7. يعقوب وعيسو
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إن يعقوب وعيسو ابني إسحاق التوأمين يقدمان لنا في أخلاقهما وحياتهما تباينا يستثير الدهشة ، وقد أنبأ ملاك يهوه بهذا الاختلاف قبل ولادتهما ، فحين أعلن لرفقة ، إجابة لصلاتها المضطربة التي قدمتها أنه سيُعطى لها ابنان كشف لها عن مستقبلهما أن كلا منهما سيكون على رأس أمة قوية ، وإن أحدهما سيكون أعظم من أخيه ، وأن الأفضلية ستكون للأصغر .

كبر عيسو مُحبّا لإرضاء نفسه . ومركّزا كل اهتمامه في الزمن الحاضر . وإذ كان لا يحتمل أي رادع كان يفرح بحرية الانطلاق في البر للصيد ، ومنذ صباه اختار حرفة الصيد ، ومع ذلك فقد كان المفضل عند أبيه ، فذلك الراعي الهادئ محب السلام استهوته جسارة ابنه الأكبر ونشاطه ، ذاك الذي كان يتسلق الجبال ويجوب القفار بلا خوف ويعود بصيده إلى أبيه ويقص عليه القصص المثيرة عن حياة المخاطرة التي كان يحياها . أما يعقوب الذي كان إنسانا مفكرا ومجتهدا وحريصا ، والذي كان دائم التفكير في الحياة العتيدة لا في الحياة الحاضرة فقد كان قانعا بالسكنى في البيت ، مشغولا في رعاية القطعان و فلاحة الأرض ، وأعجبت أمه بصبره ومواظبته وحسن تدبيره وبعد نظره ، فكانت عواطفه عميقة وقوية ، وإن اهتمامه بأمه ، ذلك الاهتمام الرقيق الذي لا يفتر ، زاد في سعادتها أكثر من أعمال الشفقة الصاخبة التي كانت تأتيها من عيسو في فترات متباعدة ، فكان يعقوب أعز على أمه من عيسو .

إن المواعيد التي أعطيت لإبراهيم وتثبتت لابنه تمسك بها إسحاق ورفقة كالغرض الأسمى لأشواقهما وآمالهما ، وكان يعقوب وعيسو عالمين بهذه المواعيد ، وقد تعلما أن يعتبرا البكورية أمرا في غاية الأهمية ، إذ أنها لم تكن تشمل امتلاك الثروة الأرضية فحسب ، بل أيضا السمو والتفوق الروحي ، فالذي يحصل عليها يكون كاهن عائلته ، ومن نسله يأتي فادي العالم . ومن الناحية الأخرى كانت هناك التزامات يلتزم بها من يحصل على البكورية ، فالذي يرث بركاتها عليه أن يوقف حياته لخدمة يهوه ، وكإبراهيم ، عليه أن يكون مطيعا لكل مطاليب يهوه . وكان عليه أن يطلب مشورة يهوه سواء في الزواج أو في الحياة العائلية أو في الحياة العامة .

أفضى إسحاق لابنيه بأمر هذه الامتيازات وشروطها ، وأعلن بكل جلاء أن عيسو ابنه الأكبر هو صاحب الحق في البكورية . إلا أن عيسو لم يكن يحب التعبد ليهوه ، ولا يميل إلى الحياة الدينية . والمطاليب التي كانت تلازم البكورية الروحية كانت أمورا لا يرغبها ، بل كانت رادعا مكروها لديه . وشريعة يهوه التي كانت من شروطـ عهده الذي عاهد به إبراهيم كانت في نظر عيسو نير عبودية . وإذ كان عيسو منغمسا في الملذات لم يكن يرغب في غير الحرية ليفعل ما يشاء ، وكان يعتبر القوة والغنى والولائم والعربدة سعادة ، وكان يفخر بالحرية الهمجية الجامحة ، وذكرت رفقة كلام الملاك ، ودرست أخلاق ابنيها بإدراك أعمق من إدراك رجلها ، واقتنعت بأن ابنها يعقوب هو الذي سيرث الوعد السماوي ، ورددت ما قاله لها الملاك على مسمع إسحاق ، ولكنه قد ركز محبته في ابنه الأكبر ، وكان عزمه ثابتا لا يتزعزع .

