3. يوسف وإخوته
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

حالما بدأت سنو الشبع بدأ معها التأهب للمجاعة القادمة ، وبموجب تعليمات يوسف بنيت مخازن واسعة جدا في كل الأماكن الرئيسية في كل أرض مصر ، وعملت الترتيبات الكافية لحفظ الفائض من المحصول المنتظر . وقد اتبعت هذه الترتيبات نفسها مدة سبع سني الشبع ، إلى أن غدت كميات القمح المخزونة فوق كل حصر .

والآن بدأت سبع سني الجوع كما تنبأ يوسف . (( فَكَانَ جُوعٌ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ . وَأَمَّا جَمِيعُ أَرْضِ مِصْرَ فَكَانَ فِيهَا خُبْزٌ . وَلَمَّا جَاعَتْ جَمِيعُ أَرْضِ مِصْرَ وَصَرَخَ الشَّعْبُ إِلَى فِرْعَوْنَ لأَجْلِ الْخُبْزِ ، قَالَ فِرْعَوْنُ لِكُلِّ الْمِصْرِيِّينَ : «اذْهَبُوا إِلَى يُوسُفَ ، وَالَّذِي يَقُولُ لَكُمُ افْعَلُوا» . وَكَانَ الْجُوعُ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ ، وَفَتَحَ يُوسُفُ جَمِيعَ مَا فِيهِ طَعَامٌ وَبَاعَ لِلْمِصْرِيِّينَ )) (تكوين 41: 54-56 والإصحاحات 42-50) .

وامتدت المجاعة حتى شملت أرض كنعان ، وأحس الناس بشدة وطأتها ، خصوصا في المكان الذي كان يعقوب ساكنا فيه . فإذ سمعوا عن وجود مؤونة كثيرة اختزنها ملك مصر سافر عشرة من أولاد يعقوب إلى هناك ليشتروا قمحا ، فلما وصلوا إلى هناك أُخِذوا إلى نائب الملك ، حيث مثلوا أمام سيد الأرض مع آخرين من طالبي القمح ، (( وَسَجَدُوا لَهُ بِوُجُوهِهِمْ إِلَى الأَرْضِ ... وَعَرَفَ يُوسُفُ إِخْوَتَهُ ، وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ )) إذ أبدل اسمه العبراني بالاسم الجديد الذي أطلقه عليه الملك ، ولم يكن هنالك غير قليل من الشبه بين رئيس وزراء مصر وذلك الفتى الذي كانوا قد باعوه للإسماعيليين . وحين رأى يوسف إخوته ينحنون ويسجدون أمامه ذكر أحلامه وظهرت أمامه صور الماضي واضحة وجلية . تفحصتهم عينه الحادة البصر فاكتشف أن بنيامين ليس بينهم ، فهل سقط هو الآخر فريسة لغدر أولئك القوم المتوحش وقسوتهم فإذ عزم على معرفة الحقيقة قال لهم بحزم : (( جَوَاسِيسُ أَنْتُمْ ! لِتَرَوْا عَوْرَةَ الأَرْضِ جِئْتُمْ )) .

فقالوا له : (( لاَ يَا سَيِّدِي ، بَلْ عَبِيدُكَ جَاءُوا لِيَشْتَرُوا طَعَامًا . نَحْنُ جَمِيعُنَا بَنُو رَجُل وَاحِدٍ . نَحْنُ أُمَنَاءُ ، لَيْسَ عَبِيدُكَ جَوَاسِيسَ )) ثم أراد أن يعلم هل كانت روحهم هي نفس الروح المتغطرسة التي عهدها فيهم حين كان معهم ، كما أراد أن يعرف منهم بعض المعلومات الخاصة ببيتهم ، ومع ذلك فربما كانت روايتهم مضللة . فلما كرر التهمة أجابوه قائلين : (( عَبِيدُكَ اثْنَا عَشَرَ أَخًا . نَحْنُ بَنُو رَجُل وَاحِدٍ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ . وَهُوَذَا الصَّغِيرُ عِنْدَ أَبِينَا الْيَوْمَ ، وَالْوَاحِدُ مَفْقُودٌ )) .

فإذ أخبرهم الحاكم أنه يشك في صدق روايتهم ، وأنه لا يزال يعتبرهم جواسيس أعلن أنه يريد أن يمتحن صدق كلامهم بأن يأمرهم بالبقاء في مصر إلى أن يذهب واحد منهم وينزل إليه بأخيهم الصغير ، فإذا لم يرضوا بذلك فلا بد من معاملتهم كجواسيس . ولكن أولاد يعقوب لم يوافقوا على هذا التدبير ، لأن الوقت اللازم لتنفيذه قد يجعل عائلاتهم تقاسي احتياجا إلى الطعام ومن منهم هو الذي يشرع في ذلك السفر وحده ، تاركا إخوته في السجن ؟ كيف يستطيع أن يقابل أباه في مثل تلك الظروف وقد تراءى لهم أنهم قد يقتلون أو يصيرون عبيدا ، ولو أتى بنيامين فقد يشاركهم في مصيرهم التعس ، ولذلك عزموا على أن يبقوا معا ويتألموا معا ، فذلك أفضل عن أن يجلبوا على أبيهم أحزانا جديدة بخسارته ابنه الوحيد الباقي . ولهذا ألقى بهم في السجن ، حيث ظلوا ثلاثة أيام .

في خلال السنين التي مرت منذ افترق يوسف عن إخوته حصل تغيير في أخلاقهم . كانوا قبلا حسودين وثائرين ومخادعين وقساة ومحبين للانتقام ، أما الآن بعدما محصتهم التجارب والضيقات والمشقات فقد تبرهن أنهم منكرون لذواتهم وأمناء بعضهم لبعض ومكرسون لأبيهم . ومع أنهم كانوا رجالا في منتصف العمر فقد كانوا خاضعين لسلطان أبيهم .

كانت الثلاثة الأيام التي قضوها في سجن مصر أيام حزن مرير عليهم ، لأن أولئك الإخوة تذكروا خطاياهم الماضية ، فإذا لم يجيئوا ببنيامين صدقت التهمة الموجهة إليهم على أنهم جواسيس ، وكان أملهم ضعيفا في أن أباهم سيسمح لهم بأخذ بنيامين معهم . وفي اليوم الثالث أمر يوسف بإحضار الإخوة إليه إذ لم يجرؤ على تعويقهم أكثر من ذلك ، فلا بد من أن أباه وكل العائلات التي معه يقاسون آلام الجوع . فقال لهم : (( افْعَلُوا هذَا وَاحْيَوْا . أَنَا خَائِفُ يهوه . إِنْ كُنْتُمْ أُمَنَاءَ فَلْيُحْبَسْ أَخٌ وَاحِدٌ مِنْكُمْ فِي بَيْتِ حَبْسِكُمْ ، وَانْطَلِقُوا أَنْتُمْ وَخُذُوا قَمْحًا لِمَجَاعَةِ بُيُوتِكُمْ . وَأَحْضِرُوا أَخَاكُمُ الصَّغِيرَ إِلَيَّ ، فَيَتَحَقَّقَ كَلاَمُكُمْ وَلاَ تَمُوتُوا )) فأجمع رأيهم على قبول هذا الاقتراح ، وإن كانوا قد عبروا عن ضعف أملهم في أن أباهم سيرضى بإرسال بنيامين معهم . وكان يوسف يتحدث إليهم عن طريق ترجمان ، فإذ كانوا يظنون أن الحاكم ليس فاهما كلامهم جعلوا يتحدثون معا بكل حرية في حضوره . وقد أنحوا باللائمة على أنفسهم في معاملتهم ليوسف ، (( وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : حَقًّا إِنَّنَا مُذْنِبُونَ إِلَى أَخِينَا الَّذِي رَأَيْنَا ضِيقَةَ نَفْسِهِ لَمَّا اسْتَرْحَمَنَا وَلَمْ نَسْمَعْ . لِذلِكَ جَاءَتْ عَلَيْنَا هذِهِ الضِّيقَةُ )) فقال رأوبين الذي كان قد أعد خطة لإنقاذ أخيه في دوثان . (( أَلَمْ أُكَلِّمْكُمْ قَائِلاً : لاَ تَأْثَمُوا بِالْوَلَدِ ، وَأَنْتُمْ لَمْ تَسْمَعُوا ؟ فَهُوَذَا دَمُهُ يُطْلَبُ )) فإذ كان يوسف يصغي إلى ما قالوا لم يستطع أن يضبط عواطفه فخرج إلى خارج وبكى . فلما عاد إليهم أمر بتقييد شمعون أمام عيونهم ووضعه في السجن . إنهم حين كانوا يعاملون أخاهم بقسوة كان شمعون هو المحرض والعامل الأكبر في إيذاء أخيه ، ولأجل هذا السبب وقع الاختيار عليه .

