4. تدبير الفداء
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

ملأ نبأ سقوط الإنسان أرجاء السماء حزنا ، فالعالم الذي خلقه يهوه ضربته لعنة الخطية ، وأمسى ساكنوه خلائق محكوما عليها بالشقاء والموت ، ولم ير باب لنجاة من قد تعدوا الشريعة ، وكف الملائكة عن ترديد أغاني الحمد ، وفي أرجاء السماء ساد الحزن والنوح بسبب الدمار الذي أحدثته الخطية .

وابن يهوه ، سيد السماء المجيد ، امتلأ قلبه بالإشفاق على البشرية الساقطة ، فإذ رأى هول الويلات التي حلت بالعالم الهالك تحرك قلبه باللطف الذي لا يحد ، وابتكرت محبة يهوه تدبيرا به يمكن افتداء العالم . إن شريعة يهوه التي انتهكت كرامتها تطلب موت الخاطئ ، وفي كل الكون لم يكن غير واحد يمكنه أن يتمم مطاليب الشريعة كنائب عن الإنسان ، وحيث أن شريعة يهوه مقدسة مثله تماما فالذي يكفر عن خطايا العالم ينبغي أن يكون معادلا ليهوه ، ولم يكن أحد غير المسيا يستطيع أن يفتدي الإنسان الساقط من لعنة الناموس ويعيده إلى حالة الوفاق مع السماء . وقد رضي المسيا أن يأخذ على نفسه ذنب الخطية وعارها- الخطية الكريهة لدى إله قدوس إلى حد أنها تفصل الآب عن ابنه ، ورضي أن ينحدر إلى عمق أعماق الشقاء لينقد البشرية الهالكة.

رافع المسيا عن الإنسان الخاطئ أمام الآب ، بينما انتظر جند السماء النتيجة باهتمام بالغ لا يمكن التعبير عنه بالكلام ، واستغرقت تلك المشاورة السرية وقتا طويلا- وهي (( مَشُورَةُ السَّلاَمِ )) (زكريا 6: 13) لأجل بني الإنسان الساقطين . على أن تدبير الخلاص هذا كان قد أعد قبلما خلقت الأرض ، لأن المسيا هو (( الحمل المذبوح منذ إنشاء العالم )) (رؤيا 13: 8). ومع هذا فقد كان ذلك صراعا مع ملك الكون نفسه ، أن يبذل ابنه ليموت عن جنسنا . (( لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ يهوه الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ ))  (يوحنا 3: 16) . آه ما أعظم سر الفداء ، وما أعجب محبة يهوه لعالم لم يحببه ! من ذا الذي يستطيع أن يسبر أعماق هذه المحبة(( الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ )) ؟ ومدى أجيال لا نهاية لها إذ تحاول أفهام الأبرار في سماء الخلود إدراك سر تلك المحبة الفائقة الإدراك سيتعجبون ويقدمون للعلي عبادتهم وسجودهم .

كان لا بد أن يتجلى يهوه في المسيا (( مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ )) (2كورنثوس 5: 19) لقد انحدر الإنسان إلى أدنى دركات الانحطاط بسبب الخطية ، بحيث صار من المستحيل عليه العودة بقوته الذاتية إلى حال الانسجام والوفاق مع ذاك الذي طبعه الطهارة والصلاح ، ولكن المسيا بعدما افتدى الإنسان من دينونة الشريعة أمكنه أن يضيف إلى مجهود الإنسان قدرته الإلهية ، وهكذا بالتوبة إلى يهوه والإيمان بالمسيا أمكن أبناء آدم الساقطون أن يصيروا (( أَوْلاَدُ يهوه )) (1يوحنا 3: 2) .

