرنون بأنظارهم إلى السماء يرون قوس العهد. وإذا بالسّحب السود الغاضبة التي كانت تغطي جَلَد السماء تنقشع، ومثل استفانوس يثبِّتون أنظارهم إلى السّماء فيرون مجد يهوه وابن الإنسان جالساً على عرشه. وفي هيئته الإلهيّة يميّزون سمات اتّضاعه، ومن بين شفتيه يسمعون الطّلب الذي قدّمه أمام أبيه والملائكة القديسين القائل: "أريد أنّ هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا" (يوحنا 17: 24). ومرّة أخرى يُسمع صوت موسيقى منتصر يقول: "ها هم آتون ! ها هم آتون ! قدّيسون وأمناء وبلا عيب. لقد حفظوا كلمة صبري، فسيمشون بين الملائكة". وحينئذ ستهتف تلك الشفاه الشّاحبة المرتعشة، شفاه الذين قد ثبتوا على إيمانهم، هتاف الانتصار.

يكون اللّيل قد انتصف حينما يظهر يهوه قدرته لخلاص شعبه. والشمس تظهر مشرقة في قوتها. وستتبع ذلك آيات ومعجزات في تلاحق سريع. وسينظر الأشرار إلى ذلك المشهد برعب وذهول، في حين ينظر الأبرار بفرح مقدس إلى دلائل نجاتهم. وكلّ شيء في الطبيعة يبدو خارجاً على مألوف نظامه. فالأنهار تكفّ عن الجريان، ثم تظهر سحب ثقيلة سود ويصدم بعضها بعضاً. وفي وسط السّموات الغاضبة توجد رقعة واحدة صافية يظهر منها مجد يجلّ عن الوصف، ومنها يأتي صوت يهوه كصوت مياه كثيرة قائلاً: "قد تمّ" (رؤيا 16: 17).

السموات والأرض تهتزان

ذلك الصوت يهزّ السّموات والأرض. وتحدث زلزلة عظيمة "لم يحدث مثلها منذ صار الناس على الأرض زلزلة بمقدارها عظيمة هكذا" (رؤيا 16: 17,  18). ويبدو كأنّ الجلد يُفتح ويُغلق، وكأنّ المجد الخارج من عرش يهوه يسطع من خلاله. والجبال تهتز كالقصبة أمام الرّيح، والصّخور الوعرة تتبعثر في كلّ مكان. ويُسمع زئير كما لو كان زئير عاصفة مقبلة. والبحر يثور ويهتاج. وتُسمع صرخة إعصار كصوت شيطان ساعٍ للإهلاك. والأرض تلهث وتتمدّد كأمواج البحر وينشقّ سطحها وتبدو أساساتها نفسها كأنّها تنهار. وسلاسل الجبال تغوص. والجزائر المأهولة بالسّكّان وموانئ البحر الشّبيهة بسدوم في شرّها تبتلعها المياه الغاضبة. لقد ذُكرت بابل العظيمة أمام يهوه "ليعطيها كأس خمر سخط غضبه". وحجارة برد عظيمة كلّ واحد "نحو ثقل وزنه"  تقوم بعملية التخريب (رؤيا 16: 19, 21). وأعظم المدن المتنافرة تنهدم. وقصور الأمراء التي أغدق عظماء الأرض ثرواتهم عليها لكي يمجّدوا أنفسهم تتحطّم وتصير أنقاضا أمام عيونهم. وأبواب السجون تنفتح بعنف فيُطلق سراح شعب يهوه الذين حُبسوا فيها لأجل إيمانهم.

والقبور تنفتح: "وكثيرون من الرّاقدين في تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدي"(دانيال 12: 2). وكلّ الذين ماتوا على إيمان رسالة الملاك الثالث سيخرجون من قبورهم ممجّدين ليسمعوا عهد سلام يهوه مع الذين قد حفظوا شريعته. وكذلك "الذين طعنوه" (رؤيا 1:   7) والذين سخروا بالمسيّا وهزأوا بعذاباته وأقسى المقاومين لحقّه وشعبه يُقامون ليروه في مجده ويروا الكرامة التي يضعها على المخلَّصين والطّائعين.

ثمّ إنّ الغيوم الكثيفة كانت لا تزال تنتشر في السماء، ومع ذلك فالشّمس تشرق بين حين وآخر وتبدو كأنّها عين السّيّد الغاضب المنتقم. وتلمع في السماء بروق مخيفة تلفّ الأرض في رداء من النّار. وستُسمع أصوات غامضة ومخيفة أعلى من صوت هزيم الرّعد معلنة دينونة الأشرار. والأصوات التي تُقال لا يفهمها الجميع، لكنّ المعلمين الكذبة يفهمونها جيّداً. فالذين كانوا منذ قليل متهوّرين وفخورين ومتّحدِّين ومبتهجين بسبب قسوتهم على من قد حفظوا وصية يهوه يغمرهم الآن الرعب ويرتجفون من هول الخوف. وتُسمع أصوات عويلهم وولولتهم فوق أصوات عناصر الطبيعة. وستعترف الشياطين بألوهيّة المسيّا وترتعب أمام قدرته في حين أنّ النّاس يتوسّلون في طلب الرّحمة ويتذلّلون في رعبهم الدنيء.

