3. رُوحَانيــَّة الشريعَة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

(( ما جئت لأنقض بل لأكمّل )) (متى 5: 17).

إنّ المسيا هو الذي أعلن الشريعة وأذاعها من فوق جبل سيناء من وسط الرعد والنار. وقد استقرّ مجد يهوه على قمة الجبل كنار آكلة وارتجف الجبل من حضرة السيد. وإذ انطرحت جموع إسرائيل على الأرض استمعوا بخوف إلى وصايا الشريعة المقدسة. ولكن كم كان الفرق شاسعا بين ذلك المنظر والمنظر الآخر الذي شوهد فوق جبل التطويبات! إذ تحت سماء الصيف حين لم يكن ما يشوش السكون غير غناء الطيور أفضى يهوشوه بمباديء ملكوته. ومع ذلك فان من كان يكلّم الشعب في ذلك اليوم بكلام المحبة كان يكشف لهم عن مباديء الشريعة التي أُذيعت على جبل سيناء.

عندما أُعطيت الشريعة فإنّ العبرانيين إذ كانوا قد انحطّوا من طول عبوديتهم في مصر كان يجب أن يقتنعوا بقدرة يهوه وجلاله. ومع ذلك فقد أعلن نفسه لهم كإله المحبة كذلك:

(( جــاء يهوه من سيناء وأشرق لهـم من سعير وتلألأ من جبــل فاران وأتى من ربوات القدس وعـن يمـينــه نــار شــريعة لــهـم فأحب الشعب جمــيع قديســيه في يـدك وهــم جالســون عنـد قدمــك يتقبلـون من أقـوالك )) (تثنية 33: 2 و 3).

لقد أعلن يهوه مجده لموسى في تلك الأقوال العجيبة التي كانت هي الكنز الذي توارثته الأجيال: (( يهوه يهوه اله رحيم ورؤوف بطيء الغضب وكثير الإحسان والوفاء حافظ الإحسان إلى ألوف غافر الإثم والمعصية والخطية )) (خروج 34: 6 و 7).

كانت الشريعة المعطاة على جبل سيناء إعلانا لمبدأ المحبة, وإعلانا للأرض عن شريعة السماء. لقد رسمت على يد وسيط - نطق بها ذاك الذي كان يمكن لقوته أن تجعل قلوب الناس في حالة توافق مع مبادئها. وقد أعلن يهوه غاية الشريعة عندما أعلن قائلا للعبرانيين: (( تكونون لي أناسا مقدسين )) (خروج 22: 31).

ولكن بني إسرائيل لم يدركوا طبيعة الشريعة الروحية, وفى أغلب الأحيان كان اعترافهم بالطاعة مجرّد حفظ فرائض وطقوس وليس تسليم القلب لسلطان المحبة. وعندما صوّر يهوشوه, في صفاته وعمله للناس, صفات يهوه القدوسة المحسنة الأبوية وأبان لهم تفاهة الطاعة الطقسية المجرّدة لم يقبل رؤساء اليهود أقواله ولا فهموها. وظنّوا أنّه لم يتكلّم إلاّ قليلا جدا عن مطاليب الشريعة. وعندما بسط أمامهم نفس الحقائق التي كانت روح خدمتهم المعّينة من يهوه, فإذ كانوا ينظرون إلى ما هو سطحي فقط اتهموه بمحاولة هدمها.

إنّ أقوال المسيا وإن يكن قد نطق بها بهدوء فقد تكلّم بها بغيرة وقوة أثارت قلوب الشعب وأيقظتها. لقد أصغوا إلى تقاليد المعلّمين وفرائضهم العديمة الحياة ولكن عبثا. فقد بهتوا (( من تعليمه لأنّه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة )) (متى 7: 29). ولاحظ الفريسيون الفرق الشاسع بين طريقتهم في التعليم وطريقة المسيا. وقد رأوا أنّ جلال الحق وطهارته وجماله بتأثيره العميق اللطيف قد سيطر على عقول كثيرة. إنّ محبة المخلص ورقته الإلهية اجتذبتا إليه قلوب الناس. ورأى المعلمون أنه بسبب تعليمه صار مضمون كل التعليم الذي قدموه للشعب عديم القيمة وكالعدم. لقد كان ينقض حائط السياج الذي ظل طويلا يتملق كبرياءهم وانطواءهم, وباتوا يخشون انّه لو تُرك وشأنُه فسيجتذبُ الشعبَ كله فينفضُون من حولهم. ولذلك فقد تعقّبوه بعداوة صارمة لا تلين لعلّهم يجدون مجالا ليوقعوا الجفاء بينه وبين الجماهير وهذا يساعد رجال السنهدريم على تحقيق إدانته وموته.

وفيما كان يهوشوه على الجبل كان الجواسيس يراقبونه مراقبة دقيقة, وإذ كان ينطق بمباديء البرّ رتّب الفريسيون أن يتهامس الناس فيما بينهم بأنّ تعليمه مناقض للوصايا التي قد أعطاها يهوه من سيناء. إنّ المخلص لم يقل شيئا ليزعزع الإيمان بالديانة والتشريعات التي أُعطيت على لسان موسى, لأنّ كل قبس من النور الإلهي الذي أبلغه قائد إسرائيل العظيم لشعبه كان قد تسلّمه من المسيا. وإذ كان كثيرون يفكرون في قلوبهم قائلين إنّه قد جاء ليبطل الناموس، أعلن يهوشوه بكلامٍ لا يخطيء عن موقفه حيال الشرائع الإلهية قائلا: (( لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء )) (متى 5: 17).

إنّ خالق البشر ومعطي الشريعة هو الذي يعلن أنّه لا يقصد أن يلقي وصاياها جانبا. فكلّ ما في الطبيعة من الذرّة الصغيرة التي ترَى في نور الشمس إلى العوالم العليا خاضع لناموس. وعلى الطاعة لهذه النواميس يتوقف النظام والانسجام في العالم الطبيعي. وكذلك توجد مباديء عظيمة للبرّ لتتسلط على حياة كلّ الخلائق العاقلة, وعلى الامتثال لهذه المباديء تتوقّف سعادة الكون. فقبلما صارت هذه الأرض في عالم الوجود كانت شريعة يهوه موجودة. إنّ الملائكة خاضعون لمبادئها, فلكي تكون الأرض في حالة انسجامٍ مع السماء يجب على الإنسان أيضا أن يطيع وصايا يهوه. إنّ المسيا قد عرّف الإنسان وهو في عدن وصايا الشريعة (( عندما ترنمت كواكب الصبح معا وهتف جميع بنى يهوه ))(أيوب 38: 7). وخدمة المسيا على الأرض لم يكن القصد منها نقض الناموس, بل قصد بنعمته أن يعيد الإنسان إلى حالة الطاعة لوصاياه.

إنّ التلميذ الحبيب الذي أصغى إلى أقوال يهوشوه على الجبل إذ كتب بعد ذلك بوقت طويل, بوحي الروح القدس, تحدّث عن الشريعة على أنّ لها حقّا دائما. قال: (( الخطية هي التعدي )) على الناموس. وإنّ (( كل من يفعل الخطية يفعل التعدي أيضا )) (1 يوحنا 3: 4). وهو يوضح أنّ الشريعة التي يشير إليها هي (( وصية قديمة كانت عندكم من البدء )) (1 يوحنا 2: 7). فهـو يتحـــدث عن الشــريعة التي كــانت عند بدء الخليقــة وردّدت على جبل سيناء.

إنّ يهوشوه وهو يتكلم عن الشريعة قال: (( ما جئت لأنقض بل لأكمل )). وقد استعمل هنا كلمة (( يكمّل )) بنفس المعنى الذي قصده عندما أعلن ليوحنا المعمدان قصدَه في أن (( نكمّل كل برّ )) (متى 3: 15) أي يملأ مكيال مطاليب الشريعة ليقدّم قدوة للطاعة والامتثال الكامل لإرادة يهوه.