وقبلما سمح يوسف لإخوته بالسفر أصدر تعليماته بأن يعطى لهم قمح وأن توضع فضة كل واحد منهم سرا في فم عدله ، وأن يعطوا علفا لدوابهم في طريق عودتهم إلى وطنهم ، ففي طريق عودتهم إذ كان أحدهم يفتح عدله ليعطي عليقا لحماره أدهشه أنه رأى صرة الفضة ، وإذ أخبر الباقين بذلك خافوا وارتعدوا وطارت قلوبهم ، وقال الواحد للآخر : (( مَا هذَا الَّذِي صَنَعَهُ يهوه بِنَا ؟ )) فهل يعتبرون هذا دليلا على إحسان يهوه إليهم ، أم أنه سمح بحدوث هذا قصاصا لهم على خطاياهم ليغوصوا إلى أعماق الشقاء ؟ لقد اعترفوا أن يهوه قد رأى خطاياهم وها هو يعاقبهم عليها .

وكان يعقوب ينتظر عودة بنيه بفارغ صبر ، فلما وصلوا تجمهر حولهم كل من في المحلة حين سمعوهم يقصون على أبيهم كل ما حدث لهم . فامتلأت كل القلوب خوفا وفزعا ، إذ بدا لهم كأن تصرف الحاكم المصري يدل على سوء النية . ومما حقق مخاوفهم أنهم حين فتحوا عدالهم وجد كل منهم فضته في فم عدله . فصاح أبوهم الشيخ يقول في حزن : (( أَعْدَمْتُمُونِي الأَوْلاَدَ . يُوسُفُ مَفْقُودٌ ، وَشِمْعُونُ مَفْقُودٌ ، وَبَنْيَامِينُ تَأْخُذُونَهُ . صَارَ كُلُّ هذَا عَلَيَّ )) فأجابه رأوبين قائلا : (( اقْتُلِ ابْنَيَّ إِنْ لَمْ أَجِئْ بِهِ إِلَيْكَ . سَلِّمْهُ بِيَدِي وَأَنَا أَرُدُّهُ إِلَيْكَ )) فهذا الكلام الدال على الطيش لم يفرج بال يعقوب ، فكان جوابه : (( لاَ يَنْزِلُ ابْنِي مَعَكُمْ ، لأَنَّ أَخَاهُ قَدْ مَاتَ ، وَهُوَ وَحْدَهُ بَاق . فَإِنْ أَصَابَتْهُ أَذِيَّةٌ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي تَذْهَبُونَ فِيهَا تُنْزِلُونَ شَيْبَتِي بِحُزْنٍ إِلَى الْهَاوِيَةِ )) .

ولكن الجوع طال أمده ، وبمرور الوقت كادت تنفد كمية القمح التي أتوا بها من مصر . كان أولاد يعقوب يعلمون أنهم عبثا يعودون إلى مصر بدون بنيامين ، وكان أملهم ضعيفا في زحزحة أبيهم عن عزمه ، فانتظروا النتيجة وهم صامتون . وقد ظهر شبح المجاعة الهائلة القادمة عليهم بكل وضوح ، وعلى الوجوه القلقة في تلك المحلة قرأ الشيخ نبأ حاجتهم ، وأخيرا قال لهم (( ارْجِعُوا اشْتَرُوا لَنَا قَلِيلاً مِنَ الطَّعَامِ )) .

فأجابه يهوذا قائلا : (( إِنَّ الرَّجُلَ قَدْ أَشْهَدَ عَلَيْنَا قَائِلاً : لاَ تَرَوْنَ وَجْهِي بِدُونِ أَنْ يَكُونَ أَخُوكُمْ مَعَكُمْ . إِنْ كُنْتَ تُرْسِلُ أَخَانَا مَعَنَا ، نَنْزِلُ وَنَشْتَرِي لَكَ طَعَامًا ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتَ لاَ تُرْسِلُهُ لاَ نَنْزِلُ . لأَنَّ الرَّجُلَ قَالَ لَنَا : لاَ تَرَوْنَ وَجْهِي بِدُونِ أَنْ يَكُونَ أَخُوكُمْ مَعَكُمْ )) . وإذ رأى يهوذا أن أباه قد بدا يتراجع عن عزمه أضاف قائلا : (( أَرْسِلِ الْغُلاَمَ مَعِي لِنَقُومَ وَنَذْهَبَ وَنَحْيَا وَلاَ نَمُوتَ ، نَحْنُ وَأَنْتَ وَأَوْلاَدُنَا جَمِيعًا )) ثم تطوع بأن يكون ضامنا لأخيه وأن يتحمل اللوم إلى الأبد إذا أخفق في إعادة بنيامين إلى أبيه .

لم يستطع يعقوب أن يمانع أكثر من ذلك ، فأوصى أولاده بالتأهب للسفر ، وأمرهم بأخذ هدية معهم ليقدموها للحاكم ، هدية مما يمكن استخلاصه من تلك الأرض التي قد ضربها الجوع (( قَلِيلاً مِنَ الْبَلَسَانِ ، وَقَلِيلاً مِنَ الْعَسَلِ ، وَكَثِيرَاءَ وَلاَذَنًا وَفُسْتُقًا وَلَوْزًا )) كما أمرهم بأخذ فضة مضاعفة ، ثم قال لهم : (( وَخُذُوا أَخَاكُمْ وَقُومُوا ارْجِعُوا إِلَى الرَّجُلِ )) وإذ كانوا مزمعين أن يشرعوا في تلك الرحلة المشكوك فيها نهض أبوهم الشيخ ورفع يديه إلى السماء ونطق بهذه الصلاة . (( وَيهوه الْقَدِيرُ يُعْطِيكُمْ رَحْمَةً أَمَامَ الرَّجُلِ حَتَّى يُطْلِقَ لَكُمْ أَخَاكُمُ الآخَرَ وَبَنْيَامِينَ . وَأَنَا إِذَا عَدِمْتُ الأَوْلاَدَ عَدِمْتُهُمْ )) .

