1. هـوَّة عَظيمَـة قَـد أُثبتتْ
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

يرينا المسيا في مثل الغني ولعازر أنّ الإنسان يقرر مصيره الأبدي  في هذه الحياة. وفى أثناء فرصة الإمهال تُقدَّم نعمة  يهوه لكل نفس. ولكن إذا أنفق الناس الفرص المقدمة لهم وأضاعـوها في إرضــاء الـذات فإنهم يفصلون أنفسهم من الحياة الأبدية. ولن تُعطى لهم فرصة إمهال أخرى. فإنهم بمحض اختيارهم قد أثبتوا هوَّة لا تُعبر بينهم وبين يهوه.

هذا المثل يرسم لنا الفرق بين الأغنياء الذين لم يجعلوا يهوه معتمدهم والفقراء الذين قد جعلوا يهوه سندهم. والمسيا يرينا أنّه قريبا سيأتي الوقت الذي فيه سينعكس مركز كل من الفريقين. فالذين هم فقراء في خيرات هذا العالم ومع ذلك يثقون بيهوه ويصبرون على الآلام والشدائد سيرتفعون يوما ما ويتمجدون فوق من يحتلون الآن أسمى المراكز التي يمكن للعالم أن يمنحها ومع ذلك لم يسلموا حياتهم ليهوه.

قال المسيا: (( كان إنسان غني وكان يلبس الأرجوان والبزّ وهو يتنعّم كل يوم مترفها. وكان مسكين اسمه لعازر الذي طرح عند بابه مضروبا بالقروح. ويشـتهي أن يشـبع من الفتات الساقط من مائدة الغني )) (لوقا 19:16 – 21).

لم يكن الرجل الغني ينتمي إلى الفريق الذي يمثله قاضي الظلم الذي كان يجـاهر باحتقـاره ليهوه وللناس. فقد كان يَّدعي أنّه ابن لإبراهيم. وهو لم يقسُ في معاملته للمسكين ولا طلب منه أن ينصرف عن بيته لأنّ منظره كريه. فإذا كان الفقراء الذين تعافـهم النفس تعزّوا عندما شـاهدوه وهو داخل أبوابه فقد كان الرجل الغني راغبا في بقائه. ولكنّه كان إنسانا أنانيا لا يكترث لحاجات أخيه المتألم.

لم تكن توجد في ذلك الزمان مستشفيات يُعنى فيها بالمرضى. وكان المتألمون والفقراء يجلبون إلى انتباه من قد استأمنهم السيَد على المال حتى يمكنهم أن يحصلوا على العون والعطف منهم. وهكذا كان الحال مع المسكين وهذا الغني كان لعازر في أشد الحاجة إلى المعونة لأنّه لم يكن له أصدقاء ولا بيت ولا مال ولا طعام. ومع ذلك فقد سُمح له بأن يظل على هذه الحال يوما بعد يوم، في حين أن ذلك الشريف الغني كانت كل حاجاته مكفولة. فذاك الذي كانت له كل القدرة على أن يخفّف آلام واحد من بني جنسه عاش لنفسه كما يفعل كثيرون اليوم.

يوجد اليوم بالقرب منا كثيرون من الجياع والعراة والمشردين. فإهمالنا في اقتسام مواردنا مع هؤلاء الفقراء المتألمين يثقّل كواهلنا بجرم عظيم ستخيفنا مواجهته يوما ما. إنّ كل طمع محكوم عليه بأنه عبادة أوثان. إنّ كل انغماس أناني هو إثم في نظر يهوه.

