5. زمان الضيق
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

"وفي ذلك الوقت يقوم ميخائيل الرئيس العظيم القائم لبني شعبك ويكون زمان ضيقٍ لم يكن منذ كانت أمة إلى ذلك الوقت. وفي ذلك الوقت يُنَجّي شعبك كل من يوجد مكتوباً في السِّفر" (دانيال 12: 1).

عندما تنتهي رسالة الملاك الثالث لا تعود الرّحمة تتوسّل لأجل سكّان الأرض الأثمة. أمّا شعب يهوه فقد أنجزوا عملهم. لقد نزل عليهم "المطر المتأخر" "أوقات  الفرج  من  وجه  يهوه" ، وهم  يُعَدّون لساعة  التّجربة المقبلة عليهم. والملائكة يسرعون في سيرهم هنا وهناك في السماء. وإنّ ملاكاً عائداً من الأرض يعلن أنّ عمله قد كمل وقد جِيء بالامتحان النهائي على الأرض وكل من قد برهنوا على ولائهم لوصايا يهوه قبلوا "ختم يهوه الحيّ" . حينئذٍ يكفّ يهوشوه عن شفاعته في القدس السّماوي. ثم يرفع يديه وبصوتٍ عظيم يقول : "قد تمّ" ، وكلّ الأجناد السّماويين يخلعون أكاليلهم عندما يعلن إعلانه المقدّس قائلاً : "من  يظلم فليظلم بعد ومن هو نجس فليتنجّس بعد ومن هو بار فليتبرّر بعد ومن هو مقدّس فليتقدَس بعد" (رؤيا 22: 11). لقد حُكم في كلّ قضية للحياة أو للموت. لقد صنع المسيّا كفارة عن شعبه ومحا  خطاياهم، وقد اكتمل عدد رعاياه. "المملكة والسلطان وعظمة المملكة تحت كلّ السماء" مزمعة أن تُعطى لورثة الخلاص وسيملك يهوشوه كملك الملوك السّرمدي.

وعندما يُترك القدس يكتنف الظلام ساكني الأرض. وفي ذلك الوقت المخيف ينبغي للأبرار أن يعيشوا أمام إله قدّوس من دون شفيع. ويُرفع الرّادع الذي كان موضوعاً على الأشرار ويكون للشيطان السيادة الكاملة على الذين اختاروا أخيراً عدم الطاعة. لقد انتهى إمهال يهوه. ورفض العالم رحمته وازدرى بحبه وداس على شريعته، وتخطى الأشرار حدَّ امتحانهم. ولكونهم قاوموا روح يهوه بكلّ إصرار فقد انسحب من بينهم أخيراً. وإذ يكونون محرومين من حماية النعمة الإلهية فلن يكون هنالك ما يقيهم شرّ غارات الشرير. وحينئذٍ يوقع الشيطان كلّ سكان الأرض في ضيقة نهائية عظيمة. وإذ يكفّ ملائكة يهوه عن صدّ رياح شهوات النّاس العنيفة وغضبهم الشديد فكلّ عناصر الخصومة والنّزاع ستنطلق. وسيكتنف العالم كلّه خراب أشدَّ هولاً من ذاك الذي حلّ بأورشليم في القديم.

إنّ ملاكاً واحداً أهلك كل أبكار المصريين وملأ البلاد بالنوح والعويل. وعندما أسخط داود يهوه لمّا أحصى الشعب فإنّ ملاكاً واحداً أحدث ذلك الهلاك الرهيب الذي به عوقبت خطيئته. والقوة المدمّرة نفسها التي سيستخدمها الملائكة القدّيسون عندما يأمر يهوه سيستخدمها الملائكة الأشرار عندما يسمح إلهنا بذلك. توجد الآن قوى على تمام الأهبة، إنّما هي تنتظر فقط الإذن من يهوه لتنشر الدّمار في كلّ مكان.

إنّ الذين يكرمون شريعة يهوه قد اتُّهموا بإيقاع الدّينونة على العالم، وسيُعتبرون مسبّبي الاهتزازات والانتفاضات الهائلة التي تحدث في الطبيعة والخصومات وسفك الدماء بين الناس التي قد ملأت الأرض بالويل والشقاء. والسلطان المصاحب لآخر إنذار قد أهاج الأشرار. وأشعل غضبهم ضدّ كلّ من قد قبلوا الرّسالة، والشيطان سيثير روح الكراهية والاضطهاد إلى حدود أشدّ بعداً.

انسحاب  حضور  يهوه

عندما انسحب حضور يهوه من الأمّة اليهودية تاركاً إيّاها أخيراً فالكهنة والشّعب لم يعرفوا ذلك. ومع أنّهم كانوا تحت سلطان الشّيطان وقد تحكّمت فيهم أرهب الأهواء وأخبثها فقد ظلّوا يعتبرون أنفسهم مختاري يهوه. وظلت الخدمة في الهيكل كما كانت. وكانت الذبائح تُقَدّم على مذابحهم المنجسة، وكان الكهنة كلّ يوم يبتهلون في طلب البركة على شعب مجرم أراق دم ابن يهوه الحبيب. وكان الشعب يطلب قتل خدّامه ورسله. وهكذا عندما يُنطق بحكم القدس الذي لا يُرد ويتقرّر مصير العالم إلى الأبد فسكّان الأرض لن يعرفوا ذلك. وطقوس الديانة سيظلّ يمارسها ذلك الشعب الذي قد انسحب من بينه روح يهوه نهائياً، والغيرة الشيطانية التي سيضرمها في قلوبهم سلطان الشرّ لإتمام أغراضه الخبيثة ستتّخذ مظهر الغيرة ليهوه.

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس السبت الحالي "Saturday". يجب أيضا الأخذ في الاعتبار أن السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الجريجوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائما في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر، الأمر الذي لا يستطيع أن يفعله أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.

وبما أنّ السبت قد صار هو نقطة النزاع في كل العالم المسيحي، وقد اتّحدت السّلطات الدّينية والدنيوية معاً على إرغام النّاس على حفظ يوم الأحد، فإنّ الرّفض الثّابت الذي تبديه أقليّة صغيرة للخضوع للأمر العام سيجعلهم عرضة وهدفاً للعنات الجميع وشتائمهم. وسيلحّ الناس على عدم التّساهل مع تلك الفئة القليلة التي تقف ضدّ تشريع الكنيسة وقانون الدولة، وإنّه خير لهم أن يتألموا من أن تنساق أمم كاملة إلى الارتباك والعصيان. إنّ هذه  الحجة  نفسها  قدمها  رؤساء  الشعب منذ 1800سنة حين قال قيافا الماكر : "خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمّة كلّها" (يوحنا 11: 50). وهي ستبدو قاطعة فيصدر أخيراً منشور ضدّ الذين يقدّسون سبت الوصية الرّابعة يتّهمهم بأنّهم يستحقّون أقصى عقوبة، وبعد وقت تُعطى للشّعب الحريّة لقتلهم. إنّ الكاثوليكية في الدّنيا القديمة والبروتستانتية المرتدّة في الدنيا الجديدة ستتّخذان إجراء مماثل حيال من يحفظون كلّ وصايا يهوه.

