2. يوسف في مصر
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

في أثناء ذلك كان يوسف وآسروه سائرين في طريقهم إلى مصر ، وإذ كانت القافلة متجهة جنوبا إلى حدود أرض كنعان ، أمكن ذلك الفتى أن يرى ، من بعد ، التلال التي كانت بينها خيام أبيه ، فبكى يوسف بمرارة هو يذكر أباه المحب في وحدته ومحنته ، ثم مر أمام خاطره المنظر الذي حدث في دوثان ، فرأى إخوته الغاضبين وأحس كأن نظراتهم القاسية منصبة عليه ، كما كانت شتائمهم الجارحة التي أجابوا بها على توسلاته تصك أذنيه . وبقلب واجف نظر إلى الأمام ، إلى المستقبل ، وما كان أعظم التبدل الذي حدث في مركزه- من ابن محبوب من أبيه إلى عبد حقير قاصر ! وإذ كان وحيدا لا صديق يأخذ بناصره فماذا يكون نصيبه في البلاد الغريبة التي هو ذاهب إليها ؟ استسلم يوسف بعض الوقت لحزن ورعب لا ضابط لهما .

لكن في عناية يهوه حتى هذا الاختبار كان بركة له ، فلقد تعلم في ساعات قليلة ما لم يكن ممكنا أن يتعلمه في سنين بغير هذه الوسيلة ، فإن أباه ، مع أن محبته له كانت قوية ورقيقة قد ظلمه بمحاباته له وإغراقه في محبته إياه . هذا الإيثار غير الحكيم قد أسخط إخوته وأهاجهم لارتكاب تلك الفعلة القاسية التي باعدت بينهما ، وكان لهذه المحاباة أثرها في أخلاق يوسف الذي ظهرت فيه أخطاء كان يجب إصلاحها ، وصار ليوسف الاكتفاء الذاتي ، وأصبح متسلطا ، وإذ كان معتادا رقة أبيه ورعايته فقد أحس أنه غير مهيأ للدخول في نضال مع الصعوبات التي أمامه ، إذ لم يكن ندا لها ، تلك الصعوبات التي ستكتنف حياته وحيدا ، حياة العبد الغريب .

حينئذ اتجهت أفكاره إلى إله أبيه . لقد تعلم منذ طفولته أن يحب هذا الإله ويتقيه ، وقد سمع مرارا كثيرة في خيمة أبيه قصة الرؤيا التي رآها يعقوب حين هرب من البيت منفيا شريدا ، وكان قد سمع أيضا شيئا من مواعيد يهوه التي وعد بها يعقوب ، وكيف تحققت ، وكيف أنه في ساعة الحاجة أتاه ملائكة يهوه ليوجهوه ويعزوه ويحرسوه ، كما كان قد تعلم أيضا عن محبة يهوه في إعداده فاديا للناس . كل هذه الدروس ظهرت واضحة جلية أمامه في تلك الآونة ، فآمن يوسف بأن إله آبائه سيكون إلهه هو . في ذلك المكان وتلك الساعة سلم نفسه للسيد تسليما كاملا ، وصلى طالبا من حافظ إسرائيل أن يكون معه في أرض غربته .

اهتزت نفسه طربا أمام عزمه السامي على أن يبرهن على أمانته وولائه ليهوه ، وأن يتصرف في كل الظروف كما يليق بمن هو من رعايا ملك السماء . إنه سيعبد السيد بقلب كامل ، وسيقابل كل التجارب التي ستصيبه بكل جلد وثبات ، وسيقوم بكل واجباته بأمانة . إن اختبار يوم واحد كان نقطة تحول في حياة يوسف ، فالبلية المخيفة التي حلت به في ذلك اليوم قد أحالته من طفل مدلل إلى رجل مفكر شجاع مالك لنفسه .