علم يعقوب من أمه نبأ الإشارة الإلهية بأن البكورية ستكون من نصيبه ، فامتلأ قلبه رغبة عظيمة لا يمكن التعبير عنها في امتلاك المزايا التي تمنحها البكورية لمن يحصل عليها . لم يشته ثروة أبيه ، ولكنه كان يصبو إلى البكورية الروحية ، فدخوله في شركة مع يهوه كما فعل إبراهيم البار ، وتقديمه ذبيحة الكفارة عن عائلته ، وصيرورته أبا للشعب المختار ولمسيا الموعود به ، وإحرازه الميراث الأبدي المتضمن في بركات العهد- تلك كانت الميزات والأمجاد التي ألهبت أشواقه الحارة . كان عقله يفكر دائما في المستقبل ، وكان يرغب في أن يستحوذ على بركاته غير المنظورة .

وبشوق خفي عظيم أصغي إلى كل ما قاله أبوه عن البكورية الروحية ، وبكل حرص اختزن في ذهنه ما كان قد تعلمه من أمه ، وشغل هذا الموضوع فكره نهارا وليلا ، حتى صار الاهتمام الوحيد الشاغل لحياته كلها . ولكنه في حين كان يفضل البركات الأبدية على البركات الزمنية إلى هذا الحد ، لم تكن لديه معرفة اختبارية عن يهوه الذي كان يوقره ويكرمه ، ولم يكن قلبه قد تجدد بنعمة يهوه ، وكان يعتقد أن الوعد الخاص به لم يكن ليتم ما بقي عيسو محتفظا بحقوقه في البكورية ، ولذلك كان دائم التفكير في ابتكار وسيلة يستطيع بواسطتها الحصول على البركة التي كان أخوه يستخف بها، والتي كان هو يعتز بها ويعتبرها ثمينة جدا .

وإذ عاد عيسو يوما من صيده متعبا جدا وفي إعياء شديد ، طلب من يعقوب أن يقدم له من طعامه الذي كان يعده ، فيعقوب الذي كان يسيطر على فكره أمر واحد اغتنم الفرصة وعرض على عيسو أن يقدم له طعاما يشبع به جوعه في مقابل التنازل له عن بكوريته ، فصاح ذلك الصياد الطائش الشهواني قائلاً : (( هَا أَنَا مَاضٍ إِلَى الْمَوْتِ ، فَلِمَاذَا لِي بَكُورِيَّةٌ ؟ )) في مقابل طبق واحد من العدس تخلى عن البكورية وثبَّت الصفقة بقسم ، ومع ذلك فلو أنه صبر قليلا لوجد طعاما كثيرا في خيام أبيه ، ولكن لكي يشبع شهوته الطارئة أبدل ذلك الميراث المجيد الذي وعد يهوه نفسه به آباءه . كان كل اهتمامه منحصرا في الزمن الحاضر ، وكان مستعدا للتضحية بالبركات السماوية في سبيل الأمور الأرضية ، وإبدال الخير الأبدي بالتمتعات الوقتية .

(( فَاحْتَقَرَ عِيسُو الْبَكُورِيَّةَ )) (تكوين 25: 32،34) وفي تنازله عنها أحس بالانفراج ، ولم يبق أمامه الآن أي مانع ، ويمكنه أن يفعل ما يريد . ففي سبيل هذه اللذة الجامحة التي يسميها الناس ، خطأ ، حرية ما أكثر الذين يبيعون بكوريتهم التي تؤهلهم لميراث نقي لا يتدنس وأبدي في السماء !

وإذ كان عيسو خاضعا دائما للجواذب الأرضية الخارجية تزوج بامرأتين من بنات حث ، كانتا تعبدان آلهة كاذبة ، وكانت وثنيتهما مرارة نفس إسحاق ورفقة . لقد نقض عيسو أحد شروط العهد الذي حرم على الشعب المختار التزوج بالوثنيات ، ومع ذلك كان إسحاق عازما على أن يمنحه البكورية ، فكل منطق رفقة معه ، ورغبة يعقوب وشوقه الشديد للحصول على البركة ، وعدم مبالاة عيسو بمطاليب تلك البركة- كل ذلك لم يزحزح إسحاق عن عزمه .

مرت السنون وشاخ إسحاق وكلت عيناه عن النظر ، وكان ينتظر سرعة مجيء الموت ، ولذلك عوّل على أن يمنح البركة لابنه الأكبر بلا إبطاء ولكن لعلمه أن رفقة ويعقوب يعارضان في ذلك عزم على أن يقوم بتلك الشعائر المقدسة سرا ، ولأن العادة المتبعة هي أن تعد وليمة في مثل تلك المناسبة فأمر ذلك الشيخ ابنه عيسو قائلاً : (( اخْرُجْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ وَتَصَيَّدْ لِي صَيْدًا ، وَاصْنَعْ لِي أَطْعِمَةً ... حَتَّى تُبَارِكَكَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ )) (تكوين 27: 3،4) .

