4. الدَّافِع الحَقيـقي إلى الخِدمَة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

(( احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم )) (متى 6: 1).

إن كلام المسيا الذي نطق به فوق الجبل كان تعبيرا عن تعليم حياته غير المنطوق به والذي أخفق الشعب في إدراكه. فإنّهم لم يستطيعوا أن يفهموا كيف أنّه وهو الذي له مثل تلك القوة العظيمة أهمل استخدامها في إحراز ما اعتبروه كالخير الأعظم. فروحهم وبواعثهم ووسائلهم كانت على عكس روحه وبواعثه ووسائله. ففي حين كانوا يَّدعون أنّهم غيورون جداً على كرامة الشريعة, ,فإنّ تمجيد الذات كان هو الغرض الحقيقي الذي كانوا يسعون إليه, وقد أراد المسيا أن يوضّح لهم أنّ من يحب نفسه هو متعدٍ على الشريعة.

ولكنّ المباديء التي يعتنقها الفريسيون هي نفس صفات البشرية في كل عصر. فالروح الفرّيسية هي روح الطبيعة البشرية, وإذ أبان المخلص الفرق بين روحه ووسائله وبين روح المعلمين ووسائلهم فان تعليمه ينطبق على الناس في كل عصر بالتساوي.

كان الفريسيون في عهد المسيا يحاولون باستمرار أن يظفروا برضى السماء حتى يحصلوا على الكرامة والنجاح العالميين اللذين اعتبروهما أجرا للفضيلة. وفي نفس الوقت كانوا يتباهون بحسناتهم وصدقاتهم أمام الناس ليجتذبوا انتباههم ويحصلوا على سمعة طيبة للقداسة.

ولكن المسيا وبخهم على تلك المباهاة معلنا أن يهوه لا يعترف بمثل تلك الخدمة وأن إطراء الناس وإعجابهم اللذين كانوا يطلبونهما بكل شوق ولهفة كانا هما الأجر الوحيد الذي سيحصلون عليه.

فقد قال: (( متى صنعت صدقة فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك ولكي تكون صدقتك في الخفـاء. فأبـوك الذي يري في الخفـاء هو يجـازيك علانية )) (متى 6: 3و4).

ولكن يهوشوه لم يعلّم بهذا الكلام. إنّ أعمال الإحسان والرحمة يجب أن تظل أبدا في الخفاء. فإن بولس الرسول وهو يكتب بالهام الروح القدس لم يُخفِ سخاء المسيحيين في مكدونية وإنكارهم لنفوسهم بل أخبر عن النعمة التي أوجدها المسيا فيهم, وهكذا أُشرب آخرون بنفس الروح. وقد كتب أيضا إلى كنيسة كورنثوس يقول: (( غيرتكم قد حرضت الأكثرين )) (2كورنثوس 9: 2).

وكلام المسيا يجعل معناه واضحا وصريحا – إنّه في أعمال الخير ينبغي ألاّ يكون الهدف هو الظفر بمديح الناس أو تمجيدهم. إنّ التقوى الحقيقية لا تدفع صاحبها لأن يسعى وراء التظاهر أو المفاخرة. فالذين يشتاقون إلى سماع كلام المديح أو المداهنة ويقتاتون به كخبز لذيذ هم مسيحيون بالاسم فقط.

إنّ أتباع المسيا يجب عليهم بأعمالهم الصالحة أن يمجّدوا, لا أنفسهم, بل ذاك الذي قد عملوا تلك الأعمال بنعمته وقوته. إنّ كل عمل صالح يعمل بقوة الروح القدس, والروح يُعطى لا ليمجد الآخذ بل المعطي. فعندما يشرق نور المسيا في النفس فالشفاه تمتليء حمدا وشكرا ليهوه. إنّ صلواتكم وإتمامكم لواجبكم وإحساناتكم وإنكاركم لذواتكم لن تكون موضوع تفكيركم أو أحاديثكم. فيهوشوه سيتعظم والذات تختفي والمسيا سيظهر على أنه الكل في الكل.

وعلينا أن نعطي بإخلاص لا لكي نعرض أعمالنا الصالحة, بل لنكن مدفوعين بدافع العطف والحب علي المتألمين. إن خلوص القصد وإشفاق القلب الحقيقي هو الباعث الذي تقدره السماء. والنفس المخلصة في محبتها والموحدة في تكريسها وتعبدها يعتبرها يهوه اثمن من ذهب أوفير.

وينبغي ألاّ نفكر في الأجر, بل في الخدمة, ومع ذلك فأعمال الشفقة التي تُري في هذه الروح لن تعدم جزاءها. (( أبوك الذي يري في الخفاء هو يجازيك علانية )) (متى 6: 4). وفي حين أنّه حق أنّ يهوه نفسه هو الأجر العظيم الذي يشمل كل أجر آخر فإنّ النفس تقبله وتتمتع به بقدر ما تتشبّه به في الصفات. إنّ القرين هو وحده الذي يستطيع أن يقدّر قرينه, فإذ نسلم نفوسنا ليهوه لخدمة الإنسانية فهو يعطينا نفسه.

كلّ من يعطي مجالا في قلبه وحياته لنهر بركة يهوه لتجري وتفيض على الآخرين لابدّ أن يحصل في نفسه على أجر عظيم. إنّ سفوح التلال والسهول التي تعدّ قناة تجري فيها الجداول المنحدرة من الجبال لتصل إلى البحر لا تصيبها في ذلك خسارة. فما تقدمه يعوّض لها عنه بمئة ضعف. لأن النهر الذي يجري مترنما في طريقه يترك خلفه هبة من الخضرة والنباتات والخصب. العشب النامي على ضفتيه هو أعظم نضرة واخضرارا, والأشجار تكسوها الأوراق الخضراء, والأزهار تزداد عددا وجمالا. فعندما تكون الأرض مقفرة وسوداء تحت حرارة الصيف المحرقة فإنّ خطّاً من الخضرة يحدّد مسار النهر، والسهل الذي فتح حضنه لحمل كنز الجبل (مياه النهر, والسهل الذي فتح حضنه لحمل كنز (مياه النهر) إلى البحر يكتسي بالنضـرة والجمـال – وهذه شهادة عن التعويض الذي تقدمه نعمة يهوه لكل من يسلمون ذواتهم كقناة تجرى فيها إلى العالم ).