بعد وصول يوسف إلى مصر بيع لفوطيفار ، رئيس شرط الملك ، وظل يخدمه عشر سنين ، وفي ذلك البيت تعرض يوسف لتجارب غير عادية . كان عائشا في وسط عبدة الأوثان ، وكانت عبادة الأوثان محاطة بكل مظاهر أبهة الملوك ، وكانت تسندها ثروة وثقافة أعظم ممالك العالم مدنية في ذلك العصر ، ومع كل ذلك فقد احتفظ يوسف ببساطته وولائه . كانت مناظر الرذيلة وأصواتها حوله ، ولكنه كان كمن لا يرى ولا يسمع ، فلم يسمح لأفكاره أن تحوم حول المواضيع المحرمة ، وإن رغبته في كسب رضى المصريين لم تستطع أن تجعله يخفي مبادئه ، فلو أنه حاول هذا لانهزم أمام التجربة . ولكنه لم يكن ليستحي بدين آبائه ، ولم يحاول إخفاء حقيقة كونه من عبيد السيد .

(( وَكَانَ يهوه مَعَ يُوسُفَ فَكَانَ رَجُلاً نَاجِحًا ... وَرَأَى سَيِّدُهُ أَنَّ يهوه مَعَهُ ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يَصْنَعُ كَانَ يهوه يُنْجِحُهُ بِيَدِهِ )) (انظر تكوين 39) . لقد زادت ثقة فوطيفار بيوسف يوما بعد يوم ، وأخيرا رقاه وجعله وكيلا له معطيا إياه حق التصرف الكامل في كل أملاكه ، (( فَتَرَكَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ فِي يَدِ يُوسُفَ . وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ يَعْرِفُ شَيْئًا إِلاَّ الْخُبْزَ الَّذِي يَأْكُلُ )) .

إن النجاح الملحوظ الذي رافق كل ما كان تحت يد يوسف لم يكن نتيجة معجزة مباشرة ، ولكن مثابرته وحرصه ونشاطه كللتها كلها بركة يهوه ، وقد نسب يوسف نجاحه إلى فضل يهوه ورضاه . وحتى سيده الوثني قبل هذا على أنه سر نجاحه المنقطع النظير . ولولا السعي الثابت الموجه توجيها صائبا لما كان هنالك نجاح ، فتمجد يهوه في أمانة عبده ، وكان قصده تعالى أنه بالطهارة والاستقامة سيظهر المؤمن بيهوه مختلفا اختلافا بينا عن عبدة الأوثان ، وبذلك يضيء نور النعمة السماوية في وسط ظلام الوثنية .

اكتسبت رقة يوسف وإخلاصه قلب رئيس الشرط الذي صار يعتبره ، فيما بعد ، ابنا له لا عبدا ، وصارت لهذا الشاب صلة بذوي المقام الرفيع والعلم الواسع ، وحصل على معرفة العلوم واللغات وكل الشؤون- وهذا تهذيب كان لازما له للمستقبل حين يصير رئيس وزراء مصر .

ولكن كان لا بد من أن يجتاز يوسف امتحانا فيه يختبر إيمانه واستقامته في آتون تجارب محرقة ، ذلك أن امرأة سيده أرادت أن تطغي ذلك الشاب لينتهك حرمة شريعة يهوه . كان طاهر الذيل فيما مضى ولم يتلوث بالنجاسات التي امتلأت بها تلك البلاد الوثنية ، ولكن هذه التجربة المفاجئة القوية الخادعة كيف يواجهها ؟ لقد عرف يوسف جيدا نتائج المقاومة ، فعلى الجانب الواحد كان التستر والرضى والمكافآت ، بينما كان على الجانب الآخر العار والسجن وربما الموت ، فكانت كل حياته المستقبلية متوقفة على قراره في تلك اللحظة . فهل تنتصر المبادئ ، وهل سيظل أمينا ليهوه ؟ لقد كان الملائكة يرقبون ذلك المنظر ترقبا لا يمكن التعبير عنه .

كشف جواب يوسف عن قوة المبادئ الدينية ، فهو لم يرد أن يخون سيده الأرضي الذي وضع ثقته فيه ، وهو يريد أن يكون أمينا لسيده الذي في السماء مهما تكن النتائج . إن كثيرين من الناس وهم تحت عين يهوه الفاحصة وأنظار الملائكة القديسين يستبيحون أشياء لا يحسبون مجرمين فيها في نظر بنى جنسهم . أما يوسف فقد اتجه فكره أول ما اتجه إلى يهوه حين قال : (( كَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى يهوه ؟ )) .