فهمت رفقة غرضه ، وكانت واثقة من أن ذلك عكس ما قد أعلنه يهوه على أنه قصده . كان إسحاق في خطر من تعريض نفسه لغضب يهوه وعرقلة مساعي ابنه الأصغر دون الوصول إلى المركز الذي دعاه إليه يهوه ، وكان قد سبق لرفقة أن حاولت عبثا التأثير في تفكير إسحاق ، ولذلك عزمت على أن تلجأ إلى الحيلة .

وما إن خرج عيسو ليلتمس صيده حتى بدأت رفقة في تنفيذ غرضها . أخبرت ابنها يعقوب بما حدث ، وألحت عليه في وجوب العمل السريع لمنع إعطاء البركة لعيسو نهائيا وبلا رجوع ، وأكدت لابنها أنه إذا نفذ تعليماتها فسيظفر بالبركة كما قد وعده يهوه . لم يوافق يعقوب بسرعة على الخطة التي اقترحتها . إن فكرة خداعه لأبيه سببت له آلاما عظيمة ، وأحس أن مثل تلك الخطية تجلب عليه لعنة لا بركة ، ولكن أمه تغلبت على شكوكه ، فبدأ في تنفيذ ما اقترحته عليه . لم يكن يقصد أن ينطق بكذبة صريحة ، ولكن بعدما دخل إلى حضرة أبيه بدا كأنه قد تجاوز حدود التراجع ، فحصل بالخداع على البركة التي كان يشتهيها .

نجح يعقوب ورفقة في قصدهما ، إلا أنهما لم يحصلا بخداعهما إلا على المتاعب والأحزان . كان يهوه قد أعلن أن يعقوب هو الذي سيحصل على البكورية ، وكان يمكن أن يتم وعده في الوقت الذي عينه هو لو أنهما انتظرا بإيمان أن يعمل يهوه لأجلهما ، ولكنهما كانا ككثيرين غيرهما من المدعوين أولاد يهوه ، غير راغبين في ترك الأمر بين يديه . وقد تابت رفقة وندمت أشد الندم بسبب مشورتها الخاطئة التي أشارت بها على ابنها . لقد كانت تلك المشورة سببا في انفصال ابنها عنها . فلم تر وجهه بعد ذلك . ومنذ ذلك اليوم الذي حصل يعقوب فيه على البكورية استذنب نفسه وعاش مثقلا بالأحزان . لقد أخطأ في حق أبيه وأخيه وفي حق نفسه وفي حق يهوه ، ففي ساعة واحدة قصيرة عمل عملا ندم عليه طول الحياة . وظل هذا المنظر ماثلا في فكره في السنين التالية ، حين انسحقت نفسه من المسلك الشرير الذي سلكه بنوه.

وما إن ترك يعقوب خيمة أبيه حتى دخل عيسو ، فمع أنه كان قد باع بكوريته وثبت انتقالها إلى يعقوب بقسم مقدس ، فقد كان عازما الآن على أن يستحوذ على بركاتها ، غير مبال بادعاء أخيه . وكانت البكورية الزمنية مرتبطة بالبكورية الروحية ، وكانت تخوله حق رئاسة العائلة والحصول على نصيب اثنين من ثروة أبيه . تلك كانت البركات التي قدرها عيسو ، حين قال (( لِيَقُمْ أَبِي وَيَأْكُلْ مِنْ صَيْدِ ابْنِهِ حَتَّى تُبَارِكَنِي نَفْسُكَ )) .

هنالك استولت الدهشة والغم على ذلك الأب الضرير ، فارتعد ارتعادا عظيما ، وعلم بالمكيدة والحيلة التي جازت عليه . لقد خابت كل آماله العظيمة التي كان قد احتضنها طويلا ، وأحس بحزن عميق لهول الخيبة التي سيصدم بها ابنه الأكبر ، ومع ذلك فقد برق في ذهنه اقتناع بأن عناية يهوه هي التي هزمت قصده ، وسمحت بوقوع الشيء نفسه الذي حاول هو أن يمنع وقوعه ، عندها ذكر كلام الملاك الذي قاله لرفقة ، وبرغم الخطية التي ارتكبها يعقوب رأى أنه أنسب شخص يتمم أغراض يهوه ، فإذ كان ينطق بكلمات البركة على يعقوب كان يحس أن إلهاما إلهيا قد حل عليه ، والآن بعدما عرف الأمر على حقيقته أقرَّ البركة التي بارك بها يعقوب دون أن يفطن ، فقال : (( بَارَكْتُهُ ؟ نَعَمْ ، وَيَكُونُ مُبَارَكًا )) (تكوين 27: 33) .