يوم السّيّد

إنّ أنبياء القديم إذ رأوا في الرؤيا يوم يهوه قالوا: "ولولوا لأنّ يوم يهوه قريب قادم كخراب من القادر على كلّ شيء" (إشعياء 13: 6). "ادخل إلى الصّخرة واختبئ في التّراب من أمام هيبة يهوه ومن بهاء عظمته. توضع عينا تشامخ الإنسان وتخفض رفعة الناس ويسمو يهوه وحده في ذلك اليوم. فإنّ لإله  الجنود يوماً على كلّ متعظّم وعالٍ على كلّ مرتفع فيوضع". "في ذلك اليوم يطرح الإنسان أوثانه الفضية وأوثانه الذهبية التي عملوها له للسّجود للجرذان والخفافيش ليدخل في نقر الصخور وفي شقوق المعاقل من أمام هيبة يهوه ومن بهاء عظمته عند قيامه ليرعب الأرض" (إشعياء 2: 10 - 12, 20, 21 ).

ومن خلال فجوة بين السحاب يتألق نور نجم يزيد لألاءً نوره أربعة أضعاف بالمقارنة مع الظلمة، وهو  يخاطب الأمناء بكلام الرجاء والفرح.أمّا المتعدّون على شريعة يهوه فهو يوجّه إليهم كلام القسوة والغضب. والذين قد ضحّوا بكلّ شيء في سبيل المسيّا هم الآن في أمان إذ هم مستورون في ستر خيمة السّيّد. لقد اختُبروا فأثبتوا أمام العالم وأمام محتقري الحقّ ولاءهم لذاك الذي قد مات لأجلهم. إنّ تغييراً  عجيباً قد حدث للذين قد تمسّكوا باستقامتهم في مواجهة الموت نفسه. وقد نجوا فجأةً من الطّغيان القاتم المرعب الذي أوقعه بهم بشر استحالوا إلى شياطين. ووجهوههم التي كانت منذ عهد قريب شاحبة وجزعة ومنهوكة صارت الآن متأجّجة بالدّهشة والإيمان والمحبة. ثم ترتفع أصواتهم وهم يردّدون أنشودة الانتصار قائلين: "يهوه لنا ملجأ وقوة عوناً في الضّيقات وُجد شديداً. لذلك لا نخشى ولو تزحزت الأرض ولو انقلبت الجبال إلى قلب البحار. تعجّ وتجيش مياهها. تتزعزع الجبال بطموّها" (مزمور 46: 1- 3).

وعندما ترتفع إلى يهوه كلمات الثّقة المقدسة هذه تتراجع السحب وتُرى السّموات الصافية تلمع فيها النّجوم التي هي مجيدة جدّاً بالمقارنة مع الجلَد الدّاكن الغاضب على كلا الجانبين. ثم إنّ بهاء المدينة السّماوية يشعّ من الأبواب المفتوحة. حينئذ تُرى في السماء يد ممسكة بلوحين من حجر إحدهما منطبق على الآخر. وقد قال النّبي: "وتخبر السموات بعدله لأنّ يهوه هو الدّيّان" (مزمور 50: 6). فتلك الشّريعة المقدّسة، برّ يهوه الذي قد أُعلن من سيناء كمرشد للحياة من وسط الرّعد والنّار، تُعلن الآن للنّاس كقانون الدّينونة. تفتح تلك اليد اللّوحين فتُرى الوصايا العشر وكأنّها مكتوبة بقلم من نار. والكلام واضح بحيث يستطيع كلّ واحد أن يقرأه. فتستيقظ الذاكرة وتُكتسح ظلمة الخرافات والهرطقات من كلّ العقول وتُقدم أمام عيون الجميع كلمات يهوه العشر مختصرة وشاملة وجازمة فيراها كلّ سكّان الأرض.

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس يوم السبت الحالي (Saturday).  يجب أيضاً الأخذ في الاعتبار أنّ السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الغريغوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائماً في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر قمري، الأمر الذي لا يستطيع أن ينجزه أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.

ويستحيل علينا أن نصف الرّعب واليأس اللذين سيستوليان على الذين قد داسوا على مطالب يهوه المقدسة. لقد أعطاهم السّيّد شريعته وكان يمكنهم أن يقيسوا أخلاقهم عليها ويعرفوا نقائصهم عندما كانت لديهم فرصة للتّوبة والإصلاح. ولكنهم في سبيل الظفر برضى العالم ألقوا بتلك الوصايا جانباً وعلّموا الآخرين التّعدي عليها. لقد حاولوا إرغام شعب يهوه على تدنيس سبته. أمّا الآن فالشّريعة التي قد ازدروا بها تدينهم. وبدقة مخيفة يرون أنّهم بلا عذر. لقد اختاروا السّيد الذي أرادوا أن يخدموه ويعبدوه: "فتعودون وتميّزون بين الصّدّيق والشرير بين من يعبد يهوه ومن لا يعبده" (ملاخي 3: 18).

نتائج عدم الأمانة

ويتكوَّن لدى أعداء شريعة يهوه، من الخدّام إلى الأصاغر، رأي جديد عن الحقّ والواجب. وسيرون في وقت متأخّر جدّاً أنّ سبت الوصيّة الرّابعة هو ختم يهوه الحيّ. ويرون في وقت متأخّر جدّاً الصّفة الحقيقية لسبتهم الزّائف والأساس الرّملي الذي كانوا يبنون عليه. ويرون أنّهم إنّما كانوا يحاربون يهوه. لقد ساقهم معلّمو الدّين إلى الهلاك مع أنّهم كانوا يقرّون بأنّهم يرشدونهم إلى أبواب الفردوس. وإلى أن يجيء يوم الحساب الأخير لن يُعرف مقدار هول المسؤولية التي تقع على عاتق من يحتلّون وظيفة مقدّسة وهول النتائج المترتبة على عدم أمانتهم. إنّما في الأبديّة فقط يمكننا أن نقدّر تقديراً صائباً خسارة نفس واحدة. وستكون دينونة مخيفة على ذلك الإنسان الذي سيقول له يهوه : اذهب عنّي أيّها العبد الشرير.

