4. محكّ الإيمان
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

لقد قبل إبراهيم وعد يهوه بإعطائه ابنا ، بدون سؤال . إلا أنه لم ينتظر يهوه ليتمم وعده في وقته المناسب وبالكيفية التي يريدها ، وقد سمح بالتأخير لاختبار إيمانه بقدرة يهوه ، ولكنه أخفق في احتمال التجربة . فإذ ظنت سارة أنه من المستحيل أن تُعطَى ابنا في شيخوختها اقترحت خطة ظنتها كفيلة بإتمام غرض يهوه ، وهي أن يتخذ إبراهيم إحدى جواريه زوجة إضافية (سُرِّيَّة) ، وكان تعدد الزوجات أمرا شائعا بحيث لم يعد ذلك معتبرا خطية ، ولكنه كان انتهاكا لشريعة يهوه ، وأمرا مميتا لقدسية الصلات العائلية وسلامتها ، ولقد نجم عن زواج إبراهيم من هاجر شر لم يقتصر عليه وحده بل تعداه إلى الأجيال التالية .

وإذ كانت هاجر تتملق نفسها بشرف مركزها الجديد كزوجة إبراهيم ، وتؤمل بأنها ستكون أما للشعب العظيم الذي سيخرج من صلبه بدأت تتكبر وتتفاخر ، وجعلت تعامل مولاتها باحتقار ، وعكر التحاسد المتبادل صفو البيت الذي كان قبلا سعيدا ، وإذ كان إبراهيم مضطرا لأن يستمع لشكايات كل من الزوجتين فقد حاول عبثا أن يعيد الوفاق ، ومع كون إبراهيم قد تزوج من هاجر استجابة لتوسلات سارة الملحة فقد وبخته سارة كأنه هو المخطئ ، لقد رغبت في أن تنفي ضرتها بعيدا عنها ، ولكن إبراهيم لم يسمح بذلك ، لأن هاجر مزمعة أن تكون أما لابنه الذي يرجو بكل شغف أن يكون هو ابن الموعد ، ومع ذلك كانت هاجر جارية لسارة وكانت لا تزال تحت سلطانها ، ولكن روح هاجر المتكبرة لم تكن تطيق القسوة التي كانت قد أثارتها على نفسها بوقاحتها ، (( فَأَذَلَّتْهَا سَارَايُ ، فَهَرَبَتْ مِنْ وَجْهِهَا )) (انظر تكوين 16: 6-13) .

سارت في طريقها إلى البرية ، وإذ جلست لتستريح عند عين ماء وهي وحيدة بلا صديق ظهر لها ملاك السيد في صورة بشرية ، وإذ خاطبها على أنها (( هَاجَرُ جَارِيَةَ سَارَايَ )) مذكِّرا إياها بمركزها وواجبها أمرها قائلاً : (( ارْجِعِي إِلَى مَوْلاَتِكِ وَاخْضَعِي تَحْتَ يَدَيْهَا )) إلا أن التوبيخ كانت تخالطه كلمات العزاء إذ قال لها : (( يهوه قَدْ سَمِعَ لِمَذَلَّتِكِ )) ثم قال : (( تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ نَسْلَكِ فَلاَ يُعَدُّ مِنَ الْكَثْرَةِ )) وقد أمرها أن تدعو اسم ابنها اسماعيل (( يهوه يسمع )) ليكون ذلك مذكِّرا دائما لها برحمته .

عندما قارب عمر إبراهيم أن يبلغ المئة سنة كرر له السيد وعده بأنه سيعطيه ابنا ، وأكد له أن الابن الذي سيرث ستنجبه سارة ، إلا أن إبراهيم لم يكن يفهم الوعد بعد ، فاتجه فكره في الحال إلى اسماعيل وهو متشبث باعتقاده أن مقاصد يهوه الرحيمة ستتم عن طريقه ، ففي حبه لابنه صاح قائلاً : (( لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ ! )) (انظر تكوين 17: 18-20) فأعاد السيد الوعد على مسمعه بكلام لا يقبل الالتباس إذ قال : (( بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ . وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْدًا أَبَدِيًّا لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ )) . ومع ذلك فالسيد لم يتغافل عن صلاته ، بل قال له : (( وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ . هَا أَنَا أُبَارِكُهُ ... وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً )) .