كانت خدمته أن (( يعظم الشريعة ويكرمها )) (إشعياء 42: 21). كان لابد له من أن يبين طبيعة الشريعة الروحية ويقدم مبادئها البعيدة المدى ويوضح حقوقها الأبدية.

إنّ الجمال الإلهي لصفات المسيا الذي لم يكن أنبل الناس وأرقهم حاشـية إلاّ انعكـاسـا باهتا له. والذي كتب عنه سليمان بروح الإلهام يقول إنّه (( معلم بين ربوة... كله مشتهيات )) (نشيد الأنشاد 5: 10 - 16). والذي إذ رآه داود في رؤيا نبـوية قال: (( أنت أبرع جمالا من بنى البشر )) (مزمور 45: 2), يهوشوه الذي هو الصورة الواضحة لذات الآب, وبهاء مجده, الفادي المنكر لذاته, طوال مدة اغتراب محبته على الأرض كان صورة حيّة لصفة شريعة يهوه. ففي حياته بدا واضحا أنّ المحبة التي هي ابنة السماء والمباديء المسيحية تكمن تحت شرائع الاستقامة الأبدية.

قال يهوشوه: (( إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل )) (متى 5: 18). إنّ المسيا بإطاعته للشريعة شهد لطبيعتها الثابتة التي لا يعتريها تغيير, كما برهن على أنّه في مقدور كل ابنٍ وابنةٍ من بني آدم إطاعتها طاعة كاملة بنعمته. وقد أعلن وهو على الجبل أنه ينبغي ألاّ تسقط نقطة واحدة أو حرف واحد حتى يتمّ الكل. كل ما يهم الجنس البشري وكل ما له علاقة بتدبير الفداء. إنّه لم يعلمنا أنّ الناموس سيُلغى نهائياً ولكنه يثبت بصره على أقصى دائرة أفق الإنسان ويؤكد لنا أنه حتى يمكن الوصول إلى هذا الحد سيظل الناموس محتفظاً بسلطانه, حتى لا يظن أحد أن رسالته هي أن يلغي وصايا الناموس. فطالما بقيت السماء والأرض فستبقى مباديء شريعة يهوه. إنّ عدله سيظل ثابتا وباقيا (( مثل جبال يهوه )) (مزمور 36: 6) تبعا للبركة تفيض ينابيعه لتحيي الأرض.

فلكون ناموس يهوه كاملا ولذلك هو غير متغيّر يستحيل على البشر الخطاة أن يتمموا مقياس مطاليبه. فهذا هو السبب الذي لأجله جاء يهوشوه فاديا لنا. إنّ خدمته كانت انه إذ يجعل بني الإنسان شركاء الطبيعة الإلهية يجعلهم في حالة توافق مع مباديء شريعة السماء. فعندما نترك خطايانا ونقبل المسيا مخلصا لنا فالشريعة تتعظم وتتمجد. وها هو بولس الرسول يسأل قائلا: (( أفنبطل الناموس بالإيمان حاشا بل نثبت الناموس )) (رومية 3: 31).

إنّ وعد العهد الجديد هو هذا: (( اجعل نواميسي في قلوبهم واكتبها في أذهانهم )) (عبرانيين 10: 16). ففي حين كان لابد أن يزول ويُلغى نظام الرموز التي كانت تشير إلى المسيا كحمل يهوه الذي يرفع خطية العالم, عند موته, فمباديء البرّ المجسمة في الوصايا العشر ثابتة كثبات العرش الأزلي. فلم ينسخ أمر واحد ولا تغير حرف واحد أو نقطة واحدة. فتلك المباديء التي صارت معروفة لدى الإنسان في الفردوس على أنها قانون الحياة العظيم ستظل باقية بلا تبديل في الفردوس المستردّ. وعندما تزدهر جنة عدن على الأرض من جديد فكل من تحت الشمس سيطيعون شريعة يهوه التي هي شريعة المحبة.

(( إلى الأبد يا يهوه كلمتك مثبتة في السموات )). (( كل وصاياه أمينة. ثابتة مدى الدهر والأبد مصنوعة بالحق والاستقامة )). (( منذ زمان عرفت من شهاداتك أنّك إلى الدهر أسستها )) (مزمور 119: 89؛ 111: 7 و 8؛ 119: 152).

(( فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلَّم الناس هكذا يُدعى أصغر في ملكوت السموات )) (متى 5: 19).

أي أنه لن يكون له مكان فيه. لأن من ينقض وصية واحدة في إصرار لا يحفظ أياً منهن بالروح والحق (( لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة فقد صار مجرماً في الكل )) (يعقوب 2: 10).

إنّ ما يحدد الخطية ليس هو جسامة عمل العصيان بل هو مخالفة ومناقضة إرادة يهوه الصريحة في أقل تفاصيلها, لان هذا يبرهن على أنه لا تزال توجد شركة بين النفس والخطية. فالقلب منقسم وموزع في خدمته. فيوجد إنكار فعلي ليهوه وعصيان على شرائع حكمه.

لو كانت للناس الحرية لأن يبتعدوا عن مطاليب السيد ويقيموا لأنفسهم مقياسا للواجب, لكان يوجد تباين في المقاييس لتوافق العقول المتباينة وكانت عصا الملك تُغتصب من يدي السيد. وكانت إرادة الإنسان هي الإرادة العليا, وكانت إرادة يهوه السامية المقدسة ـ قصد محبته نحو خلائقه ـ تحتقر ويستهان بها.

إن الناس كلما اختاروا طريقهم الذاتية فانهم يقفون من يهوه موقف الخصومة والنزاع, ولن يكون لهم مكان في ملكوت السموات لأنهم في حالة حرب مع مباديء السماء نفسها. فإذ يستهينون بإرادة يهوه فهم ينضوون تحت راية الشيطان عدو يهوه والإنسان. إنّ الإنسان يحيا لا بكلمة واحدة ولا بكلام كثير بل بكل كلمة يتكلم بها يهوه. فلا يمكننا أن نغفل كلمة واحدة مهما يبدو لنا أنها تافهة ونكون في أمان. فلا توجد وصية واحدة في الناموس ليست لخير الإنسان وسعادته في هذه الحياة وفي الحياة العتيدة أيضاً. إنّ الإنسان إذ يطيع شريعة يهوه يحاط كما بسياج ويحفظ من الشرّ. فالذي ينقض هذا السياج الذي قد أقامه يهوه في أمرٍ واحدٍ فقد عطل قوّته عن حمايته, لأنه قد فتح طريقا يمكن للعدو أن يدخل منه فيفسد ويهلك.

إنّ أبوينا الأولين إذ تجاسرا على الاستهانة بإرادة يهوه في أمرِ واحدٍ فتحا أبواب طوفان الشقاء على العالم. وكلُّ إنسان يتمثل بهما سيحصد نفس الحصاد المرير. إنّ محبة يهوه تكمن تحت كل وصية من وصايا شريعته فالذي يبتعد عن الوصية إنما يجلب على نفسه الشقاء والهلاك.

(( أن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين فلن تدخلوا ملكوت السموات )) (متى 5: 20).

إنّ الكتبة والفريسيين لم يكتفوا باتهام المسيا وحده بإهمال طقوس التلمود وفرائضه بل اتهموا تلاميذه أيضا كخطاة بسبب ذلك الإهمال. وكثيرا ما تحيرّ التلاميذ واضطربوا بسبب اللوم والاتهام اللذين صدرا من الذين كانوا قد اعتادوا أن يوقروهم كمعلميهم الدينيين. وقد فضح يهوشوه هذا الخداع, فأعلن أنّ الـبرّ الذي يعــتزّ به الفريسـيون إلى أبعد الحدود كان تافها لا قيمة له. كانت الأمة اليهودية قد ادّعت أنّها الشعب الخاص والمنعم عليه من يهوه, ولكن المسيا صور دينهم على أنه خالٍ من الإيمان المخلِّص. فكل ادعاءاتهم للتقوى والمبتكرات والطقوس البشرية, وحتى إتمامهم لمطاليب الناموس الخارجية الذي كانوا يفاخرون به, لم تكن جوهرية ولا عملية في جعلهم قديسين. إنّهم لم يكونوا أنقياء القلب ولا شرفاء ولا شبيهين بالمسيا في خلقهم.الدين الشرعي القانوني غير كاف لجعل النفس في حالة توافق مع يهوه, إنّ صحة المعتقد الذي كان يتمسك به الفريسيون في عنف وصرامة الخالي من الانسحاق والرقة والمحبة لم يكن أكثر من حجر صدمة للخطاة. فكانوا يشبهون ملحا بلا ملوحة لأنّ تأثيرهم لم يكن ذا قوة لحفظ العالم من الفساد. إنّ الإيمان الوحيد الصحيح هو (( العامل بالمحبة )) (غلاطية 5: 6) لتطهير النفس. فهو يشبه الخميرة التي تغير الخلق.