يُسمع صوت يهوه من السّماء معلناً اليوم والسّاعة التي يأتي فيها يهوشوه ويسلّم شعبه العهد الأبدي. وكهزيم أعلى الرعود سيرنّ صدى كلامه في كلّ أنحاء الأرض. وشعب يهوه سيقفون مصغين وأنظارهم مثبّتة في السّماء، ووجوههم مستنيرة بمجده وهي تلمع كما كان وجه موسى يلمع عند نزوله من جبل سيناء. ولا يستطيع الأشرار أن ينظروا إليهم. وعندما ينطق بالبركة على من قد أكرموا يهوه بحفظ سبته مقدّساً يُسمع صوت هتاف انتصار عظيم.

وسرعان ما تظهر في الشّرق سحابة صغيرة سوداء بقدر نصف كفّ إنسان. وهي السّحابة التي تحيط بالمخلّص وتبدو من بُعد كأنّها مستترة في الظّلام. وشعب يهوه يعرفون أنّ هذه هي علامة ابن الإنسان. فينظرون إليها في صمت مقدس وهي تقترب من الأرض وتزيد نوراً ومجداً حتى تصير سحابة عظيمة بيضاء ويكون أسفلها مجيداً كنار آكلة ومن فوقها قوس قزح الوعد، وفوقها يهوشوه كفاتح عظيم، فليس هو الآن "رجل أوجاع" ليشرب كأس العار والألم المرير، إنّه يأتي كمنتصر في السماء وعلى الأرض ليدين الأحياء والأموات، "أميناً وصادقاً"، "بالعدل يحكم ويحارب"، "والأجناد الذين في السماء كانوا يتّبعونه" (رؤيا 19: 11, 14). فيحفّ به جمع كبير من الملائكة القدّيسين وهم ينشدون أناشيد الفرح السّماوي ويكتنفونه في الطّريق. ويبدو كأنّ جلَد السّماء قد غصّ بجموع لا تُحصى من الخلائق النّورانية  "ربوات ربوات وألوف ألوف" ولا يستطيع قلم إنسان أن يصوّر ذلك المشهد، ولا يمكن لعقل بشري أن يدرك بهاءه وروعته: "جلاله غطّى السّموات. والأرض امتلأت من تسبيحه. وكان لمعانٌ كالنّور" (حبقوق3: 3, 4). وإذ تقترب السّحابة الحيّة شيئاً فشيئاً فكلّ عين ترى رئيس الحياة. الآن لا إكليل شوك يشوّه ذلك الرّأس المقدّس بل إكليل مجد على جبينه القدسيّ. ووجهه يسطع بنور أشدّ لمعاناً من نور الشّمس وهي تضيء في قوّتها. "وله على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب ملك الملوك وسّيّد الأسياد" (رؤيا 19: 16).

وأمام حضرته "تحوّل كلّ وجه إلى صفرة"، وكلّ من رفضوا رحمة يهوه يسقط عليهم رعب يأس أبدي. "قلب ذائب وارتخاء ركب ... وأوجه جميعهم تجمع حمرة" (إرميا 30: 6؛ ناحوم 2: 10). وسيصرخ الأبرار قائلين برعب: "من يستطيع الوقوف؟" ويتوقف الملائكة عن التّسبيح ويرونُ صمت رهيب. ثم يُسمع صوت يهوشوه وهو يقول: "تكفيكم نعمتي". وحينئذ تلمع وجوه الأبرار بالنّور ويملأ الفرح كلّ قلب. وحينئذ يعزف الملائكة نغمة أعلى ويترنّمون ثانية وهم يقتربون من الأرض.

ظهور ملك الملوك

ينزل ملك الملوك على السحاب وحوله لهيب نار، حينئذ تلتف السموات كدرج وترتعد الأرض قدّامه، وكلّ الجبال والجزائر تتزحزح من مواضعها. "يأتي إلهنا ولا يصمت. نار قدّامه تأكل وحوله عاصفٌ جدّاً. يدعو  السّموات  من  فوق  والأرض  إلى  مداينة  شعبه" (مزمور 50 : 3, 4).

"وملوك الأرض والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء وكلّ عبد وكلّ حر أخفوا أنفسهم في المغاير وفي صخور الجبال. وهم يقولون للجبال والصخور اسقطي علينا واخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الخروف. لأنّه قد جاء يوم غضبه العظيم ومن يستطيع الوقوف" (رؤيا 6: 15- 17).

لقد انقطع المزاح السّاخر. وشفاه الكذب قد صمتت. وصليل الأسلحة وضجيج الحرب و"سلاح المتسلِّح في الوغى وكل رداء مدحرج في الدّماء" (إشعياء 9: 5). ولا يُسمع الآن صوت آخر غير صوت الصلاة وصوت البكاء والنوح. وستنفجر هذه الصّرخة من الشفاه التي كانت تسخر منذ قليل، "لأنّه قد جاء يوم غضبه العظيم. ومن يستطيع الوقوف"(رؤيا 6: 17). وسيطلب الأشرار أن يُدفَنوا تحت صخور الجبال مفضِّلين ذلك على مقابلة وجه ذاك الذي قد ازدروا به ورفضوه.