هذه هي البركة التي ينالها من يظهرون الرحمة للفقراء. يقول إشعياء النبي:((  أليس أن تكسر للجائع خبزك وأن تدخل المساكين والتائهين إلى بيتك. إذا رأيت عريانا أن تكسوه وأن لا تتغاضى عن لحمك. حينئذ ينفجر مثل الصبح نورك وتنبت صحتك سريعا ... ويقودك السيد على الدوام ويشبع في الجدوب نفسك ... فتصير كجنة ريا وكنبع مياه لا تنقطع مياهه )) (إشعياء 58: 7- 11).

إنّ عمل الإحسان له بركة مضـاعفة. ففي حين أن من يعطي الفقراء يبارك الآخرين فإنه هو نفسه يحصل على بركة أعظم. إنّ نعمة المسيا تربّي في النفس صفات خلقية على عكس الأثرة – صفات تنقي الحياة وتشرفها وتغنيها. وإن أعمال الإحسان التي تُقدَّمُ في الخفاء تربط القلوب معا وتقربها جدّا من قلب ذاك الذي منه تنبعث كل خالجة كريمة. إنّ أعمال الخير الصغيرة وأعمال المحبة والتضحية التي تفيض من الحياة بهدوء كالرائحة العطرة التي تفوح من الزهرة – هذه تكون نصيباً كبيرا من بركات الحياة وسعادتها. وسيُرى أخيرا أنّ إنكار الذات لأجل خير الآخرين وإسعادهم مهما يكن وضيعا ولا يمتدحه أحد في هذا العالم يعترف به في السماء كعلامة اتحادنا بملك المجد الذي من أجلنا افتقر وهو الغني.

إنّ أعمال الرحمة قد تعمل في الخفاء ولكنّ نتائجها على أخلاق من يقوم بها لا يمكن إخفاؤها. فإذا كنا نخدم بكل القلب وباهتمام عظيم كتابعين للمسيا فان القلب يكون في حــالة تجــاوب وثيق مع يهوه, وأذ يرفّ روح يهوه على نفوسنا فهو يستجلب انسجام النفس المقدسة استجابة للّمسة الإلهية.

إنّ من يقدم وزنات كثيرة لمن قد احسنوا استخدام الوزنات المسلّمة لهم يسرّه أن يعترف بخدمة شعبه المؤمن بالحبيب الذي قد عملوا بنعمته وقوته. إنّ من قد اجتهدوا في تحسين الخلُق المسيحي وإكماله باستخدام قواهم في الأعمال الصالحة سيحصدون ما قد زرعوه في العالم الآتي. فالعمل الذي بُديء به على الأرض سيبلغ حد الكمال في تلك الحياة الأسمي والأقدس ليبقى مدي دهور الأبد.

(( ومتي صليت فلا تكن كالمرائين )) (متى 6: 5).

كانت للفريسيين ساعات محددة للصلاة, وعندما كان ينفق أن يكونوا في الخارج في وقت الصلاة المحددة كما كان يحدث كثيرا, كانوا يتوقفون عن السير والحركة كما كان يحدث كثيراً, كانوا يتوقفون عن السير والحركة أينما يوجدون – ربما في شارع أو في سوق في وسط جموع الرجال المسرعين في سيرهم – وهناك كانوا يتلون صلواتِهم الطقسية بأصوات عالية. فمثل هذه العبادة التي كانت تُقدّم  لمجرد تمجيد الذات استوجبت توبيخ يهوشوه الصارم. ولكنّه مع ذلك لم يعترض على الصلاة الجهارية,  فقد صلّى هو نفسه مع تلاميذه وفي حضور التلاميذ. ولكنه يعلمنا أنّ الصلاة الانفرادية ينبغي ألاّ تصير جهارية. ففي عبادتنا السرّية ينبغي ألاّ يسمع صلاتنا أحد غير يهوه سامع الصلاة. فينبغي ألاّ تسمع أذن متطفلة إلى مثل تلك الابتهالات.

(( متى صليت فادخل إلى مخدعك )) (متى 6:6). ليكن لك مكان للصلاة السرية. لقد كانت ليهوشوه أماكن مختارة للشركة مع يهوه, وهذا ما يجب أن نفعله نحن. إنّنا نحتاج إلى الاعتكاف كثيرا في بقعة ما, مهما تكن حقيرة. حيث يمكننا أن ننفرد مع يهوه.

(( صل إلى أبيك الذي في الخفاء )). يمكننا أن نمثل في حضرة يهوه باسم يهوشوه بثقة الأطفال. ولا حاجة بنا إلى إنسان ليقوم بدور الوسيط. فعن طريق يهوشوه يمكننا أن نفتح قلوبنا ليهوه كمن يعرفنا ويحبّنا.

ففي مخدع الصلاة حيث لا يمكن أن ترانا عينُُ غيرَ عين يهوه, أو تسمعنا أذنُُ غير أذنه يمكننا أن نسكب اعمق رغائبنا وأشواقنا أمام أبى الرأفة السرمدية, وفي هدوء النفس وسكونها فذلك الصوت الذي لا يخفق أبدا في الاستجابة لصرخة البشرية سيكلّم قلوبنا.

