2. أَرْضُ العـَجـَائِبِ الرُّوحَـانِيـِّةِ
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

يتمتَّع الروحانيون قارئو الغيب بـ((معدَّلات متفاوتة من صحة التنبؤات)).وتقاس هذه الـمعدلات بنسب تحقُّق هواجسهم. تحاول ((جين دِكسون))و((دانيال لوجان)) و((دايفد بوبار)) وغيرهم إحراز نقاط عالية في هذا الـمجال..لكن محاولاتهم تبوء بالفشل في أكثر الأحيان.

 أما الأنبياء فيتمتَّعون باليقين النابع من تعضيد يهوه لهم. دائمًا تتحقق نبوات النبي إلاَّ إذا تاب الناس عن خطاياهم ورجعوا إلى يهوه، أو إذا قرروا أن يتركوه .. فحينئذٍ تتغير العواقب. إذا تاب الناس بصدق، يمنحهم يهوه فرصة أخرى. ليس لهذه القاعدة إلا استثناء واحد، وهو أن تنبؤات النبي لابد أن تتحقق.

هناك أنبياء وهناك وسطاء روحانيون Psychics، ونستطيع أن نتعرف على رسالة ومصدر كلٍ منهما بوضوح. فالفئة الأولى تتبع مخطط يهوه الـمرسوم في الكتاب الـمقدس، بينما ترجع رسالة ومصدر الفئة الثانية إلى تحضير الأرواح.

يُبكت الأنبياء على الخطية ويرفعون شأن الكتاب المقدس، فيقودون الناس إلى المسيا ويحذِّرونهم من الأزمات القادمة عليهم. أما الروحانيون فيستمدون معلوماتهم من عالم الظلمة، ويوهِموننا بأن قدراتهم التنبُّئِية تأتي من الكرات البلورية و((أرواح الموتى)) التي تزورهم، ولكن ماذا عن تكهناتهم؟!!

إن عدد الروحانيين يبدو في زيادة مطردة كل سنة، وتكهُّناتهم تشمل كل نوع من الأحداث: خِطبة نجوم السينما، نتائج سياسية، عقود نجوم التليفزيون، مولد ((مُسَحاء)) جدد، مودلات السنة الجديدة، ظواهر روحانية غيبية، وحوادث سقوط الطائرات.

 لا شك أننا نحتاج إلى المعلومات، لكن المصادر أيضاً مهمة، ولا يجب أن نتجاسر على الذهاب إلى المصادر الخاطئة. هل من الأمان ذهابنا إلى الروحانيين ورفقائهم (المنجمون والمستبصرون والوسطاء وعبدة الشياطين)؟ هل هم جديرون بثقتنا ؟ هناك طرق لمعرفة ذلك.

ففي حين يتلقَّى الأنبياء رؤى من يهوه وينذرون الناس بأن يتوبوا عن خطاياهم ويرجعوا إلى يهوه، يحصل الروحانيون على معلوماتهم من اتصالات مختلفة كل الاختلاف.

يخبرنا قارئو الغيب أن قدراتهم التنبئية تأتي من كرات البلور ومصابيح الكهرباء والصناديق الإلكترونية و((أرواح الموتى)) الذين يزورونهم. ومن بين وسائلهم الأخرى في جلب المعلومات لوح ((الويجا)) وجلسات تحضير الأرواح. وكما سنعرف، يدخل التخمين بين مصادرهم المستخدمة.

وإذا طلبت منهم تفاصيل عن الكوارث التي يتنبأون بها، قالوا لك إنها ليست إلاَّ مجموعة من الحوادث والأحداث غير المترابطة، وأن هذه الحوادث لا تجمعها صلة أو سبب واحد. ومـن  الغريـب أن هذه الأحـداث تبدو وكأنها مُنصبَّة على الـمشاهير بصفة عامة، مثل نجوم السينما والـمطربين ورجال السياسة ... الخ. لكن في أكثر الأحيان لا يزيد الحدث الذي يتكهَّنون به عن عقد قران أو مناسبة من هذا القبيل.

