6. شيث وأخنوخ
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

أُعطي لآدم ابن آخر ليكون وارثا للوعد الإلهي ، وارثا للبكورية الروحية . إن معنى اسم شيث الذي أطلق على الابن هو (( مُعيَّن )) أو (( عِوَض )) لأن أمه قالت : (( يهوه قَدْ وَضَعَ لِي نَسْلاً آخَرَ عِوَضًا عَنْ هَابِيلَ». لأَنَّ قَايِينَ كَانَ قَدْ قَتَلَهُ )) (تكوين 4: 25) .  وكان شيث أطول قامة من قايين وهابيل وأشد من أخويه شبها بأبيه ، وكان رجلا فاضلا ، سار في خطوات هابيل . أما في الأمور الطبيعية فلم يرث إمكانيات أفضل من قايين . قيل عن آدم حين خُلِق (( عَلَى صُورَةِ يهوه خَلَقَهُ )) (تكوين 1: 27) أما بعد السقوط فقد قيل عن بني الإنسان: (( وَوَلَدَ وَلَدًا عَلَى شَبَهِهِ كَصُورَتِهِ )) (تكوين 5: 3) فمع أن آدم خلق بلا خطية ، على صورة يهوه ، فإن شيث ، كقايين ، ورث طبيعة أبويه الساقطة ، ولكنه هو أيضا حصل على معرفة الفادي والتعليم في البر . وبنعمة يهوه خدم السيد وأكرمه ، واجتهد ، كما كان يمكن أن يفعل هابيل لو عاش ، في رد قلوب الخطاة إلى إكرام الخالق وطاعته .

(( وَلِشِيثَ أَيْضًا وُلِدَ ابْنٌ فَدَعَا اسْمَهُ أَنُوشَ . حِينَئِذٍ ابْتُدِئَ أَنْ يُدْعَى بِاسْمِ يهوه )) (تكوين 4: 26) لقد كان الأمناء يعبدون السيد من قبل ، ولكن إذ تكاثر الناس ظهر الفارق بين الفريقين بأكثر وضوح ، فإن فريقا منهما اعترفوا علنا بولائهم ليهوه ، أما الفريق الثاني فاحتقروا يهوه العلي وعصوه .

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس السبت الحالي "Saturday". يجب أيضا الأخذ في الاعتبار أن السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الجريجوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائما في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر، الأمر الذي لا يستطيع أن يفعله أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.

ولقد حفظ أبوانا الأولان السبت قبل السقوط ، إذ كان السبت قد أُعطي لهما في جنة عدن . وحتى بعد طردهما من الجنة ظلا يقدسانه . لقد ذاقا ثمار العصيان المرة ، وتعلما ما لا بد أن يتعلمه كل من يدوس وصايا يهوه ، إنْ عاجلا أو آجلا ، وهو أن وصايا يهوه مقدسة وثابتة ، وأنه لا بد من وقوع القصاص على كل عصيان . ولقد حفظ السبت كل من ظلوا ثابتين على ولائهم ليهوه من نسل آدم ، أما قايين ونسله فلم يحفظوا ذلك اليوم الذي استراح يهوه فيه ، بل اختاروا لأنفسهم الوقت الذي يحلو لهم للعمل والراحة ، دون ما اعتبار لأمر السيد الواضح .

بعدما سمع قايين اللعنة التي أوقعها يهوه عليه ، انسحب من بين عائلة أبيه . كان قد اختار حرفته أولا عاملا في الأرض ، وبنى مدينة ودعاها باسم ابنه الاكبر . لقد خرج من حضرة السيد ، وألقى بالوعد باسترجاع عدن بعيدا عنه ليبحث عن أملاكه وتمتعاته في الأرض تحت لعنة الخطية ، وهكذا صار رئيسا للجمهور العظيم من الناس الذين يتعبدون لإله هذا العالم . وفيما يختص بالأمور الأرضية والنجاح المادي اشتهر نسله ، ولكنهم كانوا عديمي الاكتراث ليهوه ومقاومين لمقاصده نحو الإنسان . وأضاف لامك ، الخامس من قايين ، إلى جريمة القتل التي كان قايين أول مرتكبيها ، تعدد الزوجات ، وفي تعديه وتفاخره اعترف بيهوه فقط ليستخرج من انتقامه لقايين ضمانا لسلامته هو ، أما هابيل فكان قد عاش عيشة هادئة ، ساكنا في خيام أو مظلات . واتبع نسل شيث مثال هابيل في ذلك إذ (( أَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ )) إذ كانوا (( يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا )) (عبرانيين 11: 13،16) .