 (( يهوه كثير الرحمة ورؤوف )) (يعقوب 5: 11). إنّه ينظر بمحبة لا تكلّ ليسمع اعتراف العصاة الضالين ويقبل توبتهم. إنّه يراقب منتظرا أن يسمع منا اعترافا بالشكر كما تراقب الأمُّ في انتظار ابتسامة الرضى والاعتراف بالجميل من ابنها الحبيب.وهو يريدنا أن نفهم بأية غيرة ورقّة ولطف يشتاق قلبه إلينا. وهو يدعونا لأن نأخذ تجاربنا إلى عطفه وآلامنا وأحزاننا إلى حبّه وجروحنا إلى شفائه وضعفنا إلى قوته وفراغنا إلى ملئه. ولم يخِبْ قطُّ رجاءُ أيّ إنسان أتى إليه: (( نظروا إليه واستناروا ووجوههم لم تخجل )) (مزمور 34: 5).

إنّ من يطلبون يهوه في الخفاء ويخبرونه بحاجاتهم ويتوسّلون إليه في طلب العون لن يتوسلوا عبثاً: (( أبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية )). فإذ نجعل المسيا رفيقنا كل يوم فسنحسّ أنّ قوى العالم غير المنظور تحدق بنا. وإذ نشخص إلى يهوشوه نصير مشابهين لصورته. حين ننظر إليه نتغيّر. فالخلق يتهذب ويتنقّى ويتسامى ليصير أهلا لملكوت السموات. والنتيجة الأكيدة لمعاشرتنا وشركتنا مع سيّدنا ستكون زيادة التقوى فينا والطهارة والغيرة. وسيزيد ذكـاؤنا في الصلاة. فإنّنا نتلقّى تهـذيبا إلهيا وهذا نجــد له تفسيرا في حياة الاجتهاد والغيرة.

إنّ النفس التي تتجه إلى يهوه في طلب العون والإسناد والقوة بواسطة الصلاة الحارة كل يوم ستحصل على أشواق نبيلة وإدراك واضح للحق والواجب ومقاصد سامية للعمل وجوع وعطش دائم إلى البرّ. وإذ نحتفظ بصلتنا بيهوه نصبح قادرين على أن نفيضَ على الآخرين من النور والسلام والطمأنينة التي تمتلك قلوبنا, وذلك عن طريق معاشرتنا لهم. إنّ القوّة التي نحصل عليها بالصلاة ليهوه متّحدة ببذل الجهد في مثابرةٍ لتهذيب العقل على التفكير والحرص تعدّ الإنسان للواجبات اليومية وتحفظ الروح في سلام وهدوء في كل الظروف.

فإذا اقتربنا إلى يهوه فهو سيضع في أفواهنا كلاما نقوله لأجله وتسبيحا لاسمه. وسيعلّمنا نغمة من ترانيم الملائكة, وشكرا لأبينا السماوي. وفي كل عمل من أعمال الحياة سيظهر نور المخلص الساكن فينا ومحبته. والاضطرابات الخارجية لا يمكنها أن تعكّر حياة الإيمان بابن يهوه.

(( وحينما تصلون لا تكرروا الكلام باطلا كالأمم )) (متى 6: 7).

كان الوثنيّون ينظرون إلى صلواتهم على أنّ فيها استحقاقا في ذاتها للتكفير عن الخطية. ولهذا فكلّما طالت الصلاة كلّما عظم الاستحقاق. فإذا أمكنهم أن يصيروا قديسين بجهودهم الذاتية فسيكون في داخلهم ما يفرحهم, وسيكون لديهم أساس للافتخار. إنّ هذا الرأي عن الصلاة هو نتيجة مبدأ التكفير الذاتي الذي هو أساس كلّ نظم الديانة الكاذبة. وقد كان الفريسيون يعتنقون هذا الرأي الوثني عن الصلاة, وهو مبدأ لم يستأصل بعد في أيامنا هذه, حتى بين من يعترفون بالمسيحية. فتكرار عبارات معينة اعتادها الناس في حين لا يحسّ القلب بحاجته إلى يهوه هو من نفس نوع التكرار (( الباطل )) الذي تمارسه الأمم.

ليست الصلاة تكفيرا عن الخطية, إذ لا توجد فيها أيّة قوّة أو استحقاق في حدّ ذاتها , فكل الأقوال المنمّقة التي تحت تصرّفنا لا تساوي رغبة مقدسة واحدة. إنّ أفصح الصلوات إن هي إلاّ أقوال عاطلة إذا كانت لا تعبّر عن عواطف القلب الصادقة. ولكنّ الصلاة الخارجة من قلب غيور عندما يعبر الإنسان عن الحاجات البسيطة لنفسه كما عندما نطلب من صديق أرضي إسداء معروف لنا في انتظار إجابته – هذه هي صلاة الإيمان. إنّ يهوه لا يرغب في تحياتنا الطقسية, بل يرغب في سماع صرخة القلب المنسحق والمتذلّل لشعوره بخطيته وضعفه التام, هذه تجد طريقها إلى أبي المراحم.

(( ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين )) (متى 6: 16).

أن الصوم الذي تتطلبه كلمة يهوه هو شيء اعظم من أن يكون طقسيا. فهو لا ينحصر في مجرّد الإقلاع عن تناول الطعام, ولبس المسوح وذر الرماد على الرأس. فالذي يصوم وهو حزين حزنا حقيقيا على الخطية لن يميل إلى التظاهر.

إنّ قصد الصوم الذي يطلب منّا يهوه أن نحفظه ليس هو تعذيب الجسد لأجل خطيّة النفس بل هو مساعدتنا على رؤية شناعة الخطية, واتضاع القلب وتذللـه أمام يهوه وقبول نعمته الغافرة . وقد كان أمرُه لإسرائيل هو هذا: (( مزقوا قلوبكم لا ثيابكم وارجعوا إلى يهوه إلهكم )) (يوئيل 2: 13).