كان يجب أن يتعلّم اليهود كل هذا من تعاليم الأنبياء. فقبل ذلك بقرون جهرت صرخة النفس بصوتها في طلب التبرير عند يهوه ووجدت لها جوابا في أقوال ميخا النبي حين قال: (( بـمّ أتقدّم إلى يهوه وأنحني للإله العليّ. هل أتقدّم بمحرقات بعجول أبناء سنة. هل يُسرُّ يهوه بألوف الكباش بربوات أنهار زيت... قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح وماذا يطلبه منك يهوه إلاّ أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعاً مع إلهك )) (ميخا 6: 6 ـ 8).

ولقد أشار هوشع النبي إلى نفس جوهر الفرّيسية حين قال: (( إسرائيل جفنة ممتدة يخرج ثمرا لنفسه )) (هوشع 10: 1). إنّ اليهود وهم يعترفون بأنهم يخدمون يهوه كانوا في الواقع يخدمون أنفسهم. وكان برّهم ثمرة جهودهم الخاصة لحفظ الناموس بحسب آرائهم ولأجل منفعتهم الذاتية. ولهذا لم يصيروا أفضل مما كانوا. وفى محاولتهم أن يجعلوا أنفسهم قديسين كانوا يجتهدون في أن يخرجوا الطاهر من النجس. إنّ شريعة يهوه مقدسة كما أنّه هو قدوس وناموسه كامل كما أنه هو كامل. وهو يقدم للناس برّ يهوه. وأنّه لمن المستحيل على الإنسان أن يحفظ الناموس من تلقاء نفسه لأنّ طبيعة الإنسان فاسدة ومشوّهة, وتخالف صفات يهوه كل المخالفة. إنّ أعمال القلب الأناني (( كنجس )) و (( كثوب عدّة كل أعمال برّنا )) (إشعياء 64: 6).

وحيث أنّ الشريعة مقدسة فإنّ اليهود قد قصروا دون بلوغ البرّ بجهودهم لحفظ الشريعة. أمّا تلاميذ المسيا فيجب أن يحصلوا على برّ من نوع يختلف عن برّ الفريسيين إذا أرادوا دخول ملكوت السموات. لقد قدّم لهم يهوه في ابنه برّ الناموس الكامل. فإن فتحوا قلوبهم على سعتها لقبول المسيا فإن نفس حياة يهوه ومحبته تسكنان فيهم وتغيّرانهم ليصيروا على شبه صورته, وهكذا فعن طريق هبة يهوه المجانية يمكنهم امتلاك البرّ الذي يطلبه الناموس. أمّا الفريسيون فقد رفضوا المسيا (( إذ كانوا يجهلون برّ يهوه ويطلبون أن يثبتوا برّ أنفسهم )) (رومية 10: 3) فلم يخضعوا لبرّ يهوه.

ثم تقدم يهوشوه ليري سامعيه معنى حفظ وصايا يهوه ـ وانه طبع صفات المسيا فيهم. لان يهوه كان يعلن نفسه فيه أمامهم كل يوم.

(( كل من يغضب على أخيه باطـلا يكون مستوجب الحكـم )) (متى 5: 22).

لقد تكلم السيد على لسان موسى قائلا: (( لا تبغض أخاك في قلبك ... لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك بل تحب قريبك كنفسك )) (لاويين 19: 17 و 18). والحقائق التي قدمها المسيا كانت هي نفس ما علم به الأنبياء, ولكنها أمست غامضة بسبب قساوة القلب ومحبة الخطية.

وقد كشفت أقوال المخلص لأذهان سامعيه هذه الحقيقة وهي أنّهم وهم يدينون الآخرين كمتعدّين كانوا هم أنفسهم مذنبين مثلهم سواء بسواء لأنهم كانوا يضمرون في أنفسهم الضغينة والكراهية.

كانت بلاد باشان عبر البحر من المكان الذي كانوا مجتمعين فيه, وكانت إقليما منعزلا كانت ممرّاته الضيقة الموحشة بين الجبال ملاذا مناسبا يلجأ إليه المجرمون من كل الأوصاف. وكانت أخبار السلب والقتل التي ارتُكبت هناك لا تزال مائلة في أذهان الشعب وكثيرون كانوا متحمسين في فضح أولئك الأشرار. ولكن في نفس الوقت كانوا هم أنفسهم شديدي الغضب ومتخاصمين, وكانوا يضمرون أشدّ الكراهية لمضطهديهم الرومان, وأحسّوا أن لهم الحرية في أن يبغضوا كلّ الشعوب الأخرى ويحتقروهم, بل حتى مواطنيهم الذين لم يوافقوهم في كل شيء من آرائهم. وفي كل هذا كانوا ينقضون الشريعة القائلة:(( لا تقتل )).

إنّ روح الكراهية والانتقام منشأها الشيطان, وقد قاده ذلك إلى أن يقتل ابن يهوه. فكل من يضمر الضغينة أو القسوة إنّما يضمر نفس تلك الروح, وثماره للموت. إنّ العمل الشرير يكمن في فكرة الانتقام, كما يكمن النبات في البذرة. (( كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس. وأنتم تعلمون أن كل قاتل نفس ليس له حياة أبدية ثابتة فيه )) (1 يوحنا 3: 15).

(( من قال لأخيه رقا (أيها الفتى المغرور) يكون مستوجب المجمع )) (متى 5: 22) إنّ يهوه إذ بذل ابنه لأجل فدائنا برهن لنا على مقدار القيمة العظيمة التي بها يقدّر كل نفس بشرية, وهو لا يبيح لأيّ إنسان أن يتكلم باحتقار عن أيّ إنسان آخر. لابدّ أنّنا نرى في من حولنا أخطاءَ وضعفاتٍ ولكن يهوه يعتبر كل نفس مُلكَه الخاص ـ مُلكَه بحقّ الخلق وملكَه بحقّ مضاعف حيث قد اشتُريَتْ بدم المسيا الثمين. لقد خلق الجميع على صورته, وحتى أحطّ الناس يجب معاملـتهم بالاحـترام والـرقّة. إنّ يهوه سيعـتبرنا مسؤولين حتى عن الكلـمة التي نطقـنا بها باحتقار لنفس واحـدة وضـع المسيا حياته لأجلها.

(( من يميزك وأي شيء لك لم تأخذه وان كنت قد أخذت فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ )) (1 كورنثوس 4: 7). (( من أنت الذي تدين عبد غيرك هو لمولاه يثبت أو يسقط )) (رومية 14: 4).

(( ومن قــال يا أحمق يكون مسـتوجب نار جهنم )) (متى 5: 22). إن كلمة (( أحمق )) استعملت في العهد القديم لتشير إلى إنسان مرتدّ أو من قد انغمس في الشرّ. ويهوشوه يقول إنّ من يدين أخاه كمرتد أو محتقر ليهوه يبرهن على أنّه هو نفسه مستحق لنفس الدينونة.

