6. العـَمـَل لا الإدانة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

(( لا تدينوا لكي لا تدانوا )) (متى 7: 1).

إنّ محاولة الناس أن يحصلوا على الخلاص بالأعمال يقودهم بالضرورة إلى أن يكوّنوا أوامر وفرائض بشرية كسياج يمنع الخطية. لأنّهم إذ يرون أنّهم عاجزون عن حفظ الناموس يبتكرون قوانين وتنظيمات من عندهم ليرغموا أنفسهم على الطاعة. ولكن هذا كله يحوّل الفكر بعيداً عن يهوه إلى الذات. فمحبته تموت وتتلاشى من القلب وتتلاشى معها المحبة لبني جنسهم. هذا وإنّ نظاما من اختراع الناس بتقييداته التي لا تُحصى يقود من يدافعون عنه ويناصرونه لأن يدينوا كل من يقصرون دون بلوغ ذلك المقياس البشرى المقرّر. إنّ جو الانتقاد الأناني الضيق المتزمت يخنق الانفعالات النبيلة الكريمة ويصير الناس قضاة معتدين بذواتهم وجواسيس منحطين.

وكان الفريسـيون من هـذا الفـريق. لقـد خـرجـوا من خــدماتهم الدينية, لا متضعين يحسّون بضعفهم, ولا شاكرين على الامتيازات العظيمة التي قد منحهم يهوه إياها. ولكنّهم خرجوا وهم ممتلئون بالكبرياء الروحية, وكان موضوع حديثهم وتفكيرهم هو هذا:(( نفسي, مشاعري, معرفتي, طرقي )). وقــد صـارت معلـومــاتهم هي المقيـاس الذي بمـوجبــه دانـوا الآخــرين. وإذ تسـربلوا بثياب العظمة الذاتية, قفزوا إلى كرسي الحكم لينتقدوا ويدينوا.

وقد اشترك الشعب في نفس هذه الروح إلى حدّ كبير, مقتحمين منطقة الضمير, وكانوا يدينون أحدهم الآخر في مسائل واقعة في منطقة علاقة النفس بيهوه. وبالإشارة إلى هذه الروح وهذا العمل قال يهوشوه: (( لا تدينوا لكي لا تدانوا )). أي, لا تقم نفسك مثالا أو نموذجا يُحتذى. لا تجعل آراءك وأفكارك عن الواجب وتفسيراتك للكتاب مقياسا للآخرين, وتدينهم في قلبك إذا لم يبلغوا إلى مثالك. لا تنتقد الآخرين فتخمن عن بواعثهم وتصدر عليهم حكمك.

(( لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي السيد الذي سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب )) (1 كورنثوس 4: 5). لا يمكننا معرفة خفايا القلب. وحيث أنّنا مخطئون فلسنا مؤهلين لأن نجلس حكاما على الآخرين. إنّ الناس المحدودين يمكنهم أن يحكموا فقط من المظهر الخارجي. أمّا ذاك الذي هو وحده دون سواه يعرف منابع العمل الخفيّة والذي يعامل الناس بالرفق والرأفة, فله يُعطى أن يقرّر حالة كل نفس.

(( لذلك أنت بلا عذر أيها الإنسان كل من يدين. لأنّك فيما تدين غيرك تحكم على نفسـك لأنّك أنت الذي تدين تفعـل تلك الأمور بعينها )) (رومية 2: 1). وهكذا الذين يدينون الآخرين أو ينتقدونهم يعلنون أنهم هم أنفسهم مذنبون لأنّهم يفعلون تلك الأمور بعينها. فإذ يدينون الآخرين فهم إنّما يصدرون الحكم على أنفسهم ويهوه يعلن أنّ هذا الحكم عادل. وهو يقبل ما يحكمون به على أنفسهم.

(( هذه الأقدام السمجة التي لا تزال في الحمأة تسير وتسحق في طريقها أزهارا بلا نهاية وهذه الأيدي القاسية تدخلها  بحســن نيــة بين أوتــار قلــب صـديق )).

(( لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك؟ )) (متى 7: 3).

حتى الحكـم القـائل: (( أنت الذي تدين تفعل تلك الأمور بعينها )) لا يصل إلى جسامة خطية من يجتريء على انتقاد أخيه أو إدانته. قال يهوشوه: (( لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك وأمّا الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها )) (متى 7: 3).

إن كلامه يصف الإنسان الذي هو سريع في اكتشاف النقائص التي في الآخرين. وعندما يظنّ أنّه قد اكتشف عيباً في الخلق أو الحياة يكون غيّوراً جدا في محاولة توجيه الأنظار إليه, أمّا يهوشوه فيعلن أنّ نفس الخلق الذي يتربى وينمو في عمل هذا الأمر الذي لا يمتّ إلى المسيحية بسبب هو بالمقارنة مع الخطأ المنتقد كالخشبة بالنسبة إلى القذى. إنّ انعدام روح الاحتمال والمحبة من قلب الإنسان هو الذي يقوده إلى أن يجعل (( من الحبّة قبّة )) كما يقولون. فالذين لم يختبروا قطّ انسحاق التسليم الكامل للمسيا لا يظهرون في حياتهم تأثير محبة المسيا المهدئة الملطفة. إنّهم يشوّهون روح الإنجيل روح اللطف والرقة والمجاملة, ويجرحون النفوس الغالية التي قد مات المسيا لأجلها. وطبقاً للتشبيه الذي أورده مخلصنا نجد أنّ من يحتضن روح الانتقاد يرتكب خطية أعظم من ذاك الذي يتهمه, لأنّه فضلا عن كونه يرتكب نفس الخطية فهو يضيف إليها خطية الغرور والانتقاد.

إنّ المسيا هو النموذج الحقيقي الوحيد للخلُق, فالذي يقيم نفسه نموذجا للآخرين يضع نفسه في موضع المسيا. وحيث أنّ الآب (( قد أعطى كل الدينونة للابن ))(يوحنا 5: 22) فكل من يجرؤ على إدانة بواعث الآخرين فإنّما يغتصب من جديد حق ابن يهوه. هؤلاء القضاة والمنتقدون المزعومون يقفون في صف المدعو ضد المسيا (( المقاوم والمرتفع على كل ما يدعى إلها أو معبوداً حتى إنّه يجلس في هيكل يهوه كإله مظهرا نفسه أنّه إله )) (2 تسالونيكي 2: 4).

إنّ الخطية التي تقود إلى أتعس النتائج هي الروح الانتقادية الفاترة الحقود التي تتصف بها الفرَيسية. فعندما يخلو الاختبار الديني من المحبة فإنّ يهوشوه لا يكون فيه, وشمس حضوره لا تكون هناك. ولا يمكن لأي نشاط دؤوب أو غيرة مسيحية أن تسد هذا النقص. قد يكون هنالك إدراك وفهم حاد عجيب لاكتشاف نقائص الآخرين, ولكن كل من يحتضن هذه الروح يقول له يهوشوه: (( يا مرائي أخرج أولا الخشبة من عينك وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى من عين أخيك )) (متى 7: 5). إنّ مرتكب الخطأ هو أول من يشتبه في الخطأ. فهو إذ يدين إنسانا آخر يحاول أن يخفي شر قلبه أو يجد له عذرا. انه عن طريق الخطية حصل الناس على معرفة الشر, وما أن أخطأ الزوجان الأولان حتى بدأ كل منهما يتهم الآخر, وهذا ما لابد أن تفعله الطبيعة البشرية عندما لا تسيطر عليها نعمة المسيا.