لقد جعل يهوه الرجل الغني وكيلا له على أمواله، وقد كان الواجب يقتضـيـه أن يهتـم بحالات أمثال ذلك الشـحاذ. لقد صـدر هذا الأمـر من يهوه: (( فتحبّ يهوه إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك )) (تثنية 5:6)، (( تحبّ قريبك كنفسك )) (لاويين 18:19). كان الغني يهوديا وكان عارفا أمر يهوه ولكنه نسي أنه مسؤول عن كيفية استخدام الوسائل والإمكانيات المودعة عنده. لقد أغدق يهوه بركاته عليه بغنى، ولكنه استخدمها لنفسه ليكرم نفسه لا ليكرم خالقه. فبنسبة أمواله الكثيرة كان ملتزما أن يستخدم تلك الأموال في رفع شأن الإنسانية. هذا كان أمر السيَد، ولكن الغني لم يكن يفكر في التزامه نحو يهوه. كان يقرض المال وكان يتقاضى الربا عما أقرضه، ولكنه لم يقدم أي فائدة عما أقرضه يهوه إياه. كانت عنده معرفة ومواهب ولكنه لم يحسن استخدامها. وإذ نسي مسؤوليته ليهوه كرّس كل قواه للمسرات. فكل ما كان محاطا به من جولات تسلياته ومديح أصدقائه وتمليقاتهم خدمت تمتّعه الأناني. لقد كان مستغرقا في مجتمع أصدقائه بحيث أضاع كل شعور بمسؤوليته في التعاون مع يهوه في خدمة رحمته. كانت لديه فرصة لفهم كلمة يهوه والعمل بتعاليمها، ولكن المجتمع المحب للذات والمسرّات الذي اختاره شغل وقته بحيث نسي الإله السرمدي.

ولكن جاء الوقت الذي حدث فيه تغيير في حالة ذينك الرجلين. كان المسكين يتألم يوما بعد يوم ولكنه احتمل آلامه بصبر وهدوء. وبمرور الوقت مات ودُفن. ولم يكن هناك من ينوح عليه، ولكنه بصبره واحتماله شهد للمسيا وصمد أمام امتحان إيمانه وعند موته يُصَّور على أن الملائكة قد حملته إلى حضن إبراهيم.

إنّ لعازر يرمز إلى الفقراء المتألمين المؤمنين بالمسيا. فعندما يضرب البوق ويسمع جميع من في القبور صوت المسيا ويخرجون سينالون جزاءهم لأن إيمانهم بيهوه لم يكن مجرد نظرية بل كان حقيقة.

(( ومات الغني ودفن. فرفع عينيه في الجحيم وهو في العذاب ورأى ابراهيم من بعيد ولعازر في حضنه. فنادى وقال له يا أبي ابراهيم ارحمني وأرسل لعازر ليبلّ طرف إصبعه بماء ويبرّد لساني لأنّي معذّب في هذا اللهيب )).

في هذا المثل كان المسيا يلاقي الناس في ميدانهم. إنّ عقيدة وجود حالة يقظة بين الموت والقيامة كان يعتنقها كثيرون ممن كانوا يستمعون لأقوال المسيا. وقد عرف المخلص آراءهم فصاغ المثل لكي يدخل في أذهانهم حقائق هامة عن طريق هذه الآراء التي سبق فتصوروها. لقد رفع أمام أنظار سامعيه مرآة فيها يرون أنفسهم في علاقتهم الحقيقية بيهوه. فقد أستعمل الرأي الشائع لكي ينقل الفكرة التي أراد أن يجعلها بارزة فوق غيرها – ألا وهي أنّ الإنسان لا يُقدَّر بكثرة أملاكه لأنّ كل ما يملكه هو له فقط كإعارة من السيَد. وسوء استخدامه لهذه الهبات يضعه في مستوى أدنى من مستوى أفقر إنسان متألم ومبتلي يحب يهوه ويثق به.

والمسيا يريد أن يَفهم سامعوه أنه يستحيل على الناس أن يحصلوا على خـلاص النفـس بعد المـوت. وإبراهيـم يُصوَّر هنا على أنه يجيب الغني قائلا: (( يا ابني أذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا. والآن هو يتعزى وأنت تتعذب. وفوق هذا كله بيننا وبينكم هوَّة عظيمة قد أثبتت حتى أن الذين يريدون العبور من ههنا إليكم لا يقدرون ولا الذين من هناك يجتازون إلينا )). وهكذا صور المسيا القنوط من انتظارهم فرصة إمهال أخرى. فهذه الحياة هي الفرصة الوحيدة المعطاة للإنسان للاستعداد للأبدية.

