2. التــَّطويبـــَات
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

(( ففتح فاه وعلمهم قائلاً طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات )) (متى 5: 2 و 3).

لقد وقعت هذه الكلمات على آذان ذلك الجمع المندهش كشيء غريب وجديد. فمثل هذا التعليم كان مناقضاً لكل ما سمعوه من أي كاهن أو معلم. إنّهم لا يرون فيه ما يتملّق كبرياءَهم أو يشبع آمالهم أو طموحهم. ولكن توجد حول هذا المعلم الجديد قوة تجعلهم يقفون ذاهلين. إنّ جمال المحبة الإلهية وعذوبتها تفيض من نفس وجوده كالرائحة العطرة التي تعبق بها الزهرة. وكلامه يسقط (( مثل المطر على الجزاز ومثل الغيوث الذارفة على الأرض )) (مزمور 72: 6). فالجميع يشعرون بالفطرة أنّه يوجد هنا شخص مطلع على خفايا النفس وأسرارها, ومع ذلك يقترب منهم برقة وحنـان. إنّ قلوبهم تنفتح له وإذ يصغون إلى أقواله يكشف لهم الروح القدس بعضـاً من معنى ذلك الدرس الذي تحتاج البشـرية في كل العصـور إلى تعلمه.

في أيام المسيا كان رؤساء الشعب الدينيون يحسّون بأنهم أغنياء بالكنز الروحي. إن صلاة الفريسي الذي قال: إلهي أشكرك إني لست مثل باقي الناس (لوقا 18: 11) كانت تعبيرا عن شعور رجال حزبه, وعن شعور الأمة كلها إلى حدّ كبير. ولكن كان يوجد بين الجمع الذي كان يحيط بيهوشوه بعض ممن كانوا يحسّون بفقرهم الروحي. فعندما أُعلنت قدرة المسيا الإلهية في معجزة صيد السمك الكثير سقط بطرس عند رجليه وصرخ قائلا: (( أخرج من سفينتي يا سيد لأني رجل خاطيء )) (لوقا 5: 8). وهكذا كان يوجــد بين ذلك الجمــع المحتشد على الجبـل أناس أحــسّ كل منـهم بأنه (( الشقي والبئس وفقير وأعمى وعريان )) (رؤيا 3: 17), فاشتاقوا إلى (( نعمة يهوه المخلصة )) (تيطس 2: 11). وقد أيقظت كلمات المسيا، كلمات التحية، في هذه النفوس بالرجاء، إذ رأوا أنّ حياتهم تحت بركة يهوه.

لقد سبق أن قدّم يهوشوه كأس البركة لمن أحسّوا بأنهم أغنياء وقد استغنوا (رؤيا 3: 17), ولكنهم حولوا وجوههم في ازدراء عن تلك الهبة السماوية. إنّ من يحسّ بأنّه صحيح ويظن أنه صالح بما فيه الكفاية وهو قانع بحالته، لا يطلب أن يكون شريكا في نعمة المسيا وبرّه. إنّ الكبرياء لا تحسّ بالحاجة وهكذا تغلق القلب في وجه المسيا والبركات غير المحدودة التي جاء ليمنحها للناس. مثل هذا الإنسان لا يوجد في قلبه موضع ليهوشوه. فالأغنياء والشرفاء في أعين أنفسهم لا يسألون بركة يهوه بإيمان ولا يحصلون عليها. إنّهم يحسّون بأنهم شبعانون ولذلك ينصرفون جياعا. أما الذين يعرفون أنّهم لا يستطيعون من أنفسهم أن يخلّصوا ذواتِهم أو أن يعملوا عملا واحدا صالحا من تلقاء أنفسهم فهم الأشخاص الذين يقدّرون المعونة التي يستطيع المسيا أن يمنحها. انهم هم المساكين بالروح الذين يعلن هو أنّهم مطوبون.

إنّ مَن يغفر له المسيا يجعله أولاً نادماً تائباً, وعمل الروح القدس هو التبكيت على الخطية. فالذين تأثرت قلوبهم بتبكيت روح يهوه لا يرون في ذواتهم شيئا صالحا. ويرون أنّ كل ما قد فعلوه ممتزج بالذات والخطية. وكالعشار المسكين يقفون من بعيد لا يجرؤون حتى على رفع عيونهم نحو السماء ويصرخون قائلين: (( إلهي ارحمني أنا الخاطيء )) (لوقا 18: 13). وهم مطوّبون. يوجد غفران للتائبين, ,لأن المسيا هو (( حمل يهوه الذي يرفع خطية العالم )) (يوحنا 1: 29). ووعد يهوه هو هذا: (( إنْ كانت خطاياكم كالقرمز تبيضّ كالثلج إن كانت حمراء كالدودي تصير كالصوف )) (إشعياء 1: 18) (( وأعطيكم قلبا جديدا... واجعل روحي في داخلكم )) (حزقيال 36: 26 و 27). ويقول يهوشوه عن المساكين بالروح إنّ لهم ملكوت السموات. إنّ هذا الملكوت ليس كما كان ينتظر سامعو المسيا، ملكوتا زمنيا ارضيا. لقد كان المسيا يفتح للناس الملكوت الروحي، ملكوت محبته ونعمته وبرّه. إنّ شعار ملك مسيا يتميّز بصورة ابن الإنسان. فرعاياه هم المساكين بالروح والودعاء وجماعة المضُطهدين المطرودين من أجل البرّ. وملكوت السموات لهم. ومع أنّ العمل لم يكمُل بعد فقد بدأ فيهم وهو الذي سيؤهلهم (( لشركة ميراث القديسين في النور )) (كولوسي 1: 12).

إنّ من عندهم الشعور بفقر نفوسهم العميق ويحسّون بأنّه لا يوجد فيهم شيء صـالح يمكنهم أن يجـدوا البرّ والقوة بالالتفات إلي يهوشوه. فهـو يقول: (( تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال )) (متى 11: 28). وهو يأمرنا أن نستبدل فقرنا بغنى نعمته. إنّنا لسنا أهلا لمحبة يهوه ولكن المسيا ضامننا مستحق، وهو قادر أن يخلص إلى التمام جميع الذين يأتون إليه. مهما يكن نوع اختبارك الماضي, ومهما تكن ظروفك الحاضرة مفشّلة فلئن أتيت إلى يهوشوه كما أنت، ضعيفاً وعاجزاً وبائساً, فإنّ مخلصنا الرحيم سيلاقيك من بعيد ويطوّقك بذراعي محبته ويكسوك برداء برّه. وهو يقدمنا إلى الآب متسربلين بالثوب الأبيض ثوب صفاته. وهو يسأل يهوه من أجلنا قائلا: لقد أخذت مكان الخاطيء فلا تنظر إلى هذا الابن العاصي بل انظر إليّ. فإذا احتج الشيطان ضد نفوسنا بصوت عال متهما إيانا بالخطية ومطالبا بان نكون فريسته فإنّ دم المسيا يحتج بقوة أعظم.

(( قال لي إنما بيهوه البرّ والقوة... بيهوه يتبرّر ويفتخر كل نسل إسرائيل )) (إشعياء 45: 24و25).

(( طوبى للحزانى لأنّهم يتعزّون )) (متى 5: 4).

إنّ الحزن الذي يعرض أمامنا هنا هو حزن القلب الصادق على الخطية . يقول يهوشوه:(( وأنا إنّ ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع )) (يوحنا 12: 32). فإذ يجتذب الإنسان ليرى يهوشوه مرفوعا على الصليب يرى إثم البشرية. فهو يرى أنّ الخطية هي التي جلدت سيد المجد وصلبته. وهو يرى انه في حين قد أُحِبّ برقّةٍ لا يُعبَّر عنها فقد كانت حياته مشهدا مستمرا للجحود والعصيان. لقد هجر أخلص صديق له ونبذ ورفض أثمن هبة سماوية. لقد صلب لنفسه ابنَ يهوه ثانية وطعن ذلك القلب الدامي والمضروب من جديد. إنّ هوّة الخطية الواسعة السوداء العميقة قد فصلته بعيدا عن يهوه, ولذلك هو ينوح بانسحاق القلب.

مثل هؤلاء الحزانى (( يتعزون )). فيهوه يكشف لنا عن جرمنا حتى نهرب إلي المسيا وبواسطته نتحرر من عبودية الخطية ونفرح بحرية أولاد يهوه. فيمكننا أن نأتي في انسحاق حقيقي إلى اسفل الصليب وهناك نترك أثقالنا.

إنّ كلام المسيا فيه رسالة عزاء أيضا لمن يتألمون من الحزن أو الحرمان. إنّ آلامنا وأحزاننا وبلايانا لا تنبت من الأرض. فيهوه ((  لا يُذلّ من قلبه ولا يحزن بني الإنسان )) (مراثي أرميا 3: 33). وعندما يسمح بوقوع التجارب والضيقات علينا فإنّ ذلك (( لأجل المنفعة لكي نشترك في قداسته )) (عبرانيين 13: 10). فلو قبلنا التجربة بإيمان مع أنّها تبدو مُرّة جدا ومن الصعب احتمالها فستبرهن على أنّها بركة. فالضربة القاسية التي تلفح أفراح الأرض وتيبسها ستكون الوسيلة التي تحول عيوننا إلى السماء. ما أكثر الذين ما كان ليمكنهم أن يعرفوا يهوشوه إطلاقا لو لم ترشدهم الأحزان والآلام إلى أن يطلبوا الراحة والعزاء فيه!