ساروا في رحلتهم عائدين إلى مصر ومثلوا أمام يوسف ، فحالما وقع نظره على بنيامين ، ابن أمه ، تأثر تأثرا عميقا ، ومع ذلك أخفي عواطفه وأمر بأن يؤخذوا إلى بيته ، وأن تعمل الترتيبات اللازمة ليتغدوا معه . وفيما هم ذاهبون إلى بيت الحاكم خاف أولئك الإخوة خوفا عظيما ، إذ ظنوا أنهم سيحاسبون على الفضة التي وجدت في عدالهم ، وخطر لهم أنه ربما تكون الفضة قد وضعت في عدالهم عن عمد لتلفيق تهمة ضدهم بموجبها يؤخذون عبيدا . ففي ضيقهم تكلموا مع وكيل بيت يوسف ، وقصوا عليه الظروف التي اضطرتهم للمجيء إلى مصر ، وبرهانا على براءتهم أخبروه بأنهم ردوا الفضة التي وجدوها في عدالهم ، كما أحضروا فضة أخرى ليشتروا طعاما ، وقالوا أيضا : (( لاَ نَعْلَمُ مَنْ وَضَعَ فِضَّتَنَا فِي عِدَالِنَا )) فأجابهم الرجل قائلا : (( سَلاَمٌ لَكُمْ ، لاَ تَخَافُوا . إِلهُكُمْ وَإِلهُ أَبِيكُمْ أَعْطَاكُمْ كَنْزًا فِي عِدَالِكُمْ . فِضَّتُكُمْ وَصَلَتْ إِلَيَّ )) فزايلهم الانزعاج ، ولما انضم إليهم شمعون بعد ما أخرج من السجن أحسوا أن يهوه رحيم بهم حقا .

ولما قابلهم الحاكم مرة أخرى أحضروا إليه الهدية (( وَسَجَدُوا لَهُ إِلَى الأَرْضِ )) ومرة أخرى تذكر يوسف أحلامه . وبعدما سلم على ضيوفه أسرع يسأل : (( أَسَالِمٌ أَبُوكُمُ الشَّيْخُ الَّذِي قُلْتُمْ عَنْهُ ؟ أَحَيٌّ هُوَ بَعْدُ ؟ فَقَالُوا : عَبْدُكَ أَبُونَا سَالِمٌ . هُوَ حَيٌّ بَعْدُ )) ثم وقعت عينيه على بنيامين فقال أهذا أخوكم- الصغير الذي قلتم لي عنه . ثم قال (( يهوه يُنْعِمُ عَلَيْكَ يَا ابْنِي )) ولكن عواطف حنوه غلبته فلم يستطع أن يقول شيئا آخر ، (( فَدَخَلَ الْمَخْدَعَ وَبَكَى هُنَاكَ )) .

بعدما ضبط عواطفه وتجلد عاد إليهم ثم تقدموا جميعا إلى مائدة الوليمة . وبموجب قانون الطبقات كان محرما على المصريين أن يأكلوا مع أي أناس من أمة أخرى ، ولذلك كان لبني يعقوب مائدة خاصة بهم ، كما جلس الحاكم وحده نظرا لسمو مركزه ، وقد جلس المصريون على موائد أخرى وحدهم . فلما جلس الجميع اندهش الإخوة لأنهم انتظموا في جلستهم بموجب النظام المضبوط حسب أعمارهم ، (( وَرَفَعَ حِصَصًا مِنْ قُدَّامِهِ إِلَيْهِمْ )) أما حصة بنيامين فكانت أكثر من حصص جميعهم خمسة أضعاف . فبهذا التفضيل الذي به ميز بنيامين أراد يوسف أن يتحقق هل كانوا سيحسدون أخاهم الأصغر ويبغضونه كما قد فعلوا به هو أم لا . وإذ كانوا لا يزالون يظنون أن يوسف لا يفهم كلامهم جعلوا يتحدثون معا بكل حرية ، وهكذا كانت لديه فرصة عظيمة لمعرفة مشاعرهم الحقيقية . وإذ أراد أن يمتحنهم امتحانا آخر ، أمر قبل سفرهم أن يوضع طاسه الخاص الذي يشرب فيه ، طاس الفضة سرا في عدل أخيهم الأصغر .

بكل فرح واغتباط عادوا في طريقهم إلى وطنهم ، وكان معهم شمعون وبنيامين ، وساقوا أمامهم دوابهم المحملة بالقمح وهم جميعا يحسون أنهم قد نجوا من كل المخاطر المحدقة بهم . ولكن ما أن وصلوا إلى أطراف المدينة حتى أدركهم وكيل الحاكم وقال لهم تلك الكلمة الجارحة : (( لِمَاذَا جَازَيْتُمْ شَرًّا عِوَضًا عَنْ خَيْرٍ ؟ أَلَيْسَ هذَا هُوَ الَّذِي يَشْرَبُ سَيِّدِي فِيهِ ؟ وَهُوَ يَتَفَاءَلُ بِهِ . أَسَأْتُمْ فِي مَا صَنَعْتُمْ )) قيل أن ذلك الطاس كانت فيه خاصية عجيبة وهي اكتشاف أي مادة سامة توضح فيه . وفي تلك العصور كانت مثل تلك الكأس غالية القيمة جدا ، إذ كانت تقي صاحبها من الموت بالسم .

فأجاب أولئك المسافرون الوكيل بقولهم : (( لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ سَيِّدِي مِثْلَ هذَا الْكَلاَمِ ؟ حَاشَا لِعَبِيدِكَ أَنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ هذَا الأَمْرِ ! هُوَذَا الْفِضَّةُ الَّتِي وَجَدْنَا فِي أَفْوَاهِ عِدَالِنَا رَدَدْنَاهَا إِلَيْكَ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ . فَكَيْفَ نَسْرِقُ مِنْ بَيْتِ سَيِّدِكَ فِضَّةً أَوْ ذَهَبًا ؟ الَّذِي يُوجَدُ مَعَهُ مِنْ عَبِيدِكَ يَمُوتُ ، وَنَحْنُ أَيْضًا نَكُونُ عَبِيدًا لِسَيِّدِي )) .

فقال الوكيل : (( نَعَمِ ، الآنَ بِحَسَبِ كَلاَمِكُمْ هكَذَا يَكُونُ . الَّذِي يُوجَدُ مَعَهُ يَكُونُ لِي عَبْدًا ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَكُونُونَ أَبْرِيَاءَ )) .

وبدأ التفتيش في الحال (( فَاسْتَعْجَلُوا وَأَنْزَلُوا كُلُّ وَاحِدٍ عِدْلَهُ إِلَى الأَرْضِ ، وَفَتَحُوا كُلُّ وَاحِدٍ عِدْلَهُ )) ففتش الوكيل في كل عدل مبتدئا من عدل رأوببن وهكذا بالترتيب إلى أن وصل إلى عدل أخيهم الأصغر . وقد وجد الطاس في عدل بنيامين .

فمزق الإخوة ثيابهم علامة على منتهى الحزن والتعاسة ، ثم عادوا متباطئين إلى المدينة ، وبموجب وعدهم كان لا بد أن يصير بنيامين عبدا مدى الحياة . فتبعوا الوكيل إلى القصر ، وإذ وجدوا أن الحاكم لا يزال هناك وقعوا أمامه على الأرض ، فقال لهم : (( مَا هذَا الْفِعْلُ الَّذِي فَعَلْتُمْ ؟ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَجُلاً مِثْلِي يَتَفَاءَلُ ؟ )) وقد قصد يوسف بهذا أن يسوقهم إلى الاعتراف بخطيتهم . إنه لم يدَّعِ قط أن له قوة على التفاؤل ، ولكنه أراد أن يجعلهم يعتقدون أنه يستطيع أن يقرأ أسرار حياتهم الخفية .

فقال يهوذا : (( مَاذَا نَقُولُ لِسَيِّدِي ؟ مَاذَا نَتَكَلَّمُ ؟ وَبِمَاذَا نَتَبَرَّرُ ؟ يهوه قَدْ وَجَدَ إِثْمَ عَبِيدِكَ . هَا نَحْنُ عَبِيدٌ لِسَيِّدِي ، نَحْنُ وَالَّذِي وُجِدَ الطَّاسُ فِي يَدِهِ جَمِيعًا )) .