والمسيا نفسه إذ كان يخاصم الشيطان محاجّاً عن جسد موسى (( لم يجسر أن يورد حكم افتراء )) (يهوذا 9). فلو فعل هذا لجعل نفسه في مستوى الشيطان, لأنّ التشكّي أو الاتهـام هو من بين أسلحـة الشــرير. فالكتاب يدعوه بأنه (( المشتكي على أخوتنا )) (رؤيا 12: 10). ويهوشوه لم يُرِدُ أن يستخدم أيّ ســلاح من أسلحــة الشــيطان بل واجهـه بالقـول: (( لينتهرك يهوه )) (يهوذا 9).

وهو مثـَلُنا في ذلك. فعندما نشتبك في حرب أو خصام مع أعداء المسيا فينبغي ألاّ نقـول شيئا بروح الانتقـام أو ما يبدو أنّه اتهـام أو تعيير. فالذي يقف كليما ليهوه ينبغي ألاّ ينطق بكـلام لم يُرِد حتى مـلكُ السماءِ أن يقوله وهو يتخـاصم مع الشـيطان. بل علينا أن نترك أمر الحكم والإدانة ليهوه.

(( اصطلح مع أخيك )) (متى 5: 24).

إنّ محبة يهوه هي شيء أعظم من أن تكون أمرا سلبيا, فهي مبدأُُ إيجابيُُّ نشيطُُ فعّال, وينبوعُُ حيُّ يفيض دائما ليبارك الآخـرين. فإن كانت محــبة المسيا تسـكن فينا فلن نُضمِر أيّ عداء لإخوتنا بل نجتهد بكل وسيلة في إظهار المحبة لهم.

قال يهوشوه: (( إنّ قدمت قربانا إلى المذبح وهناك تذكّرت أنّ لأخيك شيئا عليك فاترك هناك قربانـك قدّام المذبح واذهب أولا اصطلح مع أخيك وحينئذ تعال وقدم قربانك )) (متى 5: 23 و 24). إنّ الذبائح الكفارية كانت تُعبّر عن الإيمان في أنه بواسطة المسيا قد صار مقدمها شريكا في رحمة يهوه ومحبته. أمّا كون الإنسان يعبّر عن إيمانه بمحبة يهوه الغافرة في حين أنه يُضمِرُ روح الجفاء فهذا يكون مجرد خداع.

فعندما يقوم إنسان معترف بأنه يخدم يهوه فيظلم أخاه أو يوقع به ضررا فهو يشوّه صفات يهوه في نظر ذلك الأخ. فيجب الاعتراف بالظلم أو الخطأ ويجب أن يعترف بأن ذلك خطية حتى يكون في حالة توافق مع يهوه. ربما يكون أخونا قد أخطأ في حقنا بأكثر مما أخطأنا نحن في حقه ولكن هذا لا يقلل من مسؤوليتنا. فإذا تذكرنا عندما نمثلّ أمام يهوه أنّ إنسانا آخر له شيء علينا فيجب أن نترك تقدمة صلاتنا وشكرنا, تقدمتنا الطوعية ونذهب إلى الأخ الذي يوجد بيننا وبينه خلاف ونعترف بخطيتنا في تواضع ونطلب الغفران والصفح.

وإنْ كنـّا بأية كيفيّة قد ارتكبنا الغشّ في حقّ أخينا أو آذيناه في أي شيء فعلينا أن نقدم تعويضاً عن ذلك. وإذا كنا بغير قصد قد شهدنا شهادة زور أو حرفنا أقواله, أو آذينا نفوذه وأضررنا به بأية كيفية فيجب أن نذهب إلى من تحدثنا معهم في شأنه ونسحب كل التقارير الفاسدة المضرّة.

إذا كانت المشاكل التي بين الإخوة لا يُفشى سرّها أمام الآخرين بل تحدّث الأخوة فيها فيما بينهم بكل صراحة بروح المحبة المسيحية فما أكثر المساويء التي يمكن تلافيها‍ وما أكثر أصول المرارة التي يتنجّس بها كثيرون يمكن إزالتها, وبأيّ قرب ورقّة يمكن لأتباع المسيا أن يتّحدوا بمحبته !

(( كل من نظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه )) (متى 5: 28).

كان اليهود يفاخرون بأخلاقهم وعفتهم, وينظرون برعب إلى أعمال الوثنيين الشهوانية. وإنّ وجود الضباط الرومان الذين قد جلبهم الحاكم الإمبراطوري إلى فلسطين كان أمرا مثيرا لضغينة الشعب على الدوام, لأنه مع هؤلاء الغرباء اندفق سيل من العادات الوثنية والشهوات والإسراف والخلاعة إلى داخل البلاد. ففي كفرناحوم كان الموظفون الرومان مع عشيقاتهم المرحات يغشون الحفلات والمتنزهات وكثيرا ما كان صوت العربدة يشوّش على سكون البحيرة عندما كانت قوارب النزهة التي لهم تتهادى على المياه الهادئة. وكان الشعب ينتظرون أن يشهّر يهوشوه بصرامة بهذا الفريق من الناس, ولكن كم كانت دهشتهم بالغة عندما أصغوا إلى كلامه الذي كشف عن شرّ قلوبهم!

قال يهوشوه: عندما يحتضن الإنسان الفكر الشرير ويحبه مهما يكن ذلك سرّا دفيناً فهذا يدل على أنّ الخطية لا تزال مسيطرة على القلب. والنفس لا تزال في مرارة المرّ ورباط الظلم. والذي يجد لذته في الكلام عن مشاهد النجاسة والذي ينغمس في الفكر الشرّير والنظرة الشهوانية، يمكنه أن يرى في الخطية العلنية بثقل عارها وخزيها الذي يكسر القلب، طبيعةَ الشرّ الذي قد أخفاه في مخادع نفسه على حقيقته. إنّ وقت التجربة التي تحتها يمكن أن يسقط الإنسان في خطية شنيعة لا يخلق الشرّ الذي يظهر ولكنه فقط يزيد أو يظهر ما كان مخفيّا ومضمرا في القلب. (( كما شعر (الإنسان) في نفسه هكذا هو )) (أمثال 23: 7), لأن من القلب (( مخارج الحياة )) (أمثال 4: 23).

(( وان كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها والقها عنك )) (متى 5: 30).

إنّ الإنسان لكي يمنع انتشار المرض في الجسم وإهلاك الحياة يرضى حتى بقطع يده اليمنى. فبالأحرى يجب عليه أن يكون راضيا عن التسليم فيما يعرض حياة نفسه للخطر.

إنّ النفوس التي قد جعلها الشيطان منحطّة ومستعبدة يجب أن تفتدى بواسطة الإنجيل لتشارك أولاد يهوه في الحرية المجيدة. إنّ قصد يهوه ليس مجرّد التحرير من الآلام التي هي النتيجة الحتمية للخطية بل أن يخلص من الخطية ذاتها. فالنفس التي هي فاسدة ومشوهة يجب أن تتطهر وتتغير لكي تكسوها (( نعمة يهوه إلهنا )) (( مشابهين صورة ابنه ))، (( ما لم ترَ عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده يهوه للذين يحبونه )) (مزمور 90: 17 ؛ رومية 8: 29 ؛ 1 كورنثوس 2: 9). إنّ الأبدية هي وحدها التي تستطيع أن تعلن عن المصير المجيد الذي يمكن أن يبلغَه الإنسانُ بعدما يُعاد إلى صورة يهوه.

فلكي نصل إلى هذا المقياس السامي يجب علينا أن نضحي بما يعثر النفس. إنّ الخطية تظل محتفظة بسيطرتها علينا عن طريق الإرادة. فتسليم الإرادة يصور هنا كما لو كان قلع العين أو قطع اليد. وكثيرا ما يبدو لنا وكأن تسليم إرادتنا ليهوه معناه أننا نرضى أن نسير في الحياة مشوهين وعاجزين. ولكن المسيا يقول أنه خير لنا أن تشوّه الذات وتجرح وتمسى عاجزة إذا أمكنك بذلك أن تدخل الحياة. فما تنظر أنت إليه على أنّه كارثة هو الباب للوصول إلى أسمى فائدة.