إنّ الناس عندما يمعنون في هذه الروح روح الاتهام لا يكتفون بتوجيه الأنظار إلى ما يظنّون أنّه نقص في أخيهم. فإذا لم تفلح الوسائل اللطيفة في جعله يفعل ما يظنّون أنّه يجب أن يعمل يلجأون إلى الإرغام. فبقدر ما يستطيعون يرغمون الناس على الامتثال لآرائهم عما هو حقّ. هذا ما فعله اليهود في عهد المسيا وما قد فعلته الكنيسة منذ ذلك الحين كلما أضاعت نعمة المسيا. فإذ وجدت نفسها مجرّدة من سلطان المحبة مدّت يدها لتمسك بذراع الدولة لتفرض عقائدها وتنفذ قراراتها. هذا هو السرّ في كل الشرائع الدينية التي سُنت وسرّ كل اضطهاد وقع منذ أيام هابيل إلى يومنا الحاضر.

إنّ المسيا لا يسوق الناس بل يجتذبهم إلى نفسه. والإرغام الوحيد الذي يستخدمه هو وازع المحبة. فعندما تحاول الكنيسة وتبدأ في طلب معاضدة القوات الزمنية ومساندتها حينئذ يتضح أنّها قد تجردت من قوة المسيا ـ تحريض المحبة الإلهية.

ولكنّ الصعوبة تكمن في أعضاء الكنيسة كل بمفرده. فمن هنا يجب البدء بالعلاج. إنّ يهوشوه يأمر المشتكي أن يخرج الخشبة من عينه أولا وينبذ الروح الانتقادية ويعترف بخطيته ويتركها قبلما يحاول إصلاح الآخرين (( لأنه ما من شجرة جيدة تثمر ثمرا رديا ولا شجرة ردية تثمر ثمرا جيدا )) (لوقا 6: 43). إنّ هذه الروح المشتكية التي تحتضنها هي ثمر شرّير رديء وهو يدل على أنّ الشجرة ردية. إنّه أمر غير نافع لكم كونكم تبنون أنفسكم على البرّ الذاتي. فالذي تحتاجونه هو تغيير القلب. فينبغي أن يكون لكم هذا الاختبار قبلما تكونون مؤهلين لإصلاح الآخرين لأنّه(( من فضلة القلب يتكلم اللسان )) (متى 12: 34).

عندما تحدث أزمة في حياة أيّة نفس وحاولت أنت أن تقدم لها مشورة أو إنذارا فإنّ أقوالك يكون لها وزن التأثير للخير فقط على قدر ما اكتسبته قدوتك وروحك لك. فعليك أن تكون صالحا قبلما تستطيع أن تصنع صلاحاً. وأنت لا تستطيع أن تبذل تأثيرا بغير الآخرين ما لم يتضع قلبك ويتنقّى ويصير رقيقاً بنعمة المسيا. فبعدما يحدث فيك هذا التغيير سيكون أمرا طبيعياً بالنسبة إليك أنّك تعيش لتبارك الآخرين كما هو أمر طبيعي أن تخرج شجرة الورد أزهارها العطرة, أو الكرمة عناقيدها الأرجوانية.

فإن كان المسيا فيك (( رجاء المجد )) فلن يوجد فيك ميل لمراقبة الآخرين والتشهير بأخطائهم. وبدلا من محاولة الاتهام والإدانة فسيكون هدفك تقديم المعونة والبركة والخلاص. وعندما تتعامل مع من هم مخطئون فأنت تنتبه إلى الوصية القائلة: (( ناظراً إلى نفسك لئلا تُجرّب أنت أيضاً )) (غلاطية 6: 1). وستذكر المرّات الكثيرة التي فيها أخطأت, وكم كان من الصعب عليك أن تجد الطريق المستقيم بعدما تنكّبت عنه. وأنت لن تدفع أخاً لك إلى ظلمة أشد حلوكة بل بقلب مفعم بالعطف تخبره بخطره.

إنّ من يكثر من النظر إلى صليب جلجثة ذاكرا خطاياه التي وضعت على المخلص هناك لن يحاول أن يقدر درجة إثمه بالمقارنة مع أثم الآخرين. وهو لن يثِبَ إلى كرسي الدينونة ليتهم إنسانا آخر. لا يمكن أن تكون هناك روح الانتقاد أو تمجيد الذات من جانب من يسيرون في ظل صليب جلجثة.

إنّك, إلى أن تحس أنّك تستطيع التضحية بعظمتك الذاتية بل أن تضع حياتك لكي تخلّص أخا مخطئا, تستطيع أن تخرج الخشبة من عينك فتكون متأهباً لمساعدة أخيك. فإن استطعت ذلك فيمكنك أن تقتربَ منه وتلمس قلبه. إنّه لم يحدث قطُّ أنّ إنسانا قد استُردّ من مركز خاطيء بواسطة التقريع والتعيير, ولكن كثيرين طردوا بعيداً عن المسيا وذلك جعلهم يوصدون قلوبهم دون التبكيت. إنّ الروح الرقيقة والتصرف اللطيف الجذاب يمكن أن يخلص النفس الضالة ويستر كثرة من الخطايا. إن استعلان المسيا في أخلاقك ستكون له قوّة مغيرة لكلّ من تحتك بهم. ليستعلن المسيا فيك كل يوم وحينئذ سيعلن عن طريقك القوة الخالقة في كلمته - التأثير اللطيف المقنع والقادر في نفس الوقت على تجديد نفوس الآخرين في جمال يهوه إلهنا.

 (( لا تعطوا القدس للكلاب )) (متى 7: 6).

إنّ يهوشوه يشير هنا إلى فريق من الناس الذين لا يرغبون في التخلص من عبودية الخطية. فبسبب انغماسهم في ما هو فاسد وخسيس صارت طبائعهم منحطّة إلى حدّ أنهم يتعلّقون بالشرّ ولا يريدون الانفصال عنه. فعلى خدام المسيا ألاّ يسمحوا لأنفسهم بأن يعطلهم أولئك الذين يريدون أن يجعلوا الإنجيل مثارا للمنازعات والسخرية فقط.

ولكنّ المخلص لم يتجاوز بعيدا عن نفس واحدة كانت راغبة في قبول حقائق السماء الثمينة مهما كانت غائصة في أعماق الخطية. فلقد كان كلامه الذي كلم به العشارين والزواني بدء حياة جديدة لهم. إنّ مريم المجدلية التي اخرج منها سبعة شياطين كانت آخر من انصرفوا تاركين قبر المخلص وأوّل من حيّاهم في صباح قيامته. وشاول الطرسوسي الذي كان ألدّ أعداء الإنجيل العنيدين والذي صار اسمه بولس صار خادما مكرّسا للمسيا. فتحتَ مظهر العداء والاحتقار بل حتى تحت الجريمة والانحطاط قد تختفي نفس تخلّصها نعمة المسيا لتتألّق كلؤلؤة في إكليل الفادي.

 (( اسـألــوا تعطـوا اطلبـوا تجـدوا اقرعـوا يفتـح لكـم )) (متى 7: 7).