فأجابهم بقوله : (( حَاشَا لِي أَنْ أَفْعَلَ هذَا ! الرَّجُلُ الَّذِي وُجِدَ الطَّاسُ فِي يَدِهِ هُوَ يَكُونُ لِي عَبْدًا ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَاصْعَدُوا بِسَلاَمٍ إِلَى أَبِيكُمْ )) .

فبحزن عميق تقدم يهوذا إلى الحاكم وصرخ قائلا : (( اسْتَمِعْ يَا سَيِّدِي . لِيَتَكَلَّمْ عَبْدُكَ كَلِمَةً فِي أُذُنَيْ سَيِّدِي وَلاَ يَحْمَ غَضَبُكَ عَلَى عَبْدِكَ ، لأَنَّكَ مِثْلُ فِرْعَوْنَ )) وبكلام فصيح مؤثر جدا


جعل يصف حزن أبيه عند فقد يوسف ، وأنه كان يرفض رفضا باتا أن ينزل ابنه بنيامين معهم إلى مصر لأنه الابن الوحيد الباقي له من أمه راحيل التي كان يحبها أعمق الحب ، ثم قال : (( فَالآنَ مَتَى جِئْتُ إِلَى عَبْدِكَ أَبِي ، وَالْغُلاَمُ لَيْسَ مَعَنَا ، وَنَفْسُهُ مُرْتَبِطَةٌ بِنَفْسِهِ ، يَكُونُ مَتَى رَأَى أَنَّ الْغُلاَمَ مَفْقُودٌ ، أَنَّهُ يَمُوتُ ، فَيُنْزِلُ عَبِيدُكَ شَيْبَةَ عَبْدِكَ أَبِينَا بِحُزْنٍ إِلَى الْهَاوِيَةِ ، لأَنَّ عَبْدَكَ ضَمِنَ الْغُلاَمَ لأَبِي قَائِلاً : إِنْ لَمْ أَجِئْ بِهِ إِلَيْكَ أَصِرْ مُذْنِبًا إِلَى أَبِي كُلَّ الأَيَّامِ . فَالآنَ لِيَمْكُثْ عَبْدُكَ عِوَضًا عَنِ الْغُلاَمِ ، عَبْدًا لِسَيِّدِي ، وَيَصْعَدِ الْغُلاَمُ مَعَ إِخْوَتِهِ . لأَنِّي كَيْفَ أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَالْغُلاَمُ لَيْسَ مَعِي ؟ لِئَلاَّ أَنْظُرَ الشَّرَّ الَّذِي يُصِيبُ أَبِي )) .

اكتفى يوسف بذلك ، فلقد رأى في إخوته ثمار التوبة الحقيقية . فإذ سمع كلام يهوذا وهو يقدم ذلك العرض النبيل أمر بإخراج كل من في البيت ما عدا أولئك الرجال . ثم أطلق صوته بالبكاء وصرخ قائلا : (( أَنَا يُوسُفُ . أَحَيٌّ أَبِي بَعْدُ ؟ )) .

وقف إخوته بلا حراك . لقد عقد الخوف والذهول ألسنتهم عن الكلام . هل حاكم مصر هذا هو أخوهم يوسف الذي حسدوه وكانوا ينوون قتله وأخيرا باعوه بيع العبيد ! ومرت أمام عقولهم كل معاملاتهم الشريرة التي عاملوه بها . لقد ذكروا أنهم ازدروا أحلامه وحاولوا عدم تحقيقها ، ولكنهم قاموا بدورهم كاملا لتحقيقها . والآن ، وقد صاروا تحت سلطانه وفي قبضة يده ، فلا شك في أنه سينتقم منهم بسبب الظلم الذي أوقعوه عليه .

وإذ رأى ارتباكهم خاطبهم برفق قائلا : (( تَقَدَّمُوا إِلَيَّ )) فلما تقدموا إليه تابع كلامه قائلا : (( أَنَا يُوسُفُ أَخُوكُمُ الَّذِي بِعْتُمُوهُ إِلَى مِصْرَ . وَالآنَ لاَ تَتَأَسَّفُوا وَلاَ تَغْتَاظُوا لأَنَّكُمْ بِعْتُمُونِي إِلَى هُنَا ، لأَنَّهُ لاسْتِبْقَاءِ حَيَاةٍ أَرْسَلَنِيَ يهوه قُدَّامَكُمْ )) وإذ أحس بأنهم قاسوا ما فيه الكفاية لأجل قسوتهم عليه حاول بنبل أن يطرد مخاوفهم ويخفف من مرارة لومهم لأنفسهم .

فاستأنف كلامه قائلا : (( لأَنَّ لِلْجُوعِ فِي الأَرْضِ الآنَ سَنَتَيْنِ . وَخَمْسُ سِنِينَ أَيْضًا لاَ تَكُونُ فِيهَا فَلاَحَةٌ وَلاَ حَصَادٌ . فَقَدْ أَرْسَلَنِي يهوه قُدَّامَكُمْ لِيَجْعَلَ لَكُمْ بَقِيَّةً فِي الأَرْضِ وَلِيَسْتَبْقِيَ لَكُمْ نَجَاةً عَظِيمَةً . فَالآنَ لَيْسَ أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمُونِي إِلَى هُنَا بَلِ يهوه . وَهُوَ قَدْ جَعَلَنِي أَبًا لِفِرْعَوْنَ وَسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ وَمُتَسَلِّطًا عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ . أَسْرِعُوا وَاصْعَدُوا إِلَى أَبِي وَقُولُوا لَهُ : هكَذَا يَقُولُ ابْنُكَ يُوسُفُ : قَدْ جَعَلَنِيَ يهوه سَيِّدًا لِكُلِّ مِصْرَ . اِنْزِلْ إِلَيَّ . لاَ تَقِفْ . فَتَسْكُنَ فِي أَرْضِ جَاسَانَ وَتَكُونَ قَرِيبًا مِنِّي ، أَنْتَ وَبَنُوكَ وَبَنُو بَنِيكَ وَغَنَمُكَ وَبَقَرُكَ وَكُلُّ مَا لَكَ . وَأَعُولُكَ هُنَاكَ ، لأَنَّهُ يَكُونُ أَيْضًا خَمْسُ سِنِينَ جُوعًا . لِئَلاَّ تَفْتَقِرَ أَنْتَ وَبَيْتُكَ وَكُلُّ مَا لَكَ . وَهُوَذَا عُيُونُكُمْ تَرَى ، وَعَيْنَا أَخِي بَنْيَامِينَ ، أَنَّ فَمِي هُوَ الَّذِي يُكَلِّمُكُمْ ... )) ثم وقع على عنق بنيامين أخيه وبكى . وبكى بنيامين على عنقه . وقبل جميع إخوته وبكى عليهم . وبعد ذلك تكلم إخوته معه ، وباتضاع اعترفوا بخطيتهم والتمسوا منه الصفح . لقد قاسوا طويلا من القلق وتبكيت الضمير ، وابتهجوا الآن لأنه لم يزل حياً .

وصلت تلك الأخبار بسرعة إلى الملك الذي إذ أراد أن يظهر شكره ليوسف وافق على دعوة الحاكم لإخوته قائلا : (( خَيْرَاتِ جَمِيعِ أَرْضِ مِصْرَ لَكُمْ )) وقد أرسل أولئك الإخوة إلى أبيهم مزودين بمؤونة وافرة وعجلات وكل ما كان لازما لنقل كل عائلاتهم وخدمهم إلى مصر . وأعطى يوسف لبنيامين عطايا أثمن مما أعطى لسائر إخوته . وإذ كان يخشى لئلا تنشب بينهم منازعات وهم في طريق عودتهم إلى وطنهم ، وإذ أوشكوا على السفر قدم لهم هذه النصيحة : (( لاَ تَتَغَاضَبُوا فِي الطَّرِيقِ )) .