إنّ بلايا الحياة هي وسائل يهوه لإزالة الأقذار والنجاسات والخشونة من أخلاقنا. إنّ عملية النحت والتسوية والحفر والصقل والتهذيب التي تجريها البلايا عملية مؤلمة. ومن الصعب أن يضغط الإنسان على دولاب المسنّ. ولكن الحجر يخرج بعد كل ذلك مُعدّا ليملأ مكانه في الهيكل السماوي. إنّ السيد لا يقوم بمثل هذا العمل الحريص الكامل علي مادة لا نفع منها. الحجارة الكريمة هي وحدها التي تُصقل على مثال هيكل.

والسيد سيعمل لخير كل من يتكلون عليه. فالأمناء سيحرزون انتصارات ثمينة. وسيتعلمون دروسا غالية. وسيحققون اختبارات ثمينة.

إنّ أبانا السماوي ليس بغافل البتة عمن قد مسّهم الحزن. فداود عندما صعد في مصعد جبل الزيتون (( كان يصعد باكيا ورأسه مُغطّى ويمشي حافيا )) (2صموئيل 15: 30)، وكان السيد ينظر إليه بإشفاق. كان داود لابسا مسوحا وكان ضميره يعذّبه. وقد شهدت علامات الإذلال الخارجية عن انسحاقه. وفي عبارات باكية صادرة من قلبه المنسحق عرض قضيته على يهوه والسيد لم يترك عبده. ولم يكن داود أعزّ على قلب المحبة الأزلية مما كان عندما هرب وهو معذّب الضمير لحياته من أعدائه الذين قد أثارهم ابنه ليتمردوا عليه. إنّ السيد يقول: (( إنّي كل من احبه أوبخه وأؤدبه فكن غيورا وتب )) (رؤيا 3: 19). إنّ المسيا يرفع المنسحقي القلب وينقي النفس الحزينة حتى تصير مسكنا له.

ولكن عندما يهجم الضيق علينا كم منا يشبهون يعقوب! فنحن نظنها يدّ عدو، وفي الظلام نصارع بجهل حتى تخور قوتنا ولا نجد عزاء أو خلاصا. وقد أعلنت اللمسة الإلهية ليعقوب عند طلوع الفجر ذاك الذي كان يتصارع معه – ملاك العهد, وإذ كان باكيا وعاجزا ارتمى على صدر المحبة الأزلية ليحصل على البركة التي تاقت إليها نفسه. ونحن أيضا نحتاج إلى أن نتعلم بأنّ القصد من التجارب هو النفع والفائدة وألاّ نحتقر تأديب السيد ولا نخور إذا وبخنا.

(( هوذا طوبى لرجل يؤدبه يهوه... لأنه هو  يجرح ويعصب يسحق ويداه تشفيان. في ست شدائد  ينجّيك وفي سبع لا يمسّك سوء )) (أيوب 5: 17-19). إن يهوشوه يأتي إلى كل نفس مصابة بخدمة الشفاء. فحياة الحرمان والألم والعذاب يمكن إنارتها بواسطة الإعلان الثمين لحضوره.

إن يهوه لا يريدنا أن نظلّ منسحقين تحت ضغط الحزن والكآبة الخرساء، وقلوبنا تقطر حزنا وانسحاقا. فهو يريدنا أن نشخص إلى فوق ونرى وجه محبته العزيز. إنّ المخلّص المبارك يقف إلى جوار كثيرين ممن قد غشيت أبصارهم الدموعُ إلى حدّ لا يدركونه. إنّه يتوق إلى مصافحتنا وإلى أن نشخص إليه بإيمانٍ بسيطٍ ونسمح له بأن يقودنا. إنّ قلبَه مفتوح لكل أحزاننا وأوجاعنا وتجاربنا. لقد أحبنا محبة أبدية وهو يحوطنا بذراعي رأفته وحنانه. فيمكننا أن نثبّت قلوبنا فيه ونتأمل في لطفه طوال اليوم. وهو سيرفع النفس فوق الأحزان والارتباكات اليومية إلى مملكة السلام.

فكروا في هذا يا بني الألم والحزن وافرحوا بالرجاء (( هذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا )) (1يوحنا 5: 4).

وطوبى أيضا لمن يبكون مع يهوشوه عطفا على العالم في حزنه وحزنا على خطيته. فإنّ هذا الحزن لا يمتزج به أي فكر عن الذات. لقد كان يهوشوه رجل أوجاع متحمّلا حزنا قلبيا لا يمكن لأيّةِ لغة أن تصفه. لقد مزّقت تعدّيات الناس وشرورهم روحَه وسحقتها. ولقد تعب بغيرة آكلة لنفسها ليخفّف من وطأة أعواز البشرية ومصائبها وبلاياها, وكان قلبه مثقلا بالحزن وهو يرى الجموع يرفضون الإتيان إليه لينالوا الحياة. وكل أتباع المسيا لا بدّ أن يشاركوه في هذا الأختبار. فإذ يشتركون في محبته فلابدّ أن يدخلوا إلى تعبه لأجل خلاص الهالكين. فهم يشتركون في آلام المسيا وسيشتركون أيضا في المجــد المزمـع أن يُستعلن. فإذ يتّحدون معه في عمله ويشربون معه من كأس الحزن فسيشاركونه أيضا في فرحه.

إنّ يهوشوه قد حصل على خدمة التعزية عن طريق الألم. ففي كل ضيق البشرية تضايق. إنـّه (( فيما هو قد تألم مجربا يقدر أن يعين المجربين )) (إشعياء 63: 9؛ عبرانيين 2: 18). فكل نفس دخلت في شركة آلامه لها امتياز الاشتراك في هذه الخدمة: (( كما تكثر آلام المسيا فينا كذلك بالمسيا تكثر تعزيتنا أيضا )). إنّ عند السيد نعمة خاصة للحزين وقوّتها تذيب القلوب وتريح النفوس. إنّ محبته تفتح قناة في داخل النفس الجريحة المنسحقة فتصير بلساناً شافيا للحزانى.(( أبو الرأفة وإله كل تعزية … يعزّينا في كل ضيقتنا حتى نستطيع أن نعزّي الذين هم في كل ضيقة بالتعزية التي نتعزّى نحن بها من يهوه )) (2كورنثوس 1: 3و4و5).

 (( طوبى للـودعاء )) (متى 5: 5).

يوجد في كل التطويبات تدرّج تقدّمي في الاختبار المسيحي. فالذين أحسّوا بالحاجة إلي المسيا والذين حزنوا بسبب الخطية والذين جلسوا مع المسيا في مدرسة الضيق سيتعلمون الوداعة من المعلم الإلهي.

لم يكن الصبر ولا الرأفة أمام الظلم من الصفات التي يستحسنها الوثنيون أو اليهود. إنّ الحقيقة التي نطق بها موسى بوحي من الروح القدس إنّه كان حليما جداً أكثر من جميع الناس الذين على الأرض لم يكن الناس من معاصريه يعتبرونها سبب مدح له أو ثناء عليه بل كانت بالحري تثير الإشفاق أو الاحتقار. ولكن يهوشوه يضع الوداعة بين أولى المؤهلات لملكوته. وقد كشفت حياته وأخلاقه عن الجمـال الإلهي لهذه النعمة الثمينة.

إن يهوشوه بهاء مجد الآب (( لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً ليهوه, ولكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد )) (فيلبي 2: 6و7). لقد رضي بأن يجوز في كل اختبارات الحياة الوضيعة متمشيا بين بني الإنسان لا كملك يفرض على رعاياه الولاء، بل كمن كانت رسالته خدمة الآخرين. فلم يكن في خلقه أي اثر للتعصّب أو العبوسة الباردة. لقد كانت لفادي العالم طبيعة أعظم من طبيعة الملائكة ومع ذلك فقد اقترن بجلاله الإلهي الوداعة والتواضع اللذان جذبا إليه الجميع.

لقد أخلى يهوشوه نفسه وفي كل ما عمل لم تظهر الذات ولقد أخضع كل الأشياء لإرادة أبيه. وقرب انتهاء خدمته على الأرض أمكنه أن يقول: (( أنا مجدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته )) (يوحنا 17: 4). وهو يأمرنا قائلا: (( تعلموا مني لاني وديع ومتواضع القلب )), (( إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه )) (متى 11: 29؛ 16: 24). فلتنزل الذات عن العرش ولا تعد تسيطر على النفس.

إنّ من يشاهد المسيا في إنكاره لذاته وتواضع قلبه سيلتزم أن يقول كما قال دانيال عندما شاهد واحداً كبني الإنسان: (( نضارتي تحولت فيّ إلي فساد  )) (دانيال 10: 8). (( إنّ الاستقلال وسيادة النفس اللذين نفخر بهما يريان في دناءتهما الحقيقية كعلائم للعبودية للشيطان )). إنّ الطبيعة البشرية تكافح أبدا للتعبير ومستعدة للنضال والنزاع، ولكن الذي يتعلم من المسيا يخلي نفسه من الذات والكبرياء وحبّ السيطرة، والنفس يسودها السكون والهدوء. والذات تخضع لسيادة الروح القدس. حينئذ لا نكون مشتاقين لاعتلاء اسمى مكان. ونحن لا نطمع في أن نشق لأنفسنا طريقا ليرانا الآخرون، ولكننا نحسّ بأنّ أسمى مكان لنا هو أن نكون عند قدمي مخلصنا. إنّنا ننظر إلي يهوشوه في انتظارنا أن يرشدنا بيده ونستمع لصوته ليقودنا. إنّ بولس الرسول كان له هذا الاختبار فقد قال: (( مع المسيا صلبت فأحيا لا أنا بل المسيا يحيا فيّ. فما أحياه الآن في الجسد فإنّما أحياه في الإيمان إيمان ابن يهوه الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي )) (غلاطية 2: 20).