إنّهم يعرفون ذلك الصوت الذي يخترق آذان الموتى. فكم مرّة دعاهم ذلك الصّوت إلى التوبة بنغماته الرّقيقة. وكم مرّة سُمع في توسّلات مؤثّرة من فم الصّديق والأخ والفادي. فالذين رفضوا نعمته لن يسمعوا سوى ذلك الصوت المملوء دينونة المثقَل استنكاراً، ذلك الصوت الذي طالما توسّل إليهم من قبل قائلاً: "ارجعوا ارجعوا عن طرقكم الرّديئة فلماذا تموتون؟" (حزقيال 33: 11). آه، يا  ليته  كان  بالنسبة  لهم صوت شخص غريب! يقول يهوشوه: "لأنّي دعوت فأبيتم ومددت يديّ وليس من يبالي. بل رفضتم كلّ مشورتي ولم ترضوا توبيخي" (أمثال 1: 24, 25). ذلك الصوت يوقظ فيهم ذكريات يودّون من كل قلوبهم أن يلاشوها، فهي إنذارات رُذلت ودعوات رُفضت وامتيازات احتُقرت.

هناك الذين قد سخروا بالمسيّا في حالة اتّضاعه. فبقوّة مروّعة تعود إلى أذهانهم ذكريات أقوال المسيّا  المتألِّم عندما استحلفه رئيس الكهنة فأعلن قائلاً له بكلِّ وقار: "من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوّة وآتياً على سحاب السّماء" (متى 26: 64). والآن ها هم يرونه في مجده وسيرونه بعد ذلك جالساً عن يمين القوّة.

والذين سخروا بتصريحه بأنّه ابن يهوه يبكون الآن. فها هيرودس المتعجرف الذي استهزأ بلقب المخلّص الملوكي وأمر عساكره الهازئين بأن يتوّجوه ملكاً. وها الرّجال أنفسهم الذين بأيدي الإثم ألبسوه الرّداء الأرجواني ووضعوا إكليلاً من شوك على جبينه المقدّس، وفي يده المستسلمة وضعوا قصبة زائفة، وكانوا يجثون قدّامه في استهزاء تجديفي. فالرّجال الذين ضربوا رئيس الحياة ولطموه وبصقوا عليه يريدون الآن أن يحوّلوا وجوههم عن نظراته الفاحصة ويحاولون الهرب من مجد حضوره القاهر. والذين ثقبوا يديه ورجليه بالمسامير والجندي الذي طعن جنبه يشاهدون هذه السّمات برعب وحزن.

وها الكهنة والشيوخ يذكرون أحداث جلجثة بدقائقها المخيفة. وبرعب وارتجاف يذكرون كيف أنّهم وهم يهزّون رؤوسهم بتشامخ شيطاني صرخوا قائلين: "خلّص آخرين وأمّا نفسه فما يقدر أن يخلّصها. إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به. قد اتّكل على يهوه فلينقذه الآن إن أراده"(متى 27: 42, 43).

وبكلّ وضوح ذكروا مَثَل المخلص الذي أورده عن الكرّامين الذين رفضوا أن يقدّموا إلى سيّدهم من ثمر الكرم والذين أهانوا عبيده وقتلوا ابنه. ثم هم يذكرون أيضاً الحكم الذي قد نطقوا به بأفواههم. قالوا: "أولئك الأردياء يهلكهم (صاحب الكرم) هلاكاً رديّاً" . ففي خطيئة أولئك الرّجال الخونة وقصاصهم يرى الكهنة والشيوخ تصرّفهم وقصاصهم ودينونتهم العادلة نفسها. أمّا الآن فإنّ صرخة عذاب مميت تصدر من أفواههم أعلى من تلك التي نطقوا بها أمام بيلاطس حين قالوا: "اصلبه اصلبه" والتي ردّدت صداها شوارع أورشليم، فترتفع صرخات العويل المخيف قائلةً: "إنّه ابن يهوه! إنّه المسيّا الحقيقي!" ويحاولون الهروب من حضرة ملك الملوك. وفي كهوف الأرض العميقة التي قد انشقّت بفعل العناصر المتحاربة يحاولون الاختباء، ولكن عبثاً.

السّيّد  يدعو  قدّيسيه

في حياة كلّ من يرفضون الحقّ لحظات يستيقظ فيها الضمير، وتستعرض الذاكرة تلك الذكرى المعذِّبة للنّفس، ذكرى تلك الحياة التي لعب فيها النّفاق دوراً كبيراً. فتنزعج من النّدامة غير المجدية. ولكن ما هذه كلّها إذا قيست بحسرة ذلك اليوم "إذا جاء خوفكم كعاصفة" وعندما "أتت بليّتكم كالزّوبعة" (أمثال 1: 27). إنّ الذين كانوا يتمنّون لو يهلكون المسيّا وشعبه الأمناء يرون الآن المجد الذي يستقر عليهم. وفي غمرة رعبهم يسمعون أصوات القديسين وهم يترنّمون ويهتفون هتاف الفرح قائلين: "هوّذا هذا إلهنا. انتظرناه فخلّصنا" (إشعياء 25: 9).

