9. مِقيَاس الغفران
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

تقدم بطرس بهذا السؤال إلى المسيا قائلا: (( كم مرة يخطيء إليّ أخي وأنا أغفر له. هل إلى سبع مرّات؟ )) (متى 21:18). حدد معلمو اليهود المرّات التي فيها يمارس الغفران بثلاث مرّات إذ يذنب الإنسان إلى صاحبه. أما بطرس فإذ حسب أنّه ينفّذ تعليم المسيا فكر في أن يزيد عدد المرات إلى سبع إذ أن ذلك العدد يرمز إلى الكمال. ولكن المسيا علَّم أنه ينبغي لنا ألاّ نكلّ أبدا من الغفران. فقال له : (( لا أقول لك إلى سبع مرّات بل إلى سبعين مرّة سبع مرّات )).

وحينئذ أبان الأساس الحقيقي الذي لأجله يُمنح الغفران، والخطر من مراعاة روح عدم المسامحة. فقد تحدث في مَثَل عن معاملة ملك لموظفيه الذين أداروا شؤون حكومته. فبعض أولئك الموظفين كانوا قد تسلموا مبالغ ضخمة من المال تخص الدولة. فإذ فحص الملك في أمر تصرفهم في تلك الأمانة المودعة عندهم أُحضر إليه رجلُُ ظهر من حسابه أنه مدين لمولاه بمبلغ باهظ من المال قدره عشرة آلاف وزنة. ولم يكن لديه مالُُ به يوفي الدين، وبحسب العادة المُتّبعة حينئذ أمر الملك بأن يباع هو وكل ما له حتى يوفي الدين. ولكن ذلك الرجل المرتعب خَّر عند رجلي سيده وتوسل إليه قائلا: (( تمهَّل علَّي فأوفيك الجميع )). فتحنن سيد ذلك العبد وأطلقه وترك له الدين.

(( ولما خرج ذلك العبد وجد واحدا من العبيد رفقائه كان مديونا له بمئة دينار. فأمسكه وأخذ بعنقه قائلا أوفني ما لي عليك. فخر العبد رفيقه على قدميه وطلب إليه قائلا تمهّل علَّي فأوفيك الجميع. فلم يُرِدْ بل مضى وألقاه في سجن حتى يوفي الدين. فلما رأى العبيد رفقاؤه ما كان حزنوا جدا وأتوا وقصوا على سيدهم كل ما جرى. فدعاه حينئذ سيده وقال له أيها العبد الشرّير كل ذلك الدين تركته لك لأنك طلبت إلَّي. أفما كان ينبغي أنك أنت أيضا ترحم العبد رفيقك كما رحمتك أنا. وغضب سيده وسلمه إلى المعذبين حتى يوفي كل ما كان له عليه )) (متى 26:18 – 34).

هذا المثل يقدم التفاصيل اللازمة لتكملة الصورة ولكن التي ليس لها ما يماثلها في معناها الروحي. فينبغي عدم توجيه الالتفات إليها. توجد بعض الحقائق العظيمة مشروحة فلنوجه تفكيرنا إلى هذه الحقائق.

إن العفو الصادر من هذا الملك يرمز إلى غفران يهوه لكل خطية. فالمسيا يُرمز إليه بالملك الذي إذ تحنن سامح عبده وترك له الدين. لقد كان الإنسان واقعا تحت دينونة الشريعة التي انتُهكت. ولم يمكنه أن يخلص نفسه فلهذا السبب جاء المسيا إلى العالم وسربل لاهوته بلباس الجسد وبذل نفسه، البار من أجل الأثمة. لقد أسلم نفسه لاجل خطايانا وهو يقدم عفوه المشترى بالدم مجانا لكل نفس. (( عند يهوه الرحمة وعنده فدى كثير )) (مزمور 7:130).

هنا الأساس الذي بناء عليه نمارس الحنان على المخطئين من بني جنسـنا : (( إن كان يهوه قد أحبنا هكذا ينبغي لنا أيضا أن يحب بعضنا بعضا )) (1 يوحنا 11:4). وقد قال المسيا : (( مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا ))(متى 8:10).