إنّ يهوه هو نبع الحياة ونحن يمكننا الحصول على الحياة فقط حين تكون لنَا شركة معه. فإذ ننفصل عن يهوه قد نبقى في الوجود أمدا قصيرا ولكننا لا نملك الحياة: (( المتنعمة قد ماتت وهي حية )) (1 تيموثاوس 5: 6). إنّما فقط عن طريق تسليم الإرادة ليهوه يمكنه أن يمنحنا الحياة. وعن طريق قبول حياته بواسطة تسليم النفس يمكن الانتصار على الخطايا الخفية التي قد أشرت إليها. هكذا قال يهوشوه. قد يمكن لكم أن تكتموها في قلوبكم وتخفوها عن عيون الناس ولكن كيف تقفون في حضرة يهوه؟

إنّك إذا تعلّقت بذاتك ورفضت تسليم إرادتك ليهوه فأنت إنمّا تختار الموت. إنّ يهوه نار آكلة للخطية أينما توجد. فإن أنت اخترت الخطية ورفضت الانفصال عنها فإن حضور يهوه الذي يحرق الخطية سيحرقك بكل تأكيد.

إنّ تسليمك ذاتك ليهوه يتطلب تضحية, ولكنّها تضحية الأدنى لأجل الأسمى, الأرضيّ لأجل الروحي, الفاني لأجل الأبدي الباقي. ويهوه لا يقصد ملاشاة إرادتنا, لأنه عن طريق استعمال الإرادة فقط يمكننا أن نتمم ما يريدنا أن نعمله. فيجب تسليم إرادتنا له لكي نسترجعها مطهرة ونقية وهكذا تكون مرتبطة في توافق مع ما هو إلهي حتى يمكنه عن طريقنا أن يسكب سيول محبته وقدرته. ومهما يبدو هذا التسليم مؤلما للقلب العنيد المتمرّد فهو مع ذلك (( خير لك )).

إنّ يعقوب لم يعرف نصرة الإيمان الغالب أو يحصل على لقب أمير مع يهوه إلاّ بعدما سقط ضعيفاً وعاجزا على صدر ملاك العهد. فعندما كان (( يخمع على فخذه )) أمكن أن يدي عيسو المسلحتين أخمدتا أمامه, وانحنى فرعون المتكبر سليل الأسرة المالكة طالبا بركته. وهكذا كمل (( رئيس خلاصهم بالآلام )) (عبرانيين 2: 10), كما أنّ بني الإيمان(( تقوّوا من ضعف )) و (( هزموا جيوش غرباء )) (عبرانيين 11: 34). وهكذا (( العرج نهبوا نهبا )) (إشعياء 33: 23). (( فيكون العاثر منهم... مثل داود... وبيت داود... مثل ملاك يهوه )) (زكريا 12: 8).

 (( هل يحل للرجل أن يطلق امرأته )) (متى 19: 3).

عند اليهود كان يُسمح للرجل أن يطلق امرأته لأجل أتفه الذنوب وحينئذ كانت للمرأة الحرية في أن تتزوج ثانية. هذا التصرف أدى إلى تعاسة وخطية عظيمتين. ولقد أعلن يهوشوه في الموعظة التي ألقاها على الجبل بكل وضوح وصراحة أنّه لا يمكن أن تفصم عري الروابط الزوجية إلاّ بسبب خيانة عهد الزواج. فلقد قال: (( إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني. ومن يتزوج مطلقة فانه يزني )) (متى 5: 23).

وعندما سأله الفريسيون بعد ذلك عن شرعية الطلاق وجه يهوشوه أفكار سامعيه إلى سنّة الزواج كما قد رسمت عند بدء الخليقة. فقال لهم: (( إنّ موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم ولكن من البدء لم يكن هكذا )) (متى 19: 8). وقد وجّه انتباههم إلى أيام السعادة في عدن عندما قال يهوه عن كل شيء أنّه (( حسن جدا )). آنذاك كان للزواج والسبت أصلهما وسُنـّت الشريعتان الصنوان لأجل مجد يهوه وخير الإنسانية. وحينئذ وضع الخالق يد كل من الزوجين القديسين في يد الآخر برباط الزواج قائلا: (( لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدا واحدا )) (تكوين 2: 24). فلقد سن قانون الزواج لكل بني آدم إلى انقضاء الدهر. فما قال عنه الآب الأبدي ذاته أنّه حسن كان هو سنّة أسمى بركة ونمو وتقدم للإنسان.

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس السبت الحالي "Saturday". يجب أيضا الأخذ في الاعتبار أن السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الجريجوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائما في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر، الأمر الذي لا يستطيع أن يفعله أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.

والزواج, ككل عطية من عطايا يهوه الصالحة المسلمة لأجل حفظ البشرية, أفسدته الخطية, ولكن غاية الإنجيل هي أن يعيد إليه طهارته وجماله. ففي كلّ من العهد القديم والعهد الجديد استخدمت صلة الزواج لترمز إلى الاتحاد الحبّي المقدس الكائن بين المسيا وشعبه المفديين الذين قد اشتراهم بذبيحة جلجثة. فهو يقول: (( لا تخافي )) (( رَجُلٌك هو صـــانعـك يهوه إله الجنـود اســمه ووليـك قـدوس إسـرائيل )) (إشعياء 54: 4 و 5): ((ارجعوا ايها البنون العصاة يقول يهوه لاني سدت عليكم فاخذكم واحد من المدينة و اثنين من العشيرة و اتي بكم الى صهيون  )) (ارميا 3: 14). وفى سفر (( نشيد الأنشاد )) نسمع صوت العروس قائلة: (( حبيبي لي وأنا له )). وذاك الذي هو بالنسبة إليها (( معلم بين ربوة )) يخاطب تلك التي قد اصطفاها بقوله: (( كلّكِ جميل يا حبيبتي ليس فيك عيبة )) (نشيد الأنشاد 2: 16 ؛ 5: 10 ؛ 4: 7).

وفى العصور المتأخرة إذ يكتب بولس الرسول رسالته إلى المسيحيين في أفسس يعلن أنّ السيد قد أقام الزوج رأسا لامرأته ليكون حاميا إياها ورباط البيت إذ يربط أفراد العائلة معا كما أنّ المسيا هو رأس الكنيسة وهو مخلص الجسد ولذلك يقول: (( كما تخضع الكنيسة للمسيا كذلك النساء لرجالهن في كل شيء. أيّها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيا أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها لكي يقدسها مطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة لكي يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب. كذلك يجب على الرجال أن يحبوا نساءهم )) (أفسس 5: 24 ـ 28).

إنّ نعمة المسيا وحدها تستطيع أن تجعل هذه السنة كما قصد لها يهوه أن تكون ـ وسيلة لجلب البركة والسمو للبشرية. وهكذا يمكن للأسر على الأرض بالاتحاد والسلام والمحبة نحو بعضها البعض أن تمثل الأسرة السماوية.

إن حالة مجتمعنا في هذه الأيام كما كانت في عهد المسيا تقدم مثلا محزنا للمثال الذي تقدمه السماء لهذه الصلة المقدسة. ومع ذلك فحتى الذين قد ذاقوا المرارة والخيبة حيث كانوا يرجون الصحبة والفرح, يقدم الإنجيل لهم العزاء. فالصبر واللطف اللذان يمكن أن يمنحهما روحه سيجعلان كأس قرعتهم المرّة عذبة وجميلة. فالقلب الذي يسكنه المسيا سيكون ممتلئاً وشبعان بمحبته بحيث لا تحرقه نار الشوق لاجتذاب العطف والالتفات إلى نفسه. وعن طريق تسليم النفس ليهوه فإن حكمته تستطيع أن تتمم ما تعجز عنه الحكمة البشرية. وعن طريق إعلان نعمته يمكن للقلوب التي كانت قبلا عديمة الاكتراث أو نافرة أن تتحد بربط أوثق وأثبت مما على الأرض ـ الربط الذهبية للمحبة التي تصمد أمام امتحان التجربة.