أما بالنسبة لأنبياء القديم الذين حُمِّلوا برسائل من السماء إلى البشر فالأمر مختلف. هؤلاء تسلـموا تعليماتهم من يهوه مباشرةً بواسطة رؤى وأحلام. وحذروا الناس في كل مكان بأن يهربوا من الخطية ويرجعوا إلى السيد قبل فوات الأوان. وكذلك تنبأوا بحلول أحكام يهوه على الأرض. وأعلنوا بوضوح أن هذه الأحكام ستأتي بسبب عصيان البشر لشرائع يهوه. وعلى خلاف الروحانيين الـمعاصرين، كانت تنبؤاتهم جديرة بالثقة ودائماً تتحقق .. ما لـم يتب الناس عن خطاياهم.

يختلف الروحانيون كثيرًا عن الأنبياء من حيث الـمصدر والغرض والرسالة. يخشى الكثير من الناس أي اتصالات بأفراد يمدون الروحانيين بمعلومات عنهم، ولهم الحق في ذلك، فإن الكتاب الـمقدس حذر من مثل هذه الإظهارات الروحانية.

((وَإِذَا قَالُوا لَكُمُ: ((اطْلُبُوا إِلَى أَصْحَابِ التَّوَابعِ وَالْعَرَّافِينَ الـمشَقْشِقِينَ وَالْهَامِسِينَ)) ((أَلاَ يَسْأَلُ شَعْبٌ إِلهَهُ؟ أَيُسْأَلُ الـموْتَى لأَجْلِ الأَحْيَاءِ؟)) إِلَى الشَّرِيعَةِ وَإِلَى الشَّهَادَةِ. إِنْ لـم يَقُولُوا مِثْلَ هذَا الْقَوْلِ فَلَيْسَ لَهُمْ فَجْرٌ!))(إشعياء 8: 19-20)

في مطلع عام 1978 قرَّر ((رالف بلودجت)) أن الوقت قد حان لحسم مسألة ((الروحانيين)) هذه، ففعل ما فكَّر الآخرون في فعله ولكن لـم يقوموا به. ذهب إلى جميع الـمحلات التي تبيع الـمجلات التي تنشر الأقاويل والقصص الـمثيرة، وابتاعها جميعًا. ثم عاد بغنيمته إلى البيت ووضع قائمة بـ 250 تكهُّن لعام 1978.

ومع مضي السنة كان يراقب بكل عناية وتدقيق القصص والأخبار التي تُذاع في الجرائد، وكذلك في مجلات الأخبار والعلوم والأقاويل الكبرى، وظل يراقب تحقق تلك التكهنات المئتين والخمسين.

وفي نهاية السنة، جلس وجمَّع كلَّ ما قرأه، ووجد أنه من بين 250 تكهن نطق به ثلاثون من كبار الوسطاء الروحانيين في العالـم، لـم يتحقق أكثر من 5 2.4%  فقط (أي ستة تكهنات من مجموع مائتين وخمسين تكهن). أي أن 97.6% أخطأت الهدف تمامًا. (حتى التكهنات الستة الصحيحة كانت قد قيلت بعبارات عامة كان يصعب معها أن لا تجد شخصًا ما في مكان ما ليتممها.)

((أي تكهنات تلك التي نتحدث عنها؟ إليكم بعض التكهنات لعام 1978 التي أخفقت: كارثة مكوك الفضاء الأمريكي ستؤخر برنامج الفضاء عشر سنوات – ستصاب مدينة نيويورك بانقطاع آخر للطاقة في مطلع عام 1978 – سيندلع حريق مدمر في البيت الأبيض – سيصل سعر البنزين إلى دولار ونصف للجالون في الولايات الـمتحدة – ستنفصل مقاطعة كويبك عن بقية كندا – سيفرض الرئيس كارتر أسبوع عمل جبري مدته أربعة أيام فقط في أنحاء البلاد في يناير (كانون الثاني) – ستطلب كوبا الانضمام إلى الولايات الـمتحدة لتكون الولاية رقم 51 – إضراب عام في  مصالح البريد يعطِّل البريد أثناء أعياد الـميلاد – كارتر يعيد إدخال نظام التجنيد في سبتمبر (أيلول) –اكتشاف علاج لـمرض السرطان –نشوب حرب بين الصين الشعبية والاتحاد السوفيتي –اندماج وكالة الـمخابرات الـمركزية CIA ومكتب الـمباحث الفيدرالي FBI ليكوِّنا وكالة تجسس فائقة –اكتشاف بقايا جزيرة أتلانتيس في البحر الـمتوسط قرب ساحل تركيا)). ((رالف بلودجت)) من مقال بعنوان (وسطاء الأسواق الروحانيون يديرون عجلة الروليت مرة ثانية)) نُشِر في مجلة These Times في مارس [آذار] 1979،الصفحة الثامنة).