نعلم من المثل أنه عندما توسل المـدين في طلب الإمهــال ووعد قائلا: (( تمهل عليّ فأوفيك الجميع )) أُلغيَ الحكم، وتنازل السيد عن الدين كله. وسرعان ما قدمت له الفرصة ليتمثل بسيده الذي قد سامحه. وفي خروجه لقى عبدا من رفقائه كان مديناً له بدين ضئيل. لقد سومح هو بدين يبلغ عشرة آلاف وزنة، أما العبد رفيقه فكان مديناً له بمئة دينار. ولكن ذلك العبد الذي عومل بهذه المعاملة الرحيمة عامل العبد رفيقه معاملة تخالف هذه المعاملة كل المخالفة. فقد توسل إليه العبد المدين بمثل ما توسل هو إلى الملك، ولكن اختلفت النتيجة. فهذا الذي منذ قليل سومح وعُفي عنه لم يكن رقيق القلب ولا مُشفقا. فالرحمة المقدمة له لم يعامل بها العبد رفيقه. فهو لم يلتفت إلى طلب الإمهال. فذلك المبلغ الضئيل الذي كان العبد الآخر مدينا له به كان هو ما تذكره هذا العبد غير الشاكر. فطلب أن يُعطى له كل ما ظن أنه من استحقاقه، ونفذ الحكم بينما ألغي الملك تجاهه حكما مماثلا رحمة منه.

كم من الناس يظهرون نفس هذه الروح في هذه الأيام. عندما توسل ذلك المدين في طلب الرحمة من سيده لم يكن يحسّ إحساسا حقيقيا بجسـامة دْينه. ولم يكن مـدركا عجـزه. وقد كان يرجو أن يخلص نفسه فقال: (( تمهّل عليّ فأوفيك الجميع )). وهكذا يوجد كثيرون ممن يؤملون في الظفر برضى يهوه عن طريق استحقاقهم. إنهم لا يدركون عجزهم، فهم لا يقبلون نعمة يهوه على أنّها هبةُُ مجانيةُُ بل يحاولون أن يبنوا أنفسهم على برّهم الذاتي. إنّ قلوبهم غير منسحقة ولا متضعة بسبب الخطية. وهم صارمون وغير متسامحين مع الآخرين. ولو قورنت خطاياهم ضد يهوه بخطايا إخوتهم ضدّهم لكانت بنسبة مليون إلى واحد تقريباً، ومع ذلك يتجاسرون على عدم التسامح.

يقول المثل إنّ السيد دعا ذلك المدين الذي لم يرحم رفيقـه (( وقال له. أيها العبد الشــرير كل ذلك الدين تركتـه لك لأنك طلـــبت إليّ. أفما كان ينبغي أنك أنت أيضا ترحم العبد رفيقك كما رحمتك أنا ؟ وغضب سيده وسـلـمـه إلى المعـذبين حتى يوفي كـل ما كـان لــه عليـه )). ثم قــال يهوشوه:(( فهكذا أبي السماوي يفعل بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته )) (لوقا 35:18). إنّ من يأبى أن يغفر فهو بذلك يطرح عنه رجاء الغفران.

ولكن ينبغي لنا ألاّ نسيء تطبيق الدرس الذي نتعلمه من المثل. إنّ غفران يهوه نحونا لا يقلل من واجبنا في إطاعته. وكذلك روح الغفران لبني جنسنا لا تقلل من حق المديونية العادلة. في الصلاة التي علمها المسيا لتلاميذه قال: (( واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا )) (متى 12:6) – وهو لا يعني بهذا أنه لكي تُغفر لنا خطايانا ينبغي لنا ألاّ نطالب بالديون التي هي من حقنا. فإذا لم يستطيعوا إيفاء الدين حتى ولو كان ذلك منشأه سوء الإدارة فينبغي ألاّ يلقي بهم في السجن أو يُضطهدوا أو حتى يُعاملوا معاملة فظة قاسية، ولكن المثل لا يعلمنا أن نشجع الناس على الكسل. إنّ كلمة يهوه تعلن أنه إذا (( كان أحد لا يريد أن يشتغل فينبغي ألا يأكل )) (2 تسالونيكي 10:3). والسيَد لا يطلب من الرجل الذي يكد ويكدح أن يعول غيره من الكسالى. إنّ البعض يبذرون وقتهم ولا يبذلون جهداً. وهذا ينتهي بهم إلى الفقر والعوز. فإذا كان من يرتكبون هذه الأخطاء لا يصلحونها، فكل ما يمكن عمله لأجلهم يشبه وضع المال في كيس منقوب. ومع ذلك فهنالك فقر لا يمكن تجّنبه وعلينا نحن أن نبدي الرقة والحنان نحو من هم منكودو الحظ. فعلينا أن نعامل الآخرين بنفس المعاملة التي نريد أن يعاملونا بها لو كنا في مثل حالتهم.