ظل الفريقان منفصلين بعض الوقت ، فنسل قايين انتشروا من مسكنهم الأول وتفرقوا في السهول والوديان حيث كان يعيش نسل شيث ، فلكي ينجو نسل شيث من عدوى هؤلاء القوم وتأثر أخلاقهم الشريرة نزحوا إلى الجبال وعاشوا هناك . وقد احتفظوا بعبادة يهوه في طهارتها ما ظل هذا الانفصال قائما ، ولكن بمرور الزمن بدأوا يجازفون قليلا قليلا للاندماج في سكان السهول حتى ، نتج عن هذا الاندماج أسوأ النتائج ، ذلك (( أَنَّ أَبْنَاءَ يهوه رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ )) (تكوين 6: 2) فإذ اجتذب جمال بنات قايين أنظار أبناء شيث أسخطوا يهوه بسبب تزوجهم بهن ، وكثيرون من عبيد يهوه أغوتهم الإغراءات التي كانت أمام أنظارهم دائما لارتكاب الخطية ، وبذلك خسروا صفة القداسة التي كانت طابعهم الخاص . وإذ اندمجوا بالفاسدين صاروا مثلهم في روحهم وأعمالهم ، وعادوا لا يراعون مطاليب الوصية السابعة أو يتقيدون بها ، بل (( اتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا )) (تكوين 6: 2) إن أبناء شيث (( سَلَكُوا طَرِيقَ قَايِينَ )) (يهوذا 11) فلقد ركزوا تفكيرهم في النجاح المادي والتمتعات الخاطئة ، مهملين وصايا السيد . (( لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا يهوه فِي مَعْرِفَتِهِمْ )) (( بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ )) لذلك (( أَسْلَمَهُمُ يهوه إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ )) (رومية 1: 21،28) لقد انتشرت الخطية في الأرض مثل برص مميت .

عاش آدم بين الناس ما يقرب من ألف سنة كشاهد لنتائج الخطية ، وبأمانة حاول أن يصد تيار الشر . لقد أمر بأن يعلم نسله طريق السيد ، وبكل حرص على كل ما أعلنه له يهوه واختزنه في قلبه ، وجعل يتلوه على الأجيال المتعاقبة من نسله ، فوصف لبنيه وبني بنيه حتى الجيل التاسع حالة الإنسان المقدسة السعيدة حين كان في الفردوس ، وتلا على مسامعهم تاريخ سقوطه ، وأخبرهم عن الآلام التي بواسطتها علمه يهوه ضرورة التمسك الشديد بشريعته ، كما أوضح لهم عن التدبير الرحيم الذي قد أعده لخلاصهم ، ومع ذلك فقليلون جدا هم الذين التفتوا إلى ما قال ، وفي غالب الأحيان كانوا يواجهونه باللوم والتقريع على خطيته التي جلبت على نسله كل تلك الويلات .

كانت حياة آدم حياة الحزن والاتضاع والانسحاق . ولما أخرج من عدن ازعجته فكرة كونه لا بد أن يموت ، فامتلأ قلبه رعبا . لقد اختبر حقيقة الموت في الأسرة البشرية يوم صار قايين ابنه البكر قاتلا لأخيه ، وإذ امتلأ قلبه ندامة مُرة على خطيته ، وشعر بحزن مضاعف على ابنه هابيل ، ولكون قايين قد رُفض انحنت نفسه تحت ضغط الحزن والألم . ولقد شهد انتشار الفساد المتفشي الذي كان سيسبب هلاك العالم بالطوفان ، ومع أن حكم الموت الذي كان جابله قد حكم به عليه ظهر مرعبا له في البداءة ، فإنه بعد ما شاهد نتائج الخطية لمدة تقرب من الألف سنة أحس أنها رحمة عظيمة من يهوه أن ينهي حياته المفعمة بالأحزان والآلام .

