3. مـَــوْهِبـَـةُ نُبــــُـــوَّةٍ
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

قد تبيَّن لنا أن أكبر الـمنظمات الروحانية في العالـم اليوم تنسب بعثها الجديد إلى كوخ صغير في ولاية نيويورك عام 1848. وتنسب أكبر منظمة إلحادية سياسية في العالـم - أي الشيوعية العالـمية - نشأتها إلى نفس العام. لأنه في تلك السنة اشترك ((كارل ماركس)) مع ((فريدريش انجلز)) في تأليف كتاب ((البيان الشيوعي))، في حجرة صغيرة في بروكسل، ببلجيكا. هذا ويدرك الـمسيحيون الـمفكرون أن أتباع هذين الـمذهبين -مناجاة الأرواح والشيوعية- يخدمون نفس السيد.

وبعد ذلك بأحد عشر عاما، ظهرت ثالث ديانة مناوئة ليهوه في العصر الحديث، إذ كتب ((تشارلز داروين)) كتاب ((في أصل الأنواع)).

ولاشك أن ظهور هذه المذاهب الثلاثة معا يخفي وراءه سبباً.

يدرك الـمفكرون اليوم أننا على شفا أزمة كبرى … قد تكون هي نهاية العالـم. وقد اكتشف هذه الحقيقة ذاتها دارسو الكتاب الـمقدس الـمدقِّقون منذ قرن ونصف مضى.  فقد أعلنت نبوات معينة في الكتاب الـمقدس أن كوكبنا يدنو من نهايته. لكن ما لـم يعرفه الناس هو أن يهوه كان مزمعا أن يرسل نبية لإرشاد شعبه قبل حلول الأيام الجنونية الأخيرة وقبل الوصول إلى نقطة الذروة. أمّا الشيطان فكان يعلـم، لذا أرسل أنبياء مزيفين بعدها بقليل. لأن أول رؤيا لهذه النبية الحقيقية جاءت عام 1844.

رُزِق ((روبرت هارمون)) وزوجته ((يونيس)) في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 1827 ببنتان توأمان، اسمهما ((إلِن)) و((إليزابِث)). وكانت الـمزرعة الصغيرة بجوار قرية ((جورهام)) بولاية ماين على بعد اثني عشر ميلا من مدينة بورتلاند،  في الجزء الشمالي الشرقي من الولايات الـمتحدة.

حاولت ((إلن)) في طفولتها النشطة أن تساعد في البيت بفرح، وكانت طفلة نبيهة ويقظة. ولكن في عمر التاسعة أصابها حجر ألقته إحدى زميلاتها بالفصل بضرر بالغ وهي عائدة إلى البيت من الـمدرسة. ونتيجة لهذه الحادثة التي كادت أن تكلِّفها حياتها، توقَّفت دراستها الرسمية بعد ثلاث سنوات من التعليم، وكان من الـمتوقع أن تموت سريعا.

وفي عام 1840، عن عمر يناهز الثانية عشرة، سلـمت ((إلن)) قلبها ليهوه. وتعمَّدت -بإصرار منها- في أمواج الـمحيط الأطلنطي الـمزبِدة. وفي السنوات القليلة التالية وجدت في نفسها القوة الكافية لغزل الجوارب (الشرابات) الطويلة لتبيعها وتدعم بها الـمبشرين. فرح والداها -وكانا مسيحيين أمينين- لانشغالها هكذا، لعلـمهما بأنها لن تعيش طويلا.