لو أننا نربي في أنفسنا عادة التفكير في أن يهوه يرى ويسمع كل ما نفعله ونقوله ، وبكل أمانة يسجل أقوالنا وأفعالنا ، وأننا لا بد أن نحاسب على هذه كلها فإن ذلك يجعلنا نخاف من ارتكاب الخطية . ليذكر الشباب دائما أنهم أينما كانوا ، ومهما يكن ما يفعلونه فهم في حضرة يهوه . إن كل أعمالنا مراقبة ، إذ لا تخفي على يهوه خافية ، ولا يمكننا إخفاء طرقنا عن عيني يهوه العلي . إن الشرائع البشرية التي هي في بعض الأحيان صارمة يتعداها الناس أحيانا دون أن يلاحظ ذلك أحد ، ولذلك يعفون من القصاص . ولكن الحال مع شريعة يهوه تختلف تماما . إن أشد الليالي حلوكة لا تصلح ستارا يستتر وراءه المجرمون . قد يظن المذنب أنه منفرد بنفسه ولا رقيب عليه ، ولكن كل عمل يعمل يراه الرقيب غير المنظور . إن نفس بواعث قلبه وأفكاره مكشوفة أمام عين يهوه الفاحصة ، فكل عمل وكل كلمة وكل فكر يلاحظ ملاحظة دقيقة كأنما ليس في كل العالم غير إنسان واحد ، وكل انتباه السماء مركز عليه .

قاسى يوسف آلاما كثيرة بسبب استقامته ، لأن تلك المرأة التي جربته انتقمت منه بأن اتهمته بجريمة دنسة شنيعة وتسببت في طرحه في السجن . لو أن فوطيفار صدق اتهامات زوجته ليوسف لكان قد حكم على ذاك الشاب العبراني بالموت ، ولكن العفة والاستقامة اللتين اتصف بهما يوسف ولم يتخل عنهما قط كانتا من أنصع البراهين على براءته ونزاهته . ولكن لكي ينقذ سمعة بيته ترك يوسف ليقاسي العار والسجن .

في بداءة الأمر عومل يوسف بقسوة من سجانيه . يقول المرنم : (( آذَوْا بِالْقَيْدِ رِجْلَيْهِ . فِي الْحَدِيدِ دَخَلَتْ نَفْسُهُ ، إِلَى وَقْتِ مَجِيءِ كَلِمَتِهِ . قَوْلُ يهوه امْتَحَنَهُ )) (مزامير 105: 18،19) ومع ذلك فإن أخلاق يوسف الحقيقية تضيء بنور عظيم حتى وهو يرسف في أغلاله في ظلمات السجن ، إذ تمسك بإيمانه وصبره . لقد عوقب على سني خدمته الأمينة بمنتهى القسوة والظلم ، ولكن هذا لم يجعله شكسا أو عديم الثقة ، بل كان يملك السلام الذي جاءه من شعوره ببراءته ، وقد سلم أمره ليهوه . لم يفكر في المظالم التي وقعت عليه ، بل نسي أحزانه في سبيل التخفيف من أحزان من هم حوله . لقد وجد عملا يعمله حتى وهو في السجن . وكان يهوه يعده في مدرسة الضيق والألم لنفع أعظم ، وهو لم يرفض ذلك التدريب اللازم ولا تبرم به . فإذ رأى آثار الظلم والطغيان المتفشي في السجن ، ورأى آثار الجريمة تعلم دروسا في العدل والعطف والرحمة أعدته لاستخدام سلطانه بحكمة ورفق .

وبالتدريج نال يوسف ثقة رئيس بيت السجن ، وأخيرا وكل إليه أمر كل المسجونين . إن الدور الذي قام به في السجن ، أي استقامة حياته اليومية وعطفه على المتضايقين والمحزونين هو الذي أفسح المجال لنجاحه وكرامته في مستقبل أيامه . إن كل شعاعة من النور نسلطها على الآخرين ترتد إلينا ، فكل كلمة رفق أو عطف تقال لإنسان حزين ، وكل جهد يبذل للتخفيف من آلام المظلومين ، وكل عطية تقدم لمحتاج ، إن كان الباعث عليها صالحا وصائبا ، ستنتج عنها بركة لمقدمها .