فعاد بنو يعقوب إلى أبيهم بهذا الخبر المفرح ، (( يُوسُفُ حَيٌّ بَعْدُ ، وَهُوَ مُتَسَلِّطٌ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ . فَجَمَدَ قَلْبُهُ لأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ . ثُمَّ كَلَّمُوهُ بِكُلِّ كَلاَمِ يُوسُفَ الَّذِي كَلَّمَهُمْ بِهِ ، وَأَبْصَرَ الْعَجَلاَتِ الَّتِي أَرْسَلَهَا يُوسُفُ لِتَحْمِلَهُ . فَعَاشَتْ رُوحُ يَعْقُوبَ أَبِيهِمْ . فَقَالَ إِسْرَائِيلُ : كَفَى ! يُوسُفُ ابْنِي حَيٌّ بَعْدُ . أَذْهَبُ وَأَرَاهُ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ )) .

بقي للإخوة العشرة عمل آخر من أعمال التذلل والانسحاق . فها هم الآن يعترفون لأبيهم بكذبهم وقسوتهم التي مررت حياته وحياتهم طوال تلك السنين . ولم يكن يعقوب يظن أنهم سينحدرون إلى تلك الدركة من السفالة بارتكابهم لتلك الخطية ، ولكنه إذ رأى أن يهوه المتسلط على كل الأحداث قد حول ذلك الشر إلى خير غفر لأولاده المخطئين وباركهم .

بعد قليل سار الأب وأولاده وعائلاتهم وغنمهم وبقرهم وخدمهم الكثيرون متجهين إلى مصر . وتابعوا سيرهم بقلوب يغمرها الفرح . ولما وصلوا إلى بئر سبع قدم الأب الشيخ ذبائح شكر وتوسل إلى يهوه أن يؤكد لهم أنه سيذهب معهم . فجاءت إليه كلمة يهوه في رؤى الليل تقول له : (( لاَ تَخَفْ مِنَ النُّزُولِ إِلَى مِصْرَ ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أُمَّةً عَظِيمَةً هُنَاكَ . أَنَا أَنْزِلُ مَعَكَ إِلَى مِصْرَ ، وَأَنَا أُصْعِدُكَ أَيْضًا )) .

إن هذا الوعد : (( لاَ تَخَفْ مِنَ النُّزُولِ إِلَى مِصْرَ ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أُمَّةً عَظِيمَةً هُنَاكَ )) كان وعدا له دلالته . لقد أعطي الوعد لإبراهيم بأن نسله سيكون كثيرا جدا كنجوم السماء ، ولكن إلى ذلك الحين كانت تلك الأمة المختارة قد نمت نموا بطيئا ، ولم تكن أرض كنعان حينئذٍ تصلح لأن تكون ميدانا لنمو تلك الأمة كما سبقت النبوات . فلقد كانت كنعان تحت سيطرة قبائل قوية لم يكن ممكنا انتزاع الأرض منهم إلى الجيل الرابع (تكوين 16: 15) . فإذا كان نسل إسرائيل سيصيرون أمة عظيمة في كنعان ، فإما أن يطردوا سكان البلاد وهذا ما لم يكونوا يستطيعون عمله كما قال لهم يهوه أو يتفرقوا بينهم ، ولكن لو أنهم اختلطوا بالكنعانيين فذلك يجعلهم يتعرضون لغوايات الأشرار ، فيشاركونهم في عبادة الأوثان . أما مصر فقد قدمت لهم الشروط اللازمة لإتمام قصد يهوه . فلقد سمح لهم بالنزول في جزء من الأرض كله ري وخصب وبذلك قدمت لهم فرصة للنمو السريع . أما النفور والكراهية التي ستبدو من المصريين نحوهم بسبب صناعتهم (( لأَنَّ كُلَّ رَاعِي غَنَمٍ رِجْسٌ لِلْمِصْرِيِّينَ )) (تكوين 46: 34)- هذا النفور سيساعدهم على أن يظلوا شعبا خاصا منعزلا ، ويباعد بينهم وبين مشاركة المصرين في عبادة الأوثان .

حالما وصلت تلك الجماعة إلى مصر تقدموا مباشرة إلى أرض جاسان ، وإلى هناك أتى يوسف في مركبته الرسمية يتبعه موكب لائق بأمير . لقد نسي يوسف جلال بيئته وعظمة مركزه ، ولكن فكرا واحدا شغل عقله وشوقا واحدا طاغيا اهتز له كيانه . فإذ أبصر أولئك المسافرين مقبلين عليه لم يعد يستطيع السيطرة على تلك الأشواق التي ظلت محتبسة في داخله سنين هذا عددها ، فقفز من مركبته وأسرع متقدما للترحيب بأبيه ، حيث (( وَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَبَكَى عَلَى عُنُقِهِ زَمَانًا . فَقَالَ إِسْرَائِيلُ لِيُوسُفَ : «أَمُوتُ الآنَ بَعْدَ مَا رَأَيْتُ وَجْهَكَ أَنَّكَ حَيٌّ بَعْدُ» )) .

ثم أخذ يوسف خمسة من إخوته ليوقفهم أمام فرعون وليحصلوا على هبة الأرض التي سيسكنون فيها . وقد كان الملك يريد أن يكرم أولئك الرجال بتعيينهم في وظائف حكومية اعترافا منه بفضل رئيس وزرائه ، ولكن يوسف الذي كان أمينا في عبادته ليهوه أراد أن يجنب إخوته التجارب التي سيتعرضون لها في بلاط الملك الوثني ، لذلك نصح لإخوته بأنه متى سألهم الملك أن يجيبوه بكل صراحة عن حرفتهم . وعمل أولاد يعقوب بنصيحة أخيهم كما حرصوا على أن يقولوا أنهم قد أتوا ليتغربوا في الأرض لا ليسكنوا فيها بصفة مستديمة ، وبذلك احتفظوا بحقهم في الرحيل إن هم أرادوا . وقد عين لهم الملك مساكن وأرضا في (( أَفْضَلِ الأَرْضِ )) أي أرض جاسان .

وبعد وصولهم إلى مصر بقليل أتى يوسف بأبيه أيضا وقدمه إلى الملك . كان ذلك الشيخ الجليل غريبا في بلاط الملك ، ولكنه في وسط مناظر الطبيعة السامية الجميلة كانت له شركة مع ملك أعظم وأقوى ، والآن ، وهو عالم بسمو مكانته رفع يديه وبارك فرعون .

عندما التقى يعقوب يوسف ابنه أول مرة في مصر ، تكلم يعقوب كما لو أنه بتلك النهاية المفرحة لكل مخاوفه وأحزانه الطويلة كان مستعدا للموت . ولكن سبع عشرة سنة كانت ستوهب له ليقضيها في مقر جاسان الهادئ ، وكانت هذه السنون سعيدة ومفرحة بعكس ما كانت السنون التي سبقتها . ورأى في بنيه برهانا على صدق توبتهم كما رأى عائلته محاطة بكل الظروف المساعدة على نموها حتى تصير أمة عظيمة ، وقد تمسك إيمانه بوعد السيد الأكيد باستقرارهم في كنعان . وكان هو نفسه محاطا بكل دلائل المحبة والرضى التي أمكن رئيس وزراء مصر أن يمنحها له . وإذ كان سعيدا بوجوده مع ابنه الذي كان قد فقده سنين طويلة نزل إلى قبره بسكينة وسلام .