وفيما الأرض تترنح، وفي وسط وميض البروق وهزيم الرّعود، يدعو ابن يهوه بصوته القديسين الرّاقدين ليخرجوا من قبورهم. إنّه ينظر إلى قبور الأبرار، وحينئذٍ إذ يرفع يديه نحو السّماء يصرخ قائلاً: "استيقظوا استيقظوا وقوموا يا سكّان التّراب!" وفي طول الأرض وعرضها سيسمع الأموات ذلك الصوت. والسامعون يحيون وستهتز الأرض كلّها من دوس أقدام ذلك الجيش العظيم جدّاً من كلّ أمّة وقبيلة ولسان وشعب. وسيخرجون من بيت سجن الموت متسربلين بمجد لا يرذل صارخين وقائلين : "أين شوكتك يا موت. أين غلبتك يا هاوية" (1 كورنثوس 15: 55). ثم يشترك الأبرار الأحياء مع القدّيسين المقامين في هتاف انتصار عالٍ وطويل وبهيج.

وسيخرج الجميع من قبورهم وستكون لأجسامهم القامة نفسها كما كانت عند دخولهم القبر. وآدم الذي يقف في وسط ذلك الجمع العظيم سيكون فارع الطول وهيئته هيئة الجلال، ولكنّه سيكون أدنى  قليلاً  في القامة من ابن يهوه. وسيكون الفرق كبيراً ملحوظاً بينه وبين من عاشوا في العصور الأخيرة.  وفي هذا الاعتبار الواحد سيتبرهن الانحطاط العظيم لجنسنا. لكنّ الجميع يقومون في حداثة شبابهم ونشاطهم  الأبديين. لقد خُلق الإنسان في البدء على صورة يهوه ليس فقط في الصفات بل في الهيئة ومعالم الوجه. لكن الخطيئة شوّهت وكادت تمحو صورة يهوه، غير أنّ المسيّا قد جاء ليعيد إلينا ما قد خسرناه. وهو سيغيّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده (فيلبي 3: 21). فالجسم الفاني الفاسد المجرّد من الجمال والذي قد أفسدته الخطيئة مرّةً يصير كاملاً وجميلاً وخالداً. وكلّ العيوب والتّشويهات ستُترك في القبر. وإذ تُعاد إلى المفتدين شجرة الحيـاة في عدن بعدما حُرموا منها وخسروها طويلاً فإنّهم "ينشأون" (ملاخي 4: 2) إلى ملء قامة جنسنا في حالته الأصليّة. وآخر ما يتبقّى من آثار لعنة الخطيئة سيُرفع، وسيبدوا أتباع المسيّا الأمناء في "بهاء السّيّد إلهنا" في الذّهن والنّفس والجسد، ويعكسون صورة سيّدهم الحقيقية. فيا له من فداء مجيد طال الحديث عنه وتمنّاه شعب يهوه طويلاً وتأمّلوا فيه بانتظارات متلهّفة، ولكن لم يُفهم فهماً كاملاً !

يتغيّرون  في  لحظة

والأحياء الأبرار يتغيّرون "في لحظة في طرفة عين" . لقد تمجّدوا لدى سماعهم صوت يهوه، أمّا الآن فقد صاروا خالدين، ومع القديسين المقامين يُخطفون لملاقاة السّيّد في الهواء. إنّ الملائكة "يجمعون مختاريه من الرّياح الأربع من أقصى السّموات إلى أقصائها"، والأولاد الصّغار سيحملهم الملائكة القدّيسون إلى أذرع أمّهاتهم. والأصدقاء الذين قد فرَّق الموت بينهم طويلاً يجتمعون معاً ولن يفترقوا  فيما  بعد، وبأناشيد الفرح يرتفعون معاً إلى مدينة يهوه .

وعلى كلّ جانب من جوانب مركبة السّحاب أجنحة وتحتها عجلات حيّة، وإذ تصعد المركبة إلى السّماء تصرخ العجلات قائلة: "قدّوس"، والأجنحة إذ تتحرّك تصرخ قائلةً "قدوس" . وحاشية الملائكة سيهتفون قائلين: "قدوس قدوس قدوس السّيّد الإله القدير" . والمفتدون يهتفون قائلين "هللويا" عندما تصعد المركبة إلى أورشليم الجديدة.

وقبل الدّخول إلى مدينة يهوه يمنح المخلّص أتباعه رموز الانتصار ويُلبسهم أوسمة حالتهم الملكيّة. وتلك الصفوف المتألّقة بالنّور يرتفعون في هيئة ميدان فسيح ويلتفّون حول مليكهم الذي يرتفع جسمه في جلالٍ سامٍ فوق القدّيسين والملائكة ووجهه يشرق عليهم يملؤه الحبّ الرؤوف. وبين جموع المفتدين التي لا  تُحصى  تتّجه كلّ الأنظار إليه وكلّ عين سترى مجده هو الذي "كان منظره كذا مفسداً أكثر من الرّجل وصورته أكثر من بني آدم" (إشعياء 52: 14). وعلى رؤوس المنتصرين سيضع يهوشوه أكاليل المجد بيده اليمنى. ولكلّ واحد إكليله مكتوباً عليه "اسمه الجديد" (رؤيا 2 : 17) وهذه الكتابة "قدس للآب". وستعطى لكلّ المفتدين سعف النّخل فيمسكونها بأيديهم كما يمسكون بالقيثارات اللّامعة. وحينئذٍ إذ يعزف الملائكة القوّاد النّغمة المطلوبة فكلّ يد تلامس أوتار القيثارة لمسات ماهرة مدرّبة، فتستيقظ النّغمات الموسيقية العذبة ويهتزّ كلّ قلب طرباً بفرح لا يُنطق به ويرتفع كلّ صوت مسبّحاً تسبيحة الشّكر قائلاً: "الذي أحبّنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة ليهوه أبيه له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين"(رؤيا 1: 5, 6).