لم يكن الغني قد تخلى عن فكرة كونه ابنا لإبراهيم، ويصوَّر كأنه يصرخ إليه في ضيقه في طلب العون. فصلى قائلا: (( يا أبي ابراهيم ارحمني )). فلم يصلِّ إلى يهوه بل إلى ابراهيم. وهكذا برهن على أنه يرفع من مقام ابراهيم فوق مقام يهوه، وأنّه اعتمد في أمر خلاصه على صلته بإبراهيم. إنّ اللص المصلوب على الصليب قدم صلاته إلى المسيا إذ قال: (( اذكرني يا سيَد متى جئت في ملكوتك )) (لوقا 42:23). ففي الحال جاءته الإجابة، الحق أقول لك اليوم (فيما أنا معلق على الصليب في إذلال وعذاب) أنّك تكون معي في الفردوس (لوقا43:23). ولكن الغني صلّى إلى إبراهيم فلم يُعطَ له طلبه. فالمسيا هو وحده الذي رفعه يهوه ليكون (( رئيساً ومخلصاً ليعطي إسرائيل التـوبة وغفران الخطـايا )) (أعمال 31:5). (( وليس بأحد غيره الخلاص )) (أعمال 12:4).

لقد أنفق الغني حياته في إرضاء ذاته، وبعد فوات الأوان رأى أنّه لم يستعد للأبدية. فتحقق من غبائه وفكر في إخوته الذين كانوا يسيرون كما كان هو يسير ويعيشون ليلذذوا أنفسهم. ثم قدم ملتمسا آخر قائلا: (( أسألك إذاً يا أبتِ أن ترسله (لعازر) إلى بيت أبي لأن لي خمسة أخوة. حتى يشهد لهم لكيلا يأتوا هم أيضاً إلى موضع العذاب هذا. قال له ابراهيم عندهم موسى والأنبياء. ليسمعوا منهم. فقال لا يا أبي ابراهيم. بل إذا مضى إليهم واحد من الأموات يتوبون. فقال له إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء. ولا إن قام واحد من الأموات يصدقون )) (لوقا 27:16 – 31).

عندما توسّل الغني في إرسال برهان إضافي إلى أخوته قيل له بكل صراحة أنّه لو قدم هذا البرهان لهم فإنهم لا يقتنعون. إنّ طلبه ألقى بعض اللوم على يهوه. فكأنما الغني يقول لو كنت قد أنذرتني بما فيه الكفاية لما كنت أنا الآن في هذا المكان. إنّ إبراهيم بجوابه على هذا الطلب يصوَّر كأنه يقول: إنّ أخوتك قد أنذروا إنذارا كافيا. لقد أعطي لهم النور ولكنهم رفضوا أن يبصروا، وقد قُدم لهم الحق ولكنهم رفضوا أن يسمعوا.

 (( إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء ولا إن قام واحد من الأموات يصدقون )). لقد تبرهن صدق هذا الكلام في تاريخ الأمة اليهودية. كانت آخر معجزات المسيا وخاتمتها هي معجزة إقامة لعازر في بيت عنيا بعدما ظل مدفونا في القبر أربعة أيام. وقد قُدم لليهود هذا البرهان العجيب على ألوهّية المخلص ولكنهم قسّوا قلوبهم أمام كل برهان بل حاولوا اغتياله (يوحنا 9:12 – 11).

إنّ الناموس والأنبياء هي وسائل يهوه المعينة لأجل خلاص الناس. وقد قال المسيا: ليلتفتوا إلى هذه الأدلة. فإذا لم يُصغوا إلى صوت يهوه في كلمته فإنهم لن يلتفتوا إلى شهادة إنسان مقام من الأموات.

إنّ من يلتفتون إلى أقوال موسى والأنبياء لن تكون لهم حاجة إلى نور أعظم عن يهوه فوق ما أعطي لهم، أمّا إذا رفض الناس النور ولم يقدروا الفرص الممنوحة لهم فلن يسمعوا لو جاءهم واحد من الأموات برسالة. لن يقتنعوا حتى بهذا البرهان، لأن من يرفضون الناموس والأنبياء يقسون قلوبهم جّدا بحيث يرفضون كل النور.