كان رئيس خبازي الملك ورئيس سقاته قد طرحا في السجن لذنب من الذنوب ، ووضعا تحت إشراف يوسف . وفي ذات صباح إذ لاحظ أنهما مغتمان جدا سألهما بكل رفق عن السبب في انقباضهما ، فقيل له أن كلا منهما قد حلم حلما جديرا بالاعتبار وهما يتوقان لمعرفة تفسيرهما ، فقال يوسف : (( أَلَيْسَتْ ليهوه التَّعَابِيرُ ؟ قُصَّا عَلَيَّ )) (انظر تكوين 40) . فلما قص عليه كل منهما حلمه أخبرهما بالتفسير . في ثلاثة أيام يرد رئيس السقاة إلى مقامه ويعطي الكأس في يد فرعون كالسابق ، أما رئيس الخبازين فسيقتل بأمر الملك ، وكما فسر لهما كذلك حدث .

عبر ساقي الملك عن أعمق عواطف الشكر ليوسف لأجل تفسيره المفرح لحلمه ولأجل كثير من دلائل الاهتمام والشفقة التي قدمها له . فإذ أشار يوسف إلى الظلم الذي وقع عليه بطرحه في السجن بكلمات مؤثرة جدا توسل إليه أن يعرض قضيته أمام الملك قائلا : (( إِنَّمَا إِذَا ذَكَرْتَنِي عِنْدَكَ حِينَمَا يَصِيرُ لَكَ خَيْرٌ ، تَصْنَعُ إِلَيَّ إِحْسَانًا وَتَذْكُرُنِي لِفِرْعَوْنَ ، وَتُخْرِجُنِي مِنْ هذَا الْبَيْتِ . لأَنِّي قَدْ سُرِقْتُ مِنْ أَرْضِ الْعِبْرَانِيِّينَ ، وَهُنَا أَيْضًا لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا حَتَّى وَضَعُونِي فِي السِّجْنِ )) رأى رئيس السقاة الحلم يفسر بكل تفصيلاته كما قال يوسف ، ولكن حينما عاد إليه رضى الملك لم يعد يفكر في من قد أحسن إليه ، فظل يوسف سجينا سنتين أخريين ، وذلك الأمل الذي كان قد انتعش في داخله زال شيئا فشيئا ، فأضيفت إلى كل التجارب الماضية مرارة الجحود .

لكن يدا إلهية كانت مزمعة أن تفتح أبواب السجن ، فلقد حلم ملك مصر حلمين في ليلة واحدة ، كلاهما لاح أنه يشير إلى الحادث نفسه ، كما لاح أنه ينبئ بكارثة قادمة . لم يستطع الملك تفسيرهما وظلا مبعثا لاضطراب فكره ، وكذلك لم يستطع سحرة مصر ولا حكماؤها أن يفسروا الحلمين ، فزاد ارتباك الملك واضطرابه ، وشمل الرعب كل بلاط الملك . فذلك الاهتياج الشامل أعاد إلى رئيس السقاة ذكرى ظروف حلمه ، وذكر يوسف فوخزه ضميره وخزات الندم على عدم عرفانه بالجميل ، ففي الحال أخبر الملك كيف أنه هو ورئيس الخبازين قد حلم كل منهما حلما وهما في السجن ، وكيف أن غلاما عبرانيا فسر لهما حلميهما ، وكما عبر لهما كذلك حدث .

كان أمرا مهينا لفرعون أن يتحول عن سحرة مملكته وحكمائها ليستشير عبدا غريبا ، ولكنه كان مستعدا لقبول أحقر الخدمات إذا كان يجد راحة لفكره المضطرب . فاستدعى يوسف في الحال ، فخلع ثياب سجنه ولبس ثيابا أخرى وحلق ، لأن شعره كان قد طال في سني الهوان التي قضاها في السجن ، ثم أدخل إلى الملك .

(( فَقَالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ : «حَلُمْتُ حُلْمًا وَلَيْسَ مَنْ يُعَبِّرُهُ . وَأَنَا سَمِعْتُ عَنْكَ قَوْلاً ، إِنَّكَ تَسْمَعُ أَحْلاَمًا لِتُعَبِّرَهَا» . فَأَجَابَ يُوسُفُ فِرْعَوْنَ : «لَيْسَ لِي . يهوه يُجِيبُ بِسَلاَمَةٍ فِرْعَوْنَ» )) (انظر تكوين 41) إن جواب يوسف لفرعون يكشف عن اتضاعه وإيمانه بيهوه ، فهو بكل وداعة ينفي عن نفسه مجد امتلاكه لأي حكمة فائقة في قلبه . (( لَيْسَ لِي )) إن يهوه وحده هو الذي يستطيع كشف الأسرار .

وبعد ذلك بدأ فرعون يقص حلميه فقال : (( إِنِّي كُنْتُ فِي حُلْمِي وَاقِفًا عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ ، وَهُوَذَا سَبْعُ بَقَرَاتٍ طَالِعَةٍ مِنَ النَّهْرِ سَمِينَةِ اللَّحْمِ وَحَسَنَةَ الصُّورَةِ ، فَارْتَعَتْ فِي رَوْضَةٍ . ثُمَّ هُوَذَا سَبْعُ بَقَرَاتٍ أُخْرَى طَالِعَةٍ وَرَاءَهَا مَهْزُولَةً وَقَبِيحَةَ الصُّورَةِ جِدًّا وَرَقِيقَةَ اللَّحْمِ . لَمْ أَنْظُرْ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ مِثْلَهَا فِي الْقَبَاحَةِ . فَأَكَلَتِ الْبَقَرَاتُ الرَّقِيقَةُ وَالْقَبِيحَةُ الْبَقَرَاتِ السَّبْعَ الأُولَى السَّمِينَةَ . فَدَخَلَتْ أَجْوَافَهَا ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهَا دَخَلَتْ فِي أَجْوَافِهَا ، فَكَانَ مَنْظَرُهَا قَبِيحًا كَمَا فِي الأَوَّلِ . وَاسْتَيْقَظْتُ . ثُمَّ رَأَيْتُ فِي حُلْمِي وَهُوَذَا سَبْعُ سَنَابِلَ طَالِعَةٌ فِي سَاق وَاحِدٍ مُمْتَلِئَةً وَحَسَنَةً . ثُمَّ هُوَذَا سَبْعُ سَنَابِلَ يَابِسَةً رَقِيقَةً مَلْفُوحَةً بِالرِّيحِ الشَّرْقِيَّةِ نَابِتَةٌ وَرَاءَهَا . فَابْتَلَعَتِ السَّنَابِلُ الرَّقِيقَةُ السَّنَابِلَ السَّبْعَ الْحَسَنَةَ . فَقُلْتُ لِلسَّحَرَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ مَنْ يُخْبِرُنِي )) .

(( فَقَالَ يُوسُفُ لِفِرْعَوْنَ : حُلْمُ فِرْعَوْنَ وَاحِدٌ . قَدْ أَخْبَرَ يهوه فِرْعَوْنَ بِمَا هُوَ صَانِعٌ )) . كانت سبع سني شبع عظيم قادمة ، فالحقول والحدائق كانت ستأتي بثمار وفيرة جدا ، أكثر مما في أي سنة مضت ، وهذه السنوات كانت ستعقبها سبع سني جوع . (( وَلاَ يُعْرَفُ الشِّبَعُ فِي الأَرْضِ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ الْجُوعِ بَعْدَهُ ، لأَنَّهُ يَكُونُ شَدِيدًا جِدًّا )) وكان تكرار الحلم دليلا على صحته وقرب إتمامه . ثم قال : (( فَالآنَ لِيَنْظُرْ فِرْعَوْنُ رَجُلاً بَصِيرًا وَحَكِيمًا وَيَجْعَلْهُ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ . يَفْعَلْ فِرْعَوْنُ فَيُوَكِّلْ نُظَّارًا عَلَى الأَرْضِ ، وَيَأْخُذْ خُمْسَ غَلَّةِ أَرْضِ مِصْرَ فِي سَبْعِ سِنِي الشِّبَعِ ، فَيَجْمَعُونَ جَمِيعَ طَعَامِ هذِهِ السِّنِينَ الْجَيِّدَةِ الْقَادِمَةِ ، وَيَخْزِنُونَ قَمْحًا تَحْتَ يَدِ فِرْعَوْنَ طَعَامًا فِي الْمُدُنِ وَيَحْفَظُونَهُ . فَيَكُونُ الطَّعَامُ ذَخِيرَةً لِلأَرْضِ لِسَبْعِ سِنِي الْجُوعِ )) .