إنّنا عندما نقبل المسيا كضيف حال في النفس فإن سلام يهوه الذي يفوق كل عقل سيحفظ قلوبنا وأفكارنا في المسيا يهوشوه. إنّ حياة المخلص على الأرض مع انّه عاشها في غمرة المحاربات كانت حياة السلام. ففي حين كان الأعداء الغاضبون يتأثرون خطواتِه باستمرار قال: (( الذي أرسلني هو معي ولم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يرضيه )) (يوحنا 8: 29). فلم يمكن لأية عاصفة غضب, بشرية كانت أو شيطانية, أن تزعج هدوء تلك الشركة الكاملة مع يهوه. وهو يقول لنا: (( سلاما أترك لكم سلامي أعطيكم )) (يوحنا 14: 27). (( احملوا نيري عليكم وتعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة )) (متى 11: 29). احملوا معي نير الخدمة لأجل مجد يهوه ورفع شأن الإنسانية فتجدوا النير هيّنا والحمل خفيفا.

إنّ حبّ الذات هو الذي يقوّض سلامنا. فحين تكون الذات حية وناشطة فإننا نقف مستعدين دائما لحفظها من الانحلال والإهانة. أمّا إذا كنا قد متنا وحياتنا مستترة مع المسيا في يهوه فلن تتأثر قلوبنا بالإهمال أو الاستهانة. فآذاننا تكون صمّاء بحيث لا تسمع التعيير وعيوننا عمياء عن الاحتقار والازدراء (( المحبة تتأنى وترفق, المحبة لا تحسد، المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها ولا تحتد ولا تظن السوء ولا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق, وتحتمل كل شيء وتصدق كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء. المحبة لا تسقط أبدا )) (1كورنثوس 13: 4-8).

أمـّا السعادة المستقاة من الموارد الأرضية فتتغيّر بتغيّر الظروف, وأمّا سلام المسيا فدائم وثابت, فهو لا يعتمد على أيّ من الظروف في الحياة أو على كثرة ما نملك من حطام العالم أو عدد الأصدقاء الأرضيين. إنّ المسيا هو نبع الماء الحي والسعادة المستقاة منه لا يمكن أن تنضب أبدا.

إنّ وداعة المسيا متى ظهرت في البيت فهي تُسعد السكان, إنّها لا تثير شجارا ولا تجاوب جوابا غاضبا ولكنّها تسكّن الطبع المهتاج وتنشر اللطف الذي يحسّ به جميع من هم ضمن نطاقه الساحر. وأينما تُراعَى تجعل العائلات على الأرض جزءا من العائلة الواحدة العظيمة في الأعالي.

إنّ كوننا نتألم تحت الاتّهام الكاذب هو أفضل بكثير من أن نُعذّب أنفسَنا بالانتقام من أعدائنا , فروح الكراهية والانتقام أصلها من الشيطان ولا يمكنها أن تجلب غيرَ الشرّ لمن يحتضنها. إنّ أتضاع القلب, وتلك الوداعة التي هي من ثمار الثبات في المسيا هي سر البركة الحقيقي. (( يجمل الودعاء بالخلاص )) (مزمور 149: 4).

والودعاء (( يرثون الأرض )). لقد دخلت الخطية إلى العالم عن طريق الرغبة في تمجيد الذات, وخسر أبوانا الأولان السيادة على هذه الأرض الجميلة التي كانت مملكتهما. وعن طريق إنكار الذات يفتدي المسيا ما قد ضاع. وهو يقول إنّنا سنغلب كما قد غلب هو (رؤيا 3: 21). فعن طريق الوداعة وتسليم الذات يمكننا أن نصير ورثة معه عندما (( الودعاء ... يرثون الأرض )) (مزمور 37: 11).

إنّ الأرض الموعود بها الودعاء لن تكون كأرضنا هذه يُظلمها ظلّ الموت واللعنة. ((  ولكننا حسب وعده ننتظر سموات جديدة وأرضا جديدة يسكن فيها البر )) (2بطرس 3: 13). (( ولا تكون لعنة ما في ما بعد. وعرش يهوه والخروف يكون فيها وعبيده يخدمونه )) (رؤيا 22: 3).

ولا يكون فشل أو إخفاق ولا حزن ولا خطية, ولا من يقول أنا مريض, ولا توجد مواكب جنائز ولا حزن ولا موت ولا فراق ولا قلوب كسيرة. بل يهوشوه هناك وهناك السلام. (( لا يجوعون ولا يعطشون ولا يضربهم حر ولا شمس لأنّ الذي يرحمهم يهديهم وإلى ينابيع المياه يوردهم )) (إشعياء 49: 10).

(( طوبى للجياع والعطاش إلي البر لأنهم يشبعون )) (متى 5: 6).

البرّ هو القداسة والتشبّه بيهوه, و(( يهوه محبة )) (1يوحنا 4: 16). إنّه الامتثال لشريعة يهوه لأن (( كل وصاياك عدل )) (مزمور 119: 172) و (( المحبة هي تكميل الناموس )) (رومية 13: 10). فالبرّ هو المحبة, والمحبة هي نور يهوه وحياته. وبرّ يهوه مجسّم في المسيا. ونحن نقبل البرّ بقبوله هو.

إنّ البرّ لا يُنال بمحاربات مؤلمة أو بالتعب المملّ ولا بواسطة تقدمة أو ذبيحة, ولكنّه يُعطى مجّانا لكل نفس تجوع وتعطش للحصول عليه. (( أيها العطاش جميعا هلموا إلي المياه والذي ليس له فضة تعالوا اشتروا وكلوا... بلا فضة ولا ثمن )) (إشعياء 55: 1). (( برّهم من عندي يقول يهوه )) (إشعياء 54: 17). (( وهذا هو اسمه الذي يدعونه به يهوه برّنا )) (أرميا 23: 6).

لا يمكن لأي عامل بشري أن يعدّ ما يشبع جوع النفس ويروي ظمأها. ولكن يهوشوه يقول: (( هأنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي )) (رؤيا 3: 20): ((  أنا هو خبز الحياة من يقبل إليّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً )) (يوحنا 6: 35).

.
فكما نحتاج إلى الطعام لإسناد قوتنا الجسدية كذلك نحن بحاجة إلى المسيا الخبز النازل من السماء لإعالة وإسناد حياتنا الروحية وليمنحنا القوة لنعمل أعمال يهوه. وكما أنّ الجسم يستمدّ باستمرار الغذاء الذي يسند الحياة والقوة كذلك يجب أن تكون النفس في شركة مستمرة مع المسيا خاضعة له ومعتمدة بالتمام عليه. فكما أنّ المسافر المتعب يبحث عن نبع ماء في الصحراء وإذ يجده يطفيء بمياهه العذبة الباردة ظمأه المُحرق, فكذلك المسيحي يعطش إلي الماء العذب النقيّ ماء الحياة الذي منبعه المسيا وحده.

إنّنا إذ نرى كمال صفات مخلصنا نتوق إلي أن نتغيّر تغييرا كاملا ونتجدّد إلي صورة طهارته. كلما زادت معرفتنا ليهوه ازداد سموّ مقياس أخلاقنا واشتداد شوقنا لأن نعكس صورته. إنّ عنصراً إلهيّا يتحد مع العنصر البشري عندمــا تتـوق النفـس وتتلهّف إلي يهوه ، ويمكن للقـلب المشـــتاق أن يقـول : (( إنما ليهوه وانتظري يا نفسي لأن من قِبَله رجائي  )) (مزمور 62: 5).

إن كنت تحسّ في نفسك بالحاجة وكنت تجوع وتعطش إلى البرّ فهذا برهان على أنّ المسيا قد عمل في قلبك حتى يمكنك أن تطلبه ليفعل لك، بواسطة هبة الروح القدس, الأشياء التي يستحيل عليك أن تفعلها لنفسك. لا حاجة بنا أن نحاول إطفاء ظمئنا من الينابيع الضحلة, لأنّ النبع العظيم فوقنا ويمكننا أن نشرب بكل حرّية من مياهه الغزيرة إذا كنا نرتفع قليلا صاعدين في طريق الإيمان.

إنّ أقوال يهوه هي ينابيع الحياة. فإذ تبحث عن تلك الينابيع الحيّة فبواسطة الروح القدس ستصير في شركة مع المسيا. والحقائق المعروفة ستُقدّم نفسَها لذهنك في هيئة جديدة. والآيات الكتابية ستظهر أمامك بمعنى جديد كوميض البرق, وسترى العلاقة بين الحقائق الأخرى وعمل الفداء وستعرف أنّ المسيا يرشدك, وأنّ المعلم الإلهي هو إلى جوارك.

قال يهوشوه: (( المـاء الذي أعطيه يصــير فيه ينبوع ماء ينبع إلي حياة أبدية )) (يوحنا 4: 14). فإذ يكشف لك الروح القدس عن الحق فستختزن أثمن الإختبارات وستتوق لأن تحدّث الآخرين عن الأشياء المعزية التي أعلنت لك. وإذ تجتمع بهم فستخبرهم بفكرة جديدة عن صفات المسيا أو عمله، وسيكون عندك إعلان جديد عن محبته المشفقة لتقدمه لمن يحبونه ولمن لا يحبونه.