وبالرغم من شر الناس الذين عاشوا قبل الطوفان فإن ذلك العصر لم يكن عصر جهالة أو همجية كما ظن الناس طويلا ، فلقد أعطيت للناس فرصة لبلوغ مقياس أدبي وعقلي سامٍ ، وكانت لديهم قوة عقلية وبدنية عظيمة كما كانت لديهم فرص لا تبارى للحصول على قدر كبير من المعرفة الدينية والعلمية . فمن الخطأ أن نظن أنه لكونهم عاشوا أعمارا طويلة جاء نضج عقولهم متأخرا ، فإن قواهم العقلية نمت في بكور حياتهم ، والذين كان خوف يهوه في قلوبهم وعاشوا في وفاق مع إرادته ، واظبوا على الاستزادة من المعرفة والحكمة مدى حياتهم . ولو أجريت مقارنة بين العلماء الأفذاذ في هذه الأيام ومن عاشوا قبل الطوفان ممن كانوا في مثل أعمارهم لتبرهن أن علماء اليوم أدنى ، إلى حد بعيد ، في قواهم العقلية والجسمانية مما كان أولئك . وبقدر ما قصرت أيام حياة الإنسان وضعفت قواه الجسمية تضاءلت كذلك قواه العقلية . في هذه الأيام يعكف الناس على الدرس والتحصيل مدة عشرين إلى خمسين سنة ، فتملأ الدهشة العالم لكثرة ما قد أحرزوه ووصلوا إليه . ولكن ما أقل ما حصلوا عليه بالمقارنة مع ما حصل عليه أولئك الذين ظلت قواهم العقلية والجسمانية تنمو قرونا طويلة؟

صحيح أن أهل العصر الحاضر قد انتفعوا بما حصل عليه أسلافهم من اختبارات واكتشافات . إن أولئك الرجال ذوي العقول الجبارة الذين رسموا خططهم ودرسوا وكتبوا تركوا ثمرات جهودهم لمن جاءوا بعدهم ، ولكن حتى من هذه الوجهة ومن وجهة نظر المعرفة البشرية كم كانت امتيازات أولئك القوم الذين عاشوا في الأجيال السالفة أعظم بكثير مما هي في هذه الأيام . لقد كان بينهم ، لمئات السنين ، ذاك الذي خلق على صورة يهوه والذي قال عنه الخالق نفسه أنه (( حَسَنٌ ))- الإنسان الذي علمه يهوه بكل حكمة تختص بالعالم المادي . لقد تعلم آدم من خالقه تاريخ الخلق ، وشاهد بعينيه ما حدث خلال تسعة قرون ، ونقل تلك المعرفة إلى نسله . لم تكن لدى الناس الذين عاشوا قبل الطوفان كتب ولا سجلات مكتوبة ، ولكن بسبب نشاطهم الجسماني والعقلي كانت لهم ذاكرة قوية لإدراك واستيعاب كل ما قد تعلموه ، وأمكنهم أن يسلموه لمن أتوا بعدهم سليما لم يعتره نقص ولا تحوير . ولمدة مئات السنين كانت هناك سبعة أجيال معاصرة لبعضها البعض على الأرض ، وكانت لهم الفرصة للتشاور معا ، وليستفيد كل منهم من معرفة الجميع واختبارهم .

وإن الامتياز الذي تمتع به الناس في ذلك العصر للحصول على معرفة يهوه عن طريق أعماله ليس له مثيل منذ ذلك الحين ، فبدلا من أن يكون ذلك التاريخ تاريخا مظلما من الوجهة الدينية كان عصر نور عظيم ، وكان لكل العالم فرصة تلقي النور والمعرفة من آدم . وأولئك الذين كانوا يخافون يهوه كان المسيا والملائكة يتولون أمر تعليمهم ، وكان لهم من جنة يهوه التي ظلت باقية بين الناس أجيالا طويلة شاهد صامت للحق . ولقد تجلى مجد يهوه عند باب الفردوس الذي كان يحرسه الكروبيم ، وكان العابدون الأولون يأتون إلى ذلك المكان ، فكانوا يبنون مذابحهم ويقدمون قرابينهم . إلى ذلك المكان أتى قايين وهابيل بتقدماتهما ، فتنازل يهوه ليتصل بهما .