كان هذا التعبير معقولا ومناسبا جدا ، كما كانت السياسة المقترحة سليمة ودليلا على الفكر الثاقب بحيث لم يكن هنالك شك في صحتها . ولكن من ذا الذي يمكن أن يؤتمن على تنفيذ تلك الخطة ؟ فعلى حكمة هذا الاختيار تتوقف سلامة الدولة . اضطرب الملك ، وظل هذا التعيين موضع تفكير وبحث بعض الوقت . وقد أخبر رئيس السقاة الملك عن الحكمة والفطن التي أبداها يوسف في تدبير أمور السجن ، وكان واضحا أن له مقدرة إدارية فائقة . إن ذلك الساقي الذي كان يلوم نفسه حينئذٍ بشدة حاول أن يكفر عن جحوده السابق بأحر المدح للذي أحسن إليه . وقد دلت تحريات الملك على صدق ما قاله الساقي ، ففي كل المملكة كان يوسف هو الشخص الوحيد المزود بالحكمة لتبصير الملك بالخطر الذي هدد الدولة ، والاستعداد اللازم لمواجهته ، فاقتنع الملك بأن يوسف هو الشخص الوحيد الكفء لتنفيذ الخطة التي قد اقترحها ، وكان واضحا أن قوة إلهية تسنده ، وأنه ليس بين كل موظفي الدولة شخص سواه يستطيع أن يدير شؤونها في تلك الأزمنة . وحقيقة كونه عبدا عبرانيا لم تكن أمرا ذا شأن بالقياس إلى حكمته وسلامة رأيه . فقال الملك لمشيريه : (( هَلْ نَجِدُ مِثْلَ هذَا رَجُلاً فِيهِ رُوحُ يهوه ؟ )) .

وقد تقرر تعيينه ، وأدهش يوسف ما أعلنه الملك حين قال : (( بَعْدَ مَا أَعْلَمَكَ يهوه كُلَّ هذَا ، لَيْسَ بَصِيرٌ وَحَكِيمٌ مِثْلَكَ . أَنْتَ تَكُونُ عَلَى بَيْتِي ، وَعَلَى فَمِكَ يُقَبِّلُ جَمِيعُ شَعْبِي إِلاَّ إِنَّ الْكُرْسِيَّ أَكُونُ فِيهِ أَعْظَمَ مِنْكَ )) وتقدم الملك ليقلد يوسف أوسمة مركزه الخطير بأن (( خَلَعَ فِرْعَوْنُ خَاتِمَهُ مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَهُ فِي يَدِ يُوسُفَ ، وَأَلْبَسَهُ ثِيَابَ بُوصٍ ، وَوَضَعَ طَوْقَ ذَهَبٍ فِي عُنُقِهِ ، وَأَرْكَبَهُ فِي مَرْكَبَتِهِ الْثَّانِيَةِ ، وَنَادَوْا أَمَامَهُ «ارْكَعُوا» )) .