إنّ الســيد هنا يكـرر الوعد المعطى ثلاث مرات حتى لا يكون هناك مجال لعدم الإيمان أو سوء فهم كلامه أو تحريفه. إنّه يتوق لأن يرى الذين يطلبون يهوه يؤمنون بمن هو قادر أن يفعل كل شيء, لذلك يضيف هذا القول (( لأن كل من يسـأل يأخذ ومن يطلب يجـد ومن يقـرع يفتـح له )) (متى 7: 8).

إنّ السيد لا يحدد شروطا غير هذا وهو انّك تجوع إلى رحمته وترغب في مشورته وتشتاق إلى محبته. (( اسألوا )). إنّ السؤال يجعله واضحا انك متحقق من حاجتك, فإن سألت بإيمان فستأخذ. إنّ السيد قدم كلمته ضمانا وهي لا يمكن أن تفشل أو تخذل. فإن أتيت بانسحاق حقيقي فلا حاجة بك إلى أن تحسّ بأنّك متجاسر أو متغطرس إذ تسأل ما قد وعد به السيد. فعندما تسأل البركات التي تحتاجها حتى يمكنك أن تكمل خلقك ليكون على صورة المسيا فالسيد يؤكد لك انّك إنما تسأل رحمته ورأفته. فالشرط الذي بموجبه يمكنك أن تأتي إلى يهوه ليس هو انّك ستكون قديسا, ولكن كونك تتوق إلى أن يغسلك من كل خطية ويطهرك من كل إثم. إنّ الحجة التي يمكننا أن يغسلك من كل خطية ويطهرك من كل إثم. إنّ الحجة التي يمكننا أن نقدمها الآن وفي كل وقت هي حاجتنا العظيمة وحالتنا الميئوس منها حالة العجز التام, هذا هو الذي يجعله ويجعل قدرته الفادية ضرورة وأمرا لازما كل اللزوم.

(( اطلبوا )). لا تشتهوا مجرد بركته, بل اطلبوا ذاته (( تعرف به وأسلم ))(أيوب 22: 21). اطلبوا تجدوا أنّ يهوه يطلبكم, فنفس الشوق الذي تحس به في القدوم إليه إن هو إلاّ جاذبية روحه. فاخضع لتلك الجاذبية. إنّ المسيا يترافع في قضيّة المجربين والمخطئين والعديمي الإيمان. وهو يريد أن يرفعهم إلى العِشرة معه (( إذا طلبته يوجد منك )) (1أخبار الايام 28: 9).

(( اقرعوا )). إنّنا نأتي إلى يهوه بدعوة خاصة, وهو ينتظر ليرحب بنا إلى مقصورة استقباله الملكية. إنّ التلميذين الأولين اللذين تبعا يهوشوه لم يقنعا بحديث معجل معه في الطريق, ولكنهما سألاه قائلَين: (( يا معلم أين تمكث... فأتيا ونظرا أين كان يمكث ومكثا عنده ذلك اليوم )) (يوحنا 1: 38و39). وهكذا يمكننا نحن أيضا أن يسمح لنا بالدخول إلى أوثق وأقرب صداقة وشركة مع يهوه. (( الساكن في ستر العلي في ظل القدير يبيت )) (مزمور 91: 1). فالذين يشتاقون إلى بركة يهوه ليقرعوا وينتظروا أمام باب الرحمة بيقين ثابت قائلين: لأنّك أنت يا سيد قلت إنّ كل من يسأل يأخذ ومن يطلب يجد ومن يقرع يفتح له.

نظر يهوشوه إلى من كانوا مجتمعين ليسمعوا أقواله وكان يتوق بكل غيرة إلى أن يرى ذلك الجمع الحاشد يقدّر رحمة يهوه ورأفته. وكصورة لحاجتهم واستعداد يهوه لأن يعطيهم، يعرض أمامهم ولدا جائعا يسأل أباه الأرضي خبزا. فقال: (( أي إنسان منكم إذا سأله أبنه خبزا يعطيه حجرا؟ )) (متى 7: 9). إنّه يلجأ إلى المحبة الرقيقة الطبيعية التي لأب نحو ابنه ثم يقول: (( فان كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري أبوكم الذي في السموات يهب خيرات للذين يسألونه؟ )) (متى 7: 11). لا يوجد إنسان له قلب الأب يحول وجهه عن أبنه الذي هو جائع ويسأله خبزا. هل يظنّونه قادرا على أن يستخف بابنه ويعذبه إذ يمنّيه خيراً (أي يشوِّقه) وإنما فقط ليخيب آماله؟ هل يعد بإعطائه الطعام الجيد والمغذّي ثم يقدم له حجرا؟ وهل يهين أي إنسان يهوه بكونه يتصور انه لا يستجيب لتوسلات أولاده؟

فان كنتم وأنتم بَشَرُُ وأشرار (( تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه؟ )) (لوقا 11: 13). إنّ الروح القدس, نائب يهوه نفسـه, هو أعظــم كل العطـايا. فكل (( الخيرات )) مشتملة فيه. الخالق نفسه لا يمكنه أن يمنحنا شيئا أعظم أو أفضل. فعندما نسأل السيد أن يتحنن علينا في ضيقنا ويرشدنا بروحه فلن يصد صلاتنا. يمكن حتى للأب أن ينصرف بعيدا عن ابنه الجائع ولكن لن يمكن أن يرذل صرخة القلب المسكين المشتاق. فبأي رقة عجيبة يصف محبته! هذه هي الرسالة النابعة من قلب الآب لمن يحسّون في أيام الظلام أنّ يهوه غافل عنهم: (( وقالت صهيون قد تركني يهوه وسيدي نسيني. هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها. حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساك. هوذا على كفّي نقشتك )) (إشعياء 49: 14-16).

إنّ كل وعد في كلمة يهوه يزودنا بمادة للصلاة إذ يقدم لنا كلمة يهوه التي يرتبط فيها بوعد كضمان لنا. فأية بركة روحية نحتاجها فإنّه امتياز لنا أن نطالب بها بواسطة يهوشوه. يمكننا أن نخبر السيد بنفس ما نحتاج إليه ببساطة الأطفال. ويمكننا أن نخبره بشؤوننا المادية الزمنية فنسأله أن يعطينا الخبز والكساء كما نسأله أيضا أن يقدم لنا خبز الحياة وثوب برّ المسيا. إنّ أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها, وأنتم مدعوون لأن تسألوه بشأنها. إنّ كل الافضال والنعم تُعطى لنا باسم يهوشوه. إنّ يهوه سيكرم ذلك الاسم وسيملأ احتياجكم  بحسب غنى سخائه.

ولكن لا تنسَ انّك وأنت تأتي إلى يهوه كأب فأنت تعترف بعلاقتك به كإبن. فأنت في حين أنّك تثق بصلاحه, فأنت في كل شيء تخضع لإرادته عالما أنّ محبته لا يعتريها تغيير. إنّك تقدم نفسك لتعمل عمله. والذين أمـرهـم بان يطلـبوا أولا ملكوت يهوه وبره هـم الـذين قـدم لهم يهوشوه الوعد القائل: (( اطلبوا تأخذوا )) (يوحنا 16: 24).

                                                                                           

إنّ هبات ذاك الذي رفع إليه كل سلطان في السماء وعلى الأرض هي مخزونة لأجل أولاد يهوه. فالهبات التي هي ثمينة جدا حتى أنّها تأتينا عن طريق التضحية الغاليـة التي هي دم الفادي, الهبات التي تشبع أعمق أشواق القلب الهبات الدائمة دوام الأبد سيحصل عليها ويتمتع بها كل من يأتون إلى يهوه كأولاد صغار. خذوا مواعيد يهوه لكم, وتوسلوا في طلبها أمامه على أنّها كلامه حتى تحصلوا على ملء البركة.

(( فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضا بهم )) (متى 7: 12).

إنّ يهوشوه يوصينا بالمحبة بعضنا لبعض في مبدأ واحد شامل يتناول كل علاقات العِشرة البشرية, على يقين محبة يهوه لنا.

كان اليهود مهتمين بما يجب أن يحصلوا عليه, وكان عبء جزعهم منصرفا إلى إحراز ما ظنّوه أنّه حقهم من القوة والاحترام والخدمة. ولكن المسيا يعلمنا أنّ اهتمامنا ينبغي ألاّ يكون منصرفا إلى: كم نُعطي؟ إنّ مقياس التزامنا للآخرين يوجد فيما نعتبر نحن انّه التزامهم نحونا.

في معاشرتك للآخرين ضع نفسك في مكانهم. تغلغل في مشاعرهم, وصعوباتهم ومفشلاتهم وأفراحهم وأحزانهم. اندمج معهم وحينئذ افعل لهم مثلما تريدهم أن يعاملوك به لو استبدلت مركزهم بمركزك. هذا هو القانون الحقيقي للأمانة. إنّه تعبير آخر للشريعة القائلة: (( تحب قريبك كنفسك )). وهو خلاصة تعليم الأنبياء. وهو مبدأ السماء, وهو سيتربى في نفوس كل من يؤهّلون لعشرتهم المقدسة.

إنّ القانون الذهبي هو مبدأ المجاملة واللطف الحقيقي، اصدق تفسير له يُرى في حياة يهوشوه وصفاته. ما أبهى وأمجد أشعة الرقة واللطف والجمال التي تألقت في حياة مخلصنا اليومية! وما أعظم العذوبة التي فاضت من نفس حضوره! إنّ نفس هذه الروح ستُرى في أولاده. فالذين يسكن المسيا معهم سيحاطون بجو الهي. وثيابهم البيضاء ثياب الطهارة يفوح منها شذا عطر جنة السيد. ووجوههم ستعكس نور وجهه فتنير الطريق للأقدار المتعثرة الكليلة.

لا يوجد إنسان عنده النموذج الحقيقي لما يكون الخلق الكامل إلا ويظهر عطف المسيا ورقته. إنّ تأثير النعمة يليّن قلب ويهذب المشاعر ويطهرها معطيا رقة هي وليدة السماء وشعورا باللياقة والحشمة.

ولكن هنالك معنى أعمق للقانون الذهبي.فكل من صار وكيلا لنعمة يهوه المتنوعة يُدعى ليوزع منها على النفوس الجالسة في الجهل والظلام بقدر ما يريدهم أن يوزعوا عليه لو كان في مكانهم. قال بولس الرسول: (( إني مديون لليونانيين والبرابرة للحكماء والجهلاء )) (رومية 1: 14). إنّك مديون بكل ما قد عرفته من محبة يهوه, وبكل ما قد حصلت عليه من غنى هبات نعمته فوق أجهل نفس منحطة على الأرض , أنت مديون لتلك النفس لتوزع عليها هذه الهبات.

وهذا ينطبق أيضا على هبات هذه الحياة وبركاتها. إنّ أي شيء تقتنيه أكثر من بني جنسك يجعلك مديونا, بتلك الدرجة, لكل من هم أقل حظاً منك. فإن كانت عندنا ثروة أو حتى تعزيات الحياة فنحن تحت أعظم التزام لأن نرعى المرضى المتألمين والأرملة واليتيم تماما مثلما نريدهم أن يرعونا لو كانت حالتنا كحالتهم.

إنّ القانون الذهبي يعلمنا, ضمنا, نفس الحق الذي نتعلمه في كل جزء آخر من الموعظة على الجبل إنّه: (( بالكيل الذي تكيلون يكال لكم )) (متى 7: 2). فما نعمله للآخرين خيرا كان أم شرّا لابدّ أن يرتد إلينا, بركة أو لعنة. وما نعطيه سنأخذه ثانية. والبركات الأرضية التي نوزعها على الآخرين يمكن أن نُجازى عليها. وغالبا ما نُجازى عليها ببركات من نوعها. والذي نعطيه سيعود إلينا في الغالب وفي وقت الحاجة بكيل أربعة أضعاف من نفس عملة الإقليم. وفضلا عن هذا فإنّ كل العطايا تُجازى حتى في هذه الحياة في انهمار محبة يهوه العظيمة التي هي خلاصة كل مجد السماء وكنزها. وكذلك الشرّ الذي يُصنع لابد أن يرتدّ على صانعه. فكل من أعطى لنفسه الحرية لأن يدين الآخرين ويفشّلهم فسيختبر السير في نفس الطريق الذي جعل الآخرين يسيرون فيه, وسيشعر بما قد قاسوه بسبب تجرّده من العطف والرقة.

إنّ محبة يهوه لنا هي التي قرّرت هذا. إنّه يريد أن يجعلنا نمقت قساوة قلوبنا ونفتح قلوبنا ليهوشوه ليسكن فيها. وهكذا يخرج من الشرّ خير, وما بدا كأنه لعنة يصير بركة.

إنّ مقياس القانون الذهبي هو المقياس الحقيقي للمسيحية, فكل ما هو دون ذلك هو خداع. إنّ الدين الذي يجعل الناس يبخسون الخلائق البشرية, الذين قدرهم المسيا تقديرا عظيما بحيث بذل نفسه لأجلهم, الدين الذي يجعلنا عديمي الاكتراث لحاجات الناس أو آلامهم أو حقوقهم هو دين زائف. إنّنا إذ نستهين بحاجات الفقراء والمتألمين والخطاة فنحن نبرهن على أنّنا خونة للمسيا. فلكون الناس يتخذون اسم المسيا لأنفسهم في حين أنّ حياتهم تجحد صفاته لذلك فإنّ للمسيحية قوة ضئيلة في العالم. واسم يهوه يجدف عليه بسبب هذه الأمور.

لقد كتب في السفر المقدس عن الكنيسة الرسولية في تلك الأيام المشرقة الجميلة عندما مجد المسيا المقام تألق على قطيع يهوه انّه لم يوجـد إنسـان يقـول: ((إنّ شــيئاً من أمواله له )) (( لم يكن فيهم أحـد محتاجاً )) (( وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة السيد يهوشوه. ونعمة عظيمة كانت على جميعهم )). (( وكانوا كل يوم يواظبون في الهيكل بنفس واحدة. وإذ هم يكسرون الخبز في البيوت كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب مسبّحين يهوه ولهم نعمة لدى جميع الشعب وكان يهوه كل يوم يضمّ إلى الكنيسة الذين يخلصون )) (أعمال الرسل 4: 32و34 و 33؛ 2: 46و47).

لئن فتشـنا السـماء والأرض فلن نجـد حقـاً معلنا أقوي من ذاك الذي يظهر في أعمال الرحمة لمن يحتاجون إلى عطفنا ومعونتنا. هذا هو الحق كما هو في يهوشوه. فعندما ينفّذ من يعترفون باسم المسيا مباديء القانون الذهبي فنفس القوة التي كانت في العصر الرسولي ستصاحب الإنجيل اليوم.

(( ما أضيق البــاب وأكــرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة )) (متى 7: 14).