وليس فقط التكهنات الخاصة بأخبار كبرى، بل أيضًا تكهنات تافهة وسخيفة: فقد تنبأ خمسة وسطاء روحانيون بأنه سيتم إلغاء برنامج ((تشارلز انجيلز)) التلفزيوني - ((بيرت رينولدز)) سيتزوج ((سالي فيلد)) - ستصبح ((لينزاي واجنر)) الـموضة في عالـم نجوم التلفزيون وتحل محل ((فرح فاوسِت)) - سيتم القبض على ((القدم الكبيرة*)). (ولـم تتحقق أي منها.) ليست مثل هذه التكهنات رسائل من يهوه لعالـمنا الذي يمر اليوم بحقبة زمنية خطيرة.

* وحش خرافي يشبه رجلا أشعر يقال أنه يستوطن شمال غربي أمريكا وكندا

من أين يأتي كل هذا؟ معلوم أنه لا يوجد إلاَّ مصدران فائقان للطبيعة في عالـمنا. يزيح ((رين نوربرغِن)) الستار في كتابه الـممتاز Prophet of Destiny عمَّا يوجد وراء هذا كله

((كتب ((جايمز بيورنستاد)) كتابًا صغيرًا -وفعَّالاً-بعنوان Prophecy in the Twentieth Century عن ظاهرة التنبؤ في حياة ((ادجار كايسي)) و ((جين ديكسون))،عقد فيه مقارنات مثيرة بين قدرات هذين الروحانيين وبين الـمتطلبات التي يشترطهــا الكتـاب الـمقدس في النبي. وجاءت استنتاجاته -الـمبنية على شواهد كتابية كلها- صدمة حقيقية لهم.

فعند مقارنة من يدَّعون امتلاكهم مواهب روحانية فائقة للحواس (كالـمنجمين والوسطاء وقارئو الطالع ومرهفو السمع وقارئو الكف وقارئو الكرة البلورية وقارئو الأفكار وغيرهم) وإخضاع قدراتهم لنفس الـمعيار الكتابي، يصل الـمرء إلى هذا الاستنتاج الـمذهل:  إن الوسطاء الروحانيين -بما فيهم الـمشاهير  مثل   ((ادجار كايسي))  و((جين ديكسون)) و((دانيال لوجان)) و((جيرارد  كرويسيه))  و((بيتر  هيركوس)) و((آرثر فورد))  - كلهم بلا استثناء لا يخالفون كثيراً من مبادئ الكتاب الـمقدس الأساسية فقط، بل ويتصرفون في أغلب الأحيان بطريقة تناقض معايير الكتاب الـمقدس للنبي الحقيقي تناقضاً صارخاً.

((يشمل عالـم الغيبيات والشعوذة مجالاً واسعاً من الأنشطة، ومن غير الـمعقول أن نتوقع وجود نص كتابي ينطبق على جميع الظواهر الروحانية. غير أنه توجد عشرة اختبارات أساسية، واضحة لكل من يلتفت إليها.