إن ولادة إسحاق التي فيها تمت وتحققت أعذب الأماني بعد انتظار العمر بطوله ، هذه الولادة ملأت خيام إبراهيم وسارة فرحا ، ولكن ذلك الحادث كان بالنسبة إلى هاجر انهيارا لكل مطامعها وآمالها التي كانت تعتز بها ، ثم أن اسماعيل الذي كان قد بلغ دور الشباب كان إلى ذلك الحين معتبرا من كل من في المحلة وارثا لثروة إبراهيم ولكل البركات الموعود بها لنسبه ، أما الآن فقد أُهمِل اسماعيل وألقي جانبا ، ففي فشلهما هو وأمه أبغضا ابن سارة ، وتلك الأفراح التي شملت كل الجماعة زادت من حسدهما ، إلى أن تجرأ اسماعيل على أن يسخر علنا بوارث وعد يهوه ، ووجدت سارة في مشاغبات اسماعيل نبعا مستمرا للمنازعات ، فجعلت تلح على إبراهيم أن يطرد تلك الجارية وابنها من المحلة ، فتضايق ذلك الشيخ جدا إذ كيف يطرد بعيدا عنه ابنه اسماعيل الذي كان لا يزال يحبه جدا ؟ ففي حيرته وارتباكه توسل إلى يهوه في طلب الإرشاد ، وإذا بملاك السيد يرشده إلى إجابة سارة إلى طلبها ، إذ أن محبته لإسماعيل أو أمه ينبغي ألا تقف مانعا في الطريق ، فلا يمكن بغير هذه الوسيلة أن يعيد الوفاق والسعادة إلى عائلته ، وقدم له الملاك وعدا معزيا قائلاً إنه مع كون اسماعيل سيرحل عن بيت أبيه فيهوه لن يتركه ، بل سيحفظ حياته وسيصير أبا لأمة كبيرة . أطاع إبراهيم كلام الملاك وإن يكن ذلك مصحوبا بآلام نفسية عظيمة ، فلقد كان ذلك الأب مثقلا بأحزان لا يمكن التعبير عنها وهو يطرد هاجر وابنها .

إن التعليم الذي تلقاه إبراهيم بشأن قدسية الزواج يجب أن يكون درسا لكل الأجيال ، وهو يعلن أنه ينبغي الحرص على حقوق هذه العلاقة وسعادتها مهما تكن التضحية عظيمة . كانت سارة هي وحدها زوجة إبراهيم الحقيقية ، ولم يكن لأية امرأة أخرى أن تقاسمها حقوقها كزوجة وكأم ، لقد كانت تكرم رجلها ، وفي هذا قدمت في العهد الجديد كمثال للزوجة الصالحة ، ولكنها لم تكن ترغب في أن يحب إبراهيم امرأة أخرى . والسيد لم يوبخها لكونها طلبت منه أن يطرد ضرتها . إن إبراهيم وسارة كليهما لم يثقا بقدرة يهوه ، وكانت هذه هي غلطتهما التي أدت إلى زواجه من هاجر .

لقد دعا يهوه إبراهيم ليكون أبا للمؤمنين ، وكان ينبغي أن تكون حياته نموذجا للأجيال القادمة في الإيمان ، إلا أن إيمانه لم يكن كاملا ، فلقد ظهر عدم ثقته بيهوه حين أخفى حقيقة كون سارة زوجته ، ثم في زواجه من هاجر ، فلكي يصل إلى أسمى مقياس قدم له يهوه امتحانا آخر هو أقسى امتحان أُعطِي لأي إنسان ، ففي رؤيا الليل أمره يهوه أن يذهب إلى أرض المريا ويقدم ابنه ذبيحة محرقة على أحد الجبال التي سيقول له عنها .