(( أعطوا تعطوا )) (لوقا 6: 38) لانّ كلمة يهوه هي (( ينبوع جنات بئر مياه حيّة وسيول من لبنان )) (نشيد الانشاد 4: 15). إنّ القلب الذي ذاق محبة المسيا مرّة يصرخ على الدوام في طلب جرعة أعمق فإذ تقدمها له فستحصــل على كيل اغنى وأوفر. فكل إعلان من يهوه للنفس سيزيد من قابليتها للمعرفة والمحبة. إنّ صرخة القلب المستمرة هي: (( شيء أكبر من لدنك )) فيجيب الروح دوما قائلا: (( اكثر جدا )) (رومية 5: 9و10). لأنّ إلهنا يسـرّ بأن يفعـل (( فــوق كل شيء أكثر جـداً مما نطلـب أو نفتكــر )) (أفسـس 3: 20). لقـد أُعطِـيَ الـروح القـدس بدون كيـل ليهوشوه الذي أخلـى نفسه لأجل خلاص البشرية الهالكة. وكذلك يُعطى لكل تابع للمسيا عندما يسلّم القلب بجملته لسكناه. إنّ سيدَنا نفسَه أصدر هذا الأمر: (( امتلئوا بالروح )) (أفسـس 5: 18), وأمـرُه هو أيضا وعـدُُ بإتمــامـه. لقـد كانت مســــرّة الآب أن (( يحــلّ كل الملء )) في المسيا (( وأنتم مملــؤون فيـه )) (كـولوسي 1: 19؛ 2: 10).

لقـد سـكب يهوه محبته بغـزارة كالسـيول التي تنعـش الأرض وتحييـــها. إنّ يهوه يقــول: (( ليُـنزل الجو برّا لتنفتـح الأرضُ فيثمرُ الخلاصُ ولتنبت برّا معا )) (( البائسون والمساكين طالبون ماء ولا يوجد. لسانهم من العطش قد يبس. أنا يهوه أستجيب لهم أنا إلهُ إسرائيل لا أتركهم. أفتح على الهضاب انهارا وفي وسط البقاع ينابيع. أجعل القفرَ أجمةَ ماءٍ والأرضَ اليابسة مفاجرَ مياه )) (إشعياء 45: 8؛ 17و18).

(( من ملئه نحن جميعا أخذنا. ونعمة فوق نعمة )) (يوحنا 1: 16).

(( طوبى للرحماء لأنهم يُرحمون )) (متى 5: 7).

إنّ قلب الإنسان هو بالطبيعة باردُُ ومظلمُُ وخالٍ من المحبة, فكلما أظهر الإنسان روحَ الرحمة والغفران فهو لا يفعل ذلك من ذاته بل بواسطة تأثير الروح الإلهي الذي يرفّ على قلبه. (( نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولا )) (1يوحنا 4: 19).

ويهوه نفسه هو نبع كل رحمة. واسمه (( رحيم ورؤوف )) (خروج 34: 6). فهو لا يعاملنا بحسب استحقاقنا. وهو لا يسأل ما إذا كنا مستحقين لمحبته ولكنه يسكب علينا غنى محبته ليجعلنا مستحقين.. إنّه ليس حقودا. وهو لا يحاول أن يعاقب بل يحاول بالحري أن يفتدي. وحتى القساوة التي يظهرها في أعمال عنايته إنّما تظهر لأجل خلاص العصاة المتمردين. إنّه يشتاق شوقاً عظيما لأن يخفّف من هموم الناس وويلاتهم ويضع البلسان على جروحهم. نعم إنّ يهوه (( لن يبرئ إبراء )) ولكنه يزيل الإثم (خروج 34: 7).

إنّ الرحماء هم ((  شركاء الطبيعة الإلهية )) وفيهم تجد محبة يهوه الرحيمة تعبيرا. فكل الذين قلوبهم متوافقة مع قلب المحبة السرمدية يحاولون أن يصلحوا لا أن يدينوا. وإذ يسكن المسيا في النفس يصير نبعا لا تنضب مياهه. وإذ يمكث هناك يوجد نبع فائض بالإحسان.

وأمام استغاثة المخطئين والمجربين والبؤساء من ضحايا العوز والخطية لا يسأل المسيحي قائلا: هل هم مستحقون؟ بل بالحري: كيف يمكنني أن أفيدهم ؟ فهو يرى في أشد الناس تعاسة وانحطاطا نفوساً مات المسيا ليخلصها ولأجلهم أعطى يهوه لأولاده خدمة المصالحة.

إنّ الرحماء هم الذين يظهرون الرحمة للفقراء والمتألمين والمظلومين. وها هو أيوب يعلن قائلا: (( لأنّي أنقذت المسكين المستغيث واليتيم ولا معين له. بركة الهالك حلّت عليّ وجعلت قلب الأرملة يُسرّ. لبست البر فكساني. كجبة وعمامة كان عدلي. كنت عيونا للعمي وأرجلا للعرج. أب أنا للفقراء ودعوى لم أعرفها فحصت عنها )) (أيوب 29: 12-16).

يوجد كثيرون ممن تعتبر الحياة بالنسبة إليهم كفاحاً مؤلما مريرا. إنهّم يحسّون بنقائصهم وهم بؤساء وغير مؤمنين, ويظنّون أنّه لا يوجد لديهم ما يشكرون لأجله. فكلام الرفق والشفقة ونظرات العطف وألفاظ التقدير يمكن أن تكون لكثيرين من المكافحين والمستوحشين كمياه باردة لنفس عطشانة. وكلمة العطف وعمل الشفقة والرحمة قد تزجُّ الأثقال التي تضغط بثقلها على المناكب المتعبة. وكل كلمة أو عمل صادر عن الرحمة غير المُحبّة لنفسها هو تعبير عن محبة المسيا للبشرية الهالكة.

والرحماء (( يرحمون )) (( النفس السخية تُسمّن والمروي هو أيضا يُروى )) (أمثال 11: 25). يوجد سلامُُ عذبُُ تتمتع به الروح الرحيمة, وشبعُُ مباركُُ في الحياة التي تنسى نفسها في خدمة الآخرين لخيرهم. والروح القدس الذي يمكث في النفس ويظهر في الحياة يليّن القلوب القاسية ويوقظ العطف والحنوّ. إنّك لابدّ حاصد ما تزرعه: (( طوبى للذي ينظر إلى المسكين... يهوه يحفظه ويحييه. يغتبط في الأرض ولا يسلمه إلى مرام أعـدائه. يهوه يعضده وهو على فراش الضعف. مهّـدتَ مضجعَه كلّه في مرضه )) (مزمور 41: 1-3).

إنّ من يسلّم حياته ليهوه في خدمة أولاده هو مرتبط بذاك الذي كل موارد الكون تحت يده وطوع أمره. وحياته محزومة مع حياة يهوه بسلسلة ذهبيـة من المـواعيد الثـابتـة. ويهوه لن يخـذله في ســاعة الألـم والحــاجة: (( فيملأ إلهي كل احتياجكم بحسب غناه في المجد في المسيا يهوشوه )) (فيلبي 4: 19). وفي الساعة الأخيرة ساعة الحاجة سيجد الرحماء في رحمة المخلص الرحيم وسيقبلون في المظال الأبدية.

 (( طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون يهوه )) (متى 5: 8).

كان اليهود مدققين وحريصين جداً في أمر الطهارة الطقسية بحيث غدت قوانينهم ثقيلةً جدا. كانت عقولهم مشغولة بالقوانين والقيود والخوف من النجاسة الخارجية ولم يفطنوا إلى اللطخات التي بها تنجّس الأنانية والحقد النفس.

ولم يذكر يهوشوه هذه الطهارة الطقسية كشرط من شروط الدخول إلى ملكوته ولكنّه يوجّه الالتفات إلى الحاجة إلى طهارة القلب. إنّ الحكمة التي من فوق هي: (( أولا طاهرة )) (يعقوب 3: 17) وملكوت يهوه لن يدخله شيء دنس. فكل الذين سيسكنون هناك يجب أن يصيروا أنقياء القلب هنا. فالذي يتعلّم من يهوشوه لابد أن يظهر فيه نفورُُ متزايد من عادات الإهمال والكلام الشائن والتفكير الفظّ السمج. وعندما يسكن المسيا في القلب فستكون هناك طهارة ونقاوة الفكر والعادات.

ولكن قول المسيا: (( طوبى للأنقياء القلب )) له معنى أعمق – ليس فقط النقاوة بالمعنى الذي يفهمه العالم كأن يكون خاليا من أي شيء جسداني، وطاهرا من الشهوة, بل أن يكون أمينا ومخلصا في نوايا النفس وبواعثها الخفية ومتحرّرا من الكبرياء وطلب ما للذات ومتواضعا وغير أناني وفي مثل بساطة الأولاد.