إن التدبر الذي به ، دون سواه ، يمكن أن يتم الخلاص قد شمل كل السماء في تضحيتها غير المحدودة ، فالملائكة لم يستطيعوا أن يفرحوا  أو يتهللوا حين بسط المسيا أمامهم تدبير الفداء ، لأنهم رأوا أن خلاص الإنسان لا بد من أن يكبد قائدهم الحبيب ويلات هائلة لا يمكن وصف قسوتها ، ففي حزن ودهشة أصغوا إليه يحدثهم كيف أنه سينزل من سماء الطهارة والسلام والفرح والمجد والخلود ليحتك بانحطاط الأرض ، ليتحمل أحزانها وأقذارها ويكابد عارها وموتها ، كان لا بد له أن يحول بين الخاطئ وقصاص خطيته ، ومع ذلك فقليلون هم الذين سيقبلونه على أنه ابن يهوه . كان عليه أن يتخلى عن مركزه كمن هو سلطان السماء وبهاؤها وجلالها ويظهر على الأرض في حالة وضيعة كإنسان ، ويختبر بنفسه الأحزان والتجارب التي كان على الإنسان أن يحتملها . كان كل ذلك لازما وضروريا له لكي يقدر أن يعين المجربين (عبرانيين 2: 18) ومتى انتهت مهمته كمعلم يجب أن يُسلَّم لأيدي الأشرار ويتعرض لكل صنوف الإهانة والتعذيب التي لا يمكن أن يوحي إليهم الشيطان بإيقاعها عليه ، ويموت أقسى ميتة ، معلقا على صليب بين السماوات والأرض كخاطئ مجرم ، ويمر في ساعات عذاب طويلة ورهيبة جدا حتى أن الملائكة لا يستطيعون مشاهدة ذلك المنظر ، فيغطون وجوههم حتى لا يروه . وعليه أن يجوز في عذاب نفسي رهيب إذ يحجب الآب وجهه عنه حين يستقر عليه جرم الخطية- أي أحمال خطايا العالم كله .

سجد الملائكة عند قدمي سيدهم ورئيس جندهم ، وقدموا أنفسهم ليكونوا ذبيحة لأجل الإنسان ، ولكن حياة أي ملاك لا يمكنها أن تفي الدين ، أما ذاك الذي جبل الإنسان فهو وحده الذي يستطيع أن يفتديه . ومع ذلك فقد كان على الملائكة أن يقدموا بعض الخدمات في تدبير الفداء . وكان لا بد أن يوضع المسيا (( قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ ... مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ )) (عبرانيين 2: 9) وحيث أنه سيتخذ طبيعة بشرية فقوته لن تكون في مثل قوة الملائكة ، فعليهم أن يخدموه ويقووه ويسكنوا اضطراب نفسه حين يقاسي الآلام ، كما كان عليهم أن يكونوا أرواحا خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص (عبرانيين 1: 14) ولا بد لهم أن يحرسوا أبناء النعمة من قوة الملائكة الأشرار ومن الظلمة التي ينشرها الشيطان حولهم .

إن الملائكة حين يشاهدون آلام سيدهم وإذلاله تمتلئ قلوبهم حزنا ويتملكهم الغضب ويتمنون لو يسمح أن ينقذوه من أيدي قاتليه . ولكنه غير مسموح لهم أن يتدخلوا ليمنعوا وقوع شيء مما يرونه . فإن هذا كله جزء من تدبير الفداء ، إن المسيا ينبغي له أن يتحمل الازدراء والإهانة من الأشرار ، وقد ارتضى هو نفسه بذلك كله حين صار فادي البشر .

أكد المسيا لملائكته أنه بموته سيفتدي كثيرين ، وسيبيد ذاك الذي له سلطان الموت ، وسيسترجع الملك الذي أضاعه الإنسان بعصيانه ، وسيرثه المفديون مع سيدهم ويسكنون هناك إلى الأبد ، ولن تعود الخطية والخطاة بعد يعكرون صفاء السماء أو يزعجون سلام الأرض ، لأن الخطية والخطاة سيمحون إلى الأبد ، وقد أمر المسيا الجند السماويين أن يكونوا على وفاق مع التدبير الذي قبله الآب ، وأن يفرحوا لأنه بموته سيتصالح الإنسان الخاطئ مع يهوه .