لقد أصبح من الضروري إيجاد أسلوب مُحكَم للفصل   بين الروحانيين والأنبياء في زمن يتحكم فيه 10.000 منجم محترف في الأنشطة اليومية لأربعين مليون شخص في الولايات الـمتحدة من خلال 1.200 عامود تنجيم يومي و2.350 جهاز كومبيوتر لقراءة الطالع، في حين صنع 140.000 عرَّاف ووسيط ومستبصر ومتنبِّئ روحاني تجارة تُدرُّ عليهم 42 مليون دولار كل سنة، في حين تُقدِم ثلاثة من كبريات الجامعات دورات مُعتَمدة عن العِرافة والشعوذة والتنجيم والسحر !

تدل جميع اختبارات النبي الحقيقي، الـمأخوذة جميعها من العهد القديم والجديد، بوضوح على أن هؤلاء الـمتنبِّئين الذين تنقصهم هذه الـمؤهلات الصارمة، لا يمكنهم التمتع بلقب أنبياء يهوه.

ويمكن تلخيصها كالتالي:

(1) النبي الحقيقي لا يكذب، وكل ما يتنبأ به يتم (إرميا 28: 9).

(2) يتنبأ النبي الحقيقي باسم يهوه، لا باسمه هو(2بطرس 1: 21).

(3) لا يُقدِّم النبي الحقيقي تفسيره الشخصي للنبوة (2بطرس1: 20)

(4) يُبيِّن النبي الحقيقي خطايا وتعديات شعب يهوه (إشعياء 58: 1) 

(5) على النبي الحقيقي أن يحذِّر الناس من دينونة يهوه الآتية (إشعياء 24: 20-21؛ رؤيا 14: 6-7)

هذه الاختبارات الخمسة الأولى كافية لتدمير سمعة أدعياء النبوة، ولكن لها وقع الصاعقة عليهم إذا ما قورنت بالخمسة التالية.

(6) يبني النبي الحقيقي الكنيسة ويشير عليها وينصحها في  الأمور الدينية (1 كورنثوس 14: 3-4)

(7) تكون كلـمات النبي الحقيقي في انسجام تام مع كلـمات الأنبياء السابقين له (إشعياء 8: 20)

(8) يعترف بتجسد يهوشوه الـمسيا (1 يوحنا 4: 1-3)

(9) يمكن التعرف عليه من ثمار عمله (متى17: 16-20)

(10) وأخيرًا يجب أن يوفِّي الشروط الـمنصوص عليها في تثنية 18: 9-12 يسلك النبي الحقيقي وفق إرادة واستحسان يهوه.

 ((… لاَ تَتَعَلـم أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ رِجْسِ أُولئِكَ الأُمَمِ. لاَ يُوجَدْ فِيكَ... مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً [قراءة الطالع]، وَلاَ عَائِفٌ [راجم بالغيب] وَلاَ مُتَفَائِلٌ [منجِّم] وَلاَ سَاحِرٌ، وَلاَ مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً، وَلاَ مَنْ يَسْأَلُ جَانًّا [وسيط ملبوس بروح أو بمرشد] أَوْ تَابِعَةً [شخص روحاني شفاف مُطَّلِع على الغيب]، وَلاَ مَنْ يَسْتَشِيرُ الـموْتَى. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ يهوه)) (تثنية 18: 8-12).

بناءً على هذه النصوص، يتضح أنَّ ليس كل من يتنبأ هو نبي من أنبياء يهوه .. وللـمزيد من الدقة نقول إن تصرفات النبي الحقيقي لا تتعارض مع التعاليم الكتابية الأساسية، بل بالأحرى تدعم وتقوي الـمبادئ الـمبيَّنة من قبل)).

يدخل كتاب ((نوربرغن)) في عداد الكتب الـممتازة. فإذا سنحت لك الفرصة، اشترِ نسخة منه واقرأه بنفسك.لا يستعمل الروحانيون مجرد التزييف، بل تعمل فيهم قوة فائقة لطبيعة البشر. وقد ذاع خبر هذه القوة منذ الأزمان الغابرة، ولا تزال موجودة في العبادات الوثنية حتى يومنا هذا، على الرغم من إدانة الكتاب الـمقدس لها.