كان إبراهيم عندما صدر إليه هذا الأمر قد بلغ العشرين بعد المئة من العمر ، وكان معتبرا رجلا شيخا حتى في جيله . في سنيه الباكرة كان قادرا على احتمال الشدائد والضيقات ومجابهة المخاطر ، أما الآن فقد زايلته حمية الشباب . إن إنسانا يتمتع بعزيمة الرجولة ونشاط الرجولة يستطيع بكل شجاعة أن يواجه الصعوبات والضيقات التي يضعف قلبه أمامها متى تقدمت به الأيام حين يسير مترنحا إلى قبره ، ولكن يهوه كان قد أبقى أقسى امتحاناته لإبراهيم إلى الوقت الذي فيه أثقلت كاهله السنون ، وكان يتوق إلى الراحة من الجزع والعناء .

كان ذلك الشيخ الجليل ساكنا في بئر سبع متمتعا بالنجاح والكرامة . كان غنيا جدا ، وكان سادة الأرض يوقرونه كرئيس قوي بينهم ، وكانت آلاف من أغنامه تملا السهول الممتدة بعد خيامه ، وفي كل مكان انتشرت خيام تابعيه التي كان يسكنها مئات من عبيده الأمناء ، وكان ابن الموعد قد نما وترعرع حتى بلغ دور الرجولة في كنف أبيه ، وكأن السماء قد كللت ببركتها حياة التضحية التي بدت في توقع تحقيق الرجاء المؤجل وهو صابر .

إن إبراهيم ، في طاعة إيمانه ، ترك أرض ميلاده ومدينة مقابر آبائه ووطن عشيرته ، وتجول غريبا في أرض ميراثه ، وانتظر طويلا ميلاد الوارث الموعود به ، وامتثالا لأمر يهوه طرد ابنه اسماعيل ، والآن إذ كان الابن الذي انتظره طويلا قد بلغ مبلغ الرجال ، وحين أيقن ذلك الشيخ الجليل أن آماله قد تحققت كان عليه أن يجوز امتحانا أقسى من كل ما سبق .

وصدر أمر يهوه لإبراهيم في كلمات عصرت قلب ذلك الأب عصرا قاسيا بالحزن والألم إذ قال له : (( خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ ، الَّذِي تُحِبُّهُ ، إِسْحَاقَ ... وَأَصْعِدْهُ ... مُحْرَقَةً )) (تكوين 22: 2) . لقد كان إسحاق هو النور الذي ينير جوانب بيته وعزاءه في شيخوخته ، وفوق الكل ، كان إسحاق هو وارث البركة الموعود بها ، ولو مات مثل هذا الابن في حادثة أو بمرض لتمزق قلب أبيه المحب وكان رأسه الأشيب ينحني تحت ثقل الأحزان ، ولكن يهوه يأمره بأن يسفك دم ذلك الابن بيده . لقد تراءى له أن ذلك العمل مستحيل ومخيف .

كان الشيطان قريبا من إبراهيم يقول له إنه لا بد أن يكون قد غرر به ، لأن الوصية الإلهية تقول (( لاَ تَقْتُلْ )) (خروج 20: 13) ويهوه لا يمكن أن يطلب من إنسان عمل شيء سبق فنهاه عن عمله . خرج إبراهيم إلى خارج خيمته ، ونظر إلى السماوات الجميلة الصافية ، وذكر وعد يهوه الذي قدمه له منذ حوالي خمسين سنة ، بأن نسله سيكون كثيرا جدا كنجوم السماء ، فإن كان هذا الوعد سيتم في إسحاق فكيف يقتل ؟ وقد جُرب إبراهيم لأن يعتقد أنه كان واقعا تحت وهم أو تضليل ، ففي شكوكه وآلامه سجد على الأرض وصلى كما لم يصل قط من قبل ، ليتحقق من أمر السيد هذا ، وهل كان لا بد له من أن يقوم بذلك الواجب المرعب ، وقد ذكر الملائكة وهم يأتون إليه ليكاشفوه بقصد يهوه في هلاك سدوم ، وذكر أنهم قد قدموا له وعدا بميلاد إسحاق هذا ، ثم ذهب إلى المكان الذي فيه التقى رسل السماء مرارا على أمل لقائهم مرة أخرى ، ليتلقى منهم أوامر جديدة ، ولكن لم يأت أحد منهم لتفريج كربته ، وبدا كأن ظلمة داجية تكتنفه ، ولكن أمر يهوه كان لا يزال يرن في أذنيه : (( خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ ، الَّذِي تُحِبُّهُ ، إِسْحَاقَ ... وَأَصْعِدْهُ ... مُحْرَقَةً )) إذاً فلابد من إطاعة هذا الأمر ، ولم يكن يجرؤ على التأجيل ، كان نور النهار قد بدأ يبزغ ، وعليه أن يشرع في السفر .