 

ولم يستطع الإلحاد إنكار وجود جنة عدن التي كانت ترى رأي العين والملائكة يحرسون مدخلها . ثم أن نظام الخليقة والغاية من الجنة وتاريخ الشجرتين المغروستين فيها واللتين كانتا مرتبطتين بمصير الإنسان- كل هذه حقائق لا موضع للجدل فيها . كما أن وجود يهوه وسلطانه العظيم والتزام الإنسان بحفظ شريعته- كل تلك كانت حقائق لا مجال لأن يشك الناس فيها- طيلة ما كان آدم عائشا بينهم .

وبالرغم من انتشار الإثم فقد كان هنالك قافلة من القديسين الذين إذ عظمتهم ورفعت من شأنهم شركتهم مع يهوه عاشوا كعشراء السماء ، وكانوا ذوي عقول جبارة وإدراك عجيب ، وكانت لديهم رسالة عظيمة ومقدسة ، ألا وهي صوغ صفات البر ، وتعليم الناس مبادئ التقوى ، ليس فقط لمعاصريهم ، بل أيضا لأجل الأجيال اللاحقة . ومن بين أشهر القديسين ذكر عدد قليل في الكتاب المقدس . ولكن كان ليهوه في كل جيل شهود أمناء من المتعبدين الكاملي القلوب .

وورد عن أخنوخ أنه عاش خمسا وستين سنة وولد ابنا ، وبعد ذلك سار مع يهوه ثلاث مئة سنة ، وفي خلال سني حياته الأولى أحب يهوه واتقاه وحفظ وصاياه . كان أخنوخ من نسل القديسين حافظي الإيمان القويم أسلاف النسل الموعود به ، وسمع من فم آدم قصة السقوط المحزنة والخبر المفرح عن نعمة يهوه التي تجلت في الوعد ، فاعتمد على الفادي الآتي . ولكن بعدما ولد لأخنوخ ابنه البكر حصل على اختبار أسمى ، فلقد وصل إلى ثقة وثيقة في القرب من يهوه ، وتحقق ، بأكثر يقين ، من التزاماته ومسئوليته كابن يهوه . وعندما رأى محبة الابن لأبيه وثقته البسيطة في حمايته ، وحينما شعر في قلبه بالشوق العميق والحنو العظيم نحو ابنه البكر ، تعلم درسا عظيما عن محبة يهوه العجيبة للناس في بذله ابنه ، والثقة التي يمكن أولاد يهوه أن يضعوها في أبيهم السماوي . وأن محبة يهوه غير المحدودة في ابنه يهوشوه المسيا ، تلك المحبة التي لا يسبر غورها ، صارت موضوع تأمل أخنوخ نهارا وليلا ، وبكل غيرة مضطرمة في نفسه عوَّل على أن يكشف للناس الذين عاش بينهم عن تلك المحبة العجيبة .

لم يكن سير أخنوخ مع يهوه في غيبة أو رؤيا ، بل في كل أعماله وواجباته اليومية . لم يصبح ناسكا ولا حبس نفسه كلية عن العالم ، بل كان لديه عمل يعمله ليهوه في العالم ، ففي عائلته وفي أحاديثه مع الناس ، وكزوج وأب وصديق ومواطن كان عبدا للسيد أمينا وثابتا .

كان قلبه حسب إرادة يهوه ، لأنه (( هَلْ يَسِيرُ اثْنَانِ مَعًا إِنْ لَمْ يَتَوَاعَدَا ؟ )) (عاموس 3: 3) وقد ظل سائرا مع يهوه مدة ثلاث مئة سنة . قليلون من المسيحيين هم الذين لا يرغبون في أن يكونوا غيورين وحارين في عبادتهم وصلاتهم لو عرفوا أنهم لن يعيشوا طويلا ، أو أن مجيء المسيا قريب على الأبواب ، أما أخنوخ فقد صار إيمانه أقوى ومحبته أشد التهابا بمرور الأجيال .