إنّ الشبيه هو الذي يقدّر شبيهه. فما لم تقبل في نفسك وحياتك مبدأ المحبّة المضحية بنفسها التي هي مبدأ صفات السيد فلن يمكنك معرفة يهوه. إنّ القلب الذي قد خدعه الشيطان ينظر إلى يهوه على أنّه كائن مستبدّ قاسِ لا يعرف الرحمة, والصفات الأنانية في البشرية بل وفي الشيطان نفسه تنسب إلى الخالق المحب. فهو يقول (( ظننت أنّي مثلك )) (مزمور 50: 21). وأعمال عنايته تُفسَّر على أنّها تعبير عن طبيعة متعسفة حاقدة. وكذلك الحال مع الكتاب المقدس الذي هو خزانة غنى نعمته. فمجد حقائقه التي هي عالية علو السموات وتحيط بعالم الأبد الذي لا يدركه الناس. بالنسبة إلى الجنس البشري الكثير يعتبر المسيا نفسه (( كعرق من أرض يابسة )) (إشعياء 53: 2). وهم لا يرون فيه أي منظر فيشتهوه. وعندما كان يهوشوه بين الناس, إعلان يهوه في البشرية. أعلن الكتبة والفريسيون قائلين له: (( إنّك سامري وبك شيطان )) (يوحنا 8: 48). بل حتى تلاميذه أعمت الأنانية قلوبهم إلى حد أن كانوا متباطئين في فهم ذاك الذي قد أتى ليعلن لهم محبة أبيه. هذا هو السبب الذي جعل يهوشوه يسير في عزلة وهو في وسط الناس. ولم يُفْهم فهما كاملاً إلاّ في السماء وحدها.

وعندما يأتي المسيا في مجده فلن يحتمل الأشرار النظر إليه. فنور وجهه الذي هو حياة لمحبيه هو موت للأشرار. وانتظار مجيئه هو بالنسبة إليهم (( قبول دينونة مخيف وغيرة نار )) (عبرانيين 10: 27). وعندما يظهر سيصرخون طالبين أن يختفوا عن وجه من قد مات ليفتديهم.

أما بالنسبة إلى القلوب التي قد تطهرت بواسطة سكنى الروح القدس فيها فكلّ شيء قد تغير. فهؤلاء يستطيعون أن يعرفوا يهوه. لقد وضع موسى في شق الصخرة عندما أعلن له مجد يهوه, وكذلك نحن عندما نتوارى في المسيا نرى محبة يهوه.

(( من أحب طهارة القلب فلنعمة شفتيه يكون الملك صديقه )) (أمثال 22: 11). إنّنا بالإيمان نراه هنا الآن. وفي اختبارنا اليومي نرى صلاحه ورحمته في إظهار عنايته. ونعترف به في صفات ابنه. والروح القدس يأخذ الحق الخاص بيهوه وبمن قد أرسله ويكشفه للإدراك والقلب. إنّ الأنقياء القلب يعاينون يهوه في نور جديد وعلاقة محببة كفاديهم وإذ يرون طهارة صفاته وجمالها يتوقون إلى أن يعكسوا صورته. فهم يرونه كأب يتوق لمعانقة الإبن التائب فتمتليء قلوبهم فرحاً لا ينطق به ومجيداً.

إنّ الأنقياء القلب يرون الخالق في أعمال يده القوية وفي الأشياء الجميلة التي يشتمل عليها الكون. وفي كلمته المكتوبة يطالعون في سطور أوضح إعلانَ رحمتِه وصلاحَه ونعمتَه. والحقائق التي أُخفيت عن الحكماء والفهماء أُعلنت للأطفال. إنّ جمالَ الحق ونفاستِه اللذين لا يراهما حكماء هذا الدهر ينكشّفان باستمرار لمن عندهم رغبةٌُ واثقةُُ كأولادٍ لمعرفة مشيئة يهوه وإتمامها. إنّنا نرى الحق إذ نصير نحن أنفسنا شركاء الطبيعة الإلهية.

إنّ الأنقياء القلب يعيشون كمن هم في محضر يهوه في خلال الوقت المحدد لهم في هذا العالم. ثم إنهم سيرونه وجها لوجه في حالة الخلود المستقبلة كما فعل آدم عندما كان يسير مع يهوه ويحادثه في عدن. (( فإنّنا ننظر الآن في مرآة في لغز لكن حينئذ وجها لوجه )) (1كورنثوس 13: 12).

(( طوبى لصانعي السلام لأنهم أولاد يهوه يدعون )) (متى 5: 9).

المسيا هو (( رئيس السلام )) (إشعياء 9: 6) ورسالته هي أن يعيد إلى الأرض والسماء السلام الذي نزعته الخطية. (( فإذ قد تبرّرنا بالإيمان لنا سلام مع يهوه بسيدنا يهوشوه المسيا )) (رومية 5: 1). فكل من يرضى بأن يهجر الخطية يفتح قلبه لمحبة المسيا يصير شريكا في هذا السلام السماوي.

ولا يوجد أساس آخر للسلام غير هذا. فنعمة المسيا إذ تُقبل في القلب تقهر العداوة وتسكّن الخصام وتملأ النفس بالحبّ. فالذي يوجد سلام بينه وبين يهوه وبين بني جنسه لا يمكن أن يكون شقيّاً. والحسد لن يوجد في قلبه والظنون الردية لن تجد مجالا هناك والبغضة لا يمكن أن توجد. فالقلب الذي هو على وفاق مع يهوه هو شريك في سلام السماء فيفوح شذا تأثيره الصالح على كلّ من حوله. إنّ روح السلام سيحلّ كالندى على القلوب التي أتعبتها وأزعجتها المخاصمات العالمية.

إنّ أتباع المسيا يُرسَلون إلى العالم برسالة السلام. فكل من يظهر محبة المسيا بتأثيره الهاديء غير الملاحظ, كل من يقود آخر لترك الخطية وتسليم قلبه للمسيا بالكلام أو بالعمل هو صانع سلام.

و (( طوبى لصانعي السلام لأنّهم أبناء يهوه يدعون )). إن روح السلام هو البرهان على ارتباطهم بالسماء. ورائحة المسيا الزكية تحيط بهم. إنّ عطر الحياة وجمال الخلق يعلنان للعالم حقيقة كونهم أبناء يهوه. والناس يعرفون أنهم كانوا مع يهوشوه.(( كل من يحب فقد ولد من يهوه )) (1يوحنا 4: 7) (( إنّ كان أحد ليس له روح المسيا فذلك ليس له )) ولكن (( كل الذين ينقادون بروح يهوه فأولئك هم أبناء يهوه ))(رومية 8: 9و14).

(( وتكون بقية يعقوب في وسط شعوب كثيرين كالندى من عند يهوه كالوابل على العشب الذي لا ينتظر إنسانا ولا يصير لبني البشر )) (ميخا 5: 7).

(( طوبى للمطرودين من أجل البر لأن لهم ملكوت السموات )) (متى 5: 10).

إنّ يهوشوه لا يقدّم لتابعيه الرجاء في الحصول على مجد الأرض وغناها, وخلو الحياة من التجارب. بل يقدّم لهم امتياز السير مع سيدهم في مسالك إنكار الذات واحتمال العار لأن العالم لا يعرفهم.

إنّ من قد جاء ليفتدي العالم الضال قاومته القوات المتضافرة من خصوم يهوه والإنسان. ففي تحالف لا يشفق ولا يرحم اصطفّ الناس والملائكة الأشرار ضدّ رئيس السلام. فمع أنّ كل أقواله وأفعاله نطقت بالرحمة الإلهية فإن عدم مشاكلته للعالم أثارت ضده أقسى عداوة. فلكونه لم يقرّ ممارسة شهوات طبيعتنا الشريرة أثار أعنف مقاومة وأشدّ عداء. وكذلك الحال مع كل من يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيا يهوشوه. فبين البرّ والخطية وبين المحبّة والعداوة وبين الحق والضلال تثور حرب لا يخمد أوارها. عندما يقدّم الإنسان محبة المسيا وجمال القداسة فهو يجتذب رعايا الشيطان بعيدا عن مملكته فيثور سلطان الظلمة لمقاومة ذلك. فالاضطهاد والتعيير ينتظران كل من يسكن فيهم روح المسيا. وصفة الاضطهاد تتغير بتعاقب العصور ولكن المبدأ – أي الروح الذي يكمن تحته هو بذاته الذي قتل مختاري يهوه منذ أيام هابيل.

إنّ الناس إذ يحاولون أن يكونوا على وفاق مع يهوه سيجدون أنّ عثرة الصليب لم تبطل. فالرياسات والسلاطين وأجناد الشرّ في السماويات تصطف ضد كل من يقدمون الطاعة لشريعة السماء. ولذلك بدلا من أن يجلب الاضطهاد حزنا لتلاميذ المسيا يجب أن يأتيهم بالفرح لأنّه البرهان على كونهم يسيرون في أثر خطوات سيدهم.

وفي حين أنّ يهوه لم يعِدْ شعبه بإعفائهم من التجارب فقد وعدهم بما هو أفضل جداً. قال: (( كأيامك راحتك )) (قوتك) - (تثنية 25:33) (( تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل )) (2كورنثوس 12: 9). فإذ دعيت لأن تجوز في أتون النار لأجل يهوشوه فهو سيكون إلى جوارك كما كان مع الفتية الثلاثة الأمناء في بابل. إنّ الذين يحبون فاديهم سيفرحون كلما قدمت لهم فرصة لمشاركته في الاتضاع وحمل العار. والمحبة التي يكنّونها لسيدهم تجعل الآلام التي يقاسونها لأجل اسمه عذبة وجميلة.