وإذ عاد إلى الخيمة ذهب إلى حيث كان إسحاق مضطجعا ونائما نومة الشاب البريء الذي لا يزعجه شيء ، ولمدة لحظة تطلع الآب في وجه ابنه الحبيب ثم تحول عنه مرتعبا ، ثم ذهب إلى جانب سارة التي كانت نائمة أيضا ، فهل يوقظها لكي تعانق ابنها مرة أخيرة ؟ وهل يخبرها بما أمره به يهوه ؟ لقد تاق إلى أن يخبرها عن خبيئة نفسه لتحمل معه هذه المسؤولية الرهيبة ، ولكن خوفه من أنها قد تعطله عن إطاعة أمر السيد منعه من مكاشفتها بالأمر ، لقد كان إسحاق فرحها وفخرها ، وحياتها كانت مرتبطة به ، فقد ترفض محبة الأم هذه التضحية .

أخيرا استدعى إبراهيم ابنه وأخبره بأمر السيد له بالذهاب إلى جبل بعيد لتقديم ذبيحة ، وكان إسحاق قد ذهب مع أبيه مرارا ليعبد يهوه عند بعض المذابح المختلفة التي كان يقيمها في أثناء رحلاته من مكان إلى آخر ، ولذلك فلم يكن هذا الأمر الإلهي مثيرا لدهشته ، وبسرعة تمت كل الاستعدادات لتلك الرحلة . وأعد الحطب ووضعه على الحمار وأخذ اثنين من غلمانه معه وإسحاق ابنه وذهبوا .

سار الأب والابن جنبا إلى جنب صامتين ، كان ذلك الشيخ يتأمل في سره الرهيب ، فلم يكن لديه لذلك قلب ليتكلم . كانت أفكاره متجهة إلى الأم المحبة لابنها والفخورة به ، وإلى اليوم الذي سيعود إليها فيه وابنه ليس معه . كان يعرف جيدا أن السكين التي سيذبح بها ابنه ستخترق عندئذ قلبها .

إن ذلك اليوم الذي كان أطول يوم عرفه في حياته مر بطيئا متثاقلا ، فلما أقبل الليل وكان ابنه وغلاماه نياما قضى هو ليلته في الصلاة ، وكان لا يزال يؤمل أن سيأتي ملاك من السماء ليقول له إنه قد امتُحن بما فيه الكفاية ، وأن لابنه أن يعود إلى أمه سالما ، ولكن نفسه ظلت معذبة ولم يحصل على راحة أو معونة ، ثم مر بعد ذلك يوم طويل وتلاه ليل آخر قضاه في التذلل والصلاة ، وكان ذلك الأمر الذي سيتركه عقيما لا يزال يرن في أذنيه ، وكان الشيطان قريبا منه ليوسوس في أذنيه بكلام الشك ، عدم الإيمان ، ولكن إبراهيم قاوم كل مقترحاته ، وعندما أوشكوا على السفر في صبيحة اليوم الثالث تطلع ذلك الشيخ إلى جهة الشمال فرأى العلامة التي وعده السيد بها ، إذ أبصر سحابة مجد محلقة فوق جبل المريا ، فأيقن حينئذ أن الصوت الذي سمعه كان آتيا من السماء .