وستكتنف  شعب  يهوه  حينئذ  مشاهد  البلايا  والضيقات  تلك  التي  يصفها النّبي  بأنّها  وقت  ضيق  يعقوب. فيقول  إرميا : "هكذا  قال  يهوه  صوت  ارتعاد سمعنا خوف ولا سلام ... تحوّل كلّ وجه إلى صفرة. آه لأنّ ذلك اليوم  عظيم  وليس  مثله  وهو  وقت  ضيق  على  يعقوب  ولكنّه  سيخلص  منه" (إرميا 30: 5 ـــ 7).

يعقوب  يرتعد  من  الخوف

إنّ اللّيلة التي قضاها يعقوب في الكرب والعذاب عندما صارع في الصّلاة في طلب الخلاص من يد عيسو (تكوين 32: 24 ــــ 30). إنّما ترمز إلى اختبار شعب يهوه في وقت الضّيق. فبسبب خداعه الذي لجأ إليه ليظفر ببركة أبيه التي كان المقصود بها عيسو هرب يعقوب طالباً النّجاة إذ كان خائفاً من تهديدات أخيه له بالموت. وبعدما بقي متغرِّباً سنين كثيرة خرج امتثالا لأمر يهوه ليعود بزوجاته وأولاده وقطعانه ومواشيه إلى أرض ميلاده. وعندما وصل إلى تخوم البلاد امتلأ قلبه رعباً وهلعاً عندما بلغته أنباء قدوم عيسو إليه على رأس فرقة من المحاربين، وكان بلا شكّ قادماً ليثأر لنفسه. وأمّا الجماعة التي كان يعقوب على رأسها فلم تكن مسلّحة ولا تملك وسائل دفاع، فبدا أعضاؤها كأنّهم موشكون أن يسقطوا غنيمة عاجزة للقسوة والقتل. وقد أُضيف إلى حمل الجزع والخوف حمل آخر ساحق هو لوم يعقوب نفسه لأنّ خطيئته هي التي أوقعته في هذا الخطر. فكان رجاؤه الوحيد في رحمة يهوه، وينبغي أن تكون الصلاة ملاذه الوحيد. ومع ذلك فمن جانبه كان لا يهمل عمل شيء من شأنه أن يكفّر عن ظلمه لأخيه لكي يحول بعيداً عنه الخطر الذي يتهدّده. وهكذا يجب على أتباع المسيّا عندما يقتربون من وقت الضيق أن يبذلوا كلّ ما في طوقهم حتى يضعوا أنفسهم في نور لائق أمام الشّعب لكي يجرّدوا التّعصّب من سلاحه ويبعدوا عن أنفسهم الخطر الذي يتهدّد حرية الضمير.

وحده  مع  يهوه

فبعدما أجاز يعقوب عائلته بعيداً حتى لا يشهدوا كربه بقي وحده ليتشفع أمام يهوه. إنّه يعترف بخطيئته، وبكلّ شكر يعترف برحمة يهوه نحوه، بينما هو بكلّ  تذلّل  يطالب بعهد  يهوه مع آبائه ووعوده له هو  بالذّات في ليلة الرؤيا  التي  رآها  في  بيت إيل  وفي  أرض غربته. وقد حلّت ساعة الأزمة في حياته. فكلّ شيء معرّض للخطر. ففي الظّلمة والوحدة يظل مصليّاً متذلّلاً أمام  يهوه. وفجأةً  توضع  يدٌ  على  كتفه. فيظن أنّ عدوّاً ينوي اغتياله وبكلّ قوّته اليائسة يصارع مهاجمه. وعندما يطلع الفجر يستخدم  ذلك  الغريب قوّته التي تفوق قوّة البشر. ويبدو أنّ قبضته شلّت قوى الرجل القويّ يعقوب الذي  يسقط عاجزاً  باكياً متوسّلاً على عنق خصمه الغامض ويعرف حينئذٍ أنّ ذاك الذي كان في صراعٍ معه إنّما هو ملاك  العهد. ومع أنّه كان عاجزاً  ويحسّ  بأقسى الآلام  فإنّه لا يتراجع ولا يتنحَّى عن غرضه. وقد طال تحمّله للحيرة والنّدامة والضّيق لأجل خطيئته، أمّا الآن فلا بُدّ له من الحصول على يقين الغفران. ويبدو على الزّائر الالهي أنّه موشكٌ أن يرحل لكنّ يعقوب يتعلّق به متوسّلاً في طلب البركة. قال له ملاك العهد :  "اطلقني لأنّه قد طلع الفجر" ،  لكنّ  ذلك  الشّيخ يصرخ قائلاً : "لا أطلقك إن لم تباركني" أيُّ  ثقة  هذه وأيُّ ثباتٍ ومواظبة نراها ممثّلة أمامنا! فلو كان هذا ادّعاءً وقحاً فخوراً لكان يعقوب قد هلك في الحال، لكنّ يقينه كان يقين إنسان يعترف بضعفه وعدم استحقاقه ومع ذلك يثق برحمة يهوه، حافظ العهد.

"جاهد مع الملاك وغلب" (هوشع 12: 4). فبواسطة التّذلّل والتّوبة وتسليم الذّات انتصر هذا الإنسان  الفاني المذنب الخاطئ  في جهاده مع جلال السماء. بيده المرتعشة تمسّك بمواعيد  يهوه  فلم  يستطع  قلب  المحبّة غير المحدودة أن يصدّ توسّل هذا الإنسان الخاطئ. وكبرهان على انتصاره وتشجيعاً للآخرين على التّمثّل به تغيّر اسمه الذي كان يذكّر بخطيئته واستُبدِل باسم صار تذكاراً لانتصاره. وحقيقة كون يعقوب قد انتصر في جهاده مع يهوه كان ضماناً لانتصاره مع النّاس فما عاد يخشى مواجهة غضب أخيه لأنّ يهوه كان حصنه.

لقد اشتكى الشيطان على يعقوب أمام ملائكة يهوه مدّعياً لنفسه الحقّ في إهلاكه بسبب خطيئته. وقد  حرَّض عيسو على التّقدّم لمحاربته، وفي أثناء تلك الليلة التي قضاها ذلك الرّجل الشّيخ في المصارعة  والمجاهدة حاول الشيطان أن يهاجمه بالشّعور بذنبه لكي يجعله يخور ويفلت  يده من التّشبّث  بيهوه. وكاد  يعقوب  يسقط  في  اليأس  ولكنّه  علم  أنّه  إن  لم يحصل  على  معونة  سماوية  فهو  لا  محالة  هالك. لقد اعترف  بخطيئته العظيمة  بكلّ  إخلاص  وتوسّل  في  طلب  رحمة  يهوه. ولم  يرد  أن  يتحوّل عن  غرضه  بل  تمسّك  بالملاك  بكلّ  قوّته  وقدّم  طلبته  بصرخات  الألم  الحارّة  والعذاب النّفسي إلى أن غلب.