ولن يجدينا نفعا كوننا نعاقب أنفسنا أو نتملّقها بفكرة كوننا بأعمالنا سنستحق أو نشترى ميراثا بين القديسين. إنّ المسيا عندما وُجّه إليه هذا السؤال: (( ماذا نفعل حتى نعمل أعمال يهوه )) أجاب قائلاً: (( هذا هو عمل يهوه أن تؤمنوا بالذي هو أرسله )) (يوحنا 6: 28و29). إنّ التوبة هي الانصراف عن الذات إلى المسيا, وعندما نقبل المسيا بحيث انّه بالإيمان يمكنه أن يحيا حياته بنا فستظهر أعمالنا الحسنة.

وقد قال يهوشوه: (( متى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك لكي لا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفاء )) (متى 6: 17و18). فكل ما يعمل لأجل مجد يهوه يجب أن يعملَ بفرحٍ لا بحزنٍ أو كآبة. لا يوجد شيء كئيب في ديانة يهوشوه, فإذا كان المسيحيون يقنعون الآخرين بواسطة هيئة الحزن التي تبدو عليهم أنّ آمالهم في سّيدهم قد خابت فهم يشوّهون صفاتِه ويضعون حججا في أفواه أعدائه. فمع أنّهم يَّدعون بكلامهم أنّ يهوه أبوهم فإنّهم بالكآبة والحزن يبدون في نظر العالم كاليتامى.

إن المسيا يريدنا أن نجعل خدمتَه تبدو جذّابة كما هي في الحقيقة. علينا أن نكشف عن أفكارنا لذواتنا وتجارب قلوبنا الخفية للمخلص الرحيم. اتركوا أثقالكم تحت الصلـيب وسيروا في طريقكم فرحين متهللين بمحبة من قـد سـبق فأحبكم. قد لا يعرف النـاس أبدا العمـل الذي يحـدث سـراً بين النفـس ويهوه, ولكن نتيجـة عمل الـروح في القلـب ستظهر للجميـع, لأن ((  الذي يري في الخفاء يجازيك علانية )) (متى 6: 18).

(( لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض )) (متى 6: 19).

الكنز الذي يكنز على الأرض لا يدوم. فالسارقون ينقبون ويسرقون, والسوس والصدأ يفسدان, والنار والعواصف تكتسح مقتنياتكم. و(( حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضا )) (متى 6: 21). إنّ الكنز الذي يكنز على الأرض يحتكر العقل فيحرم الإنسان من الأمور السماوية.
كانت محبة المال هي الشهوة المتحكمة في القلوب في العصر اليهودي. لقد اغتصبت محبة العالم مكان يهوه والدين في النفس. وكذلك الحال في هذه الأيام, فالطمع الشحيح في طلب الثروة يوقع على الحياة تأثيراً خلابا ساحرا فينتج عن ذلك إفساد الشرف وكرم أخلاق الناس حتى يغرقوا في هــــوة الهــــــلاك والــردى. إنّ خـدمة الشــيطان مليئة بالهـمّ والحيرة والشــغل المضني, والكنز الذي يكدّ الناس ويتعبون في سبيل جمعه وتكويمه إنّما هو إلى حين.

قال يهوشوه: (( اكنزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون. لأن حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضا )) (متى 6: 20و21).

إنّ الوصية المقدمة لكم هي هذه: (( اكنزوا لكم كنوزا في السماء )). إنّه لأجل مصلحتكم أن تحرزوا غنى السماء. فهذا الغني وحده دون كل شيء آخر تملكونه هو ملككم حقّا. والكنز الذي يكنز في السماء هو الذي لا يفنى. فلا النار ولا الطوفان يستطيع ملاشاته, ولا يمكن للسارق أن يسرقه ولا للسوس أو الصدأ أن يفسدَه لأنّه تحت حفظ يهوه وحراسته.

هذا الكنز الذي هو في اعتبار المسيا أثمن من كل تقدير هو (( غنى مجد ميراثه في القديسين )) (أفسس 1: 18). إنّ تلاميذ المسيا يُدعون جواهره وكنزه الثمين الخاص. إنّه يقول عنهم: يكونون (( كحجارة التاج )) (زكريا 9: 16). (( وأجعل الرجـــل أعــزّ من الذهب الابريز والإنســان أعـزّ من ذهب أوفير )) (إشعياء 13: 12). والمسيا ينظر شعبه في طهارتهم وكمالهم كأنّهم أجرته عن كل آلامه واتضاعه وحبه وتكملة مجده – المسيا المركز العظيم الذي منه يتألّق كل المجد.

ثم إنّنا يسمح لنا بالاتحاد والاشتراك معه في عمل الفداء العظيم وبان نكون شركاءَه في الغنى الذي قد كسبه موتُه وآلامُه. وقد كتب بولس الرسول إلي المسيحيين في تسالونيكي يقول: (( لأنّ من هو رجاؤنا وفرحنا وإكليل افتخـارنا. أم لستم أنتم أيضا أمام سيدنا يهوشوه المسيا في مجيئه. لأنكم أنتم مجدنا وفرحنا )) (1تسـالونيكي 2: 19و20). هـذا هـو الكنز الـذي يأمــرنا المسيا أن نعمـل له. إنّ الخلُق هـو  حصـاد الحيـاة العظيم. وكل كلمة أو عمــل يضـرم في نفــس واحدة نزعــة تصبـو نحو الســماء بنعمـة المسيا وكـل مجهـود يؤول إلى تكـوين خلُقٍ مسـيحيّ هو اكتنــاز كنـوزنا في السماء.

