6. بِأَسْـــفَـارٍ مِـرِارًا كَثــِــيرَةً
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

سافرت إلن عشرات السنوات وكانت تكتب، وهي تسافر. وجرت أحداث كثيرة أثناء هذه السنوات التي لا يتسع المجال لإخباركم عنها.

لكن هـاكـم عددا منها:

كانت الأمواج الهائلة تتلاعب بالـمركب الصغير كالفلينة. كان ذلك في صيف 1845، وكانت إلن قد ذهبت مع بعض الأصدقاء في قارب شراعي لإلقاء عظة في ((وست أيلاند))،  بعيدا عن ساحل ولاية ((ماين)).

كان الطقس صحواً في البداية ولكن بدون أدنى إنذار، هاجت عاصفة وهددت بتحطيم الـمركب الصغير. انهمر الـمطر كالوابل، وبينما أضاء البرق، شقّت الرياح العاتية الشراع. كانت الأمواج كبيرة جدا لدرجة أن القارب الصغير أوشك على الانقلاب في كل مرة كان يعلو ويهبط بين الأمواج العالية التي تقاذفته. ولـما انفلتت الدفة وضاعت، أدرك من بالقارب أنهم مُعرَّضون لخطر جسيم من الاصطدام بالصخور الـموجودة بمحاذاة الجزيرة. ثم أسدل الظلام أستاره.

لـم يكن قد مضى على رؤيا إلن الأولى سوى بضعة أشهر، وكانت قد أبلغت الآخرين بالرسالة بأمانة. والآن وقد انحنت في القارب وسألت يهوه أن ينجيهم، رأت ملاكا واقفا بجانبها. أدركت أنه نفس الـملاك الذي ظهر لها مرات عديدة في الرؤيا. وإذا نست فلن تنسى تلك الكلـمات التي قالها لها تلك الليلة: ((إن جفاف مياه الـمحيط عن آخر قطرة فيه أقرب من أن تهلكي، لأن عملك إنما قد بدأ ولـم يكد)).

فصاحت إلى رفقائها في الحال وقالت: ((لا داعي لخوفكم! إن الـملائكة محيطة بنا، وإننا لفي أمان تام. لا تستطيع العاصفة أن تؤذينا!))

وفعلا لـم تُلحِق العاصفة بهم أي أذى، ومع أن الـمركب استمر في الصعود والهبوط بين الأمواج، لـم يخف أحد منهم بعد. وســرعان ما صاح القبطان: ((قد علقت الـمرساة!)) وحينئذٍ - وعبر الظلام - شاهدوا بصيصا من الضوء منبعثا من بيت في الجزيرة. لأنه على الرغم من أن الجميع أووا إلى فراشهم للنوم، سمع ولد صغير صياحهم ونبّه الباقين. وفي الحال أخذ الأب قاربه وجدّف إلى عرض البحر وجاء بهم إلى شط الأمان حيث بيته الدافئ.

إبّان شتاء 1849-1850 أقام جايمز وإلن اجتماعات في ((أُسويجو)) بنيويورك. وكان أحد الشباب الذين حضروا الاجتماع، واسمه ((حيرام باتش)) متحيرا لا يدري ماذا يفعل. فمع أنه هو وخطيبته كانا مقتنعين بأن رسائل إلن كانت صحيحة، إلاّ أن خزندار (أمين خزانة) الـمقاطعة أعلن أنها ملآنة بالأخطاء. وكان يبدو على هذا الخزندار أنه رجل صالح.. لأنه كان يعظ في الكنيسة الكبيرة وكان في ذلك الوقت عينه يقيم اجتماعات انتعاشية في البلدة.

أصابت ((حيرام)) وخطيبته الحيرة. وفي أحد اجتماعات أسرة ((هوايت)) التي حضراها في الـمساء أُخذَت إلن في رؤيا. وبمجرد خروجها منها التفتت إلى ((حيرام باتش)) وبادرته بالقول: ((تريّث شهرا وستعرف بنفسك خُلُق هؤلاء الأشخاص)) (كان الـمقصود بذلك خزندار الـمقاطعة وزملاءه).