الشّيطان  عدو  شعب  يهوه

وكما أوعز الشيطان إلى عيسو أن يخرج لمحاربة يعقوب كذلك سيثير الأشرار لإهلاك  شعب  يهوه  في  زمان  الضيق. وكما  اشتكى على يعقوب  سيقدّم  اتّهاماته  ضد شعب  يهوه. إنّه  يعتبر سكان  العالم  رعايا له، لكنّ  الشرذمة  القليلة  الذين  يحفظون  وصايا  يهوه  يقاومون  سلطانه. فلو  أمكنه أن  يمحوهم من على  وجه  الأرض  لكان  انتصاره  كاملاً. ولكنّه  يرى أنّ الملائكة  القدّيسين  يحرسونهم  ويستنتج من ذلك أنّ خطاياهم قد غُفرت ولكنّه لا يعلم أنّ قضاياهم قد بُتَّ فيها في القدس السّماوي.  إنّ لديه معرفة دقيقة بالخطايا التي قد جرّبهم ليرتكبوها فيستعرض هذه الخطايا أمام يهوه في نور مبالغ  فيه  جدّاً، وهو  يصوّر هذا الشّعب على أنّه يستحقّ الطّرد بعيداً عن رضى يهوه مثله هو تماماً، ويعلن أنّ يهوه لا يكون عادلا إذا غفر خطاياهم وفي الوقت نفسه يهلكه هو وملائكته. وهو يدّعي أنّهم فريسته ويطلب تسليمهم  إليه ليهلكهم.

وكما يتّهم الشّيطان شعب يهوه بسبب خطاياهم فالسّيّد يسمح له بأن يجرّبهم إلى أقصى الحدود. وستُمتحن ثقتهم بيهوه وإيمانهم وثباتهم بكلّ دقّة. وإذ يراجعون الماضي تضعف آمالهم لأنّهم مدى حياتهم لا يرون إلاّ قليلاً من الخير. ويشعرون شعوراً كاملاً بضعفهم وعدم استحقاقهم. والشّيطان يحاول أن يرعبهم بالفكر أنّ قضيّتهم ميئوس منها وأنّ لوثات نجاستهم لا يمكن أن تُمحى. وهكذا يحاول أن يلاشي إيمانهم حتّى يخضعوا لتجاربه وينفضوا أيديهم من الولاء ليهوه.

ومع أنّ شعب يهوه سيكونون محاطين بأعداء قد عقدوا العزم على إهلاكهم فإنّ العذاب الذي يتألمون  منه ليس الخوف من اضطهادهم لأجل الحق بل الخشية من أن لا يكونوا قد اعترفوا بكلّ خطيئة اقترفوها والإخفاق بسبب خطأ فيهم في التّأكّد من وعد المخلّص القائل : "سأحفظك من ساعة التّجربة العتيدة أن تأتي على العالم كلّه" (رؤيا 3: 10). فلو أمكنهم الحصول على يقين الغفران لما انكمشوا أمام العذاب أو الموت، أمّا إذا برهنوا على عدم استحقاقهم وخسروا حياتهم بسبب نقص أخلاقهم فاسم يهوه القدّوس سيلحقه العار بسببهم.

إنّهم من كلّ جانب يسمعون بمؤامرات الخيانة ويرون أعمال العصيان الناشطة، وفي أعماق نفوسهم توجد رغبة حارّة وشوق قلبي شديد إلى انتهاء الارتداد العظيم ووضع حدّ لشر الأشرار. ولكن فيما هم يجاهدون مع يهوه حتى يوقف عمل العصيان فإنّهم يحسّون إحساساً جارحاً إذ يلومون أنفسهم لأنّه لا قوّة عندهم تكفي للمقاومة وصدّ تيار الشرّ القوي. وهم يحسّون أنّهم لو استخدموا كلّ قواهم في خدمة المسيّا وتقدّموا من قوّة إلى قوّة لكانت كلّ قوّات الشّيطان تمسي أضعف من أن تنتصر عليهم.

إنّهم يذلّلون أنفسهم أمام يهوه ويشيرون إلى توبتهم الماضية عن خطاياهم الكثيرة، متوسّلين إلى المخلص أن يتممّ لهم هذا الوعد : "يتمسّك بحصني فيصنع صلحاً معي. صلحاً يصنع معي"(إشعياء 27: 5). إنّ إيمانهم لا يضعف لأنّهم لم يتلقّوا إجابة سريعة لصلواتهم. ومع أنّ ذلك التّأخير يوقعهم تحت طائلة الجزع الشّديد والرّعب والضّيق فإنّهم لا يكفّون عن تقديم توسّلاتهم. إنّهم يتمسّكون بقوّة يهوه كما قد تمسّك يعقوب بالملاك، ولسان حال نفوسهم هو هذا : "لا أطلقك إن لم تباركني" .

محو  الخطايا

ولو لم يكن يعقوب قد سبق فتاب عن خطيئته في الحصول على البكورية بالمخاتلة لما سمع يهوه صلاته وبرحمته صان حياته. وكذا في وقت الضيق  لو كانت  قد  بقيت عليهم خطايا لم يعترفوا بها  وهم  معذبون بالخوف والآلام لكانوا ينغلبون ويرتبكون، ولكان اليأس يقضي على إيمانهم ولما بقيت عندهم ثقة بها يتقدّمون إلى يهوه في طلب النّجاة. ولكن في حين أنّهم يشعرون شعوراً عميقاً بعدم استحقاقهم فلا تبقى في قلوبهم خطايا مستترة ليكشفوا عنها. لقد دينت خطاياهم من قبل ومُحيت، ولا يمكن أن تُذكر بعد.

يجعل الشّيطان كثيرين يعتقدون أنّ يهوه سيتغاضى عن عدم أمانتهم في شؤون الحياة الصغرى، لكنّْ يهوه يبرهن في معاملته ليعقوب أنّه لا يمكن أن يقرّ الشرّ أو يتسامح معه. وكلّ من يحاولون الاعتذار عن خطاياهم أو إخفاءها ويتركونها مسجّلة في أسفار السّماء من دون أن يعترفوا بها أو تغفر سينهزمون أمام الشيطان. وكلّما كان ادّعاؤهم معظمّاً ومركزهم محترماً كان تصرّفهم مغيظاً ومكدِّراً ليهوه وكان  انتصار  العدو العظيم مؤكّداً. والذين  يؤخّرون  الاستعداد  ليوم  يهوه لا يمكنهم الاستعداد في زمان الضيق أو أيّ زمن يأتي بعده. إنّ حالة  أمثال هؤلاء هي حالة ميئوس منها.

إنّ المعترفين بالمسيحية الذين يتقدّمون إلى ذلك الصّراع الهائل وهم غير مستعدّين ففي يأسهم  سيعترفون بخطاياهم بكلمات مؤلمة ملتهبة في حين يبتهج الأشرار بالضيق الذي يحل بهم. هذه الاعترافات شبيهة باعتراف عيسو أو يهوذا. فالذين يقدّمونها يندبون ليس جرم الخطيئة بل قصاصها. فهم لا يشعرون بانسحاق حقيقي أو كراهة للشرّ. إنّهم يعترفون بخطيئتهم خيفة القصاص، ولكن عندما يكفّ العقاب يعودون إلى تحدّيهم للسماء كما كانت الحال مع فرعون قديماً.