حيث يكون الكنز فهناك يوجد القلب. ففي كل مسعى نبذله لإفادة الآخرين فإننا ننتفع به. فالذي يبذل مالا أو وقتا لنشر الإنجيل يجند مصلحته وصلواتِه للعمل ولأجل النفوس حتى يمكن الوصول إليها عن طريق ذلك العمل. إنّ عواطفه تصل إلى الآخرين وهو يتنشّط لمزيد من التكريس ليهوه حتى يكون قادرا على أن يصنع معهم خيرا أعظم.

وفي اليوم الأخير تتلاشى ثروة الأرض فالذي كنز كنوزه في السماء سـيرى ما قد كسـبته حياته. فإن كنا قد التفتنا إلى كلام المسيا فعندما نجتمع حول العرش العظيم الأبيض سنرى النفوس التي قد خلصت بواسطتنا وسنعرف أن واحداً قد خلّص آخرين, وهؤلاء خلصوا غيرهم – فقد وصل كثيرون إلى مينــاء الراحــة نتيجة لخـدماتنا, وهناك يطرحون أكاليـلــهم عند قدمي يهوشوه ويسبحونه مدي أجيال الأبد. فبأي فرح سيشاهد خادم المسيا هؤلاء المفديين الذين سيشاركون الفادي في مجـده! وكم ستكون الســماء عــزيزة لدى من كــانوا أمنــاء في عمل تخليص النفوس!

(( فإن كنتم قد قمتم مع المسيا فاطلبوا ما فوق حيث المسيا جالس عن يمين يهوه )) (كولوسي 3: 1).

(( إن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيراً )) (متى 6: 22).

إنّ تفرّد القصد أو بساطته, والتعبّد ليهوه من كل القلب هو الشرط الذي يشير إليه كلام المخلص. فليكن العزم مُخلصاً غير متردّد لمعرفة الحق وإطاعته مهما تكن الكلفة وحينئذ ستحصل على الإنارة الإلهية. إنّ التقوى الحقيقية تبدأ عندما ينتهي كل تواطؤ مع الخطية. وحينئذ تصير لغة القلب هي قول بولس الرسول: (( افعل شيئا واحداً إذ أنا أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام أسعى نحو الغرض لأجل جعالة دعوة يهوه العليا في المسيا يهوشوه )), (( إنّي أحسب كل شيء أيضا خسارة من أجل فضل معرفة المسيا يهوشوه سيدي الذي من أجله خسرت كل الأشياءِ وأنا أحسبها نفايةً لكي اربح المسيا )) (فيلبي 3: 13و14و8).

ولكن عندما تُعمي محبة الذات العينَ لا يوجد غير الظلام. (( إن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلما )) (متى 6: 23). هذه هي الظلمة المخيفة التي اكتنفت اليهود ولفّتهم في أكفان عدم الإيمان العنيد مما جعل من المستحيل عليهم أن يقدروا صفات ورسالة ذاك الذي قد جاء لكي يخلصهم من خطاياهم.

إنّ الاستسلام للتجربة يبدأ بأن تسمح للعقل بأن يتردّد وتكون غير ثابت في ثقتك بيهوه. فإذا كنّا لا نختار تسليم ذواتنا ليهوه بالتمام فإنّنا نكون حينئذ في الظلمة. فإن عملنا أيّ تحفظ فنحن إنّما نترك بابا مفتوحا يمكن للشيطان أن يدخل منه ليضلّنا بتجاربه. فهو يعرف أنّه إذا كان يظلم أبصارنا بحيث لا تستطيع عين الإيمان أن ترى يهوه فلن يكون هنالك أيّ حاجز يمنع الخطية.

إنّ تفشي الشهوة الخاطئة يبرهن على ضلال النفس . فكل إفراط في تلك الشهوة يقوّي ويزيد كراهية النفس ليهوه ونفورها منه. إنّنا إذ نسير في الطريق الذي قد اختاره الشيطان تكتنفنا أشباح الشرّ وظلامه وفي كل خطوة ننحدر إلى ظلمة أشدّ وأحلك وهذا يزيد من عمى القلب.

ونفس القانون يسري في العالم الروحي كما في العالم الطبيعي. فالذي يمكث في الظلمة يفقد أخيرا قوة الإبصار. إنّه يُحبس في ظلمة أشدّ ادلهمـامـاً من ظلـمة نصف الليـل. ونور الظـهيرة الباهر لا يأتيه بأيّ نور, فهو: (( في الظلمة يسلك ولا يعلم أين يمضي لأن الظلمة أعمت عينيه )) (1يوحنا 2: 11). إنّ الخاطيء بسبب إصراره على احتضان الشرّ واستخفافه بتوسّلات المحبة الإلهية في عناد يخسر حب الخير والاشتياق إلى يهوه ونفس المقدرة على قبول نور السماء. إنّ دعوة الرحمة لا تزال مفعمة بالمحبة. والنور لا يزال يضيء بلمعانه كما عندما بزغ على نفسه أول مّرة. ولكن الصوت يطرق آذانا صمّاء والنور يقع على عيون عمياء.

إنّ يهوه لا يهجر أيّ نفس هجرانا نهائياً ولا يسلم ذلك الإنسان إلى طرقه طالما هنالك أمل في خلاصه. (( فالإنسان يرتد عن يهوه, أمّا يهوه فلا يرتد عنه أو يتركه )). إنّ أبانا السماوي يتبعنا بتوسّلاته وإنذاراتِه وتأكيدات رحمته إلى أن تصير الفرص والامتيازات التي تُقدّم بعد ذلك عديمة الجدوى. فالمسؤولية تقع على الخاطيء. فهو إذ يقاوم روح يهوه اليوم إنّما يعدّ الطريق لمقاومة النور مرّة ثانية عندما يأتي بقوة اعظم. وهكذا يتقدّم من طور لآخر من أطوار المقاومة إلى أن يُمسي النور عديم التأثير في النهاية ويكفّ هو عن الاستجابة لروح يهوه بأيّ قدر. وحينئذ فحتى(( النور الذي فيك )) يصير ظلاماً. فنفس الحق الذي نعرفه يصير مفسدا ومحرقا بحيث يزيد من عمى النفس.