إنّ الحديث الذي جرى بين إبراهيم وهذا الرجل الذي كان قبلا غنيا حديث مجازي. إنما الدرس الذي نقتبسه منه هو أنّ كل إنسان قد أعطي نورا كافيا للقيام بالواجبات المطلوبة منه. إنّ مسؤوليات الإنسان متناسبة مع فرصه وامتيازاته. ويهوه يمنح كل واحد نورا ونعمة كافيين للقيام بالعمل الذي قد أعطاه إيّاه ليعمله. فإذا أخفق إنسان في عمل ما يريه النور الضئيل أنه واجبه، فإنّ النور الأعظم سيكشف عن عدم أمانته وإهماله في استخدام البركات المعطاة له استخداما حسنا: (( الأمين في القليل أمين أيضا في الكثير، والظالم في القليل ظالم أيضا في الكثير )) (لوقا 10:16). أن من يرفضون الاستنارة من كتب موسى والأنبياء ويطلبون إجراء معجزة عجيبة لن يقتنعوا لو أجيبوا إلى طلبهم.

إنّ مثل الغني ولعازر يرينا كيف يُقدَّر الفريقان اللذان يرمز إليهما هذان الرجلان في العالم غير المنظور. لا خطية في أن يكون الإنسان غنيا إذا لم يجمع الإنسان الثروة بالظلم. أن الرجل الغني ليس مدينا لأن عنده ثروة، ولكن الدينونة تستقر عليه إذا كان ينفق الأموال المودعة لديه على نفسه وأنانيته. ولكن كان أفضل من ذلك بكثير لو أنه كنز أمواله إلى جوار عرش يهوه باستخدامها في عمل الخير. إنّ الموت لا يمكن أن يفقر الإنسان الذي يكرس نفسه هكذا لطلب الغني الأبدي.أمّا ذاك الذي يكنز كنزه لذاته فلا يمكنه أن يأخذ شيئا منه إلى السماء. لقد برهن على أنّه وكيل خائن. ففي حياته كانت له خيراته ولكنّه نسي التزامه ليهوه. لقد أخفق في صيانة الكنز السماوي.

إن الرجل الغني الذي كانت له امتيازات هذا عددها يصوَّر لنا على أنّه إنسان كان ينبغي له أن ينمي مواهبه حتى تصل أعماله إلى عالم الأبد العظيم حاملة معها امتيازات روحية عظيمة. إنّ غاية الفداء ليست فقط غفران الخطايا بل أيضا أن تعيد إلى الإنسان تلك الهبات الروحية التي خسرها بفعل قوة الخطية المضعّفة. إنّ المال لا يمكن أن يؤخذ إلى الحياة الأخرى إذ لا حاجة إليه هناك. ولكن الأعمال الصالحة التي نعملها في ربح النفوس للمسيا تؤخذ إلى مواطن السماء. أما من ينفقون عطايا يهوه بكل أنانية على نفوسهم تاركين بني جنسهم الفقراء بلا عون. ولا يعملون شيئا لتقدم عمل يهوه في العالم فإنّهم يهينون جابلهم. فسيكتب أمام أسمائهم في أسفار السماء إنّهم قد سلبوا يهوه.

لقد كان عند الغني كل ما أمكن للمال أن يحصّله، ولكنّه لم يكن يملك الغنى الذي كان يمكن أن يجعل حسابه مضبوطا مع يهوه. لقد عاش كما لو إنّ كل ما كان عنده كان ملكه. لقد أهمل دعوة يهوه ومطاليب الفقراء المتألمين. ولكن أخيرا يأتيه نداء لا حيلة له في إغفاله. فبسلطان لا يستطيع أن يجادله أو يقاومه يُدعى لترك أملاكه التي ما عاد وكيلا عليها. فذاك الذي كان قبلا رجلا غنيّا هبط بحيث وصل إلى الفقر الذي لا يُجبر. وثوب برّ المسيا المنسوج في نول السماء لا يمكن أن يكسوه. وذاك الذي كان فيما مضى يلبس البز والأرجوان انحط فصار عارياً. لقد انتهت فرصة إمهاله. إنه لم يأت إلى العالم بشيء ولذلك لا يستطيع أن يأخذ منه شيئا.

لقد رفع المسيا الستار وعرض هذه الصورة أمام أذهان الكهنة والرؤساء والكتبة والفريسيين. فانظروا إليها يا من أنتم أغنياء في خيرات هذا العالم ولكنكم لستم أغنياء ليهوه. أفلا تتأملون في هذا المشهد؟ إنّ ما هو معتبر عظيما بين الناس مكروه في نظر يهوه. إنّ المسيا يسأل قائلا: (( ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه. أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟ )) (مرقس 36: و 37).