ثمّ إنّ تاريخ يعقوب هو أيضاً  ضمان  لحقيقة  كون  يهوه  لن  يطرح بعيداً  أولئك  الذين  قد غُرّر  بهم  وجُرِّبوا وسقطوا في الخطيئة ولكنّهم رجعوا إليه  بتوبة  صادقة. ففي  حين أنّ الشّيطان  يحاول  إهلاك  هذه الفئة من النّاس فيهوه  سيرسل  ملائكته  لتعزيتهم  وحراستهم  في  وقت الخطر. إنّ الشّيطان  يقوم  بهجماته بكلّ عنف وإصرار. وضلالاته مرعبة، ولكنّ عين السّيّد هي على شعبه وأذنه تصغي إلى  صرخاتهم. ضيقهم عظيم ويبدو كأنّ لهب الأتون موشكة أن تلتهمهم، ولكنّ الممحِّص سيخرجهم  كالذّهب  المصفّى  بالنّار. ولن  تتغيّر محبة  يهوه  لأولاده عندما  يجوزون في أقسى التّجارب  بل  تظلّ  كما  كانت في وقتها ورقّتها أيّام  الصّفاء  والنّجاح. ولكن  ينبغي أن  يُوضعوا  في  أتون  النار  حتّى يحترق  تعلّقهم بما هو أرضي  ويمكنهم أن يعكسوا  صورة المسيّا  في كمال  بهائها.

الإيمان  الثّابت

يتطلّب وقت الضيق والألم اللّذين ينتظراننا إيماناً يتحمّل الكلال والتّأخير والجوع، ولا يهن ويضعف  حتى ولو جُرِّب بكلّ شدّة وصرامة. وتُمنح فترة الاختبار للجميع ليتأهّبوا لذلك الوقت. لقد غلب يعقوب بسبب مواظبته وتصميمه. ونصرته برهان على اقتدار الصلاة التي تقدَّم بلجاجة. وكلّ من يريدون التّمسّك بمواعيد يهوه كما قد فعل هو ويكونون حارّين وجادّين ومداومين على الصّلاة  مثله  سينجحون  كما قد نجح. أمّا الذين لا يرغبون في إنكار الذّات أو المكافحة والمجاهدة أمام  يهوه، أو الصلاة وقتاً  طويلاً وبكلّ غيرة وحرارة في طلب بركته، فلن ينالوها. المجاهدة مع يهوه ـــ ما أقلّ من يعرفون ما هي! ما أقلّ الذين قد انجذبت نفوسهم نحو يهوه في شدّة لهفتهم حتّى وصلت كلّ قواهم إلى أقصى حدودها. عندما تكتسح المصلّيَ أمواج اليأس الذي لا يمكن التّعبير عنه فما أقلّ من يتعلّقون بمواعيد يهوه بإيمان لا يكلّ ولا يسلِّم.

إنّ الذين يمارسون إيماناً قليلاً الآن هم في أعظم خطر من السّقوط تحت سلطان خدع الشيطان والأمر بإرغام الضمير. وحتى لو صمدوا للامتحان فسيغمرهم حصر وألم عظيمان في زمان الضيق لأنّهم لم يتعوّدوا الاتّكال على السّيّد. ودروس الإيمان التي أهملوها سيضطرون إلى تعلّمها تحت الضغط المخيف النّاتج من خور العزيمة والخوف.

علينا الآن أن نتعرَّف بيهوه بتكشف مواعيده. إنّ الملائكة يسجّلون كلّ صلاة حارّة مخلصة. وحريٌّ بنا أن نستغني عن المسرّات الأنانية فلا نهمل الشّركة مع يهوه. فأعمق فقر وأعظم إنكار للذّات مع رضى يهوه واستحسانه أفضل من الغنى والكرامة والرّاحة والصداقة من دون رضاه. علينا أن نقضي وقتاً في الصّلاة. إنّنا إذا كنّا نسمح لعقولنا بأن تنشغل في المسرّات العالمية والمصالح الدّنيوية فقد يعطينا السّيّد وقتاً بنزعه من قلوبنا أصنام الذهب أو البيوت أو الأرض الخصبة.

قد لا يُغوى الشّباب على ارتكاب الخطيئة إذا كانوا يرفضون السّير في طريق غير ذلك الذي يمكنهم فيه أن يسألوا بركة يهوه. إذا كان الرّسل الذين يحملون  الإنذار  الأخير  الخطير  إلى  العالم  يصلّون  طلباً  لبركة يهوه ليس بطريقة باردة فاترة متكاسلة بل بحرارة وإيمان كما قد فعل يعقوب فسيجدون أماكن كثيرة فيها يمكنهم أن يقولوا : "نظرت يهوه وجهاً لوجه ونُجيت نفسي" (تكوين 32: 30). وسيُعتبرون في نظر السّماء كأمراء إذ جاهدوا مع يهوه والنّاس وقدروا.

"زمان الضيق الذي لم يكن مثله"  قادم علينا سريعاً وسنحتاج إلى اختبار لا نملكه الآن ويتكاسل كثيرون في الحصول عليه. والواقع في غالب الأحيان هو أنّ توقّع حدوث الضّيق أعظم منه في حقيقته، ولكن هذا لا يصدق على الأزمنة التي أمامنا. فأجلى عرض لا يمكنه تصوير جسامة التّجربة  كما يجب. ففي  وقت  التجربة  ذاك على كل إنسان أن  يمثل  بنفسه  أمام  يهوه. "وفي  وسطها  نوح  ودانيال  وأيّوب  فحي أنا  يقول يهوه أنّهم لا يخلّصون ابناً ولا ابنة. إنّما  يخلّصون  أنفسهم  ببرّهم" (حزقيال 14: 20).

كاملون  في  المسيّا

فالآن حين يقدّم رئيس كهنتنا العظيم الكفّارة عنا ينبغي أن نجتهد لنكون كاملين في المسيّا. إنّ مخلّصنا لم يسلّم لقوّة التّجربة ولو بمجرّد الفكر. والشّيطان يجد في قلوب النّاس بعض نقاط الضّعف التي يمكنه أن يجد فيها موضعاً لقدمه، إذ يحتضن الإنسان شهوة خاطئة يستطيع بواسطتها أن يزيد من قوّة تجاربه. لكنّ المسيّا أعلن قائلاً عن نفسه : "رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء" (يوحنا 14: 30). فلم يستطع الشّيطان أن يجد في ابن يهوه شيئاً يجعله قادراً على إحراز النّصرة. لقد حفظ وصايا أبيه ولم توجد فيه خطيئة يمكن للشّيطان استخدامها لصالحه. هذه هي الحالة التي ينبغي أن يكون عليها الذين سيثبتون في زمان الضّيق.

علينا ونحن في هذه الحياة أن نبعد عنّا الخطيئة بالإيمان بدم المسيّا المكفِّر. إنّ مخلّصنا العزيز يدعونا لأن نتّحد به فيرتبط ضعفنا بقدرته وجهلنا بحكمته وعدم استحقاقنا باستحقاقاته. وعناية يهوه هي المدرسة التي علينا أن نتعلّم فيها وداعة يهوشوه وتواضعه. والسّيّد يضع نصب عيوننا دائماً ليس الطريق الذي نختاره، الطريق السّهل علينا والمُسرّ لنا، بل أهداف الحياة الحقيقية. إنّ الأمر بين أيدينا في أن نتعاون مع القوّات التي تستخدمها السماء في عمليّة جعل أخلاقنا على مثال النّموذج الإلهي. وكلّ الذين يهملون هذا العمل أو يؤخّرونه يجلبون على أنفسهم أرهب المخاطر.