(( لا تحلفوا البتة )) (متى 5: 34).

إنّ السبب في إصدار هذا الأمر مقدم هنا, فنحن يجب ألاّ نحلف (( لا بالسماء لأنّها كرسي يهوه ولا بالأرض لأنها موطيء قدميه ولا بأورشليم لأنها مدينة الملك العظيم. ولا تحلف برأسك لأنك لا تقدر أن تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء )) (متى 5: 34 - 36).

إنّ كل شئ يأتي من يهوه. فلا شيء لدينا إلا وأُعطيَ لنا, وأكثر من هذا فإنّنا لا نملك شيئا لم يُشترَ لنا بدم المسيا. فكل ما نملكه يأتينا مختوما بختم الصليب ومُشترى بالدم الذي هو أثمن من كل تقدير لأنّه حياة يهوه. ولهذا فلا يوجد شيء يمكن أن يكون لنا حق فيه كما لو كان ملكا لنا لأجل الوفاء بكلامنا.

لقد فهم اليهود أنّ الوصية الثالثة تنهى عن تدنيس استعمال اسم يهوه, ولكنهم ظنوا أنّ لهم الحرية في النطق بأقسام أخرى. كان الحلف شائعاً بينهم. ولكنهم نُهوا على لسان موسى عن أن يحلفوا كذبا, غير أنهم لجأوا إلى حيل كثيرة للتحلل من الالتزام الذي كان يفرضه القَسَم. إنّهم لم يكونوا يخشون من الانغماس فيما كان تدنيسا حقيقيا ولم يتراجعوا عن حَلَفِ يمين الزور طالما كان ذلك يستتر تحت المراوغة في الشريعة بطريقة فنية.

ولقد دان يهوشوه أعمالهم معلناً أنّ اعتيادهم حلف اليمين كان نقضاً لوصية يهوه. ومع ذلك فإنّ مخلصـنا لم ينهَ عن النطق باسم يهوه في القسَم أمام القضــاء حيث يستشـهد يهوه بكلّ وقار ليشـهد بأنّ ما يقــال هو الحــــق ولا شيء غير الحق. إنّ يهوشوه نفسَه وهو يحـاكم أمـام السنهدريم لم يرفض أن يشــهدَ بقسـم. فلقد قال له رئيس الكهنـة: (( أستحلفـك بيهوه الحيّ أن تقـول لنا هل أنت المسيا ابن يهوه. قال له يهوشوه أنت قلت )) (متى 26: 63 و 64). فلو أنّ المسيا في موعظته على الجبل دان الحلف أمام القضاء لكان في وقت محاكمته وبّخ رئيس الكهنة, وهكذا كان قد نفّذ تعليمه لفائدة تابعيه.

يوجد كثيرون جدا من الناس الذين لا يخشـون خداع بني جنسهم, ولكن الروح القدس علمـهم وأقنعـهم بأنـه أمــر مرعب جـدا كونهم يكذبون على جابلهم. وعندما يلتزمون بان يحلفوا فإنّهم يحسّون بأنهم لا يشهدون أمام الناس فحسب بل أمام يهوه, وانّهم إن شهدوا زورا فانهم يفعلون ذلك أمام ذاك المطلع على خفايا القلوب ويعرف الحق الصحيح كله. إنّ معرفة الأحكام المخيفة التي تجيء في إثر هذه الخطية تجعلهم يرتدعون.

ولكن أن كان هنالك من يستطيع أن يشهد شهادة ثابتة بقسم فإنما هو المسيحي. إنّه يعيش دائما كمن هو في حضرة يهوه, عالما أنّ كل فكر مكشوف لعيني ذاك الذي معه أمرنا, فمتى طلب منه أنّ يفعل ذلك بطريقة شرعية فمن الصواب له أن يجعل يهوه شهيدا على أنّ ما يقوله هو الحق ولا شئ غير الحق.

وقد تقدّم يهوشوه ليضع أســاس مبدأ يجعــل الحلـف أمـرا لا لزوم له. فهو يعلمنا أنّ الصدق المضبوط ينبغي أن يكون قانون كلامنا. فيقول: (( ليكن كلامكم نعم نعم لا لا وما زاد على ذلك فهو من الشرير )) (متى 5: 37).

هذه الأقوال تدين كل العبارات العديمة المعنى والكلام الحشو الذي يساعد على الفساد. وهى تدين المجاملات الخادعة والمراوغة من الصدق وعبارات التملّق والمبالغات والتمويه في التجارة التي هي سائدة في المجتمع وفى دنيا الأعمال. وهي تعلّمنا أنّ كل من يحاول أن يبدو على غير حقيقته, ومن لا تنقل أقواله ميل القلب الحقيقي ولا يعبر تعبيرا صادقا عما في داخله لا يمكن أن يُدعَى صادقا.

فلو وعى الناس كلام المسيا هذا لكان كفيلا بأن يصدّ ويوقف النطق بالظنون الرديئة والانتقاد الجارح, لأنّه إذ يعلق أيّ إنسان على أعمال إنسان آخر وبواعثه فمن يضمن أنّه ينطق بالصدق بحذافيره؟ وما أكثر ما تصبغ الكبرياء والغضب والحنق الشخصي الأثر أو الانطباع الذي يحدث! إنّ نظرة أو كلمة أو حتى نفس تنغيم الصوت يمكن أن تكون ممتزجة بالكذب. وحتى الحقائق يمكن إيرادها بحيث تحمل انطباعا كاذبا, (( وما زاد على ذلك فهو من الشرير )).

يجب أنّ كل ما يعمله المسيحيون يكون شفّافا كنور الشمس. فالحق هو من يهوه أمّا الخداع في كل شكل من أشكاله التي تحصى بالربوات فهو من الشيطان, فكل من ينحرف عن الطريق المستقيم, طريق الحق, إنّما يسلم نفسه لسلطان الشرير. ومع هذا فإنّ النطق بالصدق التام ليس أمراً هيناً. ونحن لا يمكننا أن ننطق بالصدق ما لم نعرفه, وكم من مرّة تمنع الآراء التي سبق تكوينها والتحيّز العقلي والمعرفة الناقصة والأخطاء في الحكم ـ كثيرا ما يحول ذلك كلّه دون الإدراك الصحيح للمسائل التي لنا دخل فيها! إنّنا لا نستطيع أن نتكلّم بالصدق ما لم تسترشد عقولنا على الدوام بذاك الذي هو الحق.

إنّ المسيا يأمرنا على لسان بولس الرسول قائلا: (( ليكن كلامكم كل حين بنعمة )) (كولوسي 4: 6). (( لا تخرج كلمة رديّة من أفواهكم بل كل ما كان صالحا للبنيان حسب الحاجة كي يعطي نعمة للسامعين )) (أفسس 4: 29). ففي نور هاتين الآيتين نجد أنّ كلام المسيا على الجبل يدين المزاح والعبث والكلام غير الطاهر. وهذا الكلام يتطلب أنّ كلامنا فضلا عن كونه صادقا يجب أن يكون طاهراً.

إنّ من قد تعلموا من المسيا لن تكون لهم شركة (( في أعمال الظلمة غير المثمرة )) (أفسس 5: 11). ففي الكلام كما في الحياة يجب عليهم أن يكونوا بسطاء ومسالمين وأمناء صادقين, لأنّهم إنّما يتأهبون لمعاشرة أولئك القديسين الذين (( في أفواههم لم يوجد غش )) (رؤيا 14: 5).

(( لا تقاوموا الشرّ بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضاً )) (متى 5: 39).