وأمام جموع المفتدين تُرى المدينة المقدّسة. فيفتح يهوشوه الأبواب اللّؤلؤية على سعتها فتدخل كلّ الأمم التي قد حفظت الحق. وهناك يرون فردوس يهوه، البيت الذي كان يعيش فيه آدم وهو في حال البرارة. وحينئذٍ يُسمع ذلك الصوت الذي هو أقوى وأعمق من أيّ موسيقى سمعتها أذن إنسان، قائلاً: "لقد انتهت حربكم" ، "تعالوا يا مباركي أبي رِثوا الملكوت المُعدّ لكم منذ تأسيس العالم".

وحينئذٍ تُجاب طلبة المخلِّص لأجل تلاميذه حين صلّى قائلاً: "أريد أنّ هؤلاء الذين أعطيتني يكونون  معي حيث أكون أنا". "ويوقفكم أمام مجده بلا عيب في الابتهاج"(يهوذا 24). والمسيّا يقدّم إلى الآب مقتنى دمه معلناً وقائلاً: "ها أنا والأولاد الذين أعطيتنيهم". "الذين أعطيتني حفظتهم". آه ما أعجب معجزات المحبّة الفادية! وما أعظم الفرح، فرح تلك الساعة التي فيها عندما ينظر الآب السّرمدي إلى المفتدين يرى صورته، وعندما ينتهي تشويش الخطيئة ونزاعها يعود الإنسان مرّة أخرى إلى الاتّفاق  والانسجام مع يهوه !

وبمحبّة لا تُوصف يرحّب يهوشوه بعبيده الأمناء للدّخول إلى "فرح سيّدهم". ففرح المخلص ينحصر في كونه يرى في ملكوت المجد النفوس التي قد خلصت بقوّة آلامه واتّضاعه. وسيشاركه المفتدون في فرحه إذ يرون بين أولئك المغبوطين أولئك الذين قد رُبحوا للمسيّا عن طريق صلواتهم وجهودهم وتضحيات محبّتهم. وإذ يجتمعون حول العرش العظيم الأبيض تمتلئ قلوبهم بفرح لا يُنطق به عندما يرون الذين قد ربحوهم للمسيّا ويرون أنّ واحداً قد ربح آخرين وهؤلاء ربحوا آخرين والجميع وصلوا إلى ميناء الرّاحة وموطن السّلام حيث يطرحون تيجانهم عند رجلي يهوشوه ويسبّحونه مدى أجيال الأبديّة اللّانهائية.

آدم الأوّل وآدم الثّاني يلتقيان

وإذ يُرحَّب بالمفديين في مدينة يهوه تُسمع في الجوّ صرخة تمجيد فرِحة. إنّ آدم الأوّل وآدم الثّاني  مزمعان أن يتلاقيا. فابن يهوه واقفٌ باسطاً ذراعيه لاستقبال أبي البشر، المخلوق الذي قد جبله فأخطأ إلى صانعه وبسبب خطيئته يحمل المخلّص في جسمه آثار الصليب. فإذ يرى آدم آثار المسامير القاسية لا  يرتمي في حضن سيّده ولكنّه في اتّضاع وتذلّل وانكسار يرتمي عند قدميه صارخاً: "مستحقٌّ مستحقٌّ هو  الخروف المذبوح!". لكنّ المخلص يقيمه بكلّ رقّة ويأمره بأن ينظر مرّة أخرى إلى بيته في جنّة عدن  الذي كان قد نُفي منه كلّ تلك الحقبة الطويلة من الزّمن. 

إنّ آدم بعدما طُرد من عدن امتلأت حياته على الأرض بالآلام والمتاعب. فكلّ ورقة يابسة وكلّ ذبيحة وكلّ ضربة وقعت على وجه الطّبيعة الجميل وكلّ لطخة أصابت طهارة الإنسان كانت مذكِّراً جديداً له بخطيئته. وقد كانت مرارة حزنه شديدة ورهيبة وهو يرى الإثم يستشري ويتفاقم، وجواباً على إنذاراته جعل الناس يعيّرونه بأنّه هو سبب الخطيئة. فبوداعة وصبر احتمل قصاص تعدّيه قرابة ألف سنة. فتاب عن خطيئته بكلّ أمانة واتّكال على استحقاقات المخلّص الموعود به، ثم مات على رجاء القيامة. لقد افتدى ابن يهوه الإنسان من الفشل والسقوط، والآن فمن خلال الكفارة أُعيد إلى آدم سلطانه الأوّل.

وإذ كان محمولاً على أجنحة الفرح رأى الأشجار التي كان قبلاً يُسرّ بها، الأشجار نفسها التي كان يجمع أثمارها بنفسه في أيّام برارته وفرحه. إنّه يرى أشجار الكرم التي غرسها والأزهار نفسها التي كان يُسرّ بالعناية بها. ويستوعب عقله المنظر على حقيقته ويدرك أنّ هذه حقّاً هي عدن وقد أُعيدت إليه، وهي الآن أجمل ممّا كانت عندما طُرد منها. وها المخلص يأخذه إلى حيث توجد شجرة الحياة ويقطف من ثمارها المجيدة ويأمره بالأكل منها. فينظر آدم حواليه فيرى كثيرين من عائلته وقد افتدوا وهم واقفون في فردوس يهوه. ثم يطرح إكليله المتألِّق عند قدمي يهوشوه ويقع على صدر الفادي ويعانقه ثم يلمس أوتار قيثارته الذهبية فتدوي أرجاء السّماء بأصوات أغنية الانتصار القائلة: "مستحقٌّ مستحقٌّ هو الخروف قد ذُبح وعاش!"، فيشترك أفراد أسرة آدم في الأغنية ويطرحون أكاليلهم عند قدمي المخلص وهم ينحنون أمامه ساجدين متعبّدين ممجِّدين.