حينئذ ملأت أرجاء السماء أفراح لا يمكن وصفها . إن مجد وسعادة العالم المفتدى فاقت حتى آلام رئيس الحياة وموته ، وفي كل الأرجاء العلوية رن صوت ذلك اللحن وتلك الأغنية التي كانت ستسمع أنغامها فوق تلال بيت لحم- (( الْمَجْدُ  ِليهوه فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ )) (لوقا 2: 14) . وبنغمة فرح أعمق مما حدث عند الخليقة الجديدة (( تَرَنَّمَتْ كَوَاكِبُ الصُّبْحِ مَعًا، وَهَتَفَ جَمِيعُ بَنِي يهوه )) (أيوب 38: 7) .

إن أول إشارة إلى الفداء قد أبلغت الإنسان في حكم يهوه الذي أوقعه على الشيطان في الجنة . فلقد أعلن يهوه قائلاً : (( وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا . هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ )) (تكوين 3: 15) . فهذا القول الذي نطق به يهوه في مسامع أبوينا الأولين كان بمثابة وعد بالنسبة لهما . فإذ أنبأ بقيام حرب بين الإنسان والشيطان أعلن أن قوة ذلك الخصم العظيم ستسحق نهائيا . لقد وقف آدم وحواء كمذنبين أمام الديان العادل ، منتظرين الحكم الذي أوجبه عليهما تحديهما ، ولكن قبلما حكم عليهما بحياة كلها كد وعناء وحزن وشقاء ، وقبلما حكم عليهما بأنهما سيعودان إلى التراب أصغيا إلى هذا الوعد الذي أنعش قلبيهما بالرجاء . فمع أنهما لا بد من أن يقاسيا من قوة عدوهما الجبار فقد كانا يتطلعان إلى النصرة النهائية .

وحين سمع الشيطان أنه ستقوم عداوة بينه وبين المرأة وبين نسله ونسلها أيقن أن عمله في إفساد الجنس البشري سيتعطل ويتوقف ، إذ أن الإنسان ، بوسيلة أو بأخرى ، سيكون قادرا على مقاومة سلطانه . ولكن حين أعلن تدبير الخلاص كاملا فرح الشيطان وجنوده لكونه ، إذ تسبب في سقوط الإنسان ، أمكنه أن ينزل ابن يهوه من مرتبته ومقامه العظيم ، وأعلن أن خطته ، حتى ذلك الحين ، قد نجحت في الأرض ، وأن ابن يهوه حين يتخذ طبيعة بشرية قد ينهزم هو أيضا ، وهكذا لن يتم فداء الجنس الساقط .

وقد أعلن ملائكة السماء لأبوينا الأولين بوضوح أكثر التدبير الذي رسم لخلاص البشرية . وأكدوا لآدم وشريكته أنه بالرغم من خطيتهما العظيمة فالسيد لن يتخلى عنهما تاركا إياهما لسلطان الشيطان ، لأنه قد تطوع ابن يهوه لأن يكفر عن معصيتهما ببذل حياته ، وأنه أعطيت لهما فترة امتحان ، وبالتوبة والإيمان بالمسيا يمكنهما أن يكونا ثانية من أولاد يهوه .

إن الذبيحة التي أوجبها عصيانهما كشفت لآدم وحواء صفة القداسة التي لشريعة يهوه وقد رأيا ، كما لم يريا من قبل ، جرم الخطية ونتائجها الرهيبة ، وفي حزن وانسحاق طلبا ألا يقع القصاص على ذك الذي كانت محبته نبع أفراحهما بل أن يقع بالحري عليهما وعلى نسلهما .

وقد قيل لهما أنه حيث أن شريعة السيد هي أساس حكمه في السماء كما على الأرض ، فحتى حياة ملاك لا يمكن قبولها ذبيحة عن التعدي عليها . ولا يمكن تغيير أو إلغاء جزء ولو صغير من تلك الشريعة ليناسب الإنسان في حالته بعد السقوط ، ولكن ابن يهوه الذي خلق الإنسان يمكنه أن يصنع كفارة عنه ، فكما أن معصية آدم قد جلبت الشقاء والموت ، فكذلك ذبيحة المسيا ستأتي بالحياة والخلود .