((لـماذا لا نُقر ونعترف بهذه الحقيقة السهلة والواضحة، وهي أن الجوانب الخارقة لعلـم الروحانيات الحديث ما هي إلاّ تكرار لـمبادئ السحر والعرافة والشعوذة؟ فهي تشترك في نفس القوى، والعقل الـمدبر لها واحد )). (ج. ج. مورس، أحد كبار الـمتخصصين في علـم الروحانيات، من كتابه Practical Occultism).

إِذَن فالروحانيون الـمعاصرون يعترفون بأن قدرتهم هي نفس القدرة التي سيطرت على الروحانيين في الـماضي. لكن أحيانًا يقولون إن تكهُّناتهم عن زواج نجوم السينما تأتي من يهوه. تدخل ((جين ديكسون)) ضمن هذه الفئة، بينما يظن ((دايفد بوبار))،  وهو روحاني مشهور، أن ((قدرته)) على التنبؤ بالـمستقبل تأتي من داخله. في حين يُصرِّح ((دانيال لوجان))،  وهو من عظماء الروحانيين، بأن قدرته تأتي من الاتصال بكائنات روحية أثناء جلسات تحضير الأرواح. ويعترف ((لوجان)) بأن الروحانيين ليسوا إلاَّ مشعوذين وأنهم يستمدون معلوماتهم من الاتصال بخيالات غير منظورة.

لكن هذه الـموجة العارمة لـم تجتَح العالـم الغربي حتى عام 1848، وقد حدث هذا بطريقة غريبة للغاية. فإذا صرفنا وقتًا في التعرف على منشأها الحديث، يكون ذلك عونًا كبيرًا لنا في فهمها.

((بإجماع الآراء، يُعتَبر 31 مارس (آذار) 1848 اليوم الذي اعتُرف فيه رسميًا بأن الدقات التي سُمِعت في بيت عائلة ((فوكس)) بهايدزفيل في نيويورك حملت إلى العالـم هذه الرسالة الهائلة: ((لا موت ولا موتى! )) الواحد والثلاثون من مارس  (آذار)  هو اليوم الذي يحتفل فيه الروحانيون ببزوغ فجـر عصر جديد غيَّر مجـرى تفكير العالـم .. لقد أعلن 31 مارس (آذار) عن عصر جديد بدأ منذ سماع الدقّات الصغيرة في ((هايدزفيل))، وسيصل إلى ذروته في دوائر الـمستقبل البعيد .. إننا أرواح هنا والآن .. إننا جزء من يهوه )). ((م. إ. كادوالادر))، مؤسس شريك لرابطة الروحانيين القومية، من كتاب [There is No Death- There are No Dead من مطبوعات Centennial Book ، ص 68-69 [1948]).

إن أول أكذوبة كبيرة نطق بها الشيطان، أبو الكذب، إلى حواء في جنة عدن هي: ((لَنْ تَمُوتَا! بَلِ يهوه عَالـم أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَيهوه عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ)). (تكوين 3: 4-5) لكن حذارِ من هاتين الكذبتين: ستكون مثل يهوه .. لن تموت. هذان اعتقادان ومبدءان أساسيان يعمل بمقتضاهما جميع محضري الأرواح والـمستبصرين والروحانيين .. فاحذر منهما! في ربيع 1848 وفي كوخ صغير،   بهايدزفيل  في نيويورك، سُمِعَت ((دقَّات)) غريبة، ولكن كان يحدث هذا فقط حيث تكون ((مارجارتا))  (ابنة خمسة عشر عاماً، وتُدعَى أيضاً ((مارجريت)) و((كاتي))  (ابنة اثنا عشر عامًا، وتُدعَى أيضاً ((كايت)).  وعامةً كانت تُسمَع الطرقات في غرف مظلـمة.   أبلغت الفتاتان عن وجود هذه ((الدقات)) في غرفتهما في مساء 31 مارس (آذار). وكانت ((كاتي))   تضحك بصوت عال وتقول: ((يا أبا قدم مشقوقة [الشيطان]، اِعمل كما أعمل))،  ثم تصفِّق بيـديــها عـدة مـرات. فكانت الدقـّات تَرُدّ بنفس عدد المرات. ولـما دخلت أمها في فزع، سألت عن أعمار أبنائها الستـة (بما فيهم ابن قد مات)، فعدَّت الدقّات أعمارهم صحيحةً. وفي غضون أيام اكتـظ البيت بالناس الذين دفعهم الفضـول إلى الاقتناع بأن ((الأموات))  يتصلون بالفتاتيـن. وكان الناس على استعداد للاعتقاد بأنهم قادرين على الاتصال  بـ((أرواح الأموات)) ،  وعن طريق هذا  الاعتقـاد فتحوا الباب لدخول الشياطـين.  ففي غضون أسابيع سُمِعـت الدقـات لكل من حاول الاتصـال بالـموتى في منطقـة  ((نيو إنجلاند)). وفي مطلع الخمسينيات من القرن الـماضي كان ملايين الناس في الولايات الـمتحدة وإنجلترا قد قبلوا الأصوات الغريبة على أنها أرواح الـموتى التي تحوم حولهم والتي تنتظر التحدث معهم.