لكن بقي شيء واحد لـم تستطع أن تجبر نفسها على عمله للسيد، وهو الشهادة العلنية لإيمانها بالصلاة أمام الغير. أحسَّت بأنها لا تقدر على عمل ذلك، وقاومت هذا الواجب لعدة أسابيع. وهنا نقدم وصفها لـما جرى بعد ذلك:

((عدت إلى البيت وذهبت أمام السيد مرة أخرى، ووعدت بأن أفعل وأتحمل أي شيء في سبيل الحصول على ابتسامات يهوشوه. فعرض عليَّ نفس الواجب. كنت أحضر اجتماعا للصلاة في  مساء ذلك اليوم، فلـما ركع الآخرون للصلاة، انحنيت معهم وأنا أرتعد، وبعد أن صلى اثنان أو ثلاثة، فتحت فمي للصلاة قبل أن أدرك ما كنت أفعله، فطالعتني مواعيد يهوه كلآلئ كثيرة جدا يمكن الحصول عليها بمجرد الطلب. وإذ بدأت أصلي، انزاح عني الثقل والكرب الذي جثم فوق صدري مدة طويلة، وأتت عليّ بركة يهوه كندى لطيف. أعطيت الـمجد ليهوه على ما شعرت به، لكني تمنَّيت الـمزيد؛ فما كنت لأشبع حتى أمتلئ بكل ملء يهوه. وإذ بحب ليهوشوه يفوق التعبير يملأ قلبي ... بدا كل شيء مجيدا وجديدا، وكأن الدنيا تبتسم وتسبح يهوه. حينئذٍ ملأني الاستعداد للـمجاهرة بيهوشوه في كل مكان)). (Early Writings، ص 12-13).

أخذت ((إلن)) الأمور الروحية بجدية. فبعدما تخلصت من مخاوفها من الكلام وتملكها شوق لرؤية معارفها من الشباب الذين يأتون لـمعرفة السيد، بدأت على الفور الصلاة لأجلهم ومناشدتهم فرداً فرداً.

((رتَّبتُ لقاءات مع أصدقائي الشباب، وكان بعضهم يكبرني في السن كثيرا، بينما كـان قليل منهم متزوجين. كان الغرور والتهور يتملَّك عددا منهم، فظهر اختباري بمظهر الرواية العاطلة، ولـم يأبهوا بتضرعاتي. غير أني صممت ألا أكف عن محاولاتي حتى تأتي هذه النفوس الغالية إلى يهوه، فإن اهتمامي بهم كان شديدا. قضيت ليالي بأكملها في الصلاة الحارة لأجل هؤلاء الذين بحثت عنهم وجمعتهم بغرض التمخض والصلاة لأجلهم.

تقابل معنا بعضهم بدافع الفضول ليسمعوا ما عندي، بينما اعتقد البعض الآخر أن إصراري في محاولاتي هذه ليس إلا ضربا من الجنون، خاصة أنهم لـم يظهروا أي اهتمام من جانبهم. لكن في لقاء من لقاءاتنا ظللت أعظهم وأصلي مع كل واحد منهم بمفرده، حتى سلـموا حياتهم ليهوشوه جميعا، معترفين باستحقاقات محبته الغافرة.واهتدى كل واحد منهم ليهوه.كنت كمن يتمخض ليلة بعد الأخرى في أحلامه من أجل خلاص النفوس. وفي مثل تلك الأوقات كان يُعرَض على ذهني حالات معينة، فكنت أبحث عنهم بعد ذلك وأصلي معهم. وقد سلـموا حياتهم جميعا للسيد، فيما عدا شخص واحد فقط. خشي بعض الإخوة الـمتحفظين أني كنت غيورة على تجديد النفوس أكثر من اللازم، لكن الوقت بدا لي قصيرا للغاية. فلا يليق بكل من لهم رجاء الخلود في النعيم ممن يتطلعون إلى عودة الـمسيا العاجلة إلا أن يكدوا بلا انقطاع من أجل من لا يزالون في خطاياهم مشرفين على شفا الهلاك)). (Life Sketches، ص 41-42).