(( لا يقدر أحد أن يخدم سيدين )) (متى 6: 24).

إنّ المسيا لا يقول إنّ الإنسان لن يخدم أو لا يخدم سيدين, بل إنّه لا يقدر على ذلك. فلا يوجد اتحاد أو تجاوب بين مصالح يهوه ومصالح المال. ففي الموضع الذي فيه ينذر ضمير المسيحي صاحبَه بأن يحتمل وينكر نفسه ويتوقف. في ذلك الموضع نفسه يسير الرجل الدنيوي لينغمس في امياله الأنانية. فعلى الجانب الواحد من الطريق يوجد تابع المسيا المنكر لذاته, وعلى الجانب الآخر يوجد الإنسان المحب للعالم المنغمس في شهواته المنقاد إلى العرف ومقتضيات الموضة والمنغمس في الطياشة والذي يريد أن يشبع نفسه بالملذات المحرمة. ولكنّ المسيحي لا يستطيع أن يسير في ذلك الطريق.

ولا يمكن لإنسان أن يقف موقف الحياد, إذ لا يوجد فريق متوسط لا يحب يهوه ولا يخدم عدّو البرّ. يجب أن يعيش المسيا في قلوب تابعيه من الناس ويشتغل بواسطة قواهم ومواهبهم ويعمل بواسطة إمكانياتهم. فيجب أن تخضع إرادتهم لإرادته, وعليهم أن يعملوا بروحه. ففيما بعد لا يحيون هم بل المسيا يحيا فيهم. فالذي لا يسلم نفسه بالتمام ليهوه هو تحت سيادة أخرى, ويصغي لصوت آخر مقترحاتُه من نوع آخر يختلف اختلافاً بيّنا. إنّ الخدمة النصف منُجزَة تجعل صاحبها يناصر العدو كحليف ناجح لجيوش الظلمة. فعندما يرتبط من يدّعون انّهم جنود المسيا بحلف الشيطان ويتعاونون معه فهم يبرهنون انّهم أعداء المسيا. إنهم يخونون الودائع المقدسة. ويكونون حلقة اتصال بين الشيطان والجنود الحقيقيين بحيث أنّه عن طريق هؤلاء الأعوان يعمل العدو باستمرار على سرقة قلوب جنود المسيا.

إنّ أقوى معاقل الرذيلة في عالمنا ليست هي حياة الإثم التي يحياها الخاطيء الخليع أو الطريد المنحط, ولكنها تلك الحياة التي تبدو فاضلة وشريفة ونبيلة ولكنّ فيها تتربّي خطية واحدة وينغمس فيها الإنسان في خطية واحدة. فالنفس التي تكافح في الخفاء ضدّ تجربة هائلة وتقف مرتعدة مترنحة على حافة الهوة يكون هذا المثال من أقوي الإغراءات لها لترتكب الخطية. فذاك الذي مع انّه مزوّد بآراء سامية عن الحياة والحق والكرامة ومع ذلك يتعدّى وصية واحدة من وصايا شريعة يهوه المقدسة في إصرار وعناد فقد أفسد وشوّه مواهبه النبيلة فجعل منها طعما للخطية. فالعبقرية والمواهب والعطف وحتى أعمال السخاء والرفق قد تُمسي خدعا وغوايات شيطانية لاجتذاب نفوس أخرى إلى هاوية الهلاك في هذه الحياة والحياة الآتية.

(( لا تحبّوا العالم ولا الأشياء التي في العالم. إنّ أحبّ أحد العالم فليست فيه محبة الآب. لأنّ كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة ليس من الآب بل من العالم )) (1يوحنا 2: 15و16).

(( لا تهتموا (لا تقلقوا) )) (متى 6: 25).

إنّ من قد منحك الحياة يعرف حاجتك إلى الطعام لإعالتها. والذي خلق الجسد ليس غافـلاً عن حاجتك إلى اللبس. فهل ذاك الذي قد منح العطية الأعظم لا يمنح أيضا ما يحتاج إليه لجعلها كاملة.

إنّ يهوشوه وجه أنظار سامعيه إلى الطيور وهي تغرد أغاريد الحمد وهي غير مرتبكة بأفكار الهموم, لأنها (( لا تزرع ولا تحصد )) ومع ذلك فالآب العظيم يدبر لها كل احتياجاتها. وهو يسأل قائلا: (( ألستم أنتم بالحري أفضل منها )) (متى 6: 36).

(( انه لا يسقط عصفور بدون رعايته ولاتنحني نفس منسحقة إلا ويعرف يهوشوه ذلك لأنه معنا في كل مكان ويراقـب كـل دمعة حزن تنسكب وهو لن ولـن ولن يترك النفــس التي تثق به أبـداً )).