تطبيق هذا على الأمة اليهودية

عندما قدم المسيا مثل الغني ولعازر، كان كثيرون من أبناء الأمة اليهودية في مثل حالة الغني التي يُرثى لها إذ كانوا يستخدمون خيرات يهوه في إشباع شهواتهم وأنانيتهم. على أهبة سماع الحكم عليهم قائلا: (( وُزنت بالموازين فوجدت ناقصا )) (دانيال 27:5). كان الغني منعما عليه بكل بركة زمنية وروحية، ولكنه رفض التعاون مع يهوه في استخدام هذه البركات. وهذا ما حدث مع الأمة اليهودية. لقد جعل يهوه اليهود مستودعات للحق المقدس وأقامهم وكلاء على نعمته. وقد منحهم كل امتياز روحي وزمني وطلب منهم أن يوزعوا هذه البركات. وقد أعطيت لهم وصية خاصة عن معاملتهم لإخوتهم الذين ساءت حالهم، وعن الغريب الذي في داخل أبوابهم والفقراء العائشين بينهم. لم يكن لهم أن يحاولوا جمع كل المغانم لأنفسهم بل كان عليهم أن يذكروا المعوزين ويقتسموا معهم تلك البركات. وقد وعد يهوه بأن يباركهم تبعا لأعمال المحبة والرحمة التي يعملونها. ولكنهم كالغني لم يمدوا يد العون لسد الاعواز الزمنية أو الروحية التي تعاني منها الإنسانية المتألمة.فإذ امتلأوا بالكبرياء اعتبروا أنفسهم شعب يهوه المختار والمحبوب، ومع ذلك فهم لم يخدموا يهوه ولا عبدوه. لقد جعلوا اعتمادهم على حقيقة كونهم أولاد ابراهيم. لقد قالوا في زهو وكبرياء: (( أننا ذرية ابراهيم )) (يوحنا 33:8). ولكن لما حلت الأزمة ظهر أنهم انفصلوا عن يهوه ووضعوا ثقتهم في إبراهيم كما لو كان هو يهوه.

وقد اشتاق المسيا أن يشرق بالنور في العقول المظلمة عقول الشعب اليهودي. فقال لهم (( لو كنتم أولاد ابراهيم لكنتم تعملون أعمال ابراهيم. ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي  سمعه من يهوه. هذا لم يعمله ابراهيم )) (يوحنا 39:8 و 40).

إنّ المسيا لم يعترف بأية فضيلة في النسب. فقد علّم أنّ الرابطة الروحية تلغي كل الروابط الطبيعية. كان اليهود يدّعون أنهم من نسل إبراهيم، ولكن لأنهم لم يعملوا أعمال ابراهيم برهنوا على انّهم ليسوا أولاده بالحق. ولكن الذين يبرهنون روحيا على أنهم في توافق مع ابراهيم بإطاعة صوت يهوه هؤلاء هم وحدهم الذين يُحسبون من النسل الحقيقي. ومع أنّ المتسول المسكين كان ينتمي إلى فئة كان يُنظر إليها على أنّها من طبقة أدنى فالمسيا اعترف به كمن يحبّ إبراهيم أن يدخله في صحبته الخاصة.

إنّ الغني مع أنّه كان محاطا بكل أسباب ترف الحياة ورفاهيتها كان يجهل أنه قد وضع إبراهيم حيث يجب أن يكون يهوه. فلو أنّه قدّر امتيازاته السامية وسمح لروح يهوه بان يصوغ عقله وقلبه لكان قد أصبح في مركز يختلف اختلافاً بيّنا عمّا صار إليه. وكذلك الحال مع الأمة التي كان يمثلها. فلو أنّهم استجابوا لدعوة يهوه لكان مستقبلهم يختلف اختلافا عظيما عما صاروا إليه. فكانوا يبرهنون على تمييزهم وفهمهم الروحي. كانت عندهم أموال كان يمكن ليهوه أن يزيدها ويجعلها كافية لأن تبارك كل العالم وتنيره. ولكنهم كانوا قد انفصلوا وابتعدوا عن تدبير السيَد حتى فسدت كل حياتهم. فلم يستخدموا عطاياهم كمن هم وكلاء ليهوه بالحق والعدل. فلم يحسبوا للأبدية حسابا وكان من نتائج خيانتهم الدمار الذي حلّ بالأمة كلها.