وليس الإنسان وحده هو الذي وقع تحت سلطان الشرير ، ولكن حتى الأرض أيضا بسبب الخطية خضعت لسلطانه ، وكان لابد أن ترد بالفداء . إن آدم بعدما خلق أقيم سيدا على الأرض ، ولكنه إذ انهزم أمام التجربة صار تحت سلطان الشيطان ، (( لأَنَّ مَا انْغَلَبَ مِنْهُ أَحَدٌ، فَهُوَ لَهُ مُسْتَعْبَدٌ أَيْضًا )) (2بطرس 2: 19) وبعدما صار الإنسان أسيرا للشيطان انتقلت السيادة منه إلى آسره ، وهكذا صار الشيطان (( إِلهُ هذَا الدَّهْرِ )) (2كورنثوس 4: 4) لقد اغتصب السلطان الذي كان قد أعطي لآدم على الأرض ، ولكن المسيا إذ حمل قصاص الخطية بذبيحته فهو لا يفتدي الإنسان فقط بل سيعيد إليه سلطانه الذي قد أضاعه ، فكل ما خسرناه في آدم الأول سنسترجعه في آدم الثاني . يقول ميخا النبى : (( وَأَنْتَ يَا بُرْجَ الْقَطِيعِ، أَكَمَةَ بِنْتِ صِهْيَوْنَ إِلَيْكِ يَأْتِي. وَيَجِيءُ الْحُكْمُ الأَوَّلُ )) (ميخا 4: 8) وبولس الرسول يشير إلى المستقبل إلى (( فِدَاءِ الْمُقْتَنَى )) (أفسس 1: 14) لقد خلق يهوه الأرض لتكون مسكنا للخلائق المقدسة السعيدة . إن السيد هو (( مُصَوِّرُ الأَرْضِ وَصَانِعُهَا. هُوَ قَرَّرَهَا. لَمْ يَخْلُقْهَا بَاطِلاً. لِلسَّكَنِ صَوَّرَهَا )) (إشعياء 45: 18) وسيتم ذلك القصد حينما تصبح الأرض مسكن المفديين الأبدي بعدما تتحرر ، بقوة يهوه ، من الخطية والحزن : (( الصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ الأَرْضَ وَيَسْكُنُونَهَا إِلَى الأَبَدِ )) (مزمور 37: 29) (( وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ. وَعَرْشُ يهوه وَالْخَرُوفِ يَكُونُ فِيهَا ، وَعَبِيدُهُ يَخْدِمُونَهُ )) (رؤ يا 22: 3) .

لقد تمتع آدم وهو في حال الطهارة باتصال مباشر بجابله ، ولكن الخطية فصلت بين يهوه والإنسان . إلا أن كفارة المسيا أقامت جسرا على تلك الهوة ، وجعلت من الممكن إيصال البركة والخلاص من السماء إلى الأرض . كان الإنسان لا يزال محظورا عليه الدنو المباشر من خالقه ، ولكن يهوه أراد أن يتصل به عن طريق المسيا والملائكة .

وهكذا أعلنت لآدم حوادث هامة في تاريخ البشرية منذ الوقت الذي فيه نطق يهوه بحكمه في الجنة إلى الطوفان ، ثم إلى مجيء ابن يهوه أول مرة . وقيل له إنه مع كون ذبيحة المسيا ذات قيمة عظيمة كافية لتخليص العالم كله فإن كثيرين سيفضلون حياة الخطية على حياة التوبة والطاعة . وستزيد الجرائم في الأجيال المتعاقبة ، وستستقر لعنة الخطية بأكثر قوة وقسوة على الجنس البشري ، وعلى البهائم والأرض ، وستقصر أيام حياة الإنسان بسبب الخطية التي سيختارها ، وسيصيب جسمه التشويه والضعف ، كما ستضعف قواه الأدبية والذهنية ، وقوته على الاحتمال ، حتى تمتلئ الأرض من كل ألوان الشقاء وبسبب انغماس الناس في النهم والشهوات لن يقدّروا الحقائق العظيمة الخاصة بتدبير الفداء ، ومع ذلك فالمسيا لكونه أمينا وحريصا على إتمام القصد الذي لأجله ترك السماء سيظل على اهتمامه بالناس وسيواصل دعوته إياهم لأن يأتوا إليه ويخفوا ضعفاتهم ونقائصهم فيه . وهو سيسدد احتياجات كل من يأتون إليه بالإيمان . والذين يحفظون معرفة يهوه ويظلون طاهري الذيل في وسط تيار الإثم الجارف سيكونون قليلي العدد .