كانت سفوح التلال والحقول مزدانة بالأزهار, فإذ أشار يهوشوه إليها في نضرة الصباح الندية قال: (( تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو )) (متى 6: 28). يمكن تقليد أشكال النباتات والزهور الجميلة وألوانها البديعة بواسطة المهارة البشرية, ولكن أية لمسة يمكنها أن تمنح الحياة لزهرة واحدة أو ورقة واحدة من أوراق النبات؟ إنّ كل زهرة نابتة بجانب الطريق مدينة بكيانها لنفس القوة التي نظمت عوالم الأفلاك في علياء السماء. ففي كل الخلائق تهتز وتختلج نبضة الحياة الواحدة من قلب يهوه العظيم. فهو بيده قد ألبس زنابق الحقل حللا أغلى وأبهى من كل ما ازدانت به أجسام ملوك الأرض, (( فـإن كان عشب الحقل الذي يوجد في التنور يلبسه يهوه هكذا أفليس بالحري جدا يلبسكم انتم يا قليلي الإيمان؟ )) (متى 6: 30).

فالـذي خلـق الأزهـار وعلمَّ العصفـور أغنيته يقول: (( تأملوا زنابق الحقل )) (( انظروا إلى طيور السماء )). يمكنك أن تتعلم من جمال أشياء الطبيعة شيئاً أكثر عن حكمة يهوه مما يستطيع أن يعرفه أساتذة المدارس. ولقد كتب يهوه على أوراق الزنبقة رسالة لك – وهي مكتوبة بلغة يمكن لقلبك أن يقرأها على قدر ما ينسى ويجهل دروس الشكّ والأنانية والهم المُضني. لماذا أعطاك الطيور المغردة والأزهار اللطيفة إلاّ من فيض محبة قلب الآب لكي ينير ويبهج طريقك في الحياة. إنّ كل ما كان لازماً للوجود كان يمكن أن يكون لك بدون الأزهار والأطيار, ولكن يهوه لم يقنع بإمدادك بما يلزم لمجرد الوجود. لقد ملأ الأرض والهواء والجو بلمحات من الجمال ليخبرك عن تفكيره الحبّي فيك. إنّ جمال كل الخلائق إن هو إلاّ شعاعة من مجده المتألق. فإن كان قد أغدق مثل هذا الحذق على أشياء الطبيعة لأجل إسعادك وفرحك فهل تشكّ في انّه سيمنحك كل بركة تحتاجها؟

(( تأملوا زنابق الحقل )). إنّ كل زهرة تفتح براعمها لإشراقة الشمس إنمّا تطيع نفس النواميس العظيمة التي تهدي الكواكب, وما أبسط وأجمل وأحلى حياتها! فبواسطة الأزهار يريد يهوه أن يوجّه انتباهنا إلى جمال الخلق المسيحي. إنّ من قد أعطى للأزهار مثل هذا الجمال يريد بالأحرى أن تكتسي النفس بجماله صفات المسيا.

يقول المسيا: تأمّلوا الزنابق كيف تنمو, كيف أن النباتات وهي تخرج من الأرض الباردة المظلمة أو من الطين الذي يوجد في قاع النهر تتفتح عن جمال وأريج. من يحلم بإمكانيات الجمال في بصلات الزنبقة الخشنة الداكنة الاحمرار؟ ولكن عندما تتفتح الحياة التي خبأها يهوه فيها عند ندائه في المطر ونور الشمس يتعجب الناس من منظر بهائها وجمالها. وهكذا ستتفتّح حياة يهوه في كل نفس بشرية تسلم ذاتها لخدمة نعمته التي وهي مجانية كالمطر ونور الشمس تجيء ببركتها للجميع. إنّ كلمة يهوه هي التي تخلق الزهور, ونفس هذه الكلمة ستخلق فيك فضائل روحه.

إنّ ناموس يهوه هو ناموس المحبة. لقد أحاطك بالجمال لكي يعلمك إنّك لم توضع على الأرض لتتعب لأجل الذات فقط وتحفر وتبني وتكدّ وتغزل بل لتجعل الحياة المشرقة ومفرحة وجميلة بمحبة المسيا – كالزهور, لتفرح حياة أناسٍ آخرين بخدمة المحبة.

أيّها الآباء والأمهات اجعلوا أولادكم يتعلمون من الزنابق والزهور. خذوهم معكم إلى الحدائق والحقول وتحت الأشجار المورقة وعلموهم أن يقرأوا في الطبيعة رسالة محبة يهوه. وليرتبط ويقترن الفكر عنه بالأطيار والأزهار والأشجار. ارشدوا أولادكم لأن يروا في كل شيء مفرح وجميل تعبيرا عن محبة يهوه لهم. امتدحوا دينكم لهم بلطفه وحسنه. وليكن ناموس اللطف على شفاهكم.

علّموا الأولاد انّه بسبب محبة يهوه العظيمة يمكن أن تتغيّر طبائعهم وتصير على وفاق مع طبيعته. علموهم انّه يريد أن تكون حياتهم جميلة بجمال الأزهار. علموهم وهم يقطفون الأزهار الجميلة إنّ ذاك الذي خلق الأزهار هو أجمل منها. وهكذا تلتف خراعيب قلوبهم حوله. إنّ ذاك الذي (( كله مشتهيات )) سيصير رفيقـهم اليومي وصديقهم الحميم, فتتغير حياتهم إلي صورة طهارته.

(( اطلبوا أولا ملكوت يهوه )) (متى 6: 33).

كان الناس الذين أصغوا إلى أقوال المسيا ينتظرون بشوق أن يسمعوا إعلانا عن الملكوت الأرضي. فإذ كان يهوشوه يفتح لهم كنوز السماء كان أهم وأسمي سؤال يتردّد في أذهان غالبية الناس هو هذا: كيف يمكن أن ارتباطنا به يحقق آمالنا وانتظارنا في العالم؟ ويهوشوه يبيّن أنّه إذ يجعلون أمور العالم مطلبهم الأسمى وغاية اهتمامهم فهم يشبهون الأمم الوثنية حولهم الذين يعيشـون كما لو لم يكن هناك إله يرعى خلائقه باهتمام رقيق.