لما شعر يعقوب أن يوم مماته يقترب أرسل في استدعاء يوسف . وإذ كان لا يزال متمسكا بوعد يهوه الخاص بامتلاكهم كنعان أوصى ابنه قائلا : (( لاَ تَدْفِنِّي فِي مِصْرَ ، بَلْ أَضْطَجعُ مَعَ آبَائِي ، فَتَحْمِلُنِي مِنْ مِصْرَ وَتَدْفِنُنِي فِي مَقْبَرَتِهِمْ )) فوعده يوسف بذلك ، ولكن يعقوب لم يقنع بذلك بل طلب منه أن يقسم قسما مقدسا بأن يدفنه إلى جوار آبائه في مغارة المكفيلة .

ثم بقيت هنالك مسألة أخرى هامة ، فإن ابني يوسف كان لا بد أن يحسبا من بنى إسرائيل . فإذ كان ذلك آخر لقاء بين يوسف وأبيه أحضر معه ابنيه أفرايم ومنسى . فهذان الشابان كانا مرتبطين عن طريق أمهما بأسمى وظائف الكهنوت المصري . ثم أن مركز أبيهما فتح أمامهما موارد الثروة والشهرة لو أنهما اختارا الارتباط بالمصريين ومع ذلك فإن رغبة أبيهما يوسف كانت أن يتحدا بشعبهما . ولقد أعلن إيمانه بهذا الموعد نيابة عن ابنيه ، رافضا كل الكرامات التي يمكن أن يقدمها البلاط المصري في مقابل مكان بين عشائر الرعاة المحتقرين الذين استؤمنوا على أقوال يهوه .

فقال يعقوب : (( الآنَ ابْنَاكَ الْمَوْلُودَانِ لَكَ فِي أَرْضِ مِصْرَ ، قَبْلَمَا أَتَيْتُ إِلَيْكَ إِلَى مِصْرَ هُمَا لِي . أَفْرَايِمُ وَمَنَسَّى كَرَأُوبَيْنَ وَشِمْعُونَ يَكُونَانِ لِي )) كان لا بد من أن يتبناهما وأن يكون كل منهما على رأس سبط مفصل . وهكذا نجد أن أحد امتيازات البكورية التي كان رأوبين قد أضاع حقه فيها صار من حق يوسف- أي نصيب اثنين في إسرائيل .

كانت عينا يعقوب ضعيفتين لكبر سنه فلم يفطن لوجود ذينك الشابين ، أما الآن وقد تراءى له أنه رأى معالم صورتهما سأل ابنه قائلا : (( مَنْ هذَانِ ؟ )) فإذ علم من هما قال له : (( قَدِّمْهُمَا إِلَيَّ لأُبَارِكَهُمَا )) فلما اقتربا منه احتضنهما وقبلهما ثم وضع يديه بوقار على رأسيهما مباركا إياهما ، ومن ثم قدم هذه الصلاة ، (( يهوه الَّذِي سَارَ أَمَامَهُ أَبَوَايَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْحَاقُ ، يهوه الَّذِي رَعَانِي مُنْذُ وُجُودِي إِلَى هذَا الْيَوْمِ ، الْمَلاَكُ الَّذِي خَلَّصَنِي مِنْ كُلِّ شَرّ ، يُبَارِكُ الْغُلاَمَيْنِ )) لم يكن يرى فيه روح الاعتماد على النفس ، كلا ولا اعتمد على القوة البشرية أو المكر ، لقد كان يهوه هو الذي حفظه وسنده . إنه لم يتذمر على أيام الشر التي مرت به ، ولم يعتبر تجاربها وأحزانها على أنها أشياء معاكسه له ، ولم يذكر إلا رحمة يهوه ورأفته اللتين كانتا تلازمانه مدى أيام غربته .

وبعد ما انتهى يعقوب من بركته أعطى ابنه يقينا ، تاركا للأجيال القادمة ، مدى سنين طويلة من العبودية والآلام والأحزان- هذه الشهادة لإيمانه (( هَا أَنَا أَمُوتُ ، وَلكِنَّ يهوه سَيَكُونُ مَعَكُمْ وَيَرُدُّكُمْ إِلَى أَرْضِ آبَائِكُمْ )) .

وفي النهاية اجتمع كل بني يعقوب حول فراش أبيهم الذي كان يحتضر . فدعا بنيه وقال لهم : (( اجْتَمِعُوا وَاسْمَعُوا يَا بَنِي يَعْقُوبَ ، وَاصْغَوْا إِلَى إِسْرَائِيلَ أَبِيكُمْ )) (( أُنْبِئَكُمْ بِمَا يُصِيبُكُمْ فِي آخِرِ الأَيَّامِ )) . ولطالما فكر في أمر مستقبلهم بخوف وجزع ، وحاول أن يرسم لنفسه صورة لتاريخ كل سبط . فالآن فيما كانوا مجتمعين حول سريره منتظرين الحصول على بركته الأخيرة حل عليه روح الوحي ، وأمامه في رؤيا نبوية انكشف له مستقبل نسله ، فجعل يذكر أسماء بنيه واحدا بعد الآخر ، ويصف أخلاق كل منهم ، ويتنبأ ، في كلمات مختصرة بتاريخ كل سبط في السنين القادمة- فقال : (( رَأُوبَيْنُ ، أَنْتَ بِكْرِي ، قُوَّتِي وَأَوَّلُ قُدْرَتِي ، فَضْلُ الرِّفْعَةِ وَفَضْلُ الْعِزِّ )) .

وهكذا صور الأب صورة لما كان يجب أن يكون عليه مركز رأوبين بوصفه الابن البكر . إلا أن خطيته الشنيعة التي ارتكبها في غدر جعلته غير مستحق لبركة البكورية . ثم استأنف يعقوب كلامه عن رأوبين قائلا : (( فَائِرًا كَالْمَاءِ لاَ تَتَفَضَّلُ )) .

لقد أعطى الكهنوت للاوي ، والملك والوعد بمسيا ليهوذا ، ونصيب اثنين من الميراث ليوسف . أما سبط رأوبين فلم يرتفع إلى أية درجة من الرفعة أو السمو أو الشهرة في إسرائيل . لم يكن في الكثرة كما كان سبط يهوذا أو يوسف أو دان ، وكان أول الأسباط التي أخذت في السبي .

بعد رأوبين يأتي شمعون ولاوي الأصغر منه سنا . لقد اتحدا معا في قسوتهما ووحشيتهما التي عاملا بها أهل شكيم ، وكانا أكثر الإخوة إجراما عندما بيع يوسف عبدا . وقد أعلن عنهما أبوهما قائلا : (( أُقَسِّمُهُمَا فِي يَعْقُوبَ ، وَأُفَرِّقُهُمَا فِي إِسْرَائِيلَ )) .

وعندما عمل تعداد لإسرائيل قبيل الدخول إلى كنعان كان سبط شمعون أصغر الأسباط ، وعندما بارك موسى الشعب بركته الأخيرة لم يقل شيئا عن شمعون ، وعندما استقر الشعب في أرض كنعان لم يعط لهذا السبط غير جزء صغير من نصيب سبط يهوذا . والعائلات التي صارت قوية فيما بعد كونوا مستعمرات مختلفة وأقاموا في مقاطعات خارج حدود الأرض المقدسة . وكذلك لاوي لم يعط له ميراث ما خلا ثمانيا وأربعين مدينة متفرقة في أماكن مختلفة في البلاد . وفيما يختص بهذا السبط فإن إخلاصهم وولاءهم للسيد عندما ارتدت الأسباط الأخرى حفظ لهم حقهم في خدمة الهيكل المقدسة . وهكذا استحالت اللعنة إلى بركة .