لقد عرف المسيا أنّ اليهود سيذكرون إنذاره عند خراب أورشليم وحل بالشعب الجوع والآلام من كل نوع ذكروا أقوال المسيا هذه وفهموا المثل. لقد جلبوا على أنفسهم الآلام بإهمالهم تقديم النور المعطى لهم من يهوه لينير العالم كله.

في الأيام الأخيرة

إنّ المشاهد الأخيرة في تاريخ هذه الأرض مصورة في ختام تاريخ الغني. فقد ادّعى الغني أنّه ابن إبراهيم ولكنّ هوة لا تُعبر فصلت بينه وبين إبراهيم هي الصفات الخاطئة التي تربّت فيه. لقد خدم إبراهيم يهوه متّبعا كلامه بالإيمان والطاعة. أمّا الغني فلم يكترث ليهوه ولا لحاجات الإنسانية المتألمة. فالهّوة العظيمة التي قد أثبتت بينه وبين إبراهيم كانت هي هوة العصيان. ويوجد كثيرون اليوم يسيرون في نفس الطريق. فمع أنهم أعضاء في الكنائس فهم غير متجددين. قد يشتركون في خدمة الكنيسة وقد يترنمون قائلين: (( كما يشتاق الإيّل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا إلهي )) (مزمور 1:42)، ولكنهم يشهدون كذباً. فهم ليسوا أبرّ في نظر يهوه من أنجس خاطيء. فالنفس التي تشتاق إلى إثارة السرور العالمي، والعقل الذي يملأه حب الظهور لا يمكنهما أن يخدما يهوه. وكالغني المذكور في المثل لا يميل مثل هذا الإنسان إلى إثارة الحرب ضدّ شهوة الجسد. إنّه يتوق إلى الانغمـاس في النهم ويختار جوّ الخطية. وفجأة يختطفه الموت، فينحدر إلى الهاوية بالصفات التي كوّنها مدى حياته في معاشرته للأعوان الشـيطانية. وفي الهـاوية لا يمكنه أن يختار شيئا خيرا كان أم شرا لأنّه في اليوم الذي فيه يموت الإنسان تهلك أفكاره (مزمور 4:146 ؛ جامعة 5:9 و 6).

وعندما يوقظ صوتُ يهوه الميّت فسيخرج من القبر بنفس الشهوات والأهواء، بنفس النزعات إلى الأشياء التي يحبّها والتي لا يحبها التي كانت له وهو على قيد الحياة. إنّ يهوه لا يصنع معجزة ليخلق من جديد إنساناً لم يرغب في ذلك عندما قدمت له كل الفرص وأُعدّت له كل المساعدات. ففي أثناء سنيّ حياته لم يكن يفرح بيهوه ولا وجد سرورا في خدمته. فصفاته لا تتفق مع صفات يهوه ولم يستطع أن يسعد بوجوده بين الأسرة السماوية.

وفي العالم اليوم يوجد فريق من الناس هم أبرار في أعين أنفسهم. إنّهم ليسوا شرهين ولا سكيرين ولا ملحدين، ولكنّهم يريدون أن يعيشوا لأنفسهم لا ليهوه. ليس يهوه في أفكارهم لذلك فهم يُحصَون بين غير المؤمنين. فلو كان من الممكن لهم أن يدخلوا من أبواب مدينة يهوه لما كان لهم الحق في الأكل من شجرة الحياة لأنه عندما وُضعت أمامهم وصايا يهوه بكل مطاليبها المُلزمة رفضوها. فلم يخدموا يهوه في العالم ولذلك فلن يخدموه في الأبدية. لم يمكنهم أن يعيشوا في حضرته فلذلك هم يحسّون بأنّ أي مكان آخر يفضلُ السماء.

إنّ التعلم من المسيا معناه قبول نعمته التي هي خلُقه وصفاته. ولكن الذين لا يقدّرون ولا يستثمرون الفرص الثمينة والتأثيرات المقدسة الممنوحة لهم على الأرض ليسوا مؤهّلين للاشتراك في العبادة الطاهرة في السماء. فصفاتهم غير مصوغة بحسب المثال الإلهي. فبإهمالهم قد خلقوا هوّة لا يمكن عبورها. فبينهم وبين الأبرار هوة عظيمة قد أثبتت.

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
12
26
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
02
22
Calendar App