وفي غضون أسبوعين مرض خزندار الـمقاطعة مرضا شديدا أثناء صلاته في أحد الاجتماعات، فهُرِع به إلى بيته حيث ظل راقدا في الفراش. ثم عُيِّن أمين الشرطة والـمأمور للعناية بشئون مكتبه حتى يشفى. ولكن أثناء مراجعتهما دفاتر الحسابات وجدا عجزا قدره 1000 دولار. كان رأيهما أن الخزندار - بكل تأكيد- قد أخذ الـمال بالصدفة إلى بيته، فقررا الذهاب إلى منزله لسؤاله. ولكن خطر على بالهما خاطر بأنه يجب التماس الحذر في صنع ذلك. فرسما خطّة تقوم على اختباء أمين الشرطة في كوخ خشبي قرب الباب الخلفي بينما يقرع الـمأمور الباب الأمامي. وفي الحال انفتح الباب الخلفي وخرجت امرأة تجري وبيدها صُرَّة. ثم اتجهت بسرعة نحو كومة من الجليد، وحفرت حفرة ووضعت فيها الصرة، وغطّتها مرة أخرى. وبالداخل سأل الـمأمورُ الخزندارَ عن الـمال الـمفقود، فرفع الرجل الـمريض يده نحو السماء وصاح: ((أستشهد اللـه على أني لا أعرف شيئا عن هذا الـمال)). ثم دخلت زوجته الحجرة ورفعت يدها وقالت: ((يشهد اللـه عليَّ أن الـمال ليس عندنا، وأننا لا نعرف شيئا عنه)). وفي تلك اللحظة دخل الشرطي حاملا الصرة، ثم قال: ((لقد رأيتكِ للتو تهرولين من البيت ومعك هذه الصرة ثم دفنتيها. ومكتوب عليها 1000 دولار)). تنقل الخبر بسرعة حول البلدة وساعد هذا الناس على اتخاذ قرارات أفضل. وكان من بينهم ((حيرام باتش)) وخطيبته.

حدثت هذه الواقعة في متشيجان وكان جايمز و إلن مسافرين بالعربة إلى ((فرجينِس))، حيث  كان عليهما أن يقيما اجتماعات. لكن السائق - مع معرفته الجيدة للطريق - اختلط عليه الأمر وضل الطريق. فقادوا العربة لعدة ساعات في الغابات متتبعين آثار عجلات غير واضحة عسى أن يجدوا مخرجا. وفي ذات الوقت كانوا يبحثون عن كوخ علّهم يحصلون منه على إرشادات للطريق.

وإذا بهم يلـمحون كوخا خشبيا في فسحة صغيرة بين الأشجار. وكان أهل البيت لطفاء فرحبوا بهم بحرارة. وقبل أن يغادروا الـمكان دار حوار بينهم وبين أهل البيت وقدّمت إلن لهم نسخة من أحد كتبها.

تعجّبوا لسنوات عديدة من تيهانهم في ظهيرة ذلك اليوم الحار. وبعد ذلك باثنين وعشرين عاما عرفت إلن السبب، إذ دنت منها سيدة بعد وعظها في أحد الاجتماعات، وذكّرتها بذلك الكوخ الخشبي الذي زاروه منذ سنوات كثيرة. ((حدثتينا عن يهوشوه، وعن كيفية مجيء الـمسيا، وعن السماء وكيف ستكون. أيضًا تركتي كتابا معنا، فقرأناه وأعرناه لجيراننا جميعهم. والآن كل من يعيشون في تلك الـمنطقة تقريبا قبلوا الـمسيا والحقائق الـموجودة في الكتاب الـمقدس)). يقودك يهوه حين تصل في الوقت الـمناسب، بل ويقودك حين تضل الطريق. انتهز كل فرصة لتخبر الآخرين به.

أثناء سفرها بسفينة بخارية في أحد الأيام، هبت عاصفة هوجاء، وكانت من العتو بمكان حتى أن جميع من بالسفينة خافوا من أن تعاجلهم الـمنية قبل الوصول للمرفأ. فحاولت إلن أن تشجعهم، لكن الـموقف شتت أفكارهم فلـم يشأ الاستماع إليها إلا نفر قليل منهم. والذين تجاهلوها، ركعوا وصلوا ليهوه أن ينجيهم. وإذا بإحدى النساء تصرخ قائلة: ((آه يا سيد، إنك إذا نجّيتني من الـموت، فلأخدمنّك إلى الأبد!))

وبعد ذلك بسويعات قليلة، رست الباخرة في حوض المرفأ بسلام. وبينما الـمسافرون يخرجون من السفينة، سمعت إلن امرأة تقول بتهكُّم: ((الحمد للـه! إنني لـمسرورة حقا أن أخطو على البر مرة ثانية!)) فاستدارت ورأت أنها نفس الـمرأة التي تضرّعت منذ سويعات قليلة ووعدت يهوه بأن تخدمه إلى الـمدى إن هو أنقذ حياتها اليوم. فحدّقت إلن في وجه الـمرأة وقالت: ((ارجعي ساعات قليلة إلى الوراء وتذكّري نذوركِ)). فنظرت الـمرأة إليها نظرة استهزاء ومشت مبتعدة.