كان أخنوخ رجلا ذا عقل قوي ، مهذبا تهذيبا عاليا وواسع الأفق في المعرفة ، وقد أكرمه يهوه بإعلانات خاصة ، ومع ذلك فلأنه كان في شركة مستمرة مع السماء ، يشعر شعورا عميقا دائما بعظمة يهوه وكماله كان من أكثر الناس وداعة واتضاعا ، فكلما زاد اتصاله بيهوه زاد شعورا بضعفه هو ونقصه .

وإذ أزعجه تفاقم شرور الناس الفجار ، ولخوفه من أن يقلل إلحادهم من توقيره وإكرامه ليهوه قلل من اجتماعه بهم وقضى وقتا طويلا منفردا مختليا للتأمل والصلاة ، وهكذا انتظر أمام السيد في طلب معرفة أوضح لإرادته ليتممها . وكانت الصلاة في نظره هي نسمة الحياة التي تتنسمها نفسه ، فلقد عاش في جو السماء .

وبواسطة الملائكة القديسين أعلن يهوه لأخنوح قصده في إهلاك العالم بطوفان ، وبسط له ، بأكثر وضوح تدبير الفداء ، وبروح النبوة حمله عبر الأجيال التي كانت ستعيش بعد الطوفان ، وأراه الحوادث المتعلقة بالمجيء الثاني للمسيا وانقضاء العالم .

انزعج أخنوخ بالنسبة للأموات ، إذ تراءى له أن الأبرار والأشرار سيضمهم التراب معا ، وتكون هذه نهايتهم جميعا ، ولم يكن يعرف شيئا عن حياة الأبرار بعد القبر . ففي رؤيا نبوية تعلم أشياء خاصة بموت المسيا ، وأعلن له مجيئه ثانية في مجده مع جميع الملائكة القديسين ليفدي شعبه من القبر ، كما رأى حالة الفساد الذي سيكون سائدا في العالم حين يظهر المسيا ثانية- وأنه ليكون هنالك جيل متفاخر عات متكبر ينكر الإله الوحيد والسيد يهوشوه المسيا ، يدوس الشريعة ويحتقر الكفارة . ورأى الأبرار مكللين بالمجد والكرامة ، كما رأى الأشرار يطردون من حضرة السيد ليهلكوا في سعير النار .

وصار أخنوخ كارزا للبر ، فأخبر الناس بما قد أعلنه له يهوه . فالذين اتقوا السيد سعوا إلى هذا القديس ليستمعوا إلى تعاليمه وصلواته ، وأخذ هو يخدم الجمهور أيضا حاملا رسالة السماء لكل الراغبين في سماع الإنذارات ، ولم تقتصر خدماته على نسل شيث ، بل في الأرض التي حاول قايين فيها الهروب من وجه السيد هناك أيضا حدّث نبي يهوه ذاك ( أخنوخ ) كل الناس بالمناظر العجيبة التي كان قد رآها ، وأعلن قائلاً : (( هُوَذَا قَدْ جَاءَ يهوه فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ ، لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى الْجَمِيعِ ، وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمُِ )) (يهوذا 15،14) .

وكان موبخا للخطية غير هياب ، وعندما كان يكرز بمحبة يهوه في المسيا لبني جنسه متوسلا إليهم أن يتركوا طرقهم الشريرة كان يوبخ الآثام المتفشية بينهم وينذر معاصريه بأن الدينونة ستحل بالعصاة ، ما من ذلك بد . لقد كان روح المسيا هو الذي تكلم على لسان أخنوخ ، وذلك الروح لا يعلن فقط في ألفاظ المحبة والرفق والتوسل ، لأن القديسين لا يتكلمون بالناعمات فقط ، بل إن يهوه يضع على ألسنة رسله وفي قلوبهم حقائق قاسية خارقة قاطعة كسيف ذي حدين لينطقوا بها .