نظر عيسو إلى البركة بكل استخفاف حين كان يبدو أنها في متناول يده ، أما الآن فهو يرغب في امتلاكها بعد ما أفلتت من يده إلى الأبد ، فثارت ثائرته واهتاجت نفسه واحتدم غيظه ، وكان حزنه وثورة نفسه مرعبين هائلين ، فصرخ صرخة عظيمة مرة قائلاً : (( بَارِكْنِي أَنَا أَيْضًا يَا أَبِي ... أَمَا أَبْقَيْتَ لِي بَرَكَةً ؟ )) ولكن الوعد الذي أعطي لم يعد من الممكن استرجاعه وإبطاله ، فالبكورية التي كان قد قايض عليها في عدم مبالاة لم يمكنه استردادها (( لأَجْلِ أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ )) نعم لأجل إشباع شهوة وقتية لم تكبح إطلاقا ، باع بكوريته ، ولكنه اكتشف جهالته بعد فوات الأوان ، ولم يستطع الحصول على البركة (( لَمْ يَجِدْ لِلتَّوْبَةِ مَكَانًا ، مَعَ أَنَّهُ طَلَبَهَا بِدُمُوعٍ )) (عبرانيين 12: 16،17) . إن عيسو لم يحرم من امتياز طلب رضى يهوه بالتوبة ، ولكنه لم يجد وسيلة لاسترجاع البكورية . إن حزنه لم ينشأ عن اقتناعه بخطيته ، فهو لم يرد أن يتصالح مع يهوه ، ولكن حزنه كان بسبب عواقب خطيته ، لا على خطيته نفسها .

إن عيسو بسبب عدم اكتراثه للبركات الروحية ومطاليبها سماه الكتاب (( مُسْتَبِيحًا )) (عبرانيين 12: 16) وهو يمثل الذين يستخفون بالفداء الذي اشتراه لهم المسيا ، الذين هم مستعدون أن يضحوا بالميراث السماوي في مقابل الأشياء الأرضية الزائلة . إن ألوفا من الناس يعيشون للعالم الحاضر ، ولا يفكرون أو يهتمون بالأبدية ، بل يصرخون مع عيسو قائلين : (( فَلْنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَدًا نَمُوتُ ! )) (1كورنثوس 15: 32) فأميالهم تتحكم فيهم ، وبدلا من ممارسة إنكار النفس ينسون أثمن الاعتبارات . إذا كان لا بد من التخلي عن أحد أمرين- إشباع الشهوات الفاسدة ، أو التمتع بالبركات السماوية الموعود بها فقط لمن ينكرون نفوسهم ويخافون يهوه ، فإن مطاليب الشهوات تغلب ، ويحتقر الناس يهوه والسماء احتقارا فعليا . ما أكثر الذين ينغمسون في الشهوات حتى بين المدعوين مسيحيين ، الشهوات الضارة بالصحة والتي تخدر حساسية النفس ! فحين يطلب منهم أن يطهروا نفوسهم من كل دنس الجسد والروح ، مكملين قداستهم في خوف يهوه فإنهم يغتاظون . يعلمون أنهم لا يستطيعون الإبقاء على تلك المسرات الخاطئة ويمكنهم ، في الوقت نفسه ، دخول السماء ، ولذلك يستنتجون أنه حيث أن الطريق إلى السماء مكرب إلى هذا الحد فلن يسيروا فيه بعد .

إن كثيرين من الناس يبيعون بكوريتهم في مقابل الانغماس في الشهوات ، فيضحون بصحتهم وتضعف قواهم العقلية ويخسروا السماء ، وكل ذلك في مقابل لذات وقتية . هذا الانغماس يضعف النفس ويفسدها . وكما صحا عيسو ليرى جهالته في الإقدام على تلك المبادلة الطائشة ، عندما كان وقت استرداد البكورية قد مضى ، كذلك ستكون الحال في يوم السيد بالنسبة للذين قد أبدلوا ميراثهم السماوي بإشباع شهواتهم وأنانيتهم .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
3
30
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
06
24
Calendar App