قال يهوشوه: (( هذه كلها تطلبها أمم العالم )). (( لأن أباكم السماوي يعلم أنّكم تحتاجون إلى هذه كلها. ولكن اطلبوا أولا ملكوت يهوه وبرّه وهذه كلها تزاد لكم )) (لوقا 12: 30؛ متي 6: 32و33). لقد جئت لأفتح لكم ملكوت المحبة والبرّ والسلام. فافتحوا قلوبكم لقبول هذا الملكوت واجعلوا خدمته موضوع اهتمامكم الأسمى. فمع انّه ملكوت روحي فلا تخافوا من أن احتياجاتِكم في هذه الحياة لن تَلقى اهتماماً. فإن كرّستم نفوسكم لخدمة يهوه فذاك الذي له كل سلطانٍ في السماء وعلى الأرض سيدّبر كل أعوازكم.

إنّ يهوشوه لا يعفينا من وجوب بذل الجهد, إلاّ أنّه يعلمنا أن نجعله الأول والآخر والأفضل في كل شيء, فينبغي ألاّ ننشغل في أي عمل أو نسعى وراء أي مطلب أو نطلب أيّ  لذة أو متعة يمكن أن تعيق عمل برّه في خلقنا وحياتنا. فكل ما نعمله لنعمله من القلب كما للسيد.

إنّ يهوشوه حين كان عائشا على الأرض عظّم الحياة بكل تفاصيلها بكونه جعل مجد يهوه نصب عيون الناس دائما. وبكونه اخضع كلّ شيء لإرادة أبيه. فإذا اتبعنا مثاله فهو يؤكّد لنا انّه فيما يختص بكل شؤون هذه الحياة الضرورية (( هذه كلّها تزاد لنا )). فالفقر أو الغنى, المرض أو الصحة, البساطة أو الحكمة – هذه كلها قد حسب حسابها في وعد نعمته.

إنّ ذراع يهوه السـرمدية تحيط بالنفس التي تتجه إليه في طلب العون مهما تكون تلك النفس واهنة وضعيفة . إنّ نفائس الجبال ستغني أما النفس التي تحيا ليهوه فستسكن معه. (( العالم يمضي وشهوته وأما الذي يصنع مشيئة يهوه فيثبت إلى الأبد )) (1يوحنا 2: 17). إنّ مدينة يهوه ستفتح أبوابها الذهبية لقبول من قد تعلم وهو على الأرض أن يستند على يهوه لأجل الإرشاد والحكمة, لأجل العزاء والرجاء في وسط الخسائر والبلايا. وسترحّب به أغاني الملائكة للدخول إلى هناك وستقدم له شجرة الحياة ثمرها. (( فإن الجبال تزول والآكام تتزعزع أما إحساني فلا يزول عنك وعهد سلامي لا يتزعزع قال راحمك يهوه )) (إشعياء 54: 10).

(( فلا تهتموا للغد ... يكفي اليوم شره )) (متى 6: 34).

إنّك إن كنت قد سلمت نفسك ليهوه لتعمل عمله فلا حاجة بك لأن تهتم بالغد. فذاك الذي أنت خادمه يعرف النهاية من البداية. فأحداث الغد التي هي مخفية عن عينيك مكشوفة لعيني ذاك القادر على كلّ شيء.

فعندما نضع في أيدينا أمر تدبير الأشياء المتصلة بنا ونعتمد علي حكمتنا لضمان النجاح فنحن نتحمل عبئاً لم يضعه يهوه علينا ونحاول أن نحمله بدون معونته. إنّنا نضطلع بمسؤولية هي من خصائص يهوه, وهكذا نحن في الحقيقة نضع أنفسنا في مكانه. وفي هذه الحالة يحسن بنا أن نهتم ونتوقع الخطر والخسارة لأن هذا لابدّ من أن يصيبنا. ولكن عندما نؤمن حقا أن يهوه يحبنا ويقصد أن يحسن إلينا فسنكفّ عن القلق بالنسبة إلى المستقبل. وسنثق بيهوه كما يثق طفل بأبيه المحب. وحينئذ تختفي اضطراباتنا وعذاباتنا لأن إرادتنا تُبتلع في إرادة يهوه.

إن المسيا لم يقدم لنا وعدا بالعون ونحن نحمل اليوم أعباء الغد. لقد قال : (( تكفيك نعمتي )) (2كورنثوس 12: 9) , ولكن نعمته تُعطى كل يوم لأجل حاجة اليوم كما كان يعطي المنّ في البرية. فكما كانت جموع العبرانيين في حياة اغترابهم يمكننا أن نحصل على خبز السماء لسد حاجة كل يوم, صباحا بعد صباح.

إنّ لنا يوما واحدا فقط, وفي هذا اليوم يجب أن نعيش ليهوه. ولأجل هذا اليوم الواحد علينا أن نضع في يد المسيا, في الخدمة المقدسة, كل مقاصدنا وتدبيراتنا, ملقين كل همنا عليه لأنه هو يعتني بنا. (( لأني عرفت الأفكار التي أنا مفتكر بها عنكم يقول يهوه أفكار سلام لا شرّ لأعطيكم آخرة ورجاء )) (إرميا 29: 11). (( بالرجوع والسكون تخلصون بالهدوء والطمأنينة تكون قوتكم )) (إشعياء 30: 15).

فإن طلبت السيد ورجعت إليه كل يوم, وإن كنت بمحض اختيارك الروحي تتحرر وتفرح بيهوه, وإذا كنت برضى القلب الفرح, واستجابة لدعوته الرحيمة تأتي حاملا نير المسيا – نير الطاعة والخدمة – فإنّ كل تذمراتك ستهدأ وتسكن وكل مشاكلك ستزول, وكل معضلاتك المربكة التي تواجهك الآن ستُحلّ.

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
13
25
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
03
23
Calendar App