وقد رسم يهوه نظام الذبائح الكفارية لتكون مذكرا دائما للإنسان واعترافا منه بتوبته عن خطيته وبإيمانه بالفادي الموعود به ، وكان القصد من تلك الذبائح ترسيخ هذا الحق في عقول الناس الساقطين وقلوبهم ، وهو أن الخطية هي علة الموت . وقد أحس آدم بألم وحزن بالغين عندما قدمت أول ذبيحة ، إذ كان لا بد ليده من أن ترتفع لتنتزع الحياة التي لا يعطيها غير يهوه . كانت تلك أول مرة شاهد فيها الموت ، وعرف أنه لو ظل مطيعا ليهوه لما مات إنسان أو حيوان ، وعندما ذبح أول ذبيحة ارتجت نفسه عندما برق في ذهنه هذا الخاطر وهو أن خطيته لا بد أن تسفك دم حمل يهوه الذي بلا عيب . وهذا المنظر جعله يحس إحساسا أوضح وأعمق بهول معصيته التي لا يمكن أن يكفر عنها غير موت ابن يهوه الحبيب . وقد ملكته الدهشة وهو يتأمل في صلاح يهوه غير المحدود الذي يقدم هذه الفدية الفادحة الكلفة لكي يخلص الأثمة ، ولمع في سماء حياته نور الرجاء الذي بدد غياهب المستقبل المظلم المرعب وخفف من وحشته وكآبته .

غير أن تدبير الفداء كان له غرض أوسع وأعمق من خلاص الإنسان . لم يكن هذا هو القصد الوحيد الذي لأجله أتى المسيا إلى الأرض ، لم يكن القصد الوحيد هو مجرد أن ينظر سكان كوكب الأرض الصغير هذا إلى شريعة يهوه بعين الاعتبار كما ينبغي ، ولكن القصد كان تبرير وتزكية صفات يهوه في أعين سكان الكون كلهم . ولأجل هذه الغاية من ذبيحته العظيمة- أي تأثيرها في عقول الكائنات العاقلة في كل العوالم كما في الإنسان ، كان المخلص ينظر إلى الأمام حين قال قبل صلبه: (( اَلآنَ دَيْنُونَةُ هذَا الْعَالَمِ. اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا. وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ )) (يوحنا 12: 31،32) . إن عمل المسيا في كونه مات لأجل خلاص الإنسان ليس فقط يسهل طريق وصول الناس إلى السماء ، بل يبرر يهوه أمام سكان الكون جميعا ، يبرر يهوه وابنه في كيفية معاملتهما لعصيان الشيطان ، ثم أن موت المسيا يثبت دوام شريعة يهوه ويكشف عن طبيعة الخطية وعواقبها .

لقد كان النزاع من البدء حول شريعة يهوه . فلقد حاول الشيطان أن يبرهن أن يهوه ظالم ، وأن شريعته مخطئة ، وأنه ينبغي تغييرها لأجل خير الكون . وفي مهاجمته للشريعة كان يرمي إلى هدم سلطان واضعها . وفي هذا النزاع لابد من البت فيما إذا كانت شريعة يهوه ناقصة وعرضة للتغيير أم كاملة لا تتغير .