إنّ فرص الإثارة لليهود كانت كثيرا ما تحدث بسبب احتكاكهم بالعساكر الرومان. فقد كانت فصائل من الجيوش تقيم في أماكن مختلفة في كل اليهودية والجليل. وكان وجود تلك القوات مذكّرا للشعب بانحطاطهم كأمّة. فبنفوس مرّة كانوا يستمعون إلى صوت البوق المرتفع ويرون فرق الجيش متجمعة حول الراية الرومانية وينحنون في ولاء أمام رمز قوتها وسلطانها هذا. وكثيرا ما كانت تقع المصادمات بين الشعب والجنود وهذا ألهب نار العداء في قلوب الشعب. وفى أحيان كثيرة عندما كان أحد الموظفين الرومان يسرع من مكان إلى آخر ومعه حراسة من الجنود كان يقبض على الفلاحين اليهود الذين يشتغلون في الحقل ويرغمهم على أن يحملوا أثقالا ويصعدوا بها فوق الجبل أو يقدموا أية خدمة أخرى يحتاج إليها. كان هذا يتمشّى مع القانون والعادات الرومانية ولم تكن المقاومة تجديهم فتيلا بل كانت تجلب عليهم التعييرات والقسوة. وكل يوم كان يُعمّق في نفوس الشعب الشوق إلى طرح نير الرومان بعيدا. وقد كانت روح التمرّد والثورة متفشّية على الخصوص بين سكان الجليل المشهورين بالجرأة والخشونة. وإذ كانت كفرناحوم مدينة على الحدود فقد كانت مركزاً لحامية رومانية, وحتى فيما كان يهوشوه يتكلم فإنّ منظر شرذمة من الجنود أعاد إلى أذهان سامعيه الفكرة المرّة المحزنة, فكرة عبودية إسرائيل. وقد تطلع الشعب بشوق إلى المسيا على أمل أن يكون هو الشخص الذي سيذلّ كبرياء روما.

وها هو يهوشوه ينظر بحزن إلى تلك الوجوه الشاخصة إليه. وهو يلاحظ روح الانتقام التي طبعت نفوسَهم بطابعها الشرّير, ويعرف كيف يتوق الشعب بمرارة إلى قوة بها يسحقون مضطهـديهم ومستعـبديهم. فيأمرهم قائلا بحزن: (( لا تقاوموا الشرّ بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً )) (متى 5: 39). هذا الكلام لم يكن إلاّ تكراراً لأقوال العهد القديم. نعم إنّ القانون القائل: (( عين بعين وسن بسن ))(لاويين 24: 20) كان قانونا بين القوانين المعطاة لموسى ولكنه كان قانونا مدنيا. فلم يكن يحلّ لإنسان أن يثأر لنفسه: لأن الناس كانت عندهم أقوال السيد القائلة: (( لا تقل أنّي أجازي شرا )). (( لا تقل كما فعل بي هكذا أفعل به )) (( لا تفرح بسقوط عدوك )) (( إن جاع عدوك فأطعمه خبزا وان عطش فاسقه ماء )) (أمثال 20: 22؛ 24: 29 و 17؛ 25: 21 و 22).

وقد كانت كل حياة يهوشوه على الأرض إعلاناً لهذا المبدأ. إنّ مخلصنا ترك وطنه في السماء ليأتي بخبز الحياة لأعدائه. فمع أنّ الوشايات والاضطهادات انهالت عليه من المهد إلى اللحد فإنها لم تستمطر منه غير ألفاظ الغفران. وهو يقول على لسان النبي إشعياء: (( بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين وجهي لم أستر عن العار والبصق )) (إشعياء 53 :7). ومن صليب جلجثة تنحدر, عبر الأجيال, صلاته لأجل قاتليه, ورسالة الرجاء للص المحتضر.

لقد كان حضور الآب محيطاً بالمسيا ولم يُصِبْه إلاّ ما سمحت به المحبة السرمدية ليتبارك به العالم. هنا كان نبع العزاء لنا نحن أيضا. فالذي يسكن فيه روح المسيا يثبت في المسيا. والضربة التي تصوب إليه تقع على المخلص الذي يحيطه بحضوره. فكل ما يأتي عليه يأتي من المسيا. فلا حاجة به إلى مقاومة الشرّ لأنّ المسيا حصنه. ولا يمكن أنّ شيئا يمسّه إلاّ بسماحٍ من السيد (( كل الأشياء )) التي يسمح بها (( تعمل معاً للخير للذين يحبون يهوه )) (رومية 8: 28).

(( من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً. ومن سخرك ميلاً واحدا فاذهب معه اثنين )) (متى 5: 40و41).

وقد أمر يهوشوه تلاميذه بدلا من أن يقاوموا أوامر ذوي السلطان، أن يفعلوا أكثر ممّا يُطلب منهم. وبقدر المستطاع يجب عليهم أن يتمّموا كل التزام حتى ولو كان ذلك فوق ما يطلبه قانون البلاد. إنّ القانون المعطى بواسطة موسى أوصى بالاهتمام بالفقراء بكل رقة. فعندما كان إنسان فقير يعطي ثوبَه رهناً أو ضمانا لدين لم يكن يسمح للدائن بالدخول إلى البيت ليأخذه, بل كان يجب عليه أن يقف خارجاً في الشارع ليؤتى إليه بالرهن. ومهما تكن الظروف فإنّه كان يجب أن يعاد الرهن إلى صاحبه عند إقبال الليل (تثنية 24: 10-13). ولكن في عهد المسيا لم يلقِ الناسَ بالاً إلى هذه الاحتياطات الرحيمة؛ أمّا يهوشوه فقد علّم تلاميذه أن يخضعوا لحكم المحكمة حتى ولو تطلّب هذا أكثر مّما سمح به ناموس موسى. فلو طلب منهم قطعة من ملابسهم كان عليهم أن يخضعوا. وأكثر من هذا فقد كان عليهم أن يقدموا للدائن حقّه، وإذا لزم أن يتنازلوا له عن أكثر مما رخصت له المحكمة أن يأخذ. فقد قال: (( ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا )) (متى 5: 4) وإذا طلب منك السعاة أن تذهب معهم ميلا واحدا فأذهب معهم اثنين.

واستطرد يهوشوه قائلا: (( من سألك فاعطه ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده )) (متى 5: 42). وهذا الدرس هو نفس ما علم به موسى, إذ يقول: (( لا تقسِّ قلبك ولا تقبض يدك عن أخيك الفقير. بل أفتح يدك له وأقرضه مقدار ما يحتاج إليه )) (تثنية 15: 7و8). هذا القول الإلهي يوضح معني كلام المخلص. فالمسيا لا يعلمنا أن نعطي بدون تمييز لكل من يسألنا إحساناً بل يقول: (( أقرضه مقدار ما يحتاج إليه )). وهذا ينبغي أن يكون هبة لا قرضاً فالسيد يأمرنا قائلا: (( أقرضوا وأنتم لا ترجون شيئا )) (لوقا 6: 35).

(( أحبوا أعداءكم )) (متى 5: 44).

إنّ تعليم المخلص القائل: (( لا تقاوموا الشرير )) (متى 5: 39 ترجمة سنة 1878م) كان قولا قاسياً وجّهه إلى اليهود محبي الانتقام فتذمروا عليه في نفوسهم. ولكن ها هو يهوشوه الآن يقدم تصريحا أقوي إذ يقول:

(( سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. أمّا أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات )) (متى 5: 43-45)

هكذا كان روح الناموس الذي قد حرّفه المعلمون كأنّما قد صار قانونا باردا وفروضا صارمة. وقد كانوا يعتبرون أنفسهم أفضل من باقي الناس ومستحقّين لرضى يهوه الخاص بفضل كونهم من نسل إسرائيل, ولكن يهوشوه أشار إلى روح المحبة الغافرة على أنّها البرهان الذي يدل على أنّهم مدفوعون بدوافع أسمى حتى من دوافع العشارين والخطاة الذين كانوا يحتقرونهم.