في صباح أحد الأيام في أواخر ديسمبر  1844، ذهبت ((إلن هارمون)) إلى بيت إحدى الأخوات الـمؤمنات في ((ساوث بورتلاند)) بولاية((ماين))، و انحنــت هنــــاك مــع أربــع ســـيدات مؤمنـات وصلين جميعا لتحصل النفوس على معونة لتعرف يهوشوه بصورة أفضل. كانت ((إلن)) وقتئذٍ صغيرة ونحيفة وضعيفة جسمانيا، لكن إله السماء يحب صغاره. فحين نأتي إليه -أنا وأنت- يقبلنا بضعفنا الكبير ويستخدمنا لنعمل العمل الذي كلفنا به.

وبينما هن راكعات للصلاة، أُخذت ((إلن)) في رؤيا، وهي أول واحدة لها. نورد هنا جزءا منها. لـم تكن تشهيرا بنجوم السينما أو دعوة لعبادة الشياطين، بل وصفا للاختبار الـمسيحي العميق الذي نحتاجه جميعا لنجتاز الأيام الحالكة الآتية. وكانت أيضا عرضا لأحداث مستقبلية:

(( إذ كنت أصلي على مذبح العائلة، حل الروح القدس عليَّ، وأحسست بأني أعلو وأعلو، فوق العالـم الـمظلـم. فاستدرت لأنظر شعب الـمجيء [الشعب الـمشتـاق لـمجيء يهوشوه ثانية، في العالـم، لكن لـم أجدهم.  وعندها قال لي صوت:((انظري ثانية، ولكن إلى أعلى قليلا)).رفعت عيني في البداية ورأيت دربا مستقيما ضيقا،  مرفوعا فوق العالـم بكثير.   وعلى هذا الدرب كان شعـب الـمجيء يسافرون إلى الـمدينة، التي كانت في الطرف الآخر من الدرب. وكان وراءهـم نـور باهر على بداية الدرب، قال لي عنه ملاك إنه صيحة منتصف الليل [اقرأ متى 25: 6]. سطع هذا النور على طول الدرب وأضاء الطريق أمام أقدامهم كي لا يعثروا. وطالما أبقوا أعينهم مثبتة على يهوشوه، الذي يتقدمهم إلى الـمدينة، كانوا في أمان. ولكن سرعان ما تعب البعض، وقالوا إن الـمدينة بعيدة جدا، وكانوا يتوقعون دخولها قبل ذلك. لكن يهوشوه كان يشجهم برفع ذراعه اليمنى الـمجيدة،ومن ذراعه كان يخرج نور يلوح فوق زمرة المجيئيين، فكانوا يهتفون: ((هللويا!)). بينما تعجل البعض وأنكروا النور من خلفهم وقالوا إن من قادهم كل هذه الـمسافة ليس يهوه. فانطفأ النور الذي خلفهم، تاركا أقدامهم في ظلـمة حالكة، فعثروا واختفت عن أعينهم العلامة ويهوشوه، وهووا عن الطريق إلى العالـم الـمظلـم والشرير أسفلهم ... وسرعان ما التفتت أعيننا إلى الشرق، لأن سحابة صغيرة سوداء قد ظهرت، حجمها نصف حجم كف الرجل، وكنا جميعا نعلـم أنها علامة ابن الإنسان. فحملقنا في السحابة بمهابة وهي تقترب ويفتحّ لونها، فتقدّمت من مجد إلى مجد حتى صارت سحابة بيضاء عظيمة. بدا أسفلها كالنار، وكان فوقها قوس قزح، ومن حولها كان عشرة آلاف ملاك، يرنمون ترنيمة في غاية الجمال، وعليها كان ابن الإنسان جالسا ...