وبعد إرسال مارجريت وكاتي للعيش مع أقربائهما، تبعتهما الطَّرَقات كلـما كانتا في غرف مظلـمة. استمتعتا بالشهرة جدًا حتى أنه تم ترتيب أول عرض سنة 1849 في غرف مظلـمة بمدينة روشستر بنيويورك، ضمن عروض كثيرة لاحقة. ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا عُرِفت هذه الظاهرة باسم ((دقَّات روشستر)).

فأقامت كاتي ومارجريت بعد ذلك جلسات تحضير أرواح وكانت تظهر أشياء تدَّعى أنها ((أرواح أحباء فارقوا الحياة))- على حد قولهم. فتشكَّلت منظمات و((كنائس)) روحانية نتيجةً لـمجهوداتهما، وأنتشر معها اهتمام شديد بالتنجيم و((التكهنات الروحانية)). وتُعَد الأختان فوكس اليوم مؤسستي الروحانية الحديثة، أي التكهن بالغيب والاتصال بالشياطين.

لكن شيئًا ما أخذ يزعج ((مارجريت)) بشدة حتى أنها توقفت عام 1858 عن عملها كوسيطة أرواح وانضمَّت للكنيسة الكاثوليكية. وبمرور الأعوام أدمنت الأختــان شـرب الخمـور وازداد انغماسهما في فقدان السيطرة على النفس والنجاسة والفقر وإدمان الكحوليات. ثم عادت ((مارجريت)) إلى العمل كوسيطة روحانية في 1867 ((تحت ضغط من الأرواح))، ومارست ((قدراتها العجيبة)) على استحضار أرواح من الهواء لتظهر في صورة ((أحباء موتى قادمين من محضر يهوه)). كل هذا على الرغم من شدة نجاسة معتقداتها وسلوكياتها! وعن هذه الحقبة من حياتها يحكي الروحاني الإنجليزي ((جايمز بيرنز))، محرر مجلة ((الوسيط))، فيقول بعد موتها الفاجع:

((أمامنا هنا امرأة تقدم إظهارات روحانية للغير، بينما هي في ذاتها تائهة روحيًا وفي ضلال من أمرها .  قد ذهب عنها كل حس أخلاقي وتحكم في الذهن والإرادة  ..  لكن حين يحوِّل الوسيط الأمر إلى تجارة ويعرضه على الناس كسلعة تُباع،حينئذٍ نقول الوداع لـمن كان يمكنه الارتقاء أو التعليم عن هذا الـموضوع)).((جايمز بيرنز ))،من كتاب The Medium and Daybreak،إبريل [نيسان] 1893،ص 258).

أما زوجها الدكتور ((إلَيشا كاين))، من مكتشفي القطب الشمالي،  فاستطاع أن يرى بمزيد من الوضوح الأسباب التي أدَّت إلى انهيارها الأخلاقي: إنها خدعة الطَّرَقات التي خبَّأتها في قلبها طيلة هذه السنين، لأنها لـم تُفصِح عن مصدرها إلاّ لقليل من الـمقرَّبين إليها.