إلى هذا الحد لم يتذمر إبراهيم على يهوه ، بل تقوت روحه بالتأمل في دلائل جود يهوه وأمانته ، لقد أعطي له هذا الابن على غير انتظار ، أفلا يحق لمن قد وهبه هذه العطية الثمينة أن يسترد ما قد وهب ؟ حينئذٍ بالإيمان كرر ذلك الوعد القائل (( بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ )) (تكوين 21: 12)- نسل لا يعد كالرمل الذي على شاطئ البحر ، لقد كان إسحاق ابنا لمعجزة ، أفلا تستطيع القوة التي أعطته الحياة أن تعيدها إليه ؟ وإذ نظر إبراهيم إلى ما وراء المنظور تمسك بكلمة يهوه (( إِذْ حَسِبَ أَنَّ يهوه قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ )) (عبرانيين 11: 19) .

لكن ليس أحد غير يهوه عرف كم كانت عظيمة تضحية الأب في تسليم ابنه للموت ، وكان إبراهيم يرغب في ألا يشاهد أحد منظر الوداع بينه وبين ابنه غير يهوه وحده ، ولذلك أمر غلاميه بالتخلف قائلاً لهما : (( أَمَّا أَنَا وَالْغُلاَمُ فَنَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ وَنَسْجُدُ ، ثُمَّ نَرْجعُ إِلَيْكُمَا )) (انظر تكوين 22: 5-8) فوضع الحطب على إسحاق الذي سيقدم ذبيحة ، وأخذ هو بيده النار والسكين ثم أخذا في الصعود إلى قمة الجبل ، وكان ذلك الشاب مندهشا يسائل نفسه قائلاً من أين لنا المحرقة ونحن بعيدان جدا عن الحظائر والقطعان ؟ وأخير قال لأبيه : (( يَا أَبِي ! ... هُوَذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ ، وَلكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ ؟ )) آه ما أقسى هذا من امتحان ، وبأي سيف قاطع طعنت هذه الكلمة المحببة (( يَا أَبِي )) قلب إبراهيم ! لم يحن الوقت بعد ، لم يقدر أن يخبره الآن . قال (( يهوه يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي )).

في المكان المعين بنيا المذبح ووضعا عليه الحطب ، وحينئذ ، وبصوت مرتجف ، أخبر إبراهيم ابنه برسالة يهوه ، ولما علم إسحاق بمصيره ملكه الرعب والذهول ، ولكن لم تبد منه أية مقاومة ، كان يمكنه أن ينجو من ذلك المصير لو أراد ، فذلك الشيخ المهدم الذي هده الحزن وأنهكه ذلك الصراع الذي دام ثلاثة أيام لم يكن يقوى على مقاومة إرادة ابنه الشاب القوي الناشط ، إلا أن إسحاق قد تربى منذ طفولته على الطاعة التامة الواثقة ، فلما كُشِف له قصد يهوه أطاع وسلم من تلقاء نفسه ، لقد كان شريكا لإبراهيم في إيمانه ، وكان يحس أنه شرف عظيم له أن يبذل حياته ذبيحة ليهوه ، فأخذ بكل رقة يحاول التخفيف من أحزان أبيه ويشجع يديه الضعيفتين على ربطه بالحبال ليوضع على المذبح .

أخيرا بعدما قيلت آخر كلمات المحبة وسكبت آخر دمعة ، وبعد الانتهاء من المعانقة ، يرفع الأب السكين ليذبح ابنه ، ولكن فجأة توقفت يده ، ذلك أن ملاك السيد نادى ذلك الشيخ قائلا (( إِبْرَاهِيمُ ! إِبْرَاهِيمُ ! )) فجاء الرد سريعا يقول : (( هأَنَذَا )) فعاد الصوت يقول له : (( لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ يهوه، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي )) (انظر تكوين 22: 11-18) .

حينئذٍ نظر إبراهيم (( وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ )) وإذ أحضر تلك الذبيحة الجديدة بسرعة أصعدها عوضا عن ابنه ، ففي فرحه وشكره أطلق إبراهيم على تلك البقعة المقدسة اسما جديدا (( يَهْوَهْ يِرْأَهْ )) أي يهوه يرى ( يدبر) .

على جبل المريا جدد يهوه عهده لإبراهيم ثانية مثبتا البركة له ولنسله مدى الأجيال القادمة بقسم قائلاً : (( بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ يهوه ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ ، أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً ، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ ، وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي )) .