لقد اضطهد الشيطان شعب يهوه في كل العصور. فلقد عذبهم وقتلهم, إلاّ أنّهم انتصروا في موتهم. فلقد أعلنوا بإيمانهم الثابت عن وجود من هو أقوى من الشيطان. لقد استطاع الشيطان أن يعذّب الجسد ويقتله, ولكنّه لم يستطع أن يمسّ الحياة المستترة مع المسيا في يهوه. أمكنه أن يحبس ضمن أسوار السجن ولكنّه لم يستطع أن يقيّد الروح. فلقد أمكنهم أن ينظروا عبر الظلام إلى المجد قائلين: (( فإني أحسب أنّ آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا )) (رومية 8: 18). (( خفّة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبديا )) (2كورنثوس 4: 17).

وعن طريق التجارب والاضطهاد يعلن مجد يهوه – صفته – في مختاريه. إنّ أعضاء كنيسة يهوه الذين يبغضهم العالم ويضطهدهم يتهذّبون ويتدربون في مدرسة المسيا. إنّهم يسيرون في مسالك الأرض الضيقة، ويتطهرون في أتون الألم وكور المشقّة. إنّهم يتبعون المسيا مجتازين في محاربات مؤلمة، ويتحمّلون إنكار الذات ويختبرون المفشلات المريرة، لكن اختبارهم المؤلم يعلّمهم جرم الخطية وشقاءها فينظرون إليها باشمئزاز. ولكنهم شركاء آلام المسيا فقد قضى انّهم يكونون شركاءه في مجده. لقد رأي النبي في رؤيا مقدسة نصرة شعب يهوه. فيقول: (( رأيت كبحر من زجاج مختلط بنار والغالبين … واقفين على البحر الزجاجي معهم قيثارات يهوه وهم يرتلون ترنيمة موسى عبد يهوه وترنيمة الخروف قائلين عظيمة وعجيبة هي أعمالك أيها السيد يهوه الإله القادر على كل شيء. عادلة وحق هي طرقك يا ملك القديسين )) (رؤيا 15: 2و3) (( هؤلاء هم الذين أتوا من الضيقة العظيمة وقد غسلوا ثيابهم في دم الخروف. من اجل ذلك هم أمام عرش يهوه ويخدمونه نهارا وليلا في هيكله والجالس على العرش يحل فوقهم )) (رؤيا 7: 14و15).

(( طوبى لكم إذا عيَّروكم )) (متى 5: 11).

إنّ الشيطان منذ سقوطه ظلّ يعمل بواسطة الخداع. وكما قد أساء في تصوير يهوه فكذلك أساء تصوير أولاد يهوه عن طريق أعوانه. إنّ المخلص يقول: (( تعييرات معيّريك وقعت عليَّ )) (مزمور 69: 9). فبمثل تلك الكيفية تقع التعييرات على تلاميذه.

انّه لم يوجد قط إنسان سار بين الناس وافتُرِيَ عليه بأقسى ممّا أفُترِيَ علي ابن الإنسان. فلقد وقعت عليه السخرية والاستهزاء بسبب طاعته لمباديء شريعة يهوه المقدسة في غير انحراف. وقد أبغضوه بلا سبب. ومع ذلك وقف هادئا أمام أعدائه معلنا أنّ التعيير هو جزء من تراث المسيحي, وناصحا تابعيه في كيف يواجهون سهام الضغينة آمرا إياهم ألاّ يخوروا تحت الاضطهاد.

إنّ الافتراء في حين انّه قد يسِّود السمعة فإنّه لا يستطيع أن يلطخ الخلق. فذاك هو تحت حراسة يهوه. وطالما نحن لا نرضى بأن نخطيء فلا توجد قوة بشرية كانت أم شيطانية، تستطيع أن تلطخ النفس. إنّ الإنسان الذي قلبه ثابت ومتكل على يهوه هو باقِ كما هو في أقسى ساعات التجارب المحزنة والبيئة المثبطة كما كان في أيّام نجاحه وكما بدا أنّ نور رضى يهوه يشرق عليه. قد تُحرّفُ أقوالُه وبواعثُه وأعمالُه وتُزيّف ولكنه لا يكترث لذلك لأن مصالحه الأعظم معرضة للخطر. فهو يحتمل كموسى الذي تشدد (( كأنه يَرَى مَنْ لا يُرَى )) (عبرانيين 11: 27)، (( غير ناظرين إلي الأشياء التي ترى بل إلى التي لا ترى )) (2كورنثوس 4: 18).

إنّ المسيا عالم بكل ما يسييء الناس فهمه وما يسيئون تصويره. ويمكن لأولاده أن ينتظروا في سكون وصبر وثقة مهما يكن مقدار عيب الناس في حقهم وحقدهم عليهم واحتقارهم إياهم, لأنّه ليس مكتوم لن يستعلن, والذين يكرمون يهوه هو سيكرمهم في محضر الناس والملائكة.

يقول يهوشوه: (( إذا عيروكم وطردوكم... افرحوا وتهللوا )). وهو يوجّه أفكار سامعيه إلى الأنبياء الذين تكلموا باسم السيد (( مثالا لاحتمال المشقات والأناة )) (يعقوب 5: 10). إنّ هابيل أول مسيحي من أولاد آدم مات شهيداً. وأخنوخ سار مع يهوه ولم يعرفه العالم. وكان نوح موضوعا للسخرية كرجل متعصّب مثير فتنـة (( وآخــرون تجــربوا في هزء وجلد ثم في قيــود أيضا وحبس )), (( وآخرون عذبوا ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة أفضل )) (عبرانيين 11: 36 و 35).

إنّ أولاد يهوه عُيّروا اضطُهِدوا في كل عصر ومع ذلك فمن طريق تجاربهم وآلامهم انتشرت معرفة يهوه إلى أماكن بعيدة. فعلى كل تلميذ للمسيا أن يتقدم وينضم إلي الصفوف ويسير قُدما بنفس العمل عالما أن أعداءه لا يفعلون شيئاً ضد الحق بل إلى جانب الحق. إنّ يهوه يقصد أن يُؤتى بالحق إلى الأمام ويصير موضوعا للفحص والمناقشة حتى عن طريق الاحتقار الذي يُلصق به. فيجب أن تهتاج عقول الناس، فكلّ جدال وكلّ تعيير وكلّ محاولة للحدّ من حرية الضمير هي وسيلة يهوه لإيقاظ العقول التي لولا ذلك كانت تغطّ في النوم.

كم مرّة رُؤيت هذه النتيجة في تاريخ رسل يهوه؟ عندما رُجـِم استفانوس النبيل الفصيحَ للموت بتحريض مجمع السنهدريم لم تكن هنالك خسارة على عمل الإنجيل. فنورُُ السماء الذي أنار وجهَه ورحمةُ يهوه التي نطق بها وهو يصلّي عند موته كانا كسهم تبكيت حاد اخترق قلب عضو السنهدريم المتعصّب الذي كان واقفا قريبا, فصار شاول الفريسي المُضطهِدُ إناءً مختاراً ليحمل اسم المسيا أمام أمم وملوك وبني إسرائيل وبعد ذلك بوقت طويل كتب بولس الشــيخ من سـجنه في رومـا يقول: (( أما قــوم فعن حســدٍ وخصــامٍ يكرزون بالمسيا ... لا عن إخلاص ظانين أنّهم يضيفون إلى وثقي ضيقاً .. غير أنّه على كل وجه سواء كان بعلّة أم بحقّ يُنادَى بالمسيا )) (فيلبي 1: 15و16و18). فعن طريق سجن بولس انتشر الإنجيـل بعيداً ورُبـِحت نفوس للمسيا في نفس بيت قيصر. وعن طريق جهــود الشيطان الهــادفـة إلي الهــلاك يُزرع بذارُ كلمـة يهوه البذارُ الذي (( لا يفنى )), (( الحيّـة البـاقيــة إلى الأبـد )) (1بطرس 1: 23) في قلـوب الناس عن طـريق تعيير واضطهــــاد أولاد يهوه، ولكـن بذلك يتعظّم اسـم المسيا وتخلص النفوس.

عظيم في السموات هو أمر من هم شهود للمسيا بواسطة الاضطهاد والتعيير. فإذ ينتظر الناس خيرا ارضياً يوجّه المسيا أنظارَهم إلى الأجر السماوي. ولكنّه لا يبقيه كلَّه للحياة المستقبلة فهو يبدأ من هنا. لقد ظهر السيد لإبراهيم قديماً وقال له: (( أنا ترس لك. أجرك كثير جدا )) (تكوين 15: 1). هذا هو أجرُ كلّ من يتبعون المسيا. يهوه عمانوئيل (( المذخّر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم )) والذي فيه يحل (( كل ملء اللاهوت جسديا )) (كولوسي 2: 3 و 9). كوننا نصير في حالة توافق معه ونعرفه ونمتلكه, إذ ينفتح القلب أكثرَ فأكثرَ لقبول صفاته, ويعرف محبته وقدرته ويمتلك غنى المسيا الذي لا يُستقصى ويُدرك أكثر فأكثر (( ما هو العرض والطول والعمق والعلوّ وتعرفوا محبة المسيا الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء يهوه )) (أفسس 3: 18 و 19), (( هذا هو ميراث عبيد يهوه وبرّهم من عندي يقول يهوه )) (إشعياء 54: 17).