((آه يا ماجي ألا تتعبين أبدًا من هذا الخداع الدائم الذي لا يتغير؟ هل قُضِي عليك بأن تمضي أيامك هكذا، فلا ترتقين إِلَى ما هو أفضل؟ أرجوكِ أن تتجنَّبي  الأرواح)).أنا لا أتحمل أن أراكِ منغمسة في هذا الـمسلك الشرير والـمخادع. ماجي، ليس لك صديق سواي، فإن اهتمامي بك غير مرتبط بهذه الطرقات اللعينة.اغفري لي هذا القول، ولكن أليس من الخداع مجرد الاستماع [بصمت] بينما الآخرون ينخدعون؟))(خطاب من د.((إلَيشا كاين)) إلى زوجته ((مارجريت))،مُقتَبس في كتاب The Truth about Spiritualism،للمؤلف((سى. إي. بِشهوفر))، ص47 و48).

وأخيرًا في 1888 لـم تقوَ ((مارجريت)) على احتمال تقريع ضميرها لها. كانت الـملايين تنظر إليها بإخلاص على أنها إحدى مؤسسي حركة روحانية جديدة عظيمة قُدِّر لها أن تقود البشرية إلى عصر جديد عظيم ذي حياة أفضل، لكنها لـم تكن سوى عبادة شياطين.

فاستدعت  مراسلي الجرائد  وأخبرتهم بأن الإرشـاد الشـيطاني  الـمدعو  ((الروحانيـة الحديثـة)) و((البحث الروحاني)) قد نشأ أصلاً عن خدعة قامت بها هي وأختها في طفولتهما. وقالت إنها حاولت تناسي الأمر كله بالإدمان على الشرب، ولكن بلا جدوى. وقالت إنها ردَّت عــلى من شجَّعوها على إقامة جلسات تحضير أرواح بقولها: ((إنكم تسوقونني إلى الجحيم!)) وفي خلال بضعة أيام عادت أختها ((كاتي فوكس جينكين)) من رحلة في أوربا وقالت إنها ستشارك أختها في افتضاح أمر مناجاة الأرواح.

((أنا أعتبر الاتصال الروحاني من أسوأ اللعنات التي ابتُلي بها العالـم)). ((كاتي فوكس جينكين))، New York Herald، 9 أكتوبر[تشرين الأول] 1888).

وفي 21 أكتوبر(تشرين الأول) احتشد جمع كبير في أكاديمية نيويورك للـموسيقى لهذا الغرض، وقلد دكتور ((رتشموند)) -بخفة يد - الكتابة على اللوح وقراءة الأفكار التي تدور في غرفة تحضير الأرواح، ثم قامت ((مارجريت)) أمام الجميع وقرأت - في محضر أختها - بيانًا ندَّدت فيه بقدراتهما ووصفتها بأنها مزيفة.

((لا شك أنكم جميعًا تعلـمون بأني كنت أداة في ارتكاب هذا الغش الـمسمَّى ((الروحانية)) في حق الجمهور الذي وثق بي كل الثقة. إن أعظم حزن في حياتي ينبع من هذه الحقيقة، ومع أني أدركتها في آخر حياتي، إلاّ أنني مستعدة لقول الحق، كل الحق، ولا شيء سوى الحق، وإلهي على ما أقول شهيد! ... أنا هنا الليلة بوصفي واحدة من مؤسسي حركة الروحانية (مناجاة الأرواح) لأندِّد بها وأخبركم بأنها كذب من البداية للنهاية، وبأنها من أسخف الخزعبلات وأشرّ تجديف عرفه العالـم)). (مارجريت فوكس كاين، مقتبس في كتاب The Deathblow to Spiritualism، بقلـم ((ر. ب. دافنبورت))، ص 76. (راجع أيضًا New York World، عدد 21 أكتوبر[تشرين الأول]، 1888؛ وnew York Herald وnew York Daily Tribune، عدد 22 أكتوبر، 1888).