يا ليتني أتحدث بلسان كنعان، لكنت أخبر بمجد العالـم الأفضل…  بعدما تطلعنا إلى مجد الهيكل، خرجنا وتركَنا يهوشوه عائدا إلى الـمدينة. وسريعا سمعنا صوته العذب ثانية يقول: ((تعالوا يا شعبي! قد جئتم من الضيقة العظيمة وصنعتم مشيئتي، وتألـمتم من أجلي.   تعالوا إلى العشاء،   لأني سأمنطـق نفسي وأخدمكم)).  فهتفنا: ((هللويا! مجدا!)) ودخلنا الـمدينة. فرأيت مائدة من فضة خالصة يمتد طولها مئات الأميال، لكن أبصارنا استطاعت الوصول إلى آخرها.  ورأيت ثمر شجرة الحياة: الـمن،  الجوز،  التين،  الرمان،  العنب،  وأصنافاً شتى من الثمار. فطلبت من يهوشوه أن يسمح لي بالأكل من الثمر،   فقال: (( ليس الآن. كـل من  يأكل من ثمر هذه الأرض لا يعـود إلى الأرض ثانيـة. لكن بعد زمـان يسير، إذا بقيتي أمينة، ستأكلين من ثمر شجرة  الحياة وتشربين من ماء الينبوع)). وقال: ((يجب أن تعودي إلى الأرض مرة ثانية فتخبرين الآخرين بما أعلنته لكِ)). ثم حملني ملاك بلطف إلى أسفل، إلى هذا العالـم الـمظلـم. أحيانا أشعر بأني لا أقدر على البقاء هنا بعد، لأن كل شيء في الأرض يبدو موحشا. أشعر بالوحدة الشديدة هنا، فقد رأيت عالـما أفضل. يا ليت لي جناحا حمامة، فأطير بعيدا وأسترح!)) (Early Writings، ص 14-16،19-20)

بعد ذلك بسنين، وصفت ما جرى حين خرجت من هذه الرؤيا فقالت:

((ظننَّ أني قد مت، ووقفن يراقبنني ويبكين ويصلين طويلا جدا، لكني كنت وكأني في السماء! كانت هذه هي الحياة، ثم انبسط العالـم أمامي ورأيت الظلام كغمامة الـموت.

ما معنى هذا؟ لـم أستطع أن أرَى النور. ثم رأيت بصيصا ضئيلا من النور، ثم بصيصا آخر، ثم تكاثرت هذه الأنوار وزاد بريقها، وتضاعفت وازدادت في القوة حتى صارت نور العالـم. هذه الأنوار هي الـمؤمنون بيهوشوه الـمسيا .

لـم أظن أني سأرجع إلى العالـم ثانية. فلـما عاد نَفَسي إلى جسدي، لـم أقدر أن أسمع شيئا. كان كل شيء مظلـما. كان النور والـمجد اللذين حطت عليهما عيناي قد غطيا على الضوء، واستمر الحال هكذا ساعات طوالا. ثم بدأت ألـمح الضوء وسألت أين أنا ؟

فردت صاحبة البيت: ((أنت هنا في بيتي)). ((ماذا، هنا؟ أنا هنا. ألا تعلـمن الأمر؟)) فتذكرت كل شيء. هل كُتب عليَّ أن يكون هذا بيتي (العالم) ؟ هل عدت إلى هنا مرة أخرى؟ يا لثقل الحمل الذي جثم فوق صدري!)) (Manuscript 16،1894).

  لـم تكن تعلـم أن اثنين آخرين حصلا على رؤيا مماثلة لرؤياها. أحدهما ((ويليام فوي)) والآخر ((هازن فوس)). كانا مسيحيين طويلي القامة حسني الـمظهر، يقال إنهما متكلـمان بارعان. لكنهما رفضا في النهاية تبليغ رؤاهما للآخرين. أخبر ((فوي)) ((إلن)) لاحقا أن رؤاها الأولى كانت مثل رؤاه التي تلقّاها في 1842 و1844. أما ((فوس)) فكان تلقّى رؤيـا واحدة - قبل رؤيا ((إلن)) الأولى بشهرين - وبعد قرار ((فوي)) النهائي بعدم مناقشة رؤياه مباشرة. وقال ((فوس)) فيما بعد إنه كان يخشى إهانة الجماهير له، ورفض أن يروي ما رآه، مع أنه قد أُمر في الرؤيا بأن يفعل ذلك واقتنع اقتناعا عميقا بلزوم فعل ذلك.