هذا هو الفرح الذي ملأ قلب كل من بولس وسيلا حين كانا يصليان ويسبحان يهوه في نصف الليل في سجن فيلبى. فقد كان المسيا إلى جانبهما وقد أنار نورُ وجهه الظلمة بمجد المنازل العليا. وقد كتب بولس من روما وهو غير مكترث لقيوده إذ رأى انتشار الإنجيل: (( بهذا أنا افرح بل سأفرح أيضاً )) (فيلبي 1: 18). ونفس أقوال المسيا التي نطق بها على الجبل تردّد صداها في رسالة بولس إلى كنيسة فيلبي في وسط اضطهاداتهم إذ يقول لهم: (( افرحوا في يهوه كل حين وأقول أيضاً افرحوا )) (فيلبي 4:4).

(( أنتم ملح الأرض )) (متى 5: 13).

إنّ الملح له قيمته لما له من خصائص الحفظ والوقاية, وعندما يسمّي يهوه أولادهُ ملحاً يريد أن يعلمهم أنّ غرضَه من جعلِهم رعايا نعمته هو أن يصيروا وسائلَ لخلاص الآخرين. وغرض يهوه في اختياره لشعبٍ أمام العالم كلّــه لم يكن فقط لكي يتخــذهم بنين وبنات له بل حتى عن طــريقهـم يقبل العالم النعمة التي تأتى بالخلاص (تيطس 2: 11). فعندما اختار يهوه ابراهيم لم يكن ذلك فقط ليكون خليل يهوه, بل ليكون موصّلاً للامتيازات الخاصة التي قصد يهوه أن يمنحها للأمم. ويهوشوه, في تلك الصلاة الأخيرة التي قدمها مع تلاميذه قبيل صلبه قال: (( ولاجلهم أقدس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضاً مقدسين في الحق )) (يوحنا 17: 19). وبمثل هذه الكيفية ستكون في المسيحيين المُطهّرين والمُقَدّسين في الحق خواص مخلصة تحفظ العالم من الفساد الأدبي الشامل.

ويجب أن يختلط الملح بالمواد التي يضاف إليها, فيجب أن يتغلغل ويتخلل تلك المواد كي تحفظ. وهكذا فعن طريق الاتصال الشخصي والمعاشرة يمكن الوصول إلى الناس بقوة الإنجيل المخلصة. وهم لا يخلُصون جماعات بل كأفراد. إنّ التأثير الفردي الشخصي هو قوة. فيجب أن نقتربَ ممن نرغب في أن نفيدهم.

إنّ طعم الملح يرمز إلى القوة الحيوية في المسيحي - محبة يهوشوه في القلب وبرّ المسيا الذي يشمل الحياة. ومحبة المسيا قابلة للانتشار وناشطة للعمل. فإن كانت ساكنة في قلوبنا فستفيض على الآخرين. نقترب إليهم حتى تدفأ قلوبُهم باهتمامنا ومحبتنا غير الأنانية. إنّ المؤمنين المخلصين ينشرون النشاط الحيوي الذي يتغلغل ويمنح قوة أدبية جديدة للنفوس التي يتعبون لأجلها. إنّ القوة التي تحدث التغيير ليست هي قوة الإنسان نفسه بل قوة الروح القدس.

وقد أضاف يهوشوه هذا الإنذار الخطير قائلا: (( ولكن إن فسد الملح فبماذا يُملّح. لا يصلح بعد لشيء إلاّ لأن يطرح خارجاً ويداس من الناس )).

فإذ أصغى الناس لكلام المسيا أمكنهم أن يروا الملح الأبيض وهو يلمع في الطرقات حيث طُرح خارجاً لأنّه قد فقد ملوحته ولذلك صار عديم النفع. وكان يرمز بحق إلى حالة الفريسيين وأثر دينهم في المجتمع. وهو يرمز إلى حياة كل إنســان رحلـت عنه نعمة يهوه وصــار فـاتراً وبلا مسيا. مثل هذا الإنسان مهما يكن نوع اعترافه ينظرُ الناس والملائكة إليه على انّه بلا طعم وكريه. فلمثل هؤلاء يقول المسيا: (( ليتك كنت بارداً أو حاراً. هكذا لأنّك فاتر ولست بارداً ولا حاراً أنا مزمع أن أتقيأك من فمي )) (رؤيا 3: 15 و 16).

إنّه يستحيل علينا أن نجعل العالم المتشكك المرتاب يحسّ بتأثيرنا دون أن يكون عندنا إيمان حيّ بالمسيا كمخلصنا الشخصي. ونحن لا نستطيع أن نُعطي الآخرين شيئا لا نمتلكه. فبنسبة تعبدنا وتكريسنا للمسيا يمكننا أن نحدث تأثيرا يجلب للإنسانية البركة والرفعة. فإذا لم تكن هناك خدمة فعلية ولا محبة صادقة ولا اختبار واقعي فلا توجد قوة للمعونة ولا اتصال بالسماء ولا رائحة المسيا في الحياة. وما لم يستخدمنا الروح القدس كعاملين ليمكنه بواسطتنا أن يوصل للعالم الحق كما هو في يهوشوه فإننا نمسي كملح فقد ملوحته ولا قيمة له إطلاقا. فلكوننا مفتقرين إلى نعمة المسيا فنحن نشهد للعالم بانّ الحق الذي ندّعي الإيمان به لا توجد فيه قوة مقدسة, وهكذا فبقدر ما يمتد تأثيرنا فنحن نجعل كلمة يهوه بلا تأثير. (( إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة ولكن ليس لي محبة فقد صرت نحاسا يطنّ أو صنجا يرّن. وان كانت لي نبوة وأعلم جميع الأسرار وكل علم وان كان لي كل الإيمان حتى أنقل الجبال ولكن ليس لي محبة فلست شيئا. وإن أطعمت كل أموالي وإن سلمت جسدي حتى أحترق ولكن ليس لي محبة فلا انتفع شيئا )) (1 كورنثوس 13: 1 ـ 3).

عندما تملأ المحبة القلب فهي تفيض على الآخرين, لا بسبب الاحسانات التي ننالها منهم بل لأنّ المحبة هي مبدأ العمل. إنّ المحبة تُصلح الخلق وتسيطر على الدوافع وتقهر العداوة وتشرّف العواطف. المحبة متّسعة بقدر اتساع الكون وهى على وفاق مع ما للملائكة الخادمين. فإذ تُقبَل في القلب تجعل الحياة بجملتها حلوة وعذبة وتسكب من بركتها على كل من حولها. فهذا وهذا وحده هو الذي يمكن أن يجعلنا ملح الأرض.

(( أنتم نور العالم )) (متى 5: 14).

إنّ يهوشوه إذ كان يعلم الشعب جعل تعاليمه ملذّةً واسترعى انتباه سامعيه بكثير من الأمثلة والشروح من مشاهد الطبيعة التي حوله. لقد اجتمع الشعب معا حين كان الوقت صباحاً. فإذ ارتفعت الشمس المجيدة إلى أعلى وأعلى في السماء الزرقاء كانت تطارد الظلمات التي اختبأت في الأودية وبين الشعاب الضيقة في الجبال. ولم يكن مجدُ ونوُر السموات في بلاد الشرق قد خبا بعد. فقد غمر نور الشمس الأرض ببهائه, وقد عكس سطح البحيرة الهاديء ذلك النور الذهبي فسطع على سحب الصباح وصبغها باللون الوردي. وكل برعمة وزهرة وغصن مورق التمعت عليه قطرات الندى. ولقد ابتسمت الطبيعة منحنية تحت بَرَكة يوم جديد وأنشدت الأطيار أغاريدها العذبة بين الأشجار. نظر المخلص إلى الجمع الذي أمامه ثم إلى الشمس المشرقة وقال لتلاميذه: (( أنتم نور العالم )) فكما تذهب الشمس لتقوم بخدمتها, خدمة المحبة, طاردةً ظلماتِ الليل وموقظةً العالم للحياة كذلك يجب على تابعي المسيا أن يخرجوا في خدمتهم ناشرين نور السماء على من يعيشون في ظلمة الضلال والخطية.

وفى نور الصباح الباهر وقفت المدن والقرى على التلال المجاورة بوضوح فأكسبت المشهد هيئة جذابة. وإذ أشار يهوشوه إليها قال: (( لا يمكن أن تُخفى مدينة موضوعة على جبل )). ثم أردف يقول (( ولا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت )) (متى 5: 14 و 15). إنّ معظم الذين كانوا يستمعون لأقوال يهوشوه كانوا فلاحين أو صيادي سمك ممّن كانت مساكنهم الوضيعة تتكوّن من غرفة واحدة بها سراج واحد على المنارة يضيء لكل الذين في البيت. قال يهوشوه: (( فليضيء نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات )) (متى 5: 16).

لا يوجد نور آخر أشرق أو سيشرق على الإنسان الخاطيء إلاّ ذلك النور المنبثق من المسيا. فيهوشوه المخلص هو النور الوحيد الذي يمكن أن ينير ظلمة العالم الذي وضع في الخطية. لقد جاء عن المسيا: (( فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس )) (يوحنا 1: 4). فإذ أخذ التلاميذ من حياته أمكنهم أن يصيروا حاملي النور. إنّ حياة المسيا في النفس ومحبته الظاهرة في الخلُق جعلتهم نوراً للعالم.

إنّ البشرية لا يوجد في ذاتها نور. فبدون المسيا نحن نشبه شمعة مطفأة, وكالقمر عندما يحول وجهه بعيداً عن الشمس, لا توجد فينا شعاعة واحدة من النور نلقيها على ظلمة العالم. ولكن إذ نتجه إلى شمس البرّ. ونتصل بالمسيا فالنفس كلها تستنير ببهاء نور الحضور الإلهي.