إن عمل إيمان إبراهيم العظيم يقف كعمود من نور لينير طريق عبيد يهوه في كل العصور المتعاقبة ، إن إبراهيم لم يحاول أن يعفي نفسه من عمل إرادة يهوه ، ففي أثناء رحلته التي استغرقت ثلاثة أيام كان لديه وقت كاف للمجادلة والمحاورة وللشك في يهوه لو كان ميالا للشك . كان يمكنه أن يحاور قائلاً إن ذبحه لابنه يجعل الناس يعتبرونه قايين ثانيا ، الأمر الذي يجعل الناس يرفضون تعاليمه ويحتقرونها ، وذلك يلاشي قوته على عمل الخير مع بني جنسه ، وكان يمكنه أن يحتجّ بالقول إن شيخوخته تعفيه من الطاعة ، ولكن ذلك الشيخ لم يتحصن وراء أي عذر من تلك الأعذار ، لقد كان إبراهيم بشرا مثلنا ، وكانت له آلام وانفعالات وصلات بغيره مثلنا ، ولكنه لم يقف ليتساءل عن كيف يتم الوعد لو ذبح إسحاق ، ولم يقف ليتباحث مع قلبه المتألم ، لقد عرف أن يهوه عادل وبار في كل مطاليبه فأطاع أمره طاعة حرفية .

(( فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِيهوه فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا وَدُعِيَ خَلِيلَ يهوه )) (يعقوب 2: 23) وبولس يقول : (( الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ أُولئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ )) (غلاطية 3: 7) ولكن إيمان إبراهيم تجلى في أعماله إذ يقول الكتاب : (( أَلَمْ يَتَبَرَّرْ إِبْرَاهِيمُ أَبُونَا بِالأَعْمَالِ ، إِذْ قَدَّمَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ ؟ فَتَرَى أَنَّ الإِيمَانَ عَمِلَ مَعَ أَعْمَالِهِ ، وَبِالأَعْمَالِ أُكْمِلَ الإِيمَانُ )) (يعقوب 2: 21،22) . إن كثيرين لا يفهمون العلاقة الكائنة بين الأعمال والإيمان ، فهم يقولون عليك فقط أن تؤمن بالمسيا فتكون في أمان ، ولا شأن لك بحفظ الناموس . ولكن الإيمان الحقيقي يتجلى في الطاعة . قال المسيا لليهود غير المؤمنين : (( لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ ! )) (يوحنا 8: 39) أما فيما يختص بأبي المؤمنين فيهوه يعلن قائلاً : (( إِبْرَاهِيمَ سَمِعَ لِقَوْلِي وَحَفِظَ مَا يُحْفَظُ لِي : أَوَامِرِي وَفَرَائِضِي وَشَرَائِعِي )) (تكوين 26: 5) والرسول يعقوب يقول : (( هكَذَا الإِيمَانُ أَيْضًا ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ ، مَيِّتٌ فِي ذَاتِهِ )) (يعقوب 2: 17) ويوحنا الذي يتكلم كثيرا عن المحبة يقول لنا (( هذِهِ هِيَ مَحَبَّةُ يهوه : أَنْ نَحْفَظَ وَصَايَاهُ )) (1يوحنا 5: 3) .

وعن طريق الرمز والوعد نرى أن يهوه :(( ... سَبَقَ فَبَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ )) (غلاطية 8:3) . وكان إيمان إبراهيم مثبتا ومركزا في الفادي الآتي ، قال المسيا لليهود : (( أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ )) (يوحنا 8: 56) إن الخروف الذي قدم عوضا عن إسحاق كان يرمز إلى ابن يهوه الذي كان سيقدم ذبيحة عوضا عنا ، إن الإنسان إذ قد حكم عليه بالموت بسبب عصيانه لشريعة يهوه ، فالآب إذ نظر إلى ابنه قال للخاطئ : عش (( قَدْ وَجَدْتُ فِدْيَةً )) .