وفي يوم من الأيام سمع صوتا قائلا: ((لقد أحزنتَ روح يهوه وأبعدته)). وعندها، جمع حشدا من الجماهير ووقف أمامهم محاولا أن يتذكر الرؤيا، ولكن دون جدوى. وبعد عدة محاولات بكى، وقال: ((لقد ذهبت عني، ولا أقدر أن أقول شيئا. إن روح السيد قد تركني!)) وصف أحد الحاضرين هذا الاجتماع بأنه ((أفظع اجتماع حضرته في حياتي)).

أما ((هازن فوس)) فوُصف بأنه رجل أنيق الـمظهر، واسع العلم، وصاحب قدرة ممتازة على الخطابة. فلـما رفض أن يروي الرؤيا الـمعطاة له، قيل له إن الوحي سيُؤخذ منه ويُعطى ((لأضعف الضعفاء)). ولـما تسلـمت ((إلن)) رؤياها بعد ذلك بشهرين، كان أصدقاؤها يتوقعون موتها قبل حلول الربيع.

((كانت حالة الآنسة ((هارمـون)) الصحية حرجة جدا. فلـم يعلُ صوتها عند الحديث لعدة أسابيع عن مجرد الهمس. وشخّص أحد الأطباء علتها بأنها مصابة بالسل الاستسقائي [درن استفحل بسبب الاستسقاء]، وقال ان رئتها اليمنى أصابها العطب واليسرى في مرحلة متقدمة من الـمرض وان قلبها مصاب. وقال انه يعتقد أنها لن تعيش سوى مدة قصيرة جدا على الأكثر، وأنها عُرضة للتدهور  في أي لحظة. كانت تتنفس بصعوبة بالغة في وضع الرقاد، وكانت لا تستريح بالليل إلا إذا استندت على الوسادات في السرير وأخذت وضع الجلوس، ثم تدهورت صحتها جدا بسبب نوبات من السعال والنزيف من الرئتين)). (تصريح لـ J.N. Loughborough).

بعد هذه الرؤيا الأولى بأسبوع، حصلت على الثانية:

((في رؤياي الثانية، بعد الأولى بحوالي أسبوع، أعطاني السيد مشهداً للتجارب التي يجب أن اجتازها، وأمرني بالذهاب وإخبار الآخرين بما أعلنه لي .. بعد خروجي من هذه الرؤيا كنت مضطربة للغاية، لأنها دلّتني على واجب الخروج إلى الناس وإبلاغهم بالحق. كانت صحتي سيئة للغاية حتى أن جسدي كان يتوجع على الدوام، وبات واضحا للعيـان أني لن أعيش طويلا ..

صليت عدة أيام وليالي أن يُزاح عني هذا الحمل [الوحي]، ويوضع على آخر يكون أقدر مني على حمله. لكن نور الواجب لـم يتغير، وظلت كلـمات السيد تتردد في أذنيّ: ((عرِّفي الآخرين بما أعلنته لكِ)) ... كيف، أنا البنت الصغيرة، أن أذهب من مكان إلى آخر، وأزيح الستار للناس عن حقائق يهوه الـمقدسة؟ .. طمأنني أبي .. مرارا وتكرارا بأنه إذا كان يهوه هو الذي دعاني للعمل في أماكن أخرى، فلن يُقصِّر في فتح الطريق أمامي)). (Life Sketches، ص 69-70)

من الـمثير للاهتمام أن يهوه حين يريد أن يجد شخصا يمكن أن يستخدمه لعمل خاص، قد يضطر إلى اختيار الأكثر تواضعا، لـمجرد أن الشخص الأقدر شديد الاكتفاء بذاته لدرجة تمنع استخدامه.