ولما طرد الشيطان من السماء عول على جعل العالم مملكة له ، ولما جرب آدم وحواء وانتصر عليهما ظن أنه قد ملك زمام العالم قائلاً : (( إنهم قد اختاروني ملكا عليهم )) . وقد ادعى أنه لا يمكن أن يمنح الغفران للخاطئ ، ولذلك فكل الجنس البشري صاروا رعاياه الشرعيين ، وصار العالم ملكا له . ولكن يهوه بذل ابنه الحبيب المساوي له ، ليتحمل قصاص العصيان ، وبذلك أعد طريقة بها يستعيد الإنسان رضا يهوه فيعاد إلى بيته في جنة عدن . وقد أخذ المسيا على نفسه أمر فداء الإنسان وتحرير العالم من قبضة الشيطان . وذلك النزاع الذي بدا في السماء كان لا بد أن يتقرر في نفس العالم ونفس الميدان الذي ادعى الشيطان أنه ملكه .

والذي أدهش الكون كله أن المسيا وضع نفسه لكي يخلص الإنسان الساقط ، فكون ذاك الذي سار من نجم إلى آخر ومن عالم إلى آخر وهو مشرف على الكل وبعنايته يسد أعواز كل خلائقه في الكون الواسع- كونه يرتضي التخلي عن مجده واتخاذ الطبيعة البشرية- كان هذا سرا تاقت عقول الأبرار في العوالم الأخرى أن تتفهمه وتسبر غوره . وحين أتى المسيا إلى عالمنا في صورة إنسان اهتم الجميع أعظم اهتمام في تأثر خطواته وهو يسير خطوة فخطوة في الطريق المخضب بالدم من المذود إلى جلجثة . وقد لاحظت السماء كل إهانة وكل سخرية وقعت عليه ، وعرفت أن ذاك كله بتحريض من الشيطان ، ولاحظوا أيضا عمل القوات المضادة يتقدم ، فكان الشيطان يضغط بالظلمة والأحزان والكلام على الجنس البشري ، بينما كان المسيا يعمل عكس هذا ، وكذلك لاحظوا المعركة بين النور والظلمة حين حمي وطيسها . وحين صرخ المسيا وهو يعاني سكرات الموت قائلاً : (( قَدْ أُكْمِلَ )) ( يوحنا 19: 30) ارتفعت هتافات الانتصار من كل العوالم ومن السماء نفسها . وذلك النضال الذي طال أمده في هذا العالم تقرر الآن مصيره ، وانتصر المسيا ، الذي موته أعلن ما إذا كان في قلب الآب والابن محبة للانسان كافية تدفعهما إلى إنكار الذات والتضحية . وقد كشف الشيطان عن أخلاقه على حقيقتها ، فتبرهن أنه كذاب وقاتل ، وظهر أن نفس الروح التي كان قد سيطر بها على بني الإنسان الذين كانوا تحت سلطانه كان سيظهرها لو سمح له بأن يسيطر على الكائنات السماوية . فبصوت واحد اتحدت المسكونة المخلصة ليهوه في تمجيد سياسته الإلهية .

لو أمكن تغيير الشريعة لأمكن خلاص الإنسان بدون ذبيحة المسيا ، ولكن حقيقة كونه لازما جدا أن يبذل المسيا حياته لأجل الجنس الساقط تبرهن على أن شريعة يهوه لا يمكن أن تعفي الخاطئ من مسؤولية حفظها . ولقد أعلن أن أجرة الخطية هي موت ، فحين مات المسيا أصبح هلاك الشيطان أمرا مؤكدا ، ولكن لو أن الناموس أبطل عند الصليب ، كما يدعي كثيرون ، إذا فآلام ابن يهوه الحبيب وموته إنما كان القصد من احتماله إياها إعطاء الشيطان ما طلبه ، وأن سلطان الشر قد انتصر ، وثبتت كل اتهاماته ليهوه في حكمه . إن نفس حقيقة كون المسيا حمل قصاص عصيان الإنسان هي حجة قوية للعقل البشري بأن الشريعة لم ولن تتغير ، وأن يهوه بار ورحيم ومنكر لنفسه ، وأن العدل والرحمة غير المحدودين يتلاقيان ويتحدان فيي سياسته وحكمه .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
11
20
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
01
18
Calendar App