لقد سمع يوحنا الرّسول في رؤياه صوتاً عظيماً في السماء يقول : "ويلٌ لساكني الأرض والبحر لأنّ إبليس نزل إليكم وبه غضب عظيم عالماً أنّ له زماناً قليلاً" (رؤيا 12: 12). إنّ المشاهد التي استوجبت صدور هذه الصرخة من الصوت السماوي هي مشاهد مخيفة، فغضب الشيطان يزيد بنسبة قصر مدته، وسيصل عمله الخدّاع المهلِك إلى أقصى حدوده في زمان الضيق.

وستظهر في السّموات مناظر مخيفة فائقة الطبيعة كعلامة وبرهان على قوّة الشياطين الصّانعة الآيات. وستخرج أرواح الشياطين إلى ملوك الأرض وإلى العالم كلّه لتثبِّتهم في الخداع وتشدّد عليهم في الاتّحاد مع الشيطان في معركته الأخيرة ضدّ حكم السّماء. وبواسطة هذه القوّات سيُغوى الحكّام ورعاياهم في السّوء. وسيقوم أشخاص يدّعون أنّهم المسيّا نفسه وينتحلون الحقّ في الألقاب والعبادة التي هي من حقّ فادي العالم وحده. وسيصنعون معجزات شفاء عجيبة، وسيدّعون أنّهم تلقّوا إعلانات من السماء مناقضة لشهادة الكتاب.

أعظم  حادث

وآخر فصل من فصول رواية الخداع هو أنّ الشّيطان نفسه سيظهر في شكل المسيّا. لقد اعترفت الكنيسة طويلاً بأنّها تنتظر مجيء المخلّص كنهاية آمالها. فالآن سيجعل المخادع العظيم الأمر  يبدو كما  لو أنّ  المسيّا  قد جاء. ففي جهات مختلفة  من العالم  سيظهر الشيطان  نفسه  بين النّاس ككائن  مهيب  ينبعث  منه  نور يبهر  الأبصار  يشبه  الوصف  الذي  أورده يوحنا في سفر الرؤيا عن ابن يهوه (رؤيا 1: 13 ـــ 15). والمجد الذي يحيط بالشيطان لن يفوقه مجد ممّا قد رأته عين بشر. وسيدوي في الهواء هتاف الانتصار قائلاً : "قد أتى المسيّا ! قد أتى المسيّا !" والنّاس سينطرحون ساجدين أمامه  في حين  يرفع  هو  يديه مباركاً إيّاهم  كما  قد  بارك المسيّا تلاميذه حين كان على الأرض. صوته رقيق ومنخفض ومع ذلك فهو مليء  بالألحان. وبنغمات رقيقة مشفقة يقدّم بعضاً من الحقائق الجميلة السّماوية نفسها التي نطق بها المخلّص، فهو يشفي أمراض النّاس، وبما أنّه قد اتّخذ صفة المسيّا وهيئته يَّدعي أنّه قد أبدل السّبت بالأحد ويأمر الجميع بتقديس اليوم الذي باركه. ثم يعلن أنّ كلّ من يصرّون على تقديس اليوم السابع يجدّفون على اسمه برفضهم الإصغاء إلى ملائكته الذين أرسلهم إليهم بالنّور والحق. هذا هو الخداع القوي الذي يكاد يكون مسيطراً. وكأهل السّامرة الذين قد خدعهم سيمون السّاحر فجماهير النّاس من الأدنياء إلى العظماء يلتفتون إلى أعمال السّحر هذه قائلين هذا هو "قوّة يهوه العظيمة" (أعمال 8: 10).

لكنّ شعب يهوه لن يمكن تضليلهم. إنّ تعاليم هذا المسيّا الكذّاب ليست متوافقة مع تعاليم الكتاب. إنّ البركة يُنطق بها على عابدي الوحش وصورته وهم الجماعة نفسها الذين يعلن الكتاب أنّ غضب يهوه سينصبّ صرفاً عليهم.

وأكثر  من  هذا  فإنّ  الشيطان  لا  يُسمح  له  بتزييف  كيفية  مجيء  المسيّا. لقد  حذّر  المخلّص  شعبه  من الضّلال في هذا الأمر وبكلّ  وضوح  أنبأهم بكيفية مجيئه الثاني إذ يقول : "لأنّه  سيقوم  مسحاء  كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب  حتى  يضلّوا  لو أمكن المختارين أيضاً ... فإن  قالوا  لكم ها هو في البرية فلا تخرجوا. ها هو في المخادع  فلا تصدّقوا لأنّه كما أنّ البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب هكذا يكون أيضا مجيء ابن الإنسان" (متى 24: 24 ـــ 27, 31؛ 25: 31؛ رؤيا 1: 7؛ 1 تسالونيكي 4: 16, 17 ). هذا المجيء لا يمكن تزييفه. فسيعرفه الجميع وسيراه العالم كلّه.

الحماية  من  الضلالة

وحدهم الذين كانوا دارسين بجدّ الكتاب المقدّس وقبلوا محبة الحقّ هم الذين سيحصلون على الحماية  من الضّلالة القويّة التي ستأسر العالم كلّه. فبواسطة شهادة الكتاب سيكتشف هؤلاء النّاس المخادع في تنكّره. وستجيء على الجميع أزمنة امتحان صعبة. فإذ تغربلهم التّجربة سيُعرف المسيحي الحقيقي. فهل  شعب  يهوه  مبنيّون بكلّ ثبات على كلمته بحيث لا يخضعون ولا يسلّمون لبرهان حواسهم؟ وهل في مثل هذه الحالة المتأزّمة يتمسّكون بالكتاب ولا شيء سواه؟ إنّ الشّيطان  سيحاول  لو أمكنه أن يحول بينهم وبين الحصول على استعداد للثّبات في ذلك اليوم. وسيرتبّ الأمور بحيث يسيِّج طريقهم ويعرقلهم بكنوز الأرض ويجعلهم يحملون عبئاً ثقيلاً متعباً حتى تثقل قلوبهم بهموم هذه الحياة ويُقدِم عليهم ذلك اليوم كلص.

وإذ يصدر الأمرَ مختلف حكاّم العالم المسيحي ضدّ حافظي الوصيّة بحرمانهم من حماية الحكومة وتركهم تحت رحمة الذين يقصدون إهلاكهم، فإنّ شعب يهوه سيهربون من المدن والقرى ويجتمعون معاً في جماعات ويسكنون في الأماكن الموحشة المنعزلة. وكثيرون سيجدون لهم ملجأ في حصون الجبال. وكالمسيحيين الذين كانوا يعيشون في أودية بيدمونت سيجعل هؤلاء أيضاً من  مرتفعات  الأرض  مقادس  لهم  وسيشكرون  يهوه  على "حصون الصخور" (إشعياء 33: 16). لكنّ كثيرين من كلّ الأمم ومن كل الطّبقات، العظماء والأدنياء والأغنياء والفقراء والسّود والبيض، سيقعون في أشدّ عبودية قاسية ظالمة. وسيقضي أحباء يهوه أيّاماً مضنية مكبّلين بالقيود محبوسين في السّجون ومحكوماً عليهم بالقتل، والبعض منهم سيُتركون على ما يبدو ليموتوا جوعاً في سجون مظلمة كريهة. لا أذن بشرية تصغي إلى أنينهم ولا يد بشرية تمتدّ بالعون لهم.    