(( أَقَامَهُ سَيِّدًا عَلَى بَيْتِهِ ، وَمُسَلَّطًا عَلَى كُلِّ مُلْكِهِ ، لِيَأْسُرَ رُؤَسَاءَهُ حَسَبَ إِرَادَتِهِ وَيُعَلِّمَ مَشَايِخَهُ حِكْمَةً )) (مزامير 105: 21،22) . من السجن خرج يوسف ليصير رئيسا على كل أرض مصر . لقد كان مركزا مجيدا ، ومع ذلك كان محفوفا بالمكاره والمخاطر . ولا يمكن أن أحدا يقف في مكان عال شاهق دون أن يتعرض للخطر . فكما أن العاصفة تترك زهور الوادي الوادعة دون أذى بينما هي تقتلع الأشجار العظيمة من فوق أعالي الجبال ، فكذلك من قد احتفظوا بأمانتهم واستقامتهم في حياتهم المتواضعة قد يجرفون إلى أعماق الجب بفعل التجارب التي تهاجم النجاح والكرامة الزمنيين . ولكن أخلاق يوسف صمدت في الضراء والسراء ، أمام الضيق وأمام النجاح . إن نفس الأمانة ونفس الاستقامة والإخلاص ظهرت حين وقف في قصر الفراعنة كما كانت ظاهرة حين كان في بيت السجن . كان لا يزال غريبا في أرض وثنية ، منفصلا عن عائلته التي كانت تعبد يهوه ، ولكنه كان موقنا أن يد يهوه تسدد خطواته . وباعتماده المستمر على يهوه قام بأعباء واجبات وظيفته ، وبسبب يوسف اتجه انتباه ملك مصر وعظمائها إلى الإله الحقيقي . ومع أنهم كانوا متمسكين بأوثانهم فقد تعلموا أن يكرموا المبادئ المعلنة في حياة وأخلاق يوسف الذي كان يعبد السيد .

ولكن كيف استطاع يوسف أن يكتب لنفسه ذلك التاريخ المجيد ، تاريخ الخلق المتين والاستقامة والحكمة ؟ إنه في فجر حياته فضل الواجب على هوى النفس ، ثم أن استقامته في شبابه ، والثقة البسيطة والطبيعة النبيلة في حياته الباكرة آتت ثمارها في حياته وهو رجل . إن حياته النقية البسيطة وافقت النمو النشيط لقوى جسده وذهنه . وإن شركته مع يهوه في أعماله ، وتأمله في الحقائق العظيمة المسلمة لورثة الإيمان ، كل ذلك رفع من طبيعته الروحية وعظمها ، ووسع عقله وقواه أكثر من أية دراسة أخرى . ثم إن التفاته لواجبه في كل مركز من مراكزه التي مر فيها ، من أدناها إلى أسماها ، كان تدريبا لكل قواه للوصول إلى أعلى خدمة . إن من يحيا حياة مطابقة لإرادة الخالق يحرز لنفسه أصدق وأنبل نمو في الأخلاق . (( هُوَذَا مَخَافَةُ يهوه هِيَ الْحِكْمَةُ ، وَالْحَيَدَانُ عَنِ الشَّرِّ هُوَ الْفَهْمُ )) (أيوب 28: 28) .

قليلون هم الذين يدركون تأثير أمور الحياة الصغيرة في تكوين الأخلاق . ليس شيء مما لنا به شأن يعتبر صغيرا حقا . فالظروف المختلفة التي نواجهها يوما فيوما ، القصد منها اختبار أمانتنا وإعدادنا لمسؤوليات أعظم . فبثباتنا على مبادئنا في شؤون حياتنا العادية يصبح العقل قادرا على الاضطلاع بالواجب أكثر مما لو عمد الإنسان إلى الأميال الباطلة واللذات الوقتية . فالعقول التي تدرب هذا التدريب لا تترجح بين الصواب والخطأ كالقصبة التي تحركها الريح . أمثال هؤلاء يكونون مخلصين لواجبهم لأنهم دربوا أنفسهم على صفات الأمانة والحق . ومتى كانوا أمناء في القليل فسيحصلون على قوة تجعلهم أمناء في الكثير .

إن الخلق القويم هو أثمن بكثير من ذهب أوفير ، إذ بدونه لا يقدر أحد أن يرقى إلى العظمة الشريفة ، ولكن الخلق ليس شيئا يورث أو يباع بالمال . إن السمو الخلقي والصفات الذهنية الجميلة لا يحصل عليها المرء بمحض الصدفة ، وإن أثمن المواهب لن تكون لها قيمة ما لم يرقّها الإنسان ويصلح من شأنها ، وإن تكوين الخلق النبيل هو عمل يحتاج إلى كل يوم من أيام العمر ، ويجب أن يكون نتيجة الجد والمثابرة المتواصلين . إن يهوه يعطى الفرص ، والنجاح موقوف على كيفية انتهازها .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
11
20
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
01
18
Calendar App