هذا الاتّحاد من جديد يراه الملائكة الذين بكوا عندما سقط آدم وفرحوا عندما صعد يهوشوه إلى السّماء بعد قيامته، إذ فتح باب القبر لكلّ من يؤمنون باسمه. والآن ها هم يرون عمل الفداء وقد أُكمل فيشتركون في أنشودة الحمد بأصواتهم العذبة.

المئة والأربعة والأربعون ألفاً

وعلى البحر البلّوري أمام العرش، ذلك البحر من زجاج كأنّه مختلط بنار والمتألّق بمجد يهوه، يجتمع جمهور"الغالبين على الوحش وصورته وعلى سمته وعدد اسمه". ومع الخروف فوق جبل صهيون "معهم قيثارات يهوه" يقف المئة والأربعة والأربعون ألفاً الذين قد افتدوا من بين النّاس ويُسمع صوت كصوت مياه كثيرة وكصوت رعد عظيم."كصوت ضاربين بالقيثارة يضربون بقيثاراتهم"، وهم يترنّمون "ترنيمة جديدة" أمام العرش، ترنيمة لا يستطيع أحد أن يتعلّمها إلاّ المئة والأربعة والأربعون ألفاً. وهي ترنيمة موسى والخروف، ترنيمة النّجاة. وليس غير المئة والأربعة والأربعون ألفاً يستطيع أن يتعلّم تلك التّرنيمة لأنّها ترنيمة اختبارهم، وهو اختبار لم يكن لجماعة أخرى سواهم، "هؤلاء هم الذين يتبعون  الخروف حيثما ذهب". هؤلاء إذ قد نُقلوا من الأرض من بين الأحياء فإنّهم يُحسبون "باكورة ليهوه وللخروف" (رؤيا 15: 2, 3؛ 14: 1 - 5). "هؤلاء هم الذين أتوا من الضّيقة العظيمة". لقد مرّوا في وقت ضيق لم يكن مثله منذ كانت أمّة. واحتملوا آلام وقت ضيق يعقوب. وثبتوا من دون شفيع في أثناء  انصباب  ضربات يهوه الأخيرة. لكنّهم نجوا لأنّهم "غسلوا ثيابهم وبيّضوا ثيابهم في دم الخروف". "وفي أفواههم لم يوجد غشّ لأنّهم بلا عيب قدّام عرش يهوه" (رؤيا 14: 5). "من أجل ذلك هم أمام عرش يهوه ويخدمونه نهاراً وليلاً في هيكله والجالس على العرش يحلّ فوقهم". لقد رأوا الأرض وقد ضُربت بالجوع والوبأ، والشّمس وهي تحرق النّاس بحرارتها العظيمة، وهم أنفسهم قد احتملوا الألم والجوع والعطش. لكنّهم "لن يجوعوا بعد ولن يعطشوا بعد ولا تقع عليهم الشمس ولا شيء من الحرّ لأنّ الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم ويقتادهم إلى ينابيع ماء حيّة ويمسح يهوه كلّ دمعة من عيونهم" (رؤيا 7: 14- 17).

في كلّ العصور تعلَّم مختارو المخلّص وتدرّبوا في مدرسة التّجربة. لقد ساروا في طرق ضيقة على  الأرض وتنقّوا في أتون الألم والتّجربة. فلأجل يهوشوه احتملوا المقاومات والكراهيّة والوشايات. وقد اتّبعوه في الحروب الحامية. احتملوا إنكار الذّات والخيبة المريرة. وباختبارهم المؤلم تعلّموا شرّ الخطيئة وسلطانها وجرمها وشقاءها. وهم ينظرون إليها بنفور واشمئزاز. إنّ إحساسهم بالتّضحية العظيمة المقدّمة كعلاج للخطيئة يجعلهم يتّضعون في أعين أنفسهم وتمتلئ قلوبهم بالشّكر والتّسبيح وهو ما لا يقدّره أولئك الذين لم يسقطوا أبداً. إنّهم يحبّون كثيراً لأنّه قد غُفر لهم كثير. وإذ صاروا شركاء المسيّا في آلامه فقد صاروا أهلاً لمشاركته في مجده.