أما أفضل وأسمى بركات البكورية فقد أعطيت ليهوذا . إن معنى اسم يهوذا هو الحمد ، وهو ينكشف لنا في التاريخ النبوي لهذا السبط إذ يقول يعقوب : (( يَهُوذَا ، إِيَّاكَ يَحْمَدُ إِخْوَتُكَ ، يَدُكَ عَلَى قَفَا أَعْدَائِكَ ، يَسْجُدُ لَكَ بَنُو أَبِيكَ . يَهُوذَا جَرْوُ أَسَدٍ ، مِنْ فَرِيسَةٍ صَعِدْتَ يَا ابْنِي ، جَثَا وَرَبَضَ كَأَسَدٍ وَكَلَبْوَةٍ . مَنْ يُنْهِضُهُ ؟ لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ )) .

إن الأسد الذي هو ملك الغابة هو رمز مناسب لهذا السبط الذي أتى منه داود وابن داود ، شيلون الذي هو(( الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا )) الذي له ستخضع كل القوات أخيرا ، وكل الأمم ستقدم سجودها وولاءها .

إن معظم أولاد يعقوب تنبأ لهم أبوهم بمستقبل ناجح . أخيرا وصل إلى اسم يوسف ، وحينئذ فاض قلب ذلك الأب حين استمطر البركات على (( قِمَّةِ نَذِيرِ إِخْوَتِهِ )) فقال : (( يُوسُفُ ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ عَلَى عَيْنٍ . أَغْصَانٌ قَدِ ارْتَفَعَتْ فَوْقَ حَائِطٍ . فَمَرَّرَتْهُ وَرَمَتْهُ وَاضْطَهَدَتْهُ أَرْبَابُ السِّهَامِ . وَلكِنْ ثَبَتَتْ بِمَتَانَةٍ قَوْسُهُ ، وَتَشَدَّدَتْ سَوَاعِدُ يَدَيْهِ . مِنْ يَدَيْ عَزِيزِ يَعْقُوبَ ، مِنْ هُنَاكَ ، مِنَ الرَّاعِي صَخْرِ إِسْرَائِيلَ ، مِنْ إِلهِ أَبِيكَ الَّذِي يُعِينُكَ ، وَمِنَ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي يُبَارِكُكَ ، تَأْتِي بَرَكَاتُ السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ ، وَبَرَكَاتُ الْغَمْرِ الرَّابِضِ تَحْتُ . بَرَكَاتُ الثَّدْيَيْنِ وَالرَّحِمِ . بَرَكَاتُ أَبِيكَ فَاقَتْ عَلَى بَرَكَاتِ أَبَوَيَّ . إِلَى مُنْيَةِ الآكَامِ الدَّهْرِيَّةِ تَكُونُ عَلَى رَأْسِ يُوسُفَ ، وَعَلَى قِمَّةِ نَذِيرِ إِخْوَتِهِ )) .

لقد كان يعقوب دائما إنسانا عميقا وملتهبا في محبته ، وكانت محبته لأولاده قوية ورقيقة ، وإن شهادته لهم في ساعة احتضاره لم تكن نطق إنسان محاب أو حاقد ، فلقد سامحهم جميعا وأحبهم إلى المنتهى . وإن رقته الأبوية كان يمكن أن تدفعه إلى أن يعبر عن مشاعره بكلمات التشجع والرجاء ، ومن قوة يهوه استقرت عليه ، وتحت تأثير الوحي الإلهي كان ملتزما أن يعلن الحق مهما كان جارحا ومؤلما .

وبعدما نطق يعقوب بأخر بركاته عاد يكرر وصيته لأولاده بخصوص مكان دفنه قائلا (( أَنْضَمُّ إِلَى قَوْمِي . اِدْفِنُونِي عِنْدَ آبَائِي فِي الْمَغَارَةِ الَّتِي فِي حَقْلِ عِفْرُونَ الْحِثِّيِّ . فِي الْمَغَارَةِ الَّتِي فِي حَقْلِ الْمَكْفِيلَةِ ... هُنَاكَ دَفَنُوا إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ امْرَأَتَهُ . هُنَاكَ دَفَنُوا إِسْحَاقَ وَرِفْقَةَ امْرَأَتَهُ ، وَهُنَاكَ دَفَنْتُ لَيْئَةَ )) وهكذا كان آخر ما عمله في حياته أن أعلن إيمانه بوعد يهوه .

كانت سنو حياة يعقوب الأخيرة سني هدوء وراحة ، بعد حياة كلها اضطرابات ومتاعب ، فلقد انعقدت السحب السوداء في سماء حياته ، ومع ذلك فقد سطع نور شمسه عند غروبها وأنار نور السماء ساعاته الوداعية . والكتاب يقول :(( يَحْدُثُ أَنَّهُ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ يَكُونُ نُورٌ )) (زكريا 14: 7) (( لاَحِظِ الْكَامِلَ وَانْظُرِ الْمُسْتَقِيمَ ، فَإِنَّ الْعَقِبَ لإِنْسَانِ السَّلاَمَةِ )) (فإن نهاية ذلك الإنسان هي السلام ) (مزمور 37: 37) .

لقد أخطأ يعقوب ولكنه قاسى أهوالا كثيرة . كانت معظم أيام حياته أيام متاعب وهموم وأحزان منذ ذلك اليوم الذي فيه ارتكب خطيته العظيمة التي جعلته يهرب من خيام أبيه ، إذ صار هاربا بلا مأوى ، وانفصل عن أمه التي لم يرها بعد ذلك ، وخدم سبع سنين ليتزوج بالفتاة التي أحبها ، ولكنه خدع خداعا دل على منتهى النذالة ، وقضى عشرين سنة في خدمة خاله الجشع الطماع ، ورأى ثروته تربو وتزيد ، وأولاده يشبون ويكبرون من حوله ، ولكنه لم يسعد بسبب المنازعات الناشبة في عائلته المنقسمة على ذاتها ، كما حزن وتألم للعار الذي لطخ ابنته ، وبسبب الانتقام الرهيب الذي قام به أخواها ، كما حزن لموت راحيل ، وبسبب جريمة رأوبين الغير الطبيعية ، وبسبب خطية يهوذا ، وبسبب المكر والخداع الذي عومل به يوسف- يا لها من قائمة طويلة قاتمة سوداء مشحونة بالشرور الظاهرة للعيان ! إنه مرارا كثيرة حصد ثمار ذلك العمل الخاطئ الأول الذي ارتكبه ، ومرارا كثيرة رأى نفس الخطايا التي ارتكبها تتكرر في حياة أبنائه ، ولكن مع أن ذلك التأديب كان مريرا وقاسيا إلا أنه أتم عمله . إن التأديب وإن يكن جالبا للحزن إلا أنه يعطى الذين يتدربون به (( ثَمَرَ بِرّ لِلسَّلاَمِ )) (عبرانيين 12: 11) .

إن الوحي المقدس يسجل بكل أمانة أخطاء الناس الصالحين ، أولئك الذين قد ميزهم يهوه بإحساناته ورضاه . وفي الحق أن أخطاءهم مشروحة بإسهاب أكثر من فضائلهم ، وكان هذا من أسباب دهشة الكثيرين ، كما أعطى للملحدين مجالا للسخرية بالكتاب . ولكن من أنصع البراهين على صدق كتاب يهوه أن الحقائق المذكورة فيه لا تعدل ولا تنمق ، وخطايا الشخصيات العظيمة فيه لم تحذف ولا أغفل ذكرها . إن عقول الناس خاضعة للتعصب إلى حد أنه من غير الممكن أن تكون التواريخ العالمية بريئة تماما من المحاباة . ولو أن كتبة الأسفار المقدسة كانوا أناسا غير موحى إليهم من يهوه فلا شك في أنهم كانوا يوردون أخلاق الشخصيات النبيلة فيها بصورة جميلة جذابة كاذبة . ولكن ، والكتاب على ما هو عليه الآن ، فإن لنا فيه شهادة مضبوطة لاختباراتهم .