أحس السامعون بقوة يهوه العاملة مع خادمه ، فالتفت بعضهم إلى الإنذار وتركوا خطاياهم ، ولكن الغالبية العظمى سخروا من تلك الرسالة الخطيرة وأوغلوا في طرقهم الشريرة بأعظم جرأة . على خدام يهوه أن يحملوا إلى العالم في هذه الايام الأخيرة رسالة شبيهة برسالة أخنوخ ، ولا بد أن يقابلها العالم بعدم الإيمان والسخرية . لقد رفض الناس الذين عاشوا قبل الطوفان كلمات الإنذار التي فاه بها ذلك الرجل الذي سار مع يهوه ، كذلك سيستخف الناس ، في هذه الأيام الأخيرة ، بإنذارات رسل السيد .

وفي غمرة الحياة المزدحمة بالعمل النشيط داوم أخنوخ ، بكل ثبات ، على شركته مع يهوه . فكلما كثرت أعماله وضغطته واجباته ازداد غيرة وحرارة في صلواته . وفي بعض الأوقات استمر معتزلا المجتمع كله . فبعدما كان يقضي بعض وقته بين الناس معلما إياهم بأقواله ومثاله ، كان يعتزل ليقضي وقتا وهو منفرد وجائع وظامئ إلى تلك المعرفة الإلهية التي لا يعطيها أحد غير يهوه ، وإذ كان أخنوخ متمتعا بتلك الشركة الجميلة مع يهوه انعكست عليه صورة السيد ، فكان وجهه يلمع بنور مقدس ، وهو النور الذي يشع من وجه يهوشوه ، فلما كان يخرج من مخدع الشركة والصلاة ، كان الناس ، حتى الأشرار منهم ، يرون ، في رهبة ، صورة السماء منطبعة على وجهه .

لقد بلغ شر الناس إلى عنان السماء حتى لقد حكم عليهم بالهلاك . وبمرور السنين انحدر الناس في جرائمهم وشرورهم إلى أحط الدركات ، فبدأت سحب دينونة يهوه تتجمع في أفق حياة أولئك القوم . ومع ذلك فإن أخنوخ ، الشاهد الأمين ، ظل سائرا في طريقه منذرا الناس ومحاجّا ومتوسلا محاولا أن يصد تيار الجرائم ليحول دون انسكاب جامات النقمة . ومع أن الناس الخطاة ، محبي المسرات والملذات ، استخفوا بإنذاراته فقد قدم الشهادة التي سر بها يهوه ، واستمر بكل أمانة يناضل ضد الشرور المتفشية بين الناس حتى نقله يهوه من عالم الخطية والإثم إلى سماء الفرح والقداسة .

إن أهل ذلك العصر سخروا من جهالة ذلك الذي لم يحاول أن يجمع لنفسه فضة أو ذهبا أو يبني لنفسه بيوتا وتكون له ثروة . ولكن أخنوخ وضع قلبه على الكنوز الأبدية الباقية . كان ينتظر المدينة السماوية ، ولقد رأى الملك ، سيد الجنود ، في مجده في وسط صهيون ، وكان فكره وقلبه وسيرته وحديثه في السماء . وعلى قدر ما تفاقمت آثام الناس التهب قلبه شوقا إلى مسكن يهوه . ومع أنه كان لا يزال على الأرض فبالإيمان كان يسكن في ديار النور .

(( طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ يهوه )) (متى 5: 8) . لمدة ثلاث مئة سنة كان أخنوخ يطلب طهارة النفس ليكون على وفاق مع السماء ، ولمدة ثلاثة قرون سار مع يهوه ، ومن يوم إلى يوم كان يتوق إلى اتحاد أوثق بيهوه ، وكان في شركته مع يهوه يزداد قربا منه حتى أخذه يهوه إليه . لقد وقف على أعتاب العالم الأبدي ، ولم يكن بينه وبين موطن المباركين غير خطوة واحدة ، والآن هوذا قد فتحت الأبواب ، فظل سائرا في ذلك الطريق الذي كان قد قطع فيه شوطا بعيدا حتى دخل من أبواب المدينة المقدسة- وكان أول إنسان دخل إلى هناك .