هل  ينسى  السّيّد  شعبه؟

فهل ينسى السّيّد شعبه في ساعة المحنة القاسية هذه؟ وهل  نسي  نوحاً الأمين عندما افتقد بالدينونة العالمَ قبل الطّوفان؟ هل نسي لوطاً عندما نزلت النار من السماء لتحرق مدن السّهل؟ وهل نسي يوسف وهو محاط بالوثنيين في مصر؟ وهل نسي إيليا عندما هدّدته  إيزابل  بقسَم  أن  يكون  مصيره كمصير أنبياء  البعل؟ وهل نسي إرميا عندما ألقي في الجبّ المظلم الموحش في بيت سجنه؟ وهل نسي الفتية الثّلاثة في أتون النار؟ أو دانيال في جبّ الأسود؟

"وقالت صهيون قد تركني يهوه ويهوه نسيني. هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ حتّى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساك. هوذا على كفَّي نقشتكِ" (إشعياء 49: 14 ـــ 16). لقد قال سيّد الجنود : "من يمسُّكم يمسّ حدقة عينه" (زكريا 2: 8).

ومع أنّ الأعداء قد يطرحونهم في السّجن فإنّ أسوار السّجن لا يمكنها أن تقطع صلة أرواحهم بالمسيّا. إنّ ذاك الذي يرى كلّ ضعف فيهم والعليم بكلّ تجاربهم هو فوق كلّ سلاطين الأرض. والملائكة سيزورونهم في غرف سجنهم الموحشة مقدّمين إليهم نوراً وسلاماً من السّماء. وسيكون السّجن كالقصر لأنّ الأغنياء في الإيمان حالّون فيه، وجدران السجن المظلمة سينيرها نور سماوي كما حدث عندما كان بولس وسيلا يصلّيان ويسبّحان يهوه في نصف اللّيل في سجن فيلبّي.

ضربات  يهوه

وستقع ضربات يهوه على الذين يحاولون مضايقة شعبه وإهلاكهم. إنّ صبره الطّويل الأمد على الأشرار يجرِّئ النّاس على الإمعان في العصيان، ومع  ذلك  فإنّ  قصاصهم  أكيد  ومرعب  لأنّه  تأجّل  وقتاً  طويلاً "لأنّه كما في جبل فراصيم يقوم يهوه وكما في الوطاء عند جبعون يسخط ليفعل فعله فعله الغريب وليعمل عمله عمله الغريب" (إشعياء 28: 21). إنّ عمل القصاص هو في نظر إلهنا الرّحيم عمل غريب. "حيٌّ أنا يقول السّيّد يهوه أنّي لا أُسَرّ بموت الشّرير" (حزقيال 33 : 11). السّيّد "إلهٌ رحيم ورؤوف بطيء الغضب وكثير الإحسان والوفاء ... غافر الإثم والمعصية والخطيئة" ، ومع ذلك فهو "لن يبرئ إبراءً" ، "يهوه بطيء الغضب وعظيم القدرة ولكنّه لا يبرئ البتّة" (خروج 34: 6, 7؛ ناحوم 1: 3). وسيزكّي السّيّد سلطان شريعته المدوسة بالأقدام برهبته وبرِّه. فصرامة القصاص الذي ينتظر العصاة يمكن الحكم عليه من نفور يهوه في تنفيذ العدل. إنّ الأمّة التي يُصبَر عليها طويلاً والتي لن يضربها حتى تملأ مكيال إثمها في تقدير يهوه ستشرب كأس الغضب غير الممزوج بالرحمة.

وعندما يكفّ المسيّا عن الشّفاعة في القدس ينسكب الغضب الصّرف المُهدّد به أولئك الذين يسجدون للوحش ولصورته ويقبلون سمته (رؤيا 14: 9, 10). فالضّربات التي وقعت على مصر عندما كان يهوه مزمعاً أن يخلّص العبرانيين كانت شبيهة في نوعها بتلك الضربات الأشدّ هولاً وشمولاً التي ستنصبّ على العالم قبيل نجاة شعب يهوه تماماً. يقول الرّائي وهو يصف تلك الضّربات المخيفة : "حدثت دمامل خبيثة ورديّة على النّاس الذين بهم سمة الوحش والذين يسجدون لصورته" . والبحر "صار كدمّ ميّت وكلّ نفس حيّة ماتت في البحر" . و "الأنهار ... وينابيع المياه فصارت دماً" ، ومع أنّ هذه العقوبات رهيبة فإنّ قضاء يهوه وعدله سيبقى مُزكّى بالتّمام. إنّ ملاك يهوه يعلن قائلاً : "عادلٌ أنت أيّها السّيّد ... لأنّك حكمت هكذا لأنّهم سفكوا دم قدّيسين وأنبياء فأعطيتهم دماً ليشربوا لأنّهم مستحقّون" (رؤيا 16: 2 ـــ 6 ). فإذ حكموا بالموت على شعب يهوه فقد جلبوا دم أولئك الأبرار على أنفسهم كما لو كانوا قد سفكوه بأيديهم. وبمثل هذه الطريقة أعلن يهوشوه لليهود في عهده بأنّهم مجرمون سفكوا دم كلّ القدّيسين منذ أيّام هابيل لأنّ روح الإجرام نفسها كانت فيهم وكانوا يحاولون أن يعملوا ما عمله قتلة الأنبياء أنفسهم.

ضربة  النار

وفي الضربة التّالية أُعطي للشّمس السّلطان "أن تحرق النّاس بنار. فاحترق الناس احتراقاً عظيماً" (رؤيا 16: 8, 9). وهذا ما يصف به الأنبياء حالة الأرض في هذا الوقت المخيف: "ناحت الأرض... لأنّه قد تلف حصيد الحقل ... كلّ أشجار الحقل  يبست. إنّه  قد  يبست  البهجة  من  بني  البشر". "عفنت الحبوب تحت مدرها خلت الأهراء ... كم تئنّ البهائم. هامت قطعان البقر لأن ليس لها مرعى ... جداول المياه قد جفّت والنّار أكلت مراعي البريّة" "تصير أغاني القصر ولاول في ذلك اليوم يقول السّيّد يهوه. الجثث كثيرة يطرحونها في كلّ موضع بالسّكوت" (يوئيل 1: 10 ـــ 12 , 17 ـــ 20؛ عاموس 8: 3 ).

هذه الضّربات لا تشمل العالم بأسره وإلاّ لكان كلّ سكّان الأرض يبادون تماماً. ومع ذلك فإنّها ستكون أرهب الضّربات التي عرفها النّاس. إنّ كلّ الضّربات التي حلّت بالنّاس قبل نهاية زمن النعمة كانت ممتزجة بالرّحمة. فدم المسيّا المتوسِّل قد حفظ الخاطئ من تحمّل كلّ مكيال إثمه، أمّا في الدينونة الأخيرة فسينصبّ الغضب الصّرف أي غير الممزوج بالرّحمة.

وفي ذلك اليوم سيرغب النّاس في الاحتماء برحمة يهوه التي قد ازدروا بها طويلاً : "هوذا أيّام تأتي يقول السّيّد يهوه أرسل جوعاً في الأرض لا جوعاً للخبز ولا عطشاً للماء بل لاستماع كلمات يهوه. فيجولون من بحر إلى بحر ومن الشّمال إلى المشرق يتطوّحون ليطلبوا كلمة يهوه فلا يجدونها" (عاموس 8: 11,  12 ).