كان الوقت صيفا في ((جاكسون)) بمتشيجان، وكانت أسرة ((هوايت)) موشكة على السفر إلى وسكونسون حيث كان عليهما إلقاء العظات. وكان أصدقاء آخرون متجهون إلى نيويورك. فبعدما ركعوا وصلوا من أجل حماية الجميع، استقلا قطار الـمساء ودخلا عربة النوم وجلسا. لكن إلن هتفت في الحال: ((يا جايمز،  أنا لا أستطيع البقاء في هذه العربة! لابد أن أخرج من هنا!)) فحملا أمتعتهما للعربة التالية. ولـما استقر بهما الحال شعرت إلن أن كل شيء الآن على ما يُرام. ثم بدأ القطار في التحرك وبدأت معه رحلتهما.

لـم يتحرك القطار أكثر من ثلاثة أميال حتى أخذت العربات تهتز اهتزازا عنيفا .. ثم توقفت عربتهما عن الحركة. ففتحا نافذة وتطلّعا إلى الخارج، وإذ بالعربات مبعثرة هنا وهناك بين مقلوبة ومنطرحة على جنبها. كانت الفوضى تعم كل شيء.

حمل جايمز زوجته وســار بها عبر قطعة أرض طينية قاصدا طريق عربات الخيل، ومن هناك مشوا إلى بيت في إحـدى الضياع الـمجاورة. ولـما أخبرا صاحب الضيعة بما جرى، وضع السرج عــلى حصانه وهرع إلى جاكسون للـمساعدة.

وهذا ما عرفاه عندما زارا مسرح الحادثة في اليوم التالي: رقد ثور ضخم على القضبان، فاصطدم به القطار وانحرف. ونظرًا لشدة اندفاع العربات، تراكمت فوق الثور وتناثرت في كل مكان. كانت العربة التي استقلها جايمز وإلن آخر عربة، فسارا إليها، ولـما بلغاها وجدا أنها الوحيدة التي لـم يلحقها ضرر ولـم تخرج عن القضبان. كانت منفصلة عن باقي العربات الـمحطّمة على بعد مائة قدم من العربة التي تتقدمها. فعند وقوع الحادثة انحلّت هذه العربة الخلفية من الباقين، ثم تباطأت حتى توقفت دون الاصطدام بالعربات التي أمامها.

لـم يستطع مساعد رئيس الحركة أن يفسر ذلك لـما سألوه. وقال: ((إن انفصال تلك العربة عن العربات الأمامية لهو لغز محير)). كانت الصامولة الكبيرة التي تصل العربتين معا رُفعَت من مكانها وقت الاصطدام، أما الآن فهي مُلقاة على مقدمة العربة وكأن شخصا وضعها هناك.

كان الليل قد انتصف، وكانت إلن واقفة تتطلع من النافذة إلى الظــلام. كان الجميع قلقون بشأن توقف الأمطار قبلـما تذيب الثلوج. انتهت الاجتماعات في ((راوند جروف)) بولاية إلينوي، والآن عليهم السفر إلى الغرب في زلاجة، عبر نهر الـمسيسبي، إلى ((واكون)) بولاية أيوا. كان الاختيار الأفضل -على ما يبدو- هو إلغاء هذه الرحلة الشتوية التي تبلغ مئتي ميل. لكن إلن أُخبِرت في رؤيا أنها يجب أن تذهب، لأن الناس هناك بحاجة إلى الـمساعدة.

ولـما اقترب طلوع الفجر، بدأت الثلوج تتساقط ثانيةً، مما مكّنهم من السفر بالزلاجة. وبعد مغامرات كثيرة، وصلوا أخيرا إلى نهر الـمسيسبي وتوقفوا بسبب حلول الليل. لكن حوالي الساعة الرابعة صباحا، سمعوا الأمطار تبدأ في الهطول، فنهضوا على الفور وأعدوا العُدّة لعبور النهر، لأنه يجب أن يُعبَر النهر قبل إذابة الأمطارُ الجليدَ. انشقت طبقة الجليد تحت وقع حوافر الخيل عند كل خطوة تقريبا، ولـما اقتربوا من النهر استطاعوا رؤية ثلوج متحللة. قال لهم الـمارّة: ((ابتعدوا عن النهر! أن أموال الدنيا كلها ما كانت لتجعلنا نقدم على هذه الـمحاولة!)) وقال آخر: ((سمعت أن فريقا انشق بهم الجليد وكاد السائق أن يفقد حياته)).