أتى ورثة يهوه من المساكن الحقيرة والمخابئ والسّجون ومن آلات الإعدام ومن الجبال والبراري ومن  شقوق الأرض وكهوف البحار. عندما كانوا على الأرض كانوا "معتازين مكروبين مُذلّين". وقد نزل ملايين منهم إلى الهاوية مجلّلين بالعار لأنّهم بكلّ ثبات رفضوا الخضوع لمطالب الشّيطان الخادعة. حكمت عليهم المحاكم البشريّة بأنّهم أحطّ المجرمين، أمّا الآن فإنّ  "يهوه هو الدّيّان" (مزمور 50: 6). والآن قد عُكست أحكام الأرض، "ينزع عار شعبه" (إشعياء 25: 8). "ويسمّونهم شعباً مقدّساً مفديي يهوه". لقد قرّر أن "يعطيهم جمالاً عوضاً عن الرّماد ودهن فرح عوضاً عن النّوح ورداء تسبيح عوضاً عن الرّوح اليائسة" (إشعياء 62: 12, 61: 3). لم يعودوا واهنين أو معذّبين أو مشتّتين أو مضطهدين. ومن الآن سيكونون مع السّيّد إلى الأبد. إنّهم يقفون أمام العرش متسربلين بحلل أغلى من  كلّ ما لبسه أكرم أهل الأرض. وعلى رؤوسهم أكاليل أمجد من كلّ ما كُلل به الملوك الأرضيّون. لقد انتهت إلى الأبد  أيّام الألم والبكاء. وملك المجد قد مسح الدّموع عن كلّ الوجوه، وقد أُزيلت كلّ مسبّبات الحزن. وفيما هم  يلوحون بسعوف النّخل يترنّمون بترنيمة الحمد وهي صافية عذبة منسجمة متناسقة، وكلّ صوت يلتقط  اللّحن إلى أن ترتفع التّسبيحة وتعلو في جوّ السماء إذ يقولون: "الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف". فيجيب كلّ سكّان السّماء قائلين: "آمين. البركة والمجد والحكمة والشكر والكرامة والقدرة والقوّة لإلهنا إلى أبد الآبدين" (رؤيا 7: 10, 12).

إنّنا في هذه الحياة نستطيع فقط أن نبدأ في إدراك موضوع الفداء العجيب. ويمكننا بأفهامنا القاصرة أن  نتأمّل بكلّ جدّ في العار والمجد والحياة والموت والعدل والرحمة التي تلتقي في الصليب، ولكن مع كل إجهادنا لقوى عقولنا لا نستطيع إدراك معناه إدراكاً كاملاً. فطول المحبة الفادية وعرضها وعمقها وعلوّها لا يمكننا إدراكها إلاّ إدراكاً غامضاً. وتدبير الفداء لن يُفهم فهماً كاملاً حتى عندما يُرى المفتدون كما يُرون ويعرفون كما يُعرفون، ولكن مدى دهور الأبد سينكشف أمام الذّهن المندهش المبتهج نور  جديد على الدّوام. ومع أنّ أحزان الأرض وآلامها وتجاربها قد انتهت وأُزيلت أسبابها فإنّ شعب يهوه سيكون عندهم إدراك واضح واعٍ للكلفة التي دُفعت ثمناً لخلاصهم.

سيكون صليب المسيّا نبع العلم وأغنية الحمد للمفتدين مدى الأبديّة. ففي شخص المسيّا المُمَجّد سيرون أيضاً المسيّا المصلوب. ولن يُنسى أبداً أنّ ذاك الذي بقدرته خلق العوالم التي لا تُحصى ويدعمها في أقاليم الفضاء الواسعة، وحبيب يهوه وجلال السماء، الذي يسر الكروبيم والسّاروفيم المتألّقون بالضياء بأن يسجدوا له، اتّضع وأخلى نفسه ليرفع الإنسان الخاطئ الساقط، وحمل جرم الخطيئة وعارها، واحتجاب وجه أبيه عنه إلى أن كسرت قلبه ويلات العالم الهالك وسحقت حياته على صليب جلجثة. فكون خالق كل العوالم والحكَم في مصائر الجميع يطرح عنه مجده ويضع نفسه مدفوعاً إلى ذلك بدافع المحبّة للإنسان، هذا سيكون مبعث اندهاش المسكونة وتمجيدها إيّاه أبد الدّهر. وإذ ينظر شعوب المخلصين إلى فاديهم ويرون مجد الآب السّرمدي يشرق من وجهه، وإذ يرون عرشه الذي هو من الأزل وإلى الأبد ويعرفون أنّه لن يكون لملكه انقضاء سيهتفون ويغنّون أغنية الفرح المذهل للعقل قائلين: "مستحقٌّ مستحقٌّ هو الخروف الذي ذُبح واشترانا ليهوه بدمه الكريم الثمين!"

يفسّر سرّ الصّليب جميع الأسرار الأخرى. وفي النّور المنبعث من جلجثة تبدو صفات يهوه، التي كانت قبلاً تملأ قلوبنا خوفاً ورهبة، جميلة وجذّابة. فالرّحمة واللّطف والمحبّة الأبويّة تُرى ممتزجة بالقداسة والعدل والقدرة. وفيما نرى جلال عرشه مرتفعاً وعالياً فإنّنا نتبيّن صفاته في إعلاناته الرّحيمة وندرك، كما لم ندرك من قبل، معنى هذا اللّقب الباقي إلى الأبد "أبانا" .

وسيُرى أنّ ذاك الذي هو غير محدود في الحكمة لم يستطع أن يبتكر خطّة لأجل خلاصنا إلاّ ذبيحة ابنه. وأنّ التّعويض عن هذه الذّبيحة هو فرح تعمير الأرض بخلائق مفتداة مقدّسة سعيدة وخالدة. وأنّ نتائج حرب المخلّص ضد قوات الظلمة هي للمفتدين الفرح الذي يؤول إلى تمجيد يهوه مدى الأجيال الأبديّة. وقيمة النّفس عظيمة هكذا حتّى أنّ الآب يرضى بالثّمن الذي دُفع، والمسيّا نفسه إذ يرى ثمار ذبيحته العظيمة سيكتفي ويشبع. 
حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
11
22
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
01
20
افرحوا بالخالق في يوم قدسه. سبت مبارك.
Calendar App