ما كانت ((إلن)) تدري كيف تلبي هذه الدعوة والسفر من بلدة إلى بلدة بحالتها الـمتدهورة هذه. كانت خائرة القوى، عديمة الـمال، وبلا رفيق للسفر. أضف إلى كل هذا أن صوتها لم يكن يعلو عن الهمس. حدثت أباها عن الـموقف، فأخبرها بأن يهوه سيعطيها القدرة لتصنع كل ما طلبه منها. ثم عرضت عليها أختها الكبرى ((سارة)) أن ترافقها في البداية، إذا كان عليها أن تسافر وتروي للآخرين ما أُظهر لها.

((بعد هذا بيوم أو اثنين، قَدِم ابن أخت ((إلن)) من بلدة تبعد ثلاثين ميلاً إلى الشمال راكبا زلاجة تجرها الخيل. وسألها: ((هل تعودين معي يا إلن ؟ إن ماري تريدك أن تزوريها)).

أحست ((إلن)) أن يهوه يفتح الطريق أمامها لإبلاغ رسالتها وبأن عليها الذهاب. كان الشتاء قد انتصف في شمال ((نيو انجلاند))، وكان كل نَفَس تأخذه من الهواء الـمتجمد يؤلـم رئتيها. لكنها ارتدت ملابس ثقيلة، وجلست على أرضية الزلاجة وسحبت رداء ثقيلا من جلد الجاموس البري على رأسها. وعند وصولهما، قالت لها أختها: ((يسرني قدومك. سينعقد الليلة اجتماع في ((ماك جوايرز هِل))، فهل ستأتين معنا؟))

… لـما وصلت ((إلن)) إلى مكان الاجتمـاع [في منزل خاص]، وجدت غرفة كبيرة غاصَّة بالناس الـمتشوقين لسماع وصف الرؤيا. لكن لـما وقفت لتعظ، كان صوتها ضعيفا جدا ومبحوحا لا يكاد أن يُسمع.حاولت لـمدة خمس دقائق،بينما مال الـمستمعون إليها للأمام لالتقاط كلـماتها.

وفجأة، ولدهشة الجميع، تغير صوتها وصدح واضحا كالجرس. طال حديثها ساعتين، وصفت فيه أسفار شعب يهوه إلى الـمدينة الـمقدسة ومجيء يهوشوه وموطنهم السماوي. ذرف الكثيرون الدموع، لكنها كانت دموع الفرح، وابتهج كل قلب. ولـما جلست ((إلن)) وحاولت الحديث مع الجالسين قربها، عاد صوتها مبحوحا كما كان قبلاً، ولـم تتحدث إلا همساً.

لقد تعجب بعض الناس من اختيار يهوه واحدة شديدة الضعف هكذا لإبلاغ رسالته لشعبه. لكن هناك سبب. حين رأت تلك الجماعةُ ((إلن)) تقف وتحاول في ضعفها أن تجعلهم يسمعون، وحين حلت عليها قوة يهوه، ومكّنتها من التحدث بوضوح، عرفوا أنها لـم تكن تصنع هذا بمفردها، وإنما كان يهوه في عونها.

عندما تفرّقت الجماعة تلك الليلة، كانت هناك هتافات فرح: ((إننا ذاهبون إلى الوطن! إننا ذاهبون إلى الوطن!)) وبعض الذين شاهدوا أصدقاء((إلن)) يسندونها وهي تعود إلى الزلاجة فكروا في كلـمات الرسول بولس: ((اخْتَارَ يهوه ضُعَفَاءَ الْعَالـم لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ… لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ))(Ella M. Robinson، في كتاب Stories of My Grandmother، ص 25-26).

وعلى غير علـم من ((إلن)) ،  كان ((هازن فوس)) واقفا خارج الباب يتسمّع إلى ما قالته. وحضر في اليوم التالي إلى البيت الذي كانت تزوره وعرّفها بنفسه. وما كانت قابلته أو سمعت به من قبل. أخبرها بأنه تلقى نفس الرؤيا التي عندها من السماء، ولكن بسبب رفضه أن يرويها، قال له يهوه إنه حلّه من العمل وانه سيكلف به آخر.