إن الذين أحسن يهوه إليهم فأكرمهم وائتمنهم على مسؤوليات جسام انغلبوا أحيانا أمام التجربة فارتكبوا الخطية ، تماما كما نكافح نحن في أيامنا هذه ونترنح وكثيرا ما نسقط في الخطأ . فحياتهم بكل ما فيها من أخطاء وحماقات مبسوطة أمامنا لأجل تشجيعنا وإنذارنا . فلو صورهم الكتاب على أنهم معصومون من الخطأ ، فإننا بطبيعتنا الخاطئة نيأس بسبب أخطائنا وسقطاتنا . ولكن إذ نرى آخرين قد كافحوا في وسط المثبطات كما هي حالنا حيث سقطوا في التجربة كما فعلنا نحن ، ومع ذلك تشجعوا وغلبوا بنعمة يهوه ، فإننا نتشجع في سعينا في أثر البر . وكما كانت الحال معهم ، إذ مع كونهم انهزموا وتقهقروا فقد استردوا مواقعهم وباركهم يهوه فكذلك نحن أيضا يمكننا أن ننتصر بقوة يهوشوه . ومن ناحية أخرى يمكن أن تكون شهادة حياتهم تحذيرا لنا ، فهي ترينا أن يهوه لا يمكن أن يبرر الفاجر ، إنه يرى الخطية في أحب الناس إليه ، ويحاسبهم عليها بكل دقة وصرامة أكثر مما يعامل به أولئك الذين عندهم قليل من النور والمسؤولية .

بعد دفن يعقوب عاد الخوف يعتصر قلوب إخوة يوسف ، إذ بالرغم من رأفته ومظاهر محبته لهم فإن شعورهم بجريمتهم جعلهم متخوفين ومتطيرين . ربما هو أخَّر انتقامه منهم توقيرا لأبيهم ، ولكن الآن ، وقد خلا له الجو ، فلا بد من أن يصب عليهم جام انتقامه ، لأجل جريمتهم بعدما أرجأه طويلا . لم يجرؤوا على الظهور أمامه بأنفسهم فأرسلوا إليه رسالة يقولون فيها : (( أَبُوكَ أَوْصَى قَبْلَ مَوْتِهِ قَائِلاً : هكَذَا تَقُولُونَ لِيُوسُفَ : آهِ ! اصْفَحْ عَنْ ذَنْبِ إِخْوَتِكَ وَخَطِيَّتِهِمْ ، فَإِنَّهُمْ صَنَعُوا بِكَ شَرًّا . فَالآنَ اصْفَحْ عَنْ ذَنْبِ عَبِيدِ إِلهِ أَبِيكَ )) تأثر يوسف من هذه الرسالة أبلغ تأثر حتى أنه بكى . وإذ تشجع إخوته بهذه العواطف النبيلة أتوا ووقعوا أمامه وقالوا : (( هَا نَحْنُ عَبِيدُكَ )) لقد كانت محبة يوسف لإخوته عميقة ، ولا أثر فيها للأنانية ، فآلمه الفكر بأنهم يعتبرون أنه يضمر لهم الشر أو ينوي أن ينتقم منهم ، لذلك قال لهم (( لاَ تَخَافُوا . لأَنَّهُ هَلْ أَنَا مَكَانَ يهوه ؟ أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا ، أَمَّا يهوه فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا ، لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ ، لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا . فَالآنَ لاَ تَخَافُوا . أَنَا أَعُولُكُمْ وَأَوْلاَدَكُمْ )) .

كانت حياة يوسف رمزا لحياة المسيا . فالحسد هو الذي دفع إخوة يوسف ليبيعوه بيع العبيد ، وكانوا يؤملون أن يحولوا بينه وبين التفوق عليهم . وحين أخذ إلى مصر كانوا يهنئون أنفسهم بأنه لن يعود يزعجهم بأحلامه ، بحيث استبعدوا إمكانية تحقيق تلك الأحلام . ولكن الطريق الذي انتهجوه قد سيطر عليه يهوه لكي يتم ذلك الشيء الذي قصدوا إحباطه . وكذلك كهنة اليهود وشيوخهم يحسدون المسيا خشية أن يجتذب إليه جماهير الشعب فينفضّون من حولهم ، ولقد صلبوه وقتلوه ليحولوا بينه وبين صيرورته ملكا ، ولكنهم بعملهم هذا كانوا يساعدونه على تحقيق السيادة والملك لنفسه .

إن يوسف عن طريق بيعه عبدا في مصر صار مخلصا لعائلة أبيه ، ومع ذلك فهذه الحقيقة لم تخفف من هول جريمة إخوته . وهكذا إذ صلب المسيا بأيدي أعدائه صار فاديا ومخلصا لجنسنا الساقط ، وملكا على كل العالم ، ولكن جريمة قاتليه كانت شنيعة جدا كما لو أن العناية الإلهية لم تسيطر على الأحداث لمجده ولخير الإنسان .

وكما بيع يوسف بأيدي إخوته إلى قوم وثنيين هكذا بيع المسيا لألد أعدائه بيد أحد تلاميذه . إن يوسف اتهم باطلا وطرح في السجن لأنه كان إنسانا فاضلا ، وكذلك المسيا احتقر ورذل لأن حياته البارة المنكرة لذاتها كانت توبيخا صارما للخطية . ومع أنه لم يرتكب ظلما ولا هفا هفوة فقد حكم عليه بالموت بناء على شهادة شهود الزور . ثم أن صبر يوسف ووداعته وهو يواجه الظلم والتعسف ، وغفرانه السريع وإحسانه النبيل لإخوته المخادعين- كل هذا يرمز إلى احتمال المخلص ، في غير تذمر أو شكوى ، حقد الأشرار وافتراءاتهم وإهاناتهم ، وغفرانه ليس فقط لقاتليه بل أيضا لكل من يأتون إليه معترفين بخطاياهم وطالبين الغفران .

لقد عاش يوسف أربعا وخمسين سنة بعد موت أبيه . عاش ليرى أولاد أفرايم إلى الجيل الثالث ، كما أن (( أَوْلاَدُ مَاكِيرَ بْنِ مَنَسَّى أَيْضًا وُلِدُوا عَلَى رُكْبَتَيْ يُوسُفَ )) رأى شعبه في حال النمو والنجاح . وعلى مر السنين لم يتزعزع إيمانه بأن يهوه سيرجع إسرائيل إلى أرض الموعد .

وحين رأى يوسف أن نهايته قد دنت استدعى أقرباءه إليه . ومع أنه كان مكرما في أرض الفراعنة فقد كان يعتبر مصر أرض مذلة له وأرض اغتراب . وكان آخر عمل عمله إعلانه لهم أنه قد ألقى قرعته مع بني إسرائيل . وكان آخر ما قاله أن (( يهوه سَيَفْتَقِدُكُمْ وَيُصْعِدُكُمْ مِنْ هذِهِ الأَرْضِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي حَلَفَ لإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ )) وقد استحلف بني إسرائيل أن يحملوا عظامه إلى أرض كنعان . (( ثُمَّ مَاتَ يُوسُفُ وَهُوَ ابْنُ مِئَةٍ وَعَشَرِ سِنِينَ ، فَحَنَّطُوهُ وَوُضِعَ فِي تَابُوتٍ فِي مِصْرَ )) وطيلة أجيال التعب التي مرت بعد ذلك كان ذلك التابوت مذكرا لبني إسرائيل بكلمات يوسف التي نطق بها عند موته ، وشاهدا لهم بأنهم إنما هم غرباء في مصر ، وآمرا إياهم بأن يحتفظوا بآمالهم مركزة في أرض الموعد ، لأن يوم النجاة والخلاص آت ما من ذلك بد .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
11
25
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
01
23
Calendar App