كان الناس في أيام المسيا يسكنون في مدن محاطة بأسوار, وغالبا ما كانت تُبنى فوق الجبال أو التلال. والأبواب التي كانت تُغلق عند الغروب كان يمكن الوصول إليها بواسطة طرق صخرية منحدرة. والمسافر الذي يسافر إلي بيته في آخر النهار كثيرا ما كان يسرع في سيره صاعدا في طريقه المُكرَب الشاق لعلّه يصل إلى الباب قبل هجوم الليل .. أمّا من يسير مبطئاً فكان يُترك خارجاً.

فطريق  الصعود الضيق المُكرب المؤدّي إلى البيت والراحة أعطى ليهوشوه صورة مؤثرة للطريق المسيحي, فقال: إنّ الطريق الذي أضعه أمامكم ضيق والباب يصعب دخوله لأن القانون الذهبي يطرد كل كبرياء وطلب ما للذات. نعم إنّه يوجد طريق أكثر اتساعا ولكن نهايته الهلاك. فإن أردتم تسلق طريق الحياة الروحية فعليكم بالمداومة على الصعـود لأنّه طريق يصعد إلى فوق. ويجب عليكم أن تسيروا مع الأقلية لأنّ الغالبية العظمى ستختار طريق النزول, الطريق المنحدر.

يمكن أن يسير الشعب كله في الطريق المؤدي إلى الموت, بكل ما في قلوبهم من حب للعالم وأنانية, وكل كبريائهم وخيانتهم وانحطاطهم الأدبي. فيوجد مجال لآراء كل إنسان وعقائده, يوجد أمامه المجال ليتبع أمياله وليفعل كل ما يوحي به إليه حب الذات. فلكي يسير الإنسان في الطريق المفضي إلى الهلاك لا حاجة به إلى أن يبحث عن الطريق لأن الباب واسع والطريق رحب, والرِجلان تسيران بالطبع في الطريق الذي نهايته الموت.

ولكن طريق الحياة ضيق وبابه مُكرَب. فإن تمسكت بأية خطية محيطة بك فستجد أنّ الباب أضيق من أن يتسع لك لتدخل. فينبغي لك التخلّي عن طرقك وإرادتك وعاداتك وأعمالك الشريرة إن أردت أن تحفظ طريق السيد. فالذي يخدم المسيا لا يستطيع أن يتبع آراء العالم أو يسير بموجب مقياس العالم. وطريق السماء أضيق من أن يتسع لركوب الجاه والمقام والغنى في أبهة وعظمة, أضيق من أن يتسع للهو الطموح المركز في الذات, وأشدّ انحدارا وأعظم خشونة من أن يتسلقه طلاب الراحة. لقد كان نصيب المسيا هو التعب والصبر وتضحية الذات والعار والفقر ومقاومة الخطاة له, ولابد أن تكون هذه نصيبنا إذا رغبنا في الدخول إلى الفردوس يهوه.

ومع ذلك فلا تستنتـجوا أنّ الطريق الصاعد طريق مكرب والطريق النازل طريق سهل. فعلى طول الطريق المؤدي إلى الموت توجد آلام وعقوبات, وتوجد أحزان ومفشلات, وتوجد إنذارات بعدم التقدم. إنّ محبة يهوه قد جعلت من الصعب على المهملين والعنيدين أن يهلكوا أنفسهم. نعم, صحيح أن طريق الشيطان يبدو جذابا, ولكن ذلك كله خداع, ففي طريق الشرّ توجد ندامة مرّة وهمُّ مضنٍ. قد نظن انّه أمرُُ مسـرّ كوننا نتبع الكبرياء والطموح العالمي ولكن العاقبة هي ألم وحزن. فالخطط الأنانية قد تقدّم وعوداً خلاّبة وتعطي الإنسان آمالا بالاستمتاع, ولكننا سنجد أنّ سعادتنا مسمومة, وحياتنا قد تمررت بسبب الآمال المركزة في الذات. إنّ مدخل الطريق النازل المنحدر قد يكون مزدانا بالزهور, ولكن الطريق تكثر فيه الأشواك. ونور الأمل الذي يشعّ من مدخله ينطفيء في ظلمة اليأس, والنفس التي تسير في ذلك الطريق تنحدر إلى ظلمات ليل لا نهاية له.

(( أمّا طريق الغادرين فأوعر )). وأما الحكمة فإنّ (( طرقها طرق نعم وكل مسالكها سلام )) (أمثال 13: 15؛ 3: 17). فكل عمل من أعمال الطاعة للمسيا, وكل عمل من أعمال إنكار الذات لأجله, وكل تجربة نحتملها حسنا, وكل نصرة نحرزها على التجربة هي خطوة في طريق السير إلى مجد النصرة النهائية. فإذا اتخذنا المسيا مرشداً لنا فسيرشدنا إلى الأمان. ولا حاجة لأن يضلّ أشرّ الخطاة طريقه. ولا حاجة بإنسان مرتعد يطلب الخلاص لأن يفشل في السير في النور الطاهر المقدس. فمع أنّ الطريق ضيق جدا ومقدس جدا بحيث أنّ الخطية لا يُسمح بدخولها إلى هناك ومع ذلك فقد ضمن الدخول للجميع, ولا حاجة لأن تقول نفس واحدة متشككة: ((إنّ يهوه لا يهتم بي أبداً )).

قد يكون الطريق وعراً والصعود قوياً, وقد تكون هناك حفر عن اليمين وعن اليسار, وقد نلتزم بأن نقاسي التعب والمشقة في سفرنا, وحين نكون معيين, وحين نكون مشتاقين إلى الراحة قد نلتزم بأن نحتمل أتعابا أكثر, وقد نلتزم أن نحارب ونحن في أشد حالات الوهن والإعياء, وحين تهِنُ عزائمنا يجب مع ذلك أن نتعلق بالرجاء. ولكننا إذ نسير متّبعين المسيا قائدَنَا فلن نخفق في بلوغ الميناء المشتهى أخيراً. إنّ المسيا نفسه قد وطئت قدماه الطريق الوعر قبلنا وقد مهد طريق أرجلنا.

وعلى طول طريق الصعود في ذلك المسلك الصاعد المؤدي إلى الحياة الأبدية توجد ينابيع الفرح لإنعاش المعيين. فالذين يسيرون في سبل الحكمة يفرحون فرحا عظيماً في وسط التجارب والضيقات, لأنّ ذاك الذي تحبه نفوسهم يسير إلى جوارهم وإن كانوا لا يرونه. وفي كل خطوة يصعدونها يميزون بكل وضوح لمسة يده. وفي كل خطوة يرون لمحات أعظم من المجد آتية من الغير المنظور وهي تنير طريقهم, وأغاني الحمد التي يترنمون بها إذ تعلو وترتفع تصعد لتنضم إلى تسبيحات الملائكة الذين هم أمام العرش: (( أما سبيل الصديقين فكنور مشرق يتزايد وينير إلى النهار الكامل )) (أمثال 4: 18).

(( اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق )) (لوقا 13: 24).