يشبعون  في  زمن  الجوع

لن يُعفى شعب يهوه من الآلام، لكنّهم إذ يكونون مضطهدين ومتضايقين يتحمّلون العوز ويتألّمون لحاجتهم إلى الطّعام فلن يُتركوا ليهلكوا. فذلك الإله الذي اعتنى بإيليا لن يُغضي عن أيّ واحد من أولاده المضحّين بأنفسهم، ذاك الذي يحصي شعور رؤوسهم لا بُدّ أن يرعاهم وفي زمن الجوع يشبعون. وإذ يموت الأشرار جوعاً وبسبب الوبأ فالملائكة سيحمون الأبرار ويسدّون أعوازهم. إنّ "السّالك بالحقّ" يُقدَّم إليه هذا الوعد : "يعطي خبزه ومياهه مأمونة" . "البائسون والمساكين طالبون ماء ولا يوجد. لسانهم من العطش قد يبس. أنا يهوه أستجيب لهم. أنا إله إسرائيل لا أتركهم" (إشعياء 33: 15 , 16؛ 41:     17 ).

"فمع أنّه لا يزهر التّين ولا يكون حملٌ في الكروم، يكذب عمل الزّيتونة والحقول لا تصنع طعاماً، ينقطع الغنم من الحظيرة ولا بقر في المذاود" مع كلّ ذلك فيمكن لمن يخاف السّيّد أن يقول : "أبتهج بيهوه وأفرح بإله خلاصي" (حبقوق 3: 17,  18).

"يهوه حافظك يهوه ظلٌّ لك عن يدك اليمنى. لا تضربك الشّمس في النّهار ولا القمر في الليل. يهوه يحفظك من كلّ شرّ يحفظ نفسك.""ينجّيك من فخّ الصّياد ومن الوبأ الخَطِر. بخوافيه يظلّلك وتحت أجنحته تحتمي. ترسٌ ومجنٌّ حقّه. لا تخشى من خوف الليل ولا من سهم يطير في النّهار ولا من وباء يسلك في الدّجى ولا من هلاك يفسد في الظهيرة. يسقط عن جانبك ألف وربوات عن يمينك. إليك لا يقرب. إنّما بعينيك تنظر وترى مجازاة الأشرار. لأنّك قلت أنت يا يهوه ملجأي جعلت العليّ مسكنك لا  يلاقيك شرٌّ ولا تدنو ضربة من خيمتك" (مزمور 121: 5  ـــ  7؛ 91: 3  ـــ  10).

ومع ذلك فمن وجهة النّظر البشريّة سيظهر أنّ شعب يهوه لا بُدّ من أن يختموا شهادتهم بدمهم سريعاً كما فعل الشهداء من قبلهم. وهم أنفسهم يبتدئون يخافون لئلاّ يكون السّيّد قد تركهم ليسقطوا بأيدي أعدائهم. إنّه وقت عذاب مخيف وكرب شديد. وهم يصرخون إلى يهوه نهاراً وليلاً في طلب النّجاة. أمّا الأشرار فسيتهلّلون ويبتهجون، وسينطقون بأقوال السّخرية فيصيحون قائلين : "أين الآن إيمانكم؟ ولماذا لا  ينقذكم يهوه من أيدينا إن كنتم شعبه حقّاً؟". لكنّ أولئك المنتظرين يذكرون يهوشوه وهو يموت على صليب جلجثة عندما كان رؤساء الكهنة والشيوخ يصرخون في سخرية قائلين :"خلّص آخرين وأمّا نفسه فما يقدر أن يخلّصها. إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصّليب فنؤمن به" (متى 27: 42). وهم جميعاً يجاهدون مع يهوه كيعقوب. وجوههم تنمّ عن الصّراع المحتدم في داخلهم وعقد علاها الاصفرار، ومع ذلك فهم لا يكفّون عن توسّلاتهم الجادّة الغيورة.

الحراس  السماويون

ولو أُعطيت للنّاس عيون أهل السّماء لرأوا جماعات من الملائكة المقتدرين قوّة حالّين حول الذين قد  حفظوا كلمة صبر المسيّا. لقد شهد الملائكة ضيقهم وألمهم برقّة وعطف وسمعوا صلواتهم. وهم  ينتظرون أمراً من قائدهم ليختطفوهم من الخطر. ولكنّ عليهم أن ينتظروا قليلاً أيضاً. على شعب يهوه  أن يشربوا الكأس ويصطبغوا بالصّبغة. إنّ التّأخير نفسه مع أنّه مؤلم جدّاً لهم هو أفضل جواب على  توسّلاتهم. وإذ يحاولون أن ينتظروا السّيّد بثقة ليعمل فإنّ السّيّد يقودهم إلى ممارسة الإيمان والرّجاء  والصّبر التي لم يمارسوها إلاّ قليلاً جدّاً في خلال اختبارهم الدّيني. ولكن لأجل المختارين يقصّر زمان  الضّيق. "أفلا ينصف يهوه مختاريه الصّارخين إليه نهاراً وليلاً ... أقول لكم إنّه ينصفهم سريعاً" (لوقا  18 : 7, 8 ). إنّ النّهاية ستأتي بأسرع ممّا يتوقّع النّاس. والحنطة ستُجمع وتحزم حزماً لتوضع في  مخزن يهوه، أمّا الزّوان فيحزم كوقود لنار الهلاك.

إنّ الحرّاس السّماويين إذ هم أمناء على الودائع التي بين أيديهم يستمرّون في عملهم. ومع أنّه قد صدر قرار عام يحدّد الوقت الذي فيه يمكن تنفيذ حكم الموت في حافظي الوصيّة، ففي بعض الحالات سينتظر أعداؤهم الأمر وقبل الوقت المحدّد سيحاولون قتلهم. ولكن لن يستطيع أحد أن يجتاز بين الحرّاس الأشدّاء الحالّين حول كلّ نفس أمينة. والبعض من أولئك الأمناء سيهاجَمون في أثناء فرارهم من المدن والقرى، لكنّ السّيوف المُشرّعة ضدّهم تنكسر وتسقط عاجزة كالعود اليابس. وآخرون سيدافع عنهم ملائكة في هيئة رجال حرب.

لقد عمل يهوه في كلّ العصور بواسطة الملائكة القدّيسين في إغاثة شعبه وإنقاذهم. إنّ الكائنات السّماوية قد لعبت دوراً حيويّاً هامّاً في حياة النّاس وشؤونهم. لقد ظهروا متسربلين بثياب نورانيّة كالبرق، كما قد أتوا لابسين ثياب عابري الطّريق. والملائكة قد ظهروا لرجال يهوه في هيئة بشريّة. لقد جلسوا  يستريحون تحت أشجار البلّوط في وقت حرّ النّهار كما لو كانوا متعبين، وقبلوا كرم الضّيافة من بيوت النّاس، وقاموا بدور المرشدين للمسافرين عندما دهمهم الظلام، وبأيديهم أشعلوا نار المذبح، وفتحوا أبواب السجن وأطلقوا عبيد يهوه أحراراً. وإذ كانوا متسربلين بأُبّهة السّماء أتوا ليدحرجوا الحجر عن قبر المخلص.