إن يهوه لكي يطبع على عقل إبراهيم حقيقة الإنجيل ولكي يختبر إيمانه أمره أن يقدم ابنه ذبيحة . إن الآلام النفسية الهائلة التي جاز فيها في تلك الأيام المظلمة ، أيام التجربة المخيفة سمح يهوه بها لكي يفهم إبراهيم من واقع اختباره شيئا عن عظمة الذبيحة التي قدمها يهوه غير المحدود لفداء الإنسان ، لم يكن أي امتحان آخر ليسبب لإبراهيم مثل ذلك العذاب النفسي الذي اختبره عند الشروع في تقديم ابنه ذبيحة ، ولقد بذل يهوه ابنه ليموت موت العذاب والعار .

والملائكة الذين شاهدوا اتضاع ابن يهوه و آلامه لم يسمح لهم بالتدخل كما كانت الحال مع إسحاق ، لم يكن هنالك صوت يقول : (( كفى )) فلكي يخلص جنسنا الساقط بذل ملك المجد حياته . فأي برهان أعظم يمكن تقديمه على شفقة يهوه ومحبته غير المحدودتين ؟ (( اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ ؟ )) (رومية 8: 32) .

إن الذبيحة التي كانت مطلوبة من إبراهيم لم تكن فقط لأجل خيره هو ولا لأجل فائدة الأجيال القادمة دون سواها ، بل أيضا لأجل تعليم الخلائق الطاهرة البارة في السماء وفي العوالم الأخرى ، فإن ميدان الحرب بين المسيا والشيطان- الميدان الذي تم فيه تدبير الفداء هو السِّفر الذي يتعلم منه الكون ، فلأن إبراهيم كان يعوزه الإيمان بمواعيد يهوه اتهمه الشيطان أمام يهوه وأمام ملائكته بأنه أخفق في إتمام شروط العهد ، وأنه غير مستحق لبركات ذلك العهد ، فأراد يهوه أن يثبت ولاء عبده أمام كل السماء ليبرهن على أنه لا شيء أقل من الطاعة الكاملة يمكن قبوله ، وليعلن أمامهم تدبير الخلاص كاملا .

كانت الكائنات السماوية شهود عيان للمنظر حين امتحن إيمان إبراهيم وخضع إسحاق . وكان ذلك الامتحان أقسى جدا من امتحان آدم . إن الإذعان لأمر يهوه حين نهى أبوينا الأولين عن الأكل من الشجرة التي في وسط الجنة لم يكن فيه أي ألم ، أما الأمر الذي طلبه يهوه من إبراهيم فكان يتطلب أعظم تضحية انطوت على آلام هائلة ، وقد شاهدت السماء كلها بدهشة وإعجاب طاعة إبراهيم التي لم يكن فيها أي تردد أو تراجع ، وأثنت السماء كلها على أمانته وإخلاصه ، وتبرهن كذب الشيطان في شكاياته ، وأعلن يهوه لعبده قائلاً : (( الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ يهوه ( برغم اتهامات الشيطان ) ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي )) وإن عهد يهوه الذي تثبت لإبراهيم بقسم أمام الخلائق في العوالم الأخرى شهد على أن الطاعة لا بد لها من جزاء .

لقد كان من الصعب حتى على الملائكة أنفسهم أن يفهموا سر الفداء- أن يفهموا كيف أن ملك السماء ابن يهوه ينبغي أن يموت لأجل الفجار ، وحين أصدر يهوه أمره لإبراهيم أن يقدم ابنه أثار ذلك اهتمام كل الخلائق السماوية ، وبغيرة عظيمة راقبوا كل خطوة سار فيها إبراهيم لتنفيذ أمر السيد . وحين أجاب إبراهيم عن سؤال ابنه القائل :

(( أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ ؟ )) بقوله (( يهوه يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ )) وحين أوقفت يد الأب وهو يشرع في ذبح ابنه ، وقدّم الكبش الذي قد أعده يهوه بدلا من إسحاق- حينئذٍ ألقي نور عظيم على سر الفداء ، وحتى الملائكة فهموا فهما أعمق التدبير العجيب الذي أعده يهوه لخلاص بني الإنسان (1بطرس 1: 12) .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
11
22
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
01
20
افرحوا بالخالق في يوم قدسه. سبت مبارك.
Calendar App