لكنهم أكملوا الـمسير حتى وصلوا إلى حافة النهر. ثم وقف السيد ((هوايت)) في زلاجته وقال: ((هل نمضي قُدُما إلى أيوا، أم نعود أدراجنا إلى إلينوي؟  لقد أتينا إلى بحر سوف، فهل نعبره؟))  فأجابت إلن  بدون تردد: ((امضِ قُدُما، واثقا في إله إسرائيل)). كانت مقتنعة بوجوب الـمسير للأمام. وفعلا سارت الزلاجة بثبات فوق صفحة الـمسيسبي العريضة، وكان الجليد متماسكا تحتهم. ولـما بلغوا الضفة الأخرى هتف الرجال الذين كانوا يراقبونهم. كانوا يتوقعون أن يخترق الفريق طبقة الجليد فيغرقون. سَبَّح ركاب الزلاجة يهوه، لقد كُتِبَت لهم السلامة لأنهم تقدموا بناء على وصيته. حيثما يقود يهوه أولاده يكون التقدم للأمام هو أسلـم الطرق.

في مناسبة أخرى كان قبطان بحري متقاعد، اسمه ((جوزيف بيتس))، يستقل عربة يجرها مهر نصف مُروَّض مع إلن وجايمز. كان جايمز واثقا من قدرته على قيادة الحصان على الرغم من عدم تدريبه على شد عدة الفرس تدريبا كاملا. (كان معروفا عن الـمهر أنه شرس وكان السبب في حادثة مروعة قبل ذلك بقليل.)

أبقى جايمز الحصان مُلجّما بإحكام، ووجه انتباهه للقيادة، وإذ بإلن تُؤخَذ في رؤيا وهي تحدثهم عن أحد موضوعات الكتاب الـمقدس. وما أن هتفت وقالت: ((مجدا))، حتى توقف الحصان، ونكّس رأسه ووقف بلا حراك. فوثبت إلن من فوق العربة من الأمام، ووضعت يديهـا عــلى خاصرتي الحصان وانحنت مقتربةً من الأرض. فصاح القبطان ((بيتس)) من هول الـمفاجأة وقال: ((ذلك الحصان سيرفسها حتى الـموت!)) فرد جايمز على ذلك بقوله: ((إن السيد هو الـمسؤول عن الحصان الآن ولا أرغب في التدخل)). عادةً كان الحصان نصف الوحشي يرفس بشراسة بمجرد لـمس خاصرته. أما الآن فوقف وقفة الحصان الكبير الوديع. ثم تسلّقت إلن جدارا يعلو ستة أقدام وذرعت تلك البقعة الخضراء جيئة وذهابا، واصفة بصوت عالٍ جمال الأرض الجديدة. حينئذٍ - وبأعين ما زالت متجهة إلى الأعلى - تسلقت الجدار مرة أخرى، وسارت نحو الحصان، ثم وضعت يدها على خاصرته ثانيةً، وصعدت إلى العربة فجلست. وعلى الفور خرجت من الرؤيا، وفجأةً رفع الحصان رأسه - وبدون أي أمر من السائق - عاود السير بهدوء وشد العربة خلفه.

بينما كانت إلن خارج العربة عبر الجدار، قرر جايمز أن يمتحن الـمهر. فلـمسه برفق في أول الأمر بالسوط، وأتبع ذلك بضربات أشد من الأولى. لكن لـم يظهر على الحصان أنه لاحظ، مع أنه كان بالتأكيد سيرد براكلات شرسة في أي وقت آخر. فقال القبطان ((بيتس)) بصوت خفيف: ((إن هذا لـمكان مهوب)).

وهكذا توالت السنون وسافرت الفتاة الضعيفة، التي توقع معارفها أن تموت قبل الربيع التالي، في أنحاء أمريكا الشمالية مدة تربو على نصف القرن، زائد عشر سنوات قضتها في بلاد أجنبية.

كانت إلن هوايت تداوم على مساعدة الآخرين وتشجيعهم وتوجيههم إلى السماء وإلى إلههم، وفي كل هذا كانت تعمل عمل النبي.

ولا يظهر هذا واضحا للعيان في أي شيء بقدر وضوحه في كتاباتها.

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
3
30
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
06
24
Calendar App