وقد وجّه انتباه سامعيه إلى ملك الكون الذي دعاه باسم جديد (( أبانا )). لقد أرادهم أن يفهموا بأية رقة وبأي حب يشتاق إليهم قلب يهوه. وهو يعلم أنّ يهوه يهتم بكل نفس ضالة حتى (( كما يترأف الأب على البنين يترأف يهوه على خائفيه )) (مزمور 103: 13). مثل هذا التفكير عن يهوه لم تقدمه قط أية ديانة للعالم إلاّ ديانة الكتاب المقدس. إنّ الوثنية تعلم الناس أن ينظروا إلى الكائن الأعلى كمن هو مصدر الرعب لا كمصدر الحب – كإله حقود خبيث يجب استرضاؤه بالذبائح, لا كآب يسكب على أولاده هبة محبته. وحتى شعب إسرائيل كانت بصائرهم قد عميت عن تعليم الأنبياء الثمين عن يهوه حتى أمسى هذا الإعلان عن محبته الأبوية وكأنه موضوع جديد وهبة جديدة للعالم.

كان اليهود يعتقدون أنّ يهوه يحبّ من يخدمونه – وهؤلاء بحسب فكرهم, كانوا الذين تمّموا مطاليب المعلّمين – وأنّ كل باقي العالم واقع تحت طائلة غضبه ولعنته. ولكن يهوشوه قال كلاما غير هذا, فالعالم بكل من فيه من أشرار وأبرار يتمتّع بشمس محبته. كان يجب أن تتعلموا هذا من الطبيعة نفسها لأن يهوه (( يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين )) (متى 5: 45).

إنّ الأرض تنتج ثمارها وخيراتها وتظل دائرة حول الشمس سنة بعد سنة, ليس بسبب قوة فطريّة فيها. فإنّ يد يهوه تهدي الكواكب وتبقيها في مداراتها في سيرها المنظم في السموات. فبقوته يتعاقب الصيف والشتاء والزرع والحصاد والليل والنهار كلِّ بعد الآخر في تتابع منظم. وبكلمته ينمو الزرع ويزدهر وتظهر الأوراق وتتفتح الأزهار. فكل خير نناله وكل شعاعة من نور الشمس وسيول المطر وكل كسرة خبز وكل لحظة من لحظات الحياة هي هبة من هبات المحبة.

فعندما كانت أخلاقنا منفّرة ومشوهة (( ممقوتين مبغضين بعضنا بعضا )) رحمنا أبونا السماوي. (( حين ظهر لطف مخلصنا يهوه وإحسانه لا بأعمال في برّ عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا )) (تيطس 3:3-5). فإذ نقبل محبته فهي ستجعلنا كذلك لطفاء ومحبين ليس فقط لمن يرضوننا بل أيضا لمن هم أكثر الناس ذنباً وخطأً وإثماً.

إنّ أولاد يهوه هم شركاؤه في طبيعته. فليس المقام الأرضي ولا المولد ولا القومية ولا الامتياز الديني هو الذي يبرهن على أنّنا أعضاء في أسرة يهوه. ولكنّها المحبة – المحبة التي تحتضن كل البشرية. وحتى الخطاة الذين لم يغلقوا قلوبهم تماما دون روح يهوه سيستجيبون للرفق واللطف. ففي حين أنّهم يقابلون الكراهية بكراهية نظيرها فإنّهم سيقدمون محبة مقابل محبة. ولكن روح يهوه وحده هو الذي يقابل الكراهية بالمحبة. إنّ كوننا نشفق على غير الشاكرين والأشرار, وكوننا نعمل خيرا دون أن ننتظر شيئاً مقابله هو وسام الأسرة المالكة في السماء والعلامة الأكيدة التي بها يعلن بنو العلي منزلتهم العالية.

(( فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل )) (متى 5: 48).

إنّ (( الفاء )) المذكورة هنا تدل على النتيجة أو الاستنتاج من كل ما سبق فقيل. لقد كان يهوشوه يصف لسامعيه رحمة يهوه ومحبته اللتين لا ينضب معينهما, ولذلك فهو يأمرهم بأن يكونوا كاملين. فلأن أباكم السماوي (( منعم على غير الشاكرين والأشرار )) (لوقا 6: 35), ولأنه تنازل ليرفعكم , فلذلك هكذا قال يهوشوه يمكنكم أنتم أيضا أن تصيروا مثله في الصفات وتقفوا بلا لوم أمام الناس والملائكة.

إنّ شروط الحياة الأبدية في عهد النعمة هي نفس الشروط التي كانت في جنة عدن – أي البرّ الكامل, والتوافق مع يهوه والامتثال لمباديء شريعته. ومقياس الخلق المقدم في العهد القديم هو نفس المقياس المقدم في العهد الجديد. وهذا المقياس ليس مّما نعجز عن بلوغه. وفي كل أمر أو وصية يقدمها يهوه يوجد وعد إيجابي وأكيد جدّاً يكمن في ذلك الأمر. ولقد أعدّ يهوه العدة لكي نصير مثله وهو سيتم هذا لكل من لا يدخلون إرادة فاسدة منحرفة وهكذا يبطلون نعمته.

لقد أحبنا يهوه حبا لا يعبّر عنه, وإنّ محبتنا تستيقظ نحوه عندما ندرك شيئاً عن الطول والعرض والعمق والعلو لهذه المحبة الفائقة المعرفة. وبواسطة إعلان جمال المسيا الجذاب وبواسطة معرفة محبته التي أظهرت لنا ونحن بعد خطاة يذوب القلب العنيد العاصي ويخضع ويتجدد الخاطيء ويصبح ابنا للسماء. إنّ يهوه لا يلجأ إلى إجراءات الإلزام أو الإرغام, فالمحبة هي الوسيلة التي يستخدمها لطرد الخطية من القلب, إذ بواسطتها تتبدل الكبرياء إلى وداعة والعداء وعدم الإيمان إلى حب وإيمان.

كان اليهود يكدّون ويتعبون ليبلغوا حد الكمال بجهودهم ولكنهم أخفقوا. وقد سبق المسيا فقال لهم إنّ إبراهيم لا يمكن أن يدخلهم إلى ملكوت السموات. وها هو الآن يرشدهم إلى نوع البرّ الذي يملكه كل من يدخلون السماء. ففي كل الموعظة على الجبل يصف ثمار ذلك البرّ, والآن هو يرشدهم في حملة واحدة إلى نبعه وطبيعته: كونوا كاملين كما أنّ يهوه كامل. إنّ الشريعة هي صورة طبق الأصل من صفات يهوه. فانظروا في أبيكم السماوي إظهارا كاملا للمباديء التي هي أساس حكمه.

يهوه محبة. والمحبة والنور والفرح تفيض منه إلى كل خلائقه كما تنبعث أشعّة النور من الشمس. فطبيعته أنّه يعطي. ونفس حياته هي فيض المحبة غير المُحبّة لذاتها وهو يأمرنا أن نكون كاملين كما هو كامل – بنفس الكيفية. علينا أن نكون مبعث النور والبركة في محيطنا الضيق كما هو لكل المسكونة. إنّنا لا نملك شيئاً من أنفسنا ولكن نور محبته يشرق علينا. وعلينا أن نعكس بهاء تلك المحبة. (( في جوده المقترض يوجد خير )), فيمكننا أن نكون كاملين في محيطنا كما أن يهوه كامل في محيطه.

قال يهوشوه: كونوا كاملين كما أنّ أباكم كامل. فإذا كنتم أولاد ليهوه فستكونون شركاءه في طبيعته ولا يسعكم إلاّ أن تكونوا مثله. فكل ابن يحيا بحياة أبيه. فإذا كنتم أولادا ليهوه – مولودين بروحه – فأنتم تحيون بحياة يهوه. ففي المسيا يحل(( كل ملء اللاهوت جسديا )) (كولوسي 2: 9) وتظهر حياة يهوشوه (( في جسدنا المائت )) (2كورنثوس 4: 11). فتلك الحياة التي فيكم ستنتج نفس الصفات وتظهر نفس الأعمال كما قد تظهر نفس الأعمال كما قد ظهر فيه. وهكـذا تكـونون في وفـاق مع كـل وصيـة من وصـايا شـريعته, لأنّ (( ناموس يهوه كامل يرد النفس )) (مزمور 19: 7). وعن طريق المحبة (( يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح )) (رومية 8: 4).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
13
2
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
02
28
Calendar App