إنّ المسافر الذي قد تأخّر في سيره إذ كان يسرع ليصل إلي باب المدينة عند غروب الشمس لم يستطع أن يميل إلى هنا أو هناك ليرى الجواذب التي في الطريق. لقد كان منصرفا بكل فكره إلى الغرض الواحد وهو الدخول من الباب. وها هو يهوشوه يقول لنا: إنّ نفس قوة العزم هذه لازمة ومطلوبة في الحياة المسيحية. لقد كشفتُ لكم عن مجد الخلق الذي هو المجد الحقيقي لملكوتي. إنّه لا يعدكم بملكٍ أرضي ومع ذلك فهو يستحق أسمى أشواقكم وجهودكم. إنّي لا أدعوكم لتحاربوا للتسلط على إمبراطورية العالم العظيمة, ولكن لا تستنتجوا لذلك انّه لا توجد معركة ينبغي خوضها, أو أنه لا توجد انتصارات يجب إحرازها. فإني آمركم أن تجاهدوا وتكافحوا بكل قوتكم في الدخول إلى ملكوتي الروحي.

إنّ الحياة المسيحية هي معركة وسير إلى الأمام. ولكن الانتصار الذي يجب إحرازه لا يُنال بقوّة بشرية. إنّ ميدان القتال هو منطقة القلب. والحرب التي علينا أن نشنها – أعظم معركة يخوضها الإنسان – هي تسليم الذات لمشيئة يهوه وتسليم القلب لسلطان المحبة. إنّ الطبيعة القديمة المولودة من الدم ومن مشيئة الجسد لا يمكنها أن ترث ملكوت يهوه. والأميال الموروثة والعادات القديمة يجب الإقلاع عنها.

إنّ من يصمم على دخول الملكوت الروحي سيجد أنّ كل قوى الطبيعة غير المتجددة وأهواءها تسندها قوى مملكة الظلام مصطفّة ضدّه. فالأنانية والكبرياء ستقفان ضد أي شيء يبرهن على انهما شريرتان. ونحن من ذواتنا لا نستطيع أن نقهر الشهوات والعادات الشريرة التي تحاول السيطرة علينا. ولا نستطيع أن نقهر العدو الجبار الذي يستأسرنا. ولكن يهوه وحده يستطيع أن يمنحنا النصرة. وهو يريدنا أن نتحكم في نفوسنا, في أرادتنا وطرقنا. ولكنّه لا يستطيع أن يعمل فينا بدون رضانا وتعاوننا. فروح يهوه يعمل عن طريق الكفاءات والقوى المعطاة للإنسان. إنّ قوى نشاطنا مطلوبة لتتعاون مع يهوه.

والنصرة لا تنال بدون صلوات كثيرة حارة, وبدون إذلال النفس عند كل خطوة. ينبغي عدم إرغام أرادتنا على التعاون مع القوى الإلهية, ولكن يجب إخضاعها طواعية واختيارا. فلو كان من الممكن أن يفرض عليك روح يهوه بقوة تزيد مئة ضعف في شدتها فهذا لا يمكن أن يجعلك مسيحياً, وواحدا من الرعايا المؤهلين للسماء. فمعقل الشيطان لا يسقط. يجب أن تقف الإرادة إلى جانب إرادة يهوه. إنّك من ذاتك لا تقدر أن تخضع مقاصدك ورغائبك وأميالك لإرادة يهوه, ولكن إذا كنت (( ترغب في أن تريد )) فيهوه سيتمم لك العمل, حتى نكون (( هادمين ظنونا وكل علو يرتفع ضد معرفة يهوه ومســتأسرين كل فكــر إلى طـاعة المسيا )) وحينئذ أنت ستتمم خلاصك (( بخوف ورعدة. لأنّ يهوه هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من اجل المسرة )) (2كورنثوس 10: 5؛ فيلبي 2: 12و13).

ولكنّ كثيرين يجتذبهم جمال المسيا ومجد السماء ممن يتراجعون أمام الشروط التي بموجبها وحدها يمكن لهذه الأشياء أن تكون لهم. هناك كثيرون في الطريق الواسع غير قانعين تماماً بالطريق الذي هم فيه سائرون. إنّهم يشتاقون إلى التحرر من عبودية الخطية, ويحاولون بقوتهم أن يقفوا ضد أعمالهم الشريرة. إنّهم يتطلعون ناحية الطريق الضيق والباب المكرب, ولكنّ المسرات النفسـانية ومحبـة العالم والكبرياء والطموح غير المقدس تقيم سدا منيعا بينهم وبين المخلص. إنّ نبذهم لإرادتهم وموضوع محبتهم أو مطالبهم المختارة يتطلب تضحية يترددون أمامها فيضطربون ويتراجعون. (( كثيرون سيطلبون أن يدخلوا ولا يقدرون )) (لوا 13: 24). إنّهم يشتاقون إلى الخير ويبذلون بعض المسعى عليه ولكنهم لا يختارونه, فليس عندهم العزم الثابت على إحرازه بتضحية كل شيء.

إنّ الأمل الوحيد لنا إذا أردنا أن ننتصر هو أن نجعل إرادتنا متحدة مع إرادة يهوه ونعمل متعاونين معه ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم. لا يمكننا الإبقاء على الذات ومع ذلك ندخل ملكوت يهوه . إذا نحن بلغنا القداسة فذلك يكون عن طريق نبذ الذات وقبول فكر المسيا. فيجب صلب الكبرياء وكفاية النفس. فهل نحن راضون عن دفع الثمن المطلوب منا؟ وهل نحن راغبون في جعل أرادتنا في حالة امتثال كامل لإرادة يهوه؟ فان لم نكن راغبين في ذلك فان نعمة يهوه المغيرّة لا يمكن أن تظهر فينا.

إنّ الحرب التي علينا أن نثيرها هي (( جهاد الإيمان الحسن )) قال بولس الرسول: (( أتعب أيضا مجاهداً بحسب عمله الذي يعمل فيَّ بقوة )) (كولوسي 1: 29).

إنّ يعقوب في أزمة حياته العظيمة انتحي جانبا ليصلّي. لقد كان ممتليء القلب بعزم واحد تسلط عليه – أن يطلب تغيير أخلاقه. ولكن فيما كان يجاهد مع يهوه وضع يهوه يده عليه (وكان يظنّه عدوا), وقد ظل طوال الليل يصارع لأجل حياته. ولكنّ عزم نفسه لم يتغيّر بسبب الخطر على حياته نفسها, وعندما كادت قوّته تفارقه أخرج الملاك قوّته الإلهية وعند لمسته عرف يعقوب ذاك الذي كان يتصارع معه. فإذ كان جريحا وعاجزا ارتمى على صدر المخلص متوسلا في طلب البركة. إنّه لم يرد أن يرجع أو ينزاح من الطريق ولا أن يكفّ عن تشفّعه. وقد منح المسيا هذه النفس العاجزة التائبة طلبها حسب وعده: (( ليتمسك بحصني فيصنع صلحاً معي. صلحا يصنع معي )). (إشعياء 27: 5). لقد توسل يعقوب بروح التصميم إذ قال: (( لا أطلقك أن لم تباركني )) (تكوين 32: 26). إنّ روح الإصرار هذه قد ألهمه بها ذاك الذي كان يصارع مع ذلك القديس. إنّه هو الذي منحه النصرة وهو الذي غير اسمه من يعقـوب إلى إسرائيل قائلا: (( لأنك جاهـدت مع يهوه والناس وقدرت )) (تكوين 32: 28). إنّ ما جاهد يعقوب باطلا في سبيل الحصول عليه بقوته قد ظفر به عن طريق تسليم الذات والإيمان الراسخ. (( هذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا )) (1يوحنا 5: 4).

(( احترزوا من الأنبياء الكذبة )) (متى 7: 15).