 (يا إلن، لقد حمّلني يهوه برسالة إلى شعبه، فرفضتها بعدما أُخبرت بالعواقب..تذمرت على يهوه وتمنيت لو مت...قد سمعتك تتحدثين ليلة أمس،وأنا أومن أن الرؤى أُخذَت مني وأُعطيت لك. لا ترفضي إطاعة يهوه، لأنك بذلك ستعرّضين نفسك للخطر. أنا إنسان هالك، وأما أنتِ فمختارة يهوه.كوني أمينة في أداء عملك)). (Letter رقم 37، 1890).

وهكذا فإن فتاة صغيرة تكاد لا تقوى على السير إلى الزلاجة، كُتب لها أن تتلقى ثروة مدهشة من الرسائل الخاصة للناس العائشين في هذه الأيام الأخيرة من تاريخ الأرض.

في السابعة عشر كانت هذه الشابة تعارض الـمنومين مغناطيسيا، وتوبخ الـمتطرفين، وتسافر عبر ولاية ((ماين)). وفي الثامنة والتاسعة عشر كانت تخبر الآخرين عن الـمسيا في ((فرمونت)) و((ماساتشوستس)). وفي الثانية والعشرين كانت تُنهض العزائم للإقدام على إنشاء دار كبيرة للطباعة. وفي الخامسة والعشرين كانت تشرح لأشخاص في الخمسين متاهات البنية التنظيمية للحركة النامية. كيف لفتاة متهالكة لـم يتعدَّ تعليمها الصف الثالث أن تفعل كل هذا؟ كما أن هذا العمل كله لـم يكن من نوعية العمل الذي تقوم به فتاة شابة. فما من لجنة تطلب من فتاة أن تقوم بمثل هذه المهمة، وما كانت أية لجنة لتؤهل شابة يافعة لـمثل هذه الخدمة. لكن يهوه قد دعا، وأدرك الناس الدعوة.

ثم وصلت في فبراير (شباط) 1845 إلى ((أورنجتون)) بولاية  ((ماين))، على بعد 135 ميلا جهة الشمال الشرقي، بعد سفر يومين على الزلاجة. وهناك قابلت واعظا شابا اسمه ((جايمز هوايت)). وبعد ذلك بسنة ونصف، وفي 30 مارس (آذار) 1846، تزوجا. ولـما أدرك ((جاميز)) موهبة النبوة التي استودعها يهوه في ((إلن))، عزم على مساعدتها في عملها. وهكذا أصبحت الآنسة ((إلن ج. هارمون)) السيدة ((إلن ج. هوايت)). كان الفقر الـمدقع هو العلامة الـمميزة لبداية زواجهما. أحست عائلة ((هاولاند)) في مدينة ((توبسهام))بحاجتهما الكبيرة، فقدمت لهما حجرة مجانا في منزلهما. ولـم يتمكنا من العيش في منزل بمفردهما حتى 1855. واصلا عملهما وسفرهما من مكان لـمكان في حين استعارا أثاث البيت .. والطعام أحيانا. وأثناء تواجد ((إلن)) في البيت، كانت تكتب خطابات يحتاجها الآخرون.

لكن كلـما سافرا ووعظا، ازدادت الشجاعة في قلوب الناس! كانت ((إلن)) تقول لهم إن يهوه لـم يتخلَّ عن شعبه، بل سيظل معهم إلى الـمنتهى. وكانت تصوّر لهم مشاهدا لـما  سيكون عليه موطنهم الأبدي. كثيرون ممن قرأوا كلـمات التعزية هذه وما وصفته في كتبها الـمنشورة، نالوا القوة أيضا ليواصلوا واجباتهم الـموكولة إليهم في هذا العالـم الحزين، بانتظار الأرض الجيدة التي يجهّزها يهوه لهم.

 

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
3
29
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
06
23
افرحوا بالخالق في يوم قدسه. سبت مبارك.
Calendar App