في ذلك الـمساء كشفت مارجريت أن الأمر كله يتعلق بإبهام قدمها مزدوج الـمفاصل (أي يمكن ليه وثنيه إلى الأمام وإلى الخلف). فكلـما أرادت كانت تثنيه وتصدر طَرَقات أو ((دقَّات)) عالية. كانت هي وأختها كاتي قررتا أن تلعبا ملعوبًا على أمهما، فتظـاهرتـا بأنهما تتخاطبـان مـع إبليس أو أحــد الأرواح. ولـم يخطر ببالهما أن ما بدأتاه سيتحوَّل إلى عملاق ضخم ينكر كل الـمبادئ الأخلاقية والـمسيحية .. ويضع الناس تحت سيطرة الشيطان.

((ما أن بعثت السيدة ((مارجريت فوكس كاين)) الحياة والهِمَّة في إبهام قدمها، حتى أصدر طرقة عالية في أكاديمية الـموسيقى ليلة أمس،كانت هي الضربة القاضية لخدعة مناجاة الأرواح التي أسستها هي وأختها ((كاتي)) عام 1848 فعمّت العالم أجمع. كانت الأختان حاضرتان وندَّدت كلاهما بمناجاة الأرواح ووصفتاها بأنها نصب واحتيال فظيع.

كان الـمبنى مزدحمًا على الرغم من ضخامته، وقد عمَّ الهياج الشديد بين الناس أحيانًا .. وكيف لا يهتاجون وهم قد أتوا بالـمئات ليروا مؤسسة إيمانهم وهي تحطِّمه بضربة واحدة. سادهم اضطراب هائل أحيانًا وكانوا يفِحّون (كالحيَّات) بشراسة. كان المشهد بجملته لافتًا للنظر ومؤثرًا )). (New York Herald، 22 أكتوبر 1888)

وتحت ضغط شديد من الروحانيين، وقَّعت الأختان على بيانات ندَّدتا فيها بتنديدهما السابق. لكن بعد عقدهما هذه الـمعاهدة للعودة إلى الغش، غاصتا كلتاهما أكثر فأكثر في الاكتئاب، حتى توفيتا مدمنتين. كانت وفاة ((كاتي)) في يونيو (حزيران) 1892، أما ((مارجريت)) فقضت نحبها في مارس (آذار) 1893.

هـاكم الحال النهائي الذي آلت إليها ((مارجريت))، كمـا  ورد في واحـدة مـن كبرى جــرائـد مـدينة نيويـورك اليومية:

 ((المنزل رقم 456 شارع 57 غرب، نيويورك، مهجور الآن .. فيما عدا حجرة واحدة. وتسكن هذه الحجرة امرأة تناهز الستين من العمر .. حالها يثير الشفقة .. مُحطَّمة عقليًا وبدنيًا .. لا تشتهي سوى الـمشروبات الـمسكِرة. وجهها تعلوه آثار الشيخوخة والـمجون، إلاّ أنه يُذكِّر بقدر جمالها في الـماضي. هذا الحُطام الذي آلت إليه الـمرأة كان يومًا جليس الـملوك ونزيل القصور. وكانت قدراتها العقلية - التي تحوَّلت الآن إلى بلاهة - موضع إعجاب ودراسة العلـماء في أمريكا وأوربا وأستراليا. أبَّن الناس اسمها وتغنوا به وسخروا منه بعشرات اللغات. الشفتان اللتان لا تنطقان إلاَّ بالقباحة كانتا قبلاً تبشِّران بعقيدة ديانة جديدة لا زال أعضاؤها يُقدَّرون بعشرات الآلاف )). (Washington Daily Star، 7 مارس [آذار] 1893).

معلوم عند الجميع أن مناجاة الأرواح الحديثة    Spiritualism  والـمنجمين والروحانيين Psychics، الذين يمارسون مهنتهم في السر ومن خلال كبرى جرائد العالـم اليوم، ينسبون عودة ظهورهم في العصر الحديث إلى ((الدقات)) الغريبة التي سُمِعت في مخدع الأطفال ببيت ((جون فوكس)) في هايدزفيل، نيويورك، ليلة 31 مارس (آذار) 1848.

 



 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
5
4
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
07
27
Calendar App