سيقوم معلمون كذبة ليجتذبوكم بعيدا عن الطريق الضيق والباب الضيق. فاحترسوا منهم, فمع انّهم يخفون أنفسهم في ثياب الحملان فهم في باطنهم ذئاب خاطفة. ويهوشوه يقدم اختباراً يمكن بواسطته التمييز بينهم وبين المعلمين الأمناء. فيقول: (( من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً؟ )) (متى 7: 16).

إنّه لا يطلب منا أن نختبرهم بخطبهم الجميلة أو اعترافاتهم السامية. ولكن يحكم عليهم بما ورد في كلمة يهوه. (( إلى الشريعة وإلى الشهادة. إنّ لم يقولوا مثل هذا القول فليس لهم فجر )) (( كف يا ابني عن استماع التعليم للضلالة عن كلام المعرفة )) (إشعياء 8: 20؛ أمثال 19: 27). ما هي الرسالة التي يأتينا بها هؤلاء المعلمون؟ هل تقودك إلى أن توقر يهوه وتخشاه؟ وهل ترشدك إلى أن تظهر محبتك له بولائك لوصاياه؟ إذا لم يشعر الناس بثقل الناموس الأدبي, واستخفوا بوصايا يهوه, ونقضوا إحدى وصاياه الصغرى وعلموا الناس هكذا فلن يكون لهم أيّ تقدير أمام السماء. نحن نعلم أنّ ادعاءاتهم هي بلا أساس. إنّهم يعملون نفس العمل الذي بدأ من سلطان الظلمة عدو يهوه.

ليس كل من يعترفون باسم المسيا ويلبسون شعاره هم له. قال يهوشوه أن كثيرين ممن قد علموا باسمي سيوجدون ناقصين في النهاية. (( كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا سيد يا سيد أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة. فحينئذ أصرح لهم أنّي لم أعرفكم قط اذهبوا عني يا فاعلي الإثم )) (متى 7: 22و23).

يوجد أناس يعتقدون انّهم على صواب في حين أنّهم على خطأ. ففي حين يدّعون أنّ المسيا سيدهم وباسمه يعملون أعمالا عظيمة علانية فانّهم فاعلوا الإثم. (( بأفواههم يظهرون أشواقا وقلبهم ذاهب وراء كسبهم )). ذاك الذي يعلن كلمة يهوه بالنسبة إليهم (( كشعر أشواق لجميل الصوت يحسن العزف فيسمعون كلامك ولا يعملون به )) (حزقيال 33: 31و32).

إنّ الإقرار المجرد بالتلمذة للمسيا هو بلا قيمة. إنّ الإيمان بالمسيا الذي يخلص النفس ليس هو كما يصوّره كثيرون. يقولون: (( آمنوا آمنوا, وحينئذ لن تكونوا بحاجة إلى حفظ الناموس )). ولكن الإيمان الذي لا يقود إلى الطاعة هو غطرسة. إنّ الرسول يوحنا يقول: (( من قال قد عرفته وهو لا يحفظ وصاياه فهو كاذب وليس الحق فيه )) (1يوحنا 2: 4). لا يحتفظ أحد بهذا الفكر وهو أنّ أعمال عناية خاصة أو إعلانات معجزية يجب أن تكون هي البرهان على حقيقة عملهم أو الآراء التي يدافعون عنها. فعندما يتكلم الناس باستخفاف عن كلمة يهوه ويضعون اقتناعاتهم ومشاعرهم وأعمالهم فوق المقياس الإلهي يمكننا أن نعرف أنّ لا نور فيهم.

إنّ الطاعة هي محكّ التلمذة. إنّ حفظ الوصايا هو الذي يبرهن على إخلاصنا في إقرارات محبتنا. فعندما تقتلُ العقيدة التي نقبلُها الخطيةَ التي في القلب وتطهرُ النفس من النجاسات والأدناس وتثمر للقداسة يمكننا أن نعرف أنّها حق يهوه. وعندما يظهر حب الخير والرفق والحنان والعطف في حياتنا, وعندما يكون في قلوبنا فرح عمل الصواب, وعندما نمجد المسيا لا الذات يمكننا أن نعرف أنّ إيماننا هو من النوع الحقيقي: (( بهذا نعرف أننا قد عرفناه إن حفظنا وصاياه )) (1يوحنا 2: 3).

(( لم يسقط لأنه كان مؤسسا على الصخر )) (متى 7: 25).

أحدثت أقوال المسيا تأثيرا عميقاً في الشعب, فلقد اجتذبهم جمال مباديء الحق الإلهي, ووقعت إنذارات المسيا الخطيرة على أسماعهم كصوت يهوه الفاحص القلوب. لقد ضرب كلامه أصول أفكارهم وآرائهم الماضية, فإنّ إطاعة تعليمه قد تتطلب تغييرا في عاداتهم في التفكير والعمل. وقد يجعلهم يصطدمون بمعلميهم الدينين لأنّه قد يتضمن هدم كل البناء الذي ظل المعلمون يبنونه مدى أجيال. لذلك فعندما استجابت قلوب الشعب لأقواله كان قليلون منهم مسـتعدين لقبولها على أنها دليل الحياة.

أنهى يهوشوه تعليمه على الجبل بشرحٍ قدّم بوضوح مفزع أهمية العمل بالأقوال التي نطق بها. وكان يوجد بين الجموع التي اجتمعت حول المخلص كثيرون ممن قضوا حياتهم عند بحر الجليل. فإذ جلسوا على سفح التل مصغين إلى كلام المسيا أمكنهم أن يروا الوديان والوهاد التي وجدت جداول الجبال طريقاً لنفسها فيها إلى البحر. هذه الجداول كانت تختفي في الصيف تماما تاركة المجاري التي تجري فيها جافة ومتربة. ولكن عندما كانت عواصف الشتاء تهب على التلال صارت الأنهار عنيفة وقوية, وكانت المياه الثائرة تغطي الوديان في بعض الأحيان وتكتسح كل شيء أمامها في فيضانها الذي لا يُقاوم. وحينئذ كانت الزرائب التي بناها الفلاحون في السهل الأخضر والتي كان يبدو أنّها بعيدة عن متناول الخطر تُكتسح هي أيضا في غالب الأحيان. ولكن كانت توجد في أعالي التلال بيوت مبنية على الصخر. وفي بعض أنحاء البلاد كانت توجد مساكن مبنية كلها من الصخر وكثير منها صمد أمام العواصف التي هبّت مدى ألف سنة. فهذه البيوت أقيمت بعد تعب ومشقة. ولم يكن الوصول إليها سهلا وكان موقعها أقل جاذبية من السهل المعشب. ولكنها كانت مؤسسة على الصخر وعبثا كانت تضربها الريح والنهر والعاصفة.

وقد قال يهوشوه إنّ الذي يقبل الكلام (( الذي كلمتكم به )) ويجعله أساس خلقه وحياته يشبه بناة هذه البيوت. وقد كتب إشعياء النبي قبل ذلك بقرون يقول: (( أمّا كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد )), وبعدما قيلت الموعظة على الجبل بوقت طويل إذ اقتبس بطرس كلمات إشعياء هذه أضاف قائلا: (( وهذه هي الكلمة التي بشّرتم بها )) (إشعياء 40: 8؛ 1بطرس 1: 25). إنّ كلمة يهوه هي الشيء الوحيد الثابت الذي يعرفه العالم. إنّها الأساس الراسخ. وقد قال يهوشوه: (( السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول )) (متى 24: 35).