الملائكة  يتكلمون

وكثيراً ما يُرى الملائكة في مجتمعات الأبرار في هيئة البشر، وهم يزورون محافل الأشرار كما ذهبوا إلى سدوم لكي يسجّلوا أعمال أهلها ويقرّروا ما إذا كانوا قد تخطّوا صبر يهوه واحتماله. والسّيّد يُسرّ بالرّحمة؛ فلأجل القليلين الذين يعبدونه حقّاً فهو يوقف الكوارث عند حدّها ليطيل مدّة سلام الجموع واطمئنانهم. إنّ من يخطئون إلى يهوه قلّما يتحققون أنّهم مدينون بحياتهم للأقليّة الأمينة الذين يتسلّون هم بظلمهم والسّخرية بهم.

ومع أنّ رؤساء هذا العالم لا يعلمون ففي أغلب الأحيان يتكلّم الملائكة في مجالسهم. لقد رآهم البشر بعيونهم، وبآذانهم أصغوا إلى مرافعاتهم، وبشفاههم عارضوا مقترحاتهم وسخروا من مشوراتهم، وبأيديهم قابلوهم بالاعتداءات والشّتائم والإهانات. وفي قاعة المجلس وفي دار القضاء برهن هؤلاء الرّسل السماويون على معرفتهم الدّقيقة للتّاريخ البشري كما برهنوا على أنّهم أقدر على التّرافع في قضايا المظلومين من أقدر المحامين وأفصحهم. لقد هزموا النّوايا وأوقفوا الشّرور التي كان يمكن أن تعيق عمل يهوه إلى حدٍّ كبير وأن تسبّب آلاماً هائلة لشعبه. وفي ساعة الضّيق والشّدّة فإنّ "ملاك يهوه حالٌّ حول خائفيه وينجّيهم" (مزمور 34: 7).

ينتظر شعب يهوه علامات مجيء مليكهم بشوق حار . وعندما يسأل الحرّاس : "ما من اللّيل؟" يجيء الجواب في غير تلعثم قائلاً : "أتى صباح وأيضاً ليل" (إشعياء 21: 11,  12). إنّ النّور يسطع على السّحاب فوق قمم الجبال. وسيكون ظهور مجده سريعاً. إنّ "شمس البرّ" مزمع أن يشرق. والصّباح واللّيل كلاهما قريب : بدء النّهار الأبدي للأبرار وقدوم اللّيل الأبدي على الأشرار.

وإذ يلحّ المجاهدون في تقديم توسّلاتهم أمام يهوه فالحجاب الفاصل بينهم وبين اللّامنظور يكاد يُرفع. والسّموات تتألّق ببزوغ فجر النّهار الأبدي وتقع على الآذان هذه الكلمات كأغاني الملائكة العذبة قائلة : "اثبتوا على ولائكم فالعون آتٍ". ثمّ إنّ المسيّا المنتصر القدير يرفع أمام عيون جنوده المتعبين إكليل مجد أبدي ثم يُسمع صوته آتياً من الأبواب المفتوحة قائلاً : "ها أنا معكم. لا تخافوا. أنا عالم بكلّ أحزانكم وقد حملت أوجاعكم وغمومكم. إنكم لا تحاربون أعداء غير مدرّبين. لقد خضت المعركة لأجلكم وباسمي يعظم انتصاركم".

إنّ المخلّص العزيز سيرسل إلينا العون في السّاعة نفسها التي نكون في حاجة إليه. والطّريق إلى السّماء قد تقدّس بوقع خطواته. فكلّ الأشواك التي تجرح أقدامنا قد جرحته. وكلّ صليب نُدعى إلى حمله حمله هو قبلنا. يسمح السّيّد بالمحاربات لكي يُعِدّ النّفس للسّلام. فزمان الضيق هو محنة مخيفة لشعب يهوه لكنّه وقت فيه ينظر كلّ مؤمن حقيقي إلى فوق ويمكنه بالإيمان أن يرى قوس الوعد محيطة به.

"ومفديو يهوه يرجعون ويأتون إلى صهيون بالتّرنّم وعلى رؤوسهم فرح أبدي. ابتهاج وفرح يدركانهم يهرب الحزن والتّنهد أنا أنا هو معزيكم. من أنتِ حتّى تخافي من إنسان يموت ومن ابن الإنسان الذي يُجعل كالعشب وتنسى يهوه صانعك ... وتفزع دائماً كلّ يوم من غضب المضايق عندما هيّأ للإهلاك. وأين غضب المضايق. سريعاً يطلق المنحني ولا يموت في الجبّ ولا يُعدم خبزه. وأنا يهوه إله مزعج البحر فتعج لججه يهوه إله الجنود اسمه. وقد جعلت أقوالي في فمك وبظلّ يدي سترتك" (إشعياء 51: 11 ـــ  16).

" لذلك اسمعي هذا أيّتها البائسة والسّكرى وليس بالخمر. هكذا قال سيدكِ يهوه وإلهك الذي يحاكم لشعبه هأنذا قد أخذت من يدك كأس التّرنّح ثقل كأس غضبي لا تعودين تشربينها فيما بعد. وأضعها في يد معذّبيك الذين قالوا لنفسك انحني لنعبر فوضعت كالأرض ظهرك وكالزّقاق للعابرين" (إشعياء 51: 21 ـــ 23).

تتثبَّتُ عين يهوه وهي تتطلّع عبر الأجيال على الأزمة التي سيواجهها شعبه عندما تصطف ضدّهم  القوّات الأرضية، ومثل أسير غريب سيخافون من الموت جوعاً أو اغتيالاً. لكنّ القدّوس الذي قد شقّ  بحر سُوف أمام العبرانيين سيُظهر قدرته العظيمة ويردّ سبيهم، "ويكونون لي قال يهوه إله الجنود في ذلك  اليوم الذي أنا صانع خاصّة (جواهري) وأشفق عليهم كما يشفق الإنسان على ابنه الذي يخدمه"  (ملاخي 3: 17). فلو سُفكت دماء شهود المسيّا الأمناء في هذا الوقت فلن تكون كدماء الشهداء بذاراً  تُلقى ليُجمع منها حصاد ليهوه. فولاءهم لن يكون شهادة لإقناع الآخرين بالحقّ، لأنّ القلب القاسي قد صدّ أمواج الرّحمة حتى لا تعود مرّة أخرى. فلو تُرك الأبرار حينئذ ليسقطوا فريسةً لأعدائهم فسيكون ذلك انتصاراً لسلطان الظّلمة. والمرنّم يقول : "لأنّه يخبئني في مظلّته في يوم الشّرّ يسترني بستر خيمته" (مزمور 27 : 5). لقد قال المسيّا : "هلمّ يا شعبي ادخل مخادعك وأغلق أبوابك خلفك اختبئ نحو  لحيظة حتى يعبر الغضب. لأنّه هوذا يهوه يخرج من مكانه ليعاقب إثم سكّان الأرض" (إشعياء 26: 20, 21). وستكون نجاة مجيدة تلك التي ستكون من نصيب الذين انتظروا، بصبر، مجيء السّيّد، والذين أسماؤهم مكتوبة في سفر الحياة 

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
13
2
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
02
28
Calendar App