يجب على اتباع المسيا أن يكونوا أكثر من نور في وسط الناس. فهو نور العالم. يقول يهوشوه لكل من يُسمّون اسمه: لقد سلّمتم أنفسكم لي وأنا أعطيتكم للعالم نوابا عنّي. وكما أرسله الآب إلى العالم يقول هو: (( أرسلتهم أنا إلى العالم )) (يوحنا 17: 18). وكما أنّ المسيا هو القناة لإعلان الآب كذلك يجب أن نكون نحن قناة أو واسطة إعلان المسيا. وفى حين أن مخلصنا هو مصدر النور العظيم فلا تنس أيها المسيحي أنه يعلن عن طريق البشر. فبركات يهوه تُوزّع بوسائل بشرية. لقد أتى المسيا نفسه إلى العالم كابن الإنسان. فينبغي أنّ الطبيعة البشرية, متحدة بطبيعة اللاهوت, تلامس البشرية. إنّ كنيسة المسيا, كل فرد من تلاميذ المسيا, هو المجرى الذي عينته السماء لإعلان يهوه للناس. وملائكة المجد ينتظرون ليوصلوا عن طريقكم نور السماء وقوّتَها للنفوس الموشكة على الهــلاك. فهل يخفق العامـل البشرى في إتمام العمل الموكل إليه؟ آه, إلى هذه الدرجة يُسلَب العالم من قوة الروح القدس الموعود بها!

ولكن يهوشوه لم يأمر تلاميذه قائلا: (( جاهدوا لتجعلوا نوركم يضيء )) بل قال: (( ليضيء )). فان كان المسيا يسكن في القلب فمن المستحيل إخفاء نور حضوره. وان لم يكن المعترفون بأنّهم اتباع المسيا نوراً للعالم فالسبب هو أنّ القوة الحيوية قد تركتهم, وإنْ لم يكن عندهم نور ليعطوه فسببُ ذلك عدمُ وجود صلة بينهم وبين نبع النور.

في كل العصور نجد أنّ (( روح المسيا الذي فيهم )) (1 بطرس 1: 11). جعل أولاد يهوه الحقيقيين نورا للشعب الذي عاش في جيلهم. لقد كان يوسف حاملا للنور في مصر. ففي طهارته وإحسانه ومحبته البنوية مثـَّل المسيا وكان رمزا له في وسط أمّة وثنية. وحين كان بنو إسرائيل راحلين من مصر إلى ارض الموعد كان المستقيمو القلوب بينهم نورا للأمم المجاورة. وقد أعلن يهوه للعالم عن طريقهم. وأضاء نورُُ باهرُُ من دانيال ورفاقه في بابل ومن مردخاي في بلاد فارس في وسط ظلمة البلاط الملكي. وكذلك تلاميذ المسيا قد أقيموا كحاملي نور في الطريق إلى السماء, فعن طريقهم تُعلن رحمة الآب وصلاحه لعالم مكفن بظلام سوء فهم الناس ليهوه. والناس الآخرون إذ يرون أعمالهم الحسنة يمجدون الآب الذي في السموات, إذ يتضح وجود اله على عرش الكون صفاته تستحق التمجيد والتمثل بها. فمحبة يهوه التي تنير القلب وتلهبه والانسجام المسيحي في الحياة يشبهان قبسا من السماء معطى لأهل العالم ليقدروا مجدها وبهاءها.

وهكذا يحدث أنّ الناس يؤمنون (( بالمحبة التي ليهوه فينا )) (1 يوحنا 4: 16). وهكـذا تتطـهر وتتغــير القلـوب التي كانت قبلا خاطئة وفاسـدة. لتوقف (( أمام مجده بلا عيب في الابتهاج )) (يهوذا 24).

إنّ قول المخلص: (( أنتم نور العالم )) يشير إلى حقيقة كونه قد سلم لأتباعه خدمة تشمل العالم. في عهد المسيا كانت الأنانية والكبرياء والتعصّب قد أقامت حائط السياج قويا وعاليا بين من قد أقيموا حراسا على الأقوال الإلهية المقدسة وبين كل أمة أخرى على سطح الأرض. ولكن المخلّص قد جاء ليغيّر وينقض كل هذا. فالأقوال التي كان الناس يسمعونها من فمه كانت تخالف كل المخالفة كل ما سمعوه من كاهن أو معلم. فالمسيا ينقض حائط السياج, سياج محبة الذات والتعصّب القومي الفاصل, ويعلّم الناسَ المحبةَ لكل الأسرة البشرية. وهو يرفع الناس من الدائرة الضيقة التي تفرضها إثرتهم, ويُلغي كل الحدود الإقليمية وامتيازات المجتمع الزائفة. وهو لا يجعل فرقا بين الأقوياء والغرباء أو بين الأصدقاء والأعداء. وهو يعلمنا أن ننظر إلى كل إنسان محتاج على أنّه قريبنا والى العالم على أنّه حقلنا وميدان عملنا.

فكما تتغلغل أشعة الشمس إلى أبعد أركان الأرض كذلك يقصد يهوه أن يمتد نور الإنجيل إلى كل نفس على الأرض. فإذا تمّمت كنيسة المسيا غـرض سيدنا فإنّ النـور يضـيء على كــل الجالســـين في الظلمـة ووادي ظـلال الموت. وبدلا من أن يجتمع أعضاء الكنيسة معا وينفّضوا أيديهم من كل مسؤولية وحمل الصليب يمكنهم أن ينتشروا في كل بقاع الأرض وكل البلدان جاعلين نور المسيا يضيء منهم, ويعملون كما عمل هو لاجل خلاص النفوس, فكانت (( بشـارة الملكـوت )) هذه تنتشر بسـرعة إلى كل أنحاء العالم.

وهكـذا يحــــدث أنّ غـــرض يهوه في دعـــوته لشـــعبه من ابراهيم وهو في سهــول مـا بين النهــرين إلينــا في هذا العصــر يتمّ ويتحقـق. فهـو يقــول: (( أباركك ... وتكون البركة )) (تكوين 12: 2). إنّ أقوال المسيا على فم النبي الإنجيلي التي تجد لها صدى في الموعظة على الجبل هي لأجلنا في هذا العصر الأخير. فيقول إشعياء: (( قومي استنيري لأنه قد جاء نورك ومجد يهوه أشرق عليك )) (إشعياء 60: 1). فإن كان مجد يهوه قد أشرق على روحـك, وإذا شـاهدت جمــال ذاك الذي هو (( معلم بين ربوة )) والذي (( كله مشتهيات )) (نشيد الأنشاد 5: 10 و 16). وصارت نفسه متألقة في محضر مجده فإليك قد أُرسِلَت كلمة السيد هذه. هل وقفت مع المسيا على جبل التجلّي ؟ إن في أسفل الجبل في السهل توجد نفوس استعبدها الشيطان, وهم ينتظرون أن تطلقهم كلمة الإيمان والصلاة أحراراً.

يجب أن لا نكتفي بالتأمل في مجد المسيا, بل علينا أيضاً أن نخبر بفضائله. فإشعياء لم يقف عند حدّ مشاهدة مجد المسيا ولكنّه أيضاً تكلم عنه. إنّ داود وهو مستغرق في التأمل اشتعلت النار وحينئذ تكلّم بلسانه. فإذ كان متأمّلا بمحبة يهوه العجيبة لم يمكنه إلاّ أن يتكلم عمّا رآه وأحسّ به, من ذا الذي يستطيع أن يرى بالإيمان تدبير الفداء العجيب ومجد ابن يهوه الوحيد ولا يتحدث عنه؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يتأمل في المحبة التي لا يُسبرُ غورَها والتي ظهرت وأُعلِنت على صليب جلجثة بموت المسيا لكي لا نهلك بل تكون لنا الحياة الأبدية ـ من يستطع أن يرى هذا ولا يجد كلاما به يسبّح مجد المخلص ويتغنّى به؟

(( في هيكله الكل قائل مجد )). إن مرنم إسرائيل الحلو قد سبحه على قيثارته قائلا: (( بجلال مجد حمدك وأمور عجائبك ألهج. بقوة مخاوفك ينطقون وبعظمتك أحدث )) (مزمور 29: 9؛ 145: 5 و 6).

يجب أن يُرفع صليب جلجثة عاليا فوق الشعب شاغلا عقولهم ومركّزا أفكارَهم. وحينئذ تكتسب كلّ الملكات الروحية قوة إلهية من يهوه مباشرة. وحينئذ يكون هناك تركيز للقوى في عمل حقيقي للسيد. وسيرسل الخدام إلى العالم أشعة النور كعوامل حيّة لإنارة الأرض.

بكل رقة ولطف يقبل المسيا كل عامل بشري يخضع ويسلم له. إنّه يوحد بين ما هو بشري وما هو إلهي حتى يمكنه أن يوصل إلى العالم أسرار المحبة المتجسّدة. فتحدثوا بها وصلوا بها وتغنوا بها, وأعلنوا على الملأ رسالة مجده وسيروا قدما إلى الأمام إلى مواطن الخلد.

إنّ التجارب متى احتملنـاها بصبر, والبركات إذا تناولنـاها بشكر, وتجارب الشيطان متى قاومناها بشجاعة, والوداعة والرفق والرحمة والمحبة إذا اعتدنا إعلانها هي الأنوار التي تتألق في الخلُق على نقيض ظلمـة القلـب الأنـاني الذي لم تشرق فيه قطُّ شعاعة من نور الحياة.

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
11
20
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
01
18
Calendar App