إنّ المباديء العظيمة للشريعة, مباديء نفس طبيعة يهوه هي مجسمة في كلام المسيا الذي نطق به على الجبل. فالذي يبني على هذه الأقوال فإنما يبني على المسيا صخر الدهور. فنحن إذ نقبل الكلمة نقبل المسيا. والذين يقبلون كلامه هكذا إنما يبنون عليه: (( لا يستطيع أحد أن يضع أساسا آخر غير الذي وضع الذي هو يهوشوه المسيا )) (1كورنثوس 3: 11). (( لأنّ ليس إسمُُ آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص )) (أعمال الرسل 4: 12). فالمسيا, الكلمة, إعلان يهوه – مظهر صفاتَه وشريعتَه ومحبتَه وحياتَه – هو الأساس الوحيد الذي يمكننا أن نبني عليه خلُقا راسخاً.

إننا نبني على المسيا بإطاعتنا لكلمته. فليس الذي يستمتع بالبرّ هو البار بل من يصنع البرّ. إنّ القداسة ليست حالة من الشعور بالفرح المفرط, بل هي نتيجة تسليم الكل ليهوه, وهي عمل إرادة الآب السماوي. عندما نصبَ بنو إسرائيل خيامهم على حدود أرض الموعد لم يكن يكفيهم أن يعرفوا كنعان أو أن يتغنوا بتسابيح كنعان فهذا وحده لم يكن كافيا لأن يجعلهم يمتلكون الكروم وبساتين الزيتون في الأرض الجيدة. فقد كان يمكنهم أن يجعلوها ملكا لهم باحتلالهم إياها وبالامتثال للشروط وبممارسة الإيمان الحيّ بيهوه وبتطبيق مواعيده على أنفسهم عندما أطاعوا تعليماته.

إنّ الدين يتكون من العمل بكلام المسيا ليس العمل للحصول على رضاه وبركاته, ولكن بسبب كوننا عديمي الاستحقاق قد حصلنا على هبة محبته. إنّ المسيا يضع خلاص الإنسان لا على الاعتراف فحسب بل على الإيمان الذي يظهر في أعمال البرّ. إنّ العمل وليس الكلام فقط هو الذي يُطلب من أتباع المسيا. فالخلُق يُبنى بواسطة العمل. (( لأن كل الذين ينقادون بروح يهوه فأولئك هم أبناء يهوه )) (رومية 8: 14). فليس الذين قد لمس الروح قلوبهم, ولا الذين من حين لآخر يخضعون لسلطانه, ولكن الذين ينقادون بروح يهوه هم أبناء يهوه.

فهل تشتاق لأن تكون تلميذا للمسيا ومع ذلك لا تعرف كيف تبدأ؟ هل أنت في ظلمة ولا تعرف أين تجد النور؟ اتبع النور الذي عندك. ثبّت قلبك على إطاعة ما تعرفه من كلام يهوه. فقوّتهُ وحياتُه ذاتها تكمن في كلمته.فإذ تقبل الكلمة بإيمان فستعطيك قوة على الطاعة. وإذ تنتبه إلى النور الذي عندك.ثبت قلبك على إطاعة ما تعرفه من كلام يهوه. فقوته وحياته ذاتها تكمن في كلمته. فإذ تقبل الكلمة بإيمان فستعطيك قوة على الطاعة. وإذ تنتبه إلى النور الذي عندك يأتيك نور اعظم, فأنت تبني على كلمة يهوه وأخلاقك ستُبنى على مثال أخلاق المسيا.

إنّ المسيا، الأساس الحقيقي, هو حجر حيّ. وحياته تُعطى لكل من يبنون عليه. (( كونوا انتم أيضا مبنيين كحجارة حية بيتا روحيا )) (( الذي فيه كل البناء مركبا معا ينمو هيكلا مقدسا في يهوه )) (1بطرس 2: 5؛ افسس 2: 21).إنّ الأحجار تصير واحدا مع الأساس لأنّ حياة مشتركة تسكن في الجميع. فلا يمكن لأية عاصفة أن تهدم ذلك البناء – لأنّ (( من يتحد مع يهوه في حياته سيصمد معه لكل النوازل )).

ولكن كل بناء يُبنى على أساس آخر غير كلمة يهوه سيسقط. فالذي يبني على أساس الأفكار والآراء البشرية كما كان اليهود يفعلون في عهد المسيا إذ كانوا يبنون على الطقوس والفرائض التي هي من ابتكار الإنسان. إنّ الذي يَبنى على أي من الأعمال التي يعملها مستقلا عن نعمة المسيا فإنّما يقيم بناء أخلاقه على الرمال السائبة. فعواصف التجارب العنيفة ستكتسح الأساس المبني على الرمل وتترك بيته حطاما على شواطيء الزمن.

(( لذلك هكذا يقول السيد يهوه ... وأجعل الحق خيطا والعدل مطمارا فيخطف البرَدُ ملجأ الكذب ويجرف الماء الستارة )) (إشعياء 28: 16و17).

ولكن الرحمة تتوسل إلى الخاطيء اليوم: (( حيّ أنا يقول السيد يهوه أنّي لا أسرّ بموت الشرير بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا. إرجعوا إرجعوا عن طرقكم الرديئة فلماذا تموتون؟ )) (حزقيال 33: 11). إنّ الصوت الذي يخاطب غير التائبين اليوم هو صوت ذاك الذي في عذاب قلبه الشديد صرخ وهو يرى المدينة التي أحبها قائلا:(( يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها. كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. هوذا بيتكم يترك لكم خرابا )) (لوقا 13: 34و35). وقد رأى يهوشوه في أورشليم رمزا للعالم الذي قد رفض نعمته وازدرى بها. لقد كان يبكي لأجلكَ أيها الإنسان العنيد القلب! وكان يمكن لأورشليم أن تتوب حتى عندما سكب يهوشوه دموعه على الجبل وكـان يمكنها أن تنـجو من دينـونتها. وقد ظلـت هبـة السـماء وقتا قصيرا تنتظر أن تُقبل. وهكذا لا يزال المسيا يخاطبك أيها القلب بكلام المحبة قائلا: (( هأنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي )) (( هوذا الآن وقت مقبول. هوذا الآن يوم خلاص )) (رؤيا 3: 20؛ 2كورنثوس 6:2).

أنت يا من يستند رجاؤك على الذات أنت تبني على الرمل. ولكن لم يمضِ الوقت بعد لتنجو من الهلاك الوشيك. فقبلما تثور العاصفة اهرب إلى الأساس الراسخ (( لذلك هكــذا يقـول السيد يهوه هأنذا أؤسّس في صهيون حجــراً حجــرَ امتحــانٍ حجــرَ زاويــةٍ كريما أسـاسـا مؤسسـا مَن آمنَ لا يهـرب )) (( التفتوا إليَّ واخلصوا يا جميع أقاصي الأرض لأنّي أنا يهوه وليس آخر )) (إشعياء 28: 16؛ 45: 22). ((  لا تخف لأني معك . لا تتلفت لأني إلهك. قد أيدتك وأعنتك وعضدتك بيمين برّي )) (( لا تُخزون ولا تخجلون إلى دهور الأبد )) (إشعياء 41: 10؛ 45: 17).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
13
27
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
03
25
Calendar App