أحس سكان الأرض بالخسارة بعد انتقاله ، وسكت ذلك الصوت الذي طالما ارتفع منذرا ومعلما . إن بعضا من الأبرار والأشرار شاهدوه عند ارتحاله ، وإذ كان بعض محبيه يؤملون أنه ربما يكون قد حمل إلى أحد الأماكن التي كان يعتكف فيها جعلوا يفتشون عنه باجتهاد ، كما فتش بنو الأنبياء عن إيليا بعد ذلك ، ولكن بلا جدوى ، فأخبروا الناس قائلين أنه لم يوجد لأن يهوه نقله .

أراد يهوه بنقل أخنوخ إليه أن يعلمنا درسا هاما . كان هنالك خطر من أن الناس قد تثبط هممهم بسبب النتائج المخيفة لخطية آدم ، فقد يصرخ كثيرون قائلين : (( ما الفائدة من أننا اتقينا يهوه وحفظنا وصاياه ما دام أن لعنة ثقيلة حالة على الجنس البشري كله ، والموت هو نصيب كل الناس ؟ )) ولكن التعليمات التي أعطاها يهوه لآدم ، ورددها شيث وعاشها أخنوخ طردت الظلمات الحالكة ومنحت الإنسان الرجاء ، حتى كما في آدم أتى الموت كذلك في الفادي الموعود به تأتي الحياة والخلود . لقد حاول الشيطان أن يقنع الناس بأنه لا ثواب للأبرار ولا عقاب على الأشرار ، وأنه يستحيل على الناس أن يحفظوا وصايا يهوه . ولكن في حادث أخنوخ أعلن يهوه (( أَنَّهُ مَوْجُودٌ ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ )) (عبرانيين 11: 6) وهو يرينا ما سيفعله لحافظي وصاياه . وقد تعلم الناس أنه يمكنهم حفظ وصايا يهوه ، وأنه حتى لو عاش الإنسان بين الأثمة والفاسدين يستطيع ، بالاتكال على نعمة يهوه ، أن يقاوم التجربة ويصير طاهرا وقديسا ، ورأوا ذلك في حياة أخنوخ . وكان صعوده برهانا على صدق نبوته بخصوص الأبدية بما يشملها من ثواب الفرح والمجد والحياة الأبدية لمن يطيعون ، والدينونة والموت والويلات للعصاة .

(( بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ يهوه نَقَلَهُ . إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى يهوه )) (عبرانيين 11: 5) ففي وسط عالم مليء بالإثم محكوم عليه بالهلاك عاش أخنوخ حياة الشركة الوطيدة مع يهوه حتى لم يسمح له أن يقع في قبضة الموت . إن صفة التقوى التي كانت لهذا النبي تمثل لنا حالة القداسة التي ينبغي أن يصل إليها الذين (( اشْتُرُوا مِنَ الأَرْضِ )) (رؤيا 14: 3) في مجيء السيد ثانية . وكذلك فكما كانت الحال قبل الطوفان هكذا عند مجيء السيد سيعم الإثم كل مكان ، فإذ يخضع الناس لأميال قلوبهم الشريرة والتعاليم الفلسفية الكاذبة سيتمردون على سلطان السماء . لكن شعب يهوه سيسعون ، كأخنوخ ، إلى نقاوة القلب والخضوع لمشيئة السيد ، حتى ينعكس عليهم شبه المسيا . وكأخنوخ سينذرون العالم بمجيء السيد ثانية وبالدينونة التي ستحل بالعصاة . وبسيرتهم المقدسة ومثالهم الصالح سيدينون خطايا الأشرار . وكما نقل أخنوخ إلى السماء قبلما هلك العالم بالطوفان فكذلك الأبرار الأحياء سينقلون من الأرض قبل هلاكها بالنار . يقول الرسول : (( لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا ، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ )) (1كورنثوس 15: 51،52) (( لأَنَّ السيد نَفْسَهُ بِهُتَافٍ ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ يهوه ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمسيا سَيَقُومُونَ أَوَّلاً . ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ السيد فِي الْهَوَاءِ ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ يهوه . لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهذَا الْكَلاَمِ )) (تسالونيكي الأولى 4: 16-18) .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
12
26
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
02
22
Calendar App