إنّ الروح القدس يوصينا على لسان بولس الرسول قائلا: (( فإن كان وعظ ما في المسيا. إن كانت تسلية ما للمحبة. إن كانت شركة ما في الروح. إن كانت أحشاء ورأفة فتمموا فرحي حتى تفتكروا فكرا واحدا ولكم محبة واحدة بنفس واحدة مفتكرين شيئا واحدا. لا شيئا بتحزّب أو بعجب بل بتواضع حاسبي بعضكم البعض أفضل من أنفسهم. لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه بل كل واحد إلى ما هو لآخرين أيضا. فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيا يهوشوه أيضا ))(فيلبي 1:2 – 5).

أما الخطيـة فينبغي عــدم الاستخفـاف أو الاسـتهانة بها. فلقد أمرنا السيَد ألا نوقع ظلـمـا على أخـــينا. فهــو يقول: (( إن أخطأ إليك أخوك فوبخه )) (لوقا 3:17). فيجب أن نسمي الخطية باسمها الحقيقي وينبغي أن تُكشف أمام المخطيء.

إنّ بولس في وصيّته التي بعث بها إلى تيموثاوس إذ كتب بالهام الروح القدس يقول: (( اكرز بالكلمة، أعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب. وبّخ، انتهر، عظ بكل أناة وتعليم )) (2تيموثاوس 2:4). كما كتب إلى تيطس يقول: (( فإنه يوجد كثيرون متمردين يتكلمون بالباطل ويخدعون العقول … فلهذا السبب وبخهم بصرامة لكي يكونوا أصحّاء في الإيمان )) (تيطس 10:1 – 13).

وقد قال المسيا: (( أن أخطأ إليك أخوك فأذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربحت أخاك وإن لم يسمع فخذ معك أيضا واحدا أو أثنين لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة. وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة. وأن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار )) (متى 15:18 – 17).

إنّ السيد يعلمنا أنّ المشاكل المعقدة بين المسيحيين يجب الفصل فيها في داخل الكنيسة. ينبغي عدم عرضها على من لا يخافون يهوه. فإذا ظلم أحد المسيحيين أخـاً له فلا يلجأ إلى غير المؤمنين في إحدى محاكم العدل. بل ليتبع التعليمات التي قدمها المسيا. وبدلا من محاولة الثأر لنفسه ليحاول تخليص أخيه. فيهوه لابد أن يصون مصالح من يحبونه ويتقونه، فيمكننا بكل ثقة أن نسلم قضيتنا في يدي ذاك الذي يقضي بعدل.

وفي غالب الأحيان عندما تُرتكب المظالم مرارا وتكرارا ويعترف المذنب بخطئه فإنّ المُساء إليه يضجر ويسأم ويظنّ أنه قد غفر مرّات كافية. ولكن المخلص أخبرنا بكل وضوح كيف نعامل المخطئين إذ قال: (( إن أخطأ إليك أخوك فوبخه. وإن تاب فاغفر له )) (لوقا 3:17). لا تتجنّبه كمن هو غير أهل لثقتك: (( ناظرا إلى نفسك لئلا تُجرّب أنت أيضاً )) (غلاطية 1:6).

فإن أخطأ أخوتك فواجبك يقتضي أن تغفر لهم. فإن جاءوا إليك معترفين فلا تقل أظن أنهم لم يتذللوا بما فيه الكفاية. ولست أظن أن اعترافهم صادر عن شعور حقيقي. فأيّ حق لك في أن تحكم عليهم أو تدينهم كما لو كنت تكشف خفايا القلوب ؟ إنّ كلمة يهوه تقول: (( إن تاب فأغفر له. وإن أخطأ إليك سبع مرّات في اليوم ورجع إليك سبع مرّات في اليوم قائلا أنا تائب فاغفر له )) (لوقا 3:17 و 4). وليس فقط سبع مرّات بل سبعين مرّة سبع مرّات  – على قدر المرّات التي غفر لك يهوه فيها.

إننا نحن أنفسنا مدينون بكل شيء لنعمة يهوه المجانية. فالنعمة في العهد دبرت تبنّينا. والنعمة في المخلص حققت فداءنا وتجديدنا وتمجيدنا إلى أن نكون ورثة مع المسيا. فلتعلن هذه النعمة للآخرين.

لا تعطِ المخطيء مجالاً للفشل. ولا تدع الصرامة الفرّيسية تَتدخل لتضرّ أخاك. ولا تسمح للسخرية المريرة أن تخطر لعقلك أو قلبك. ولا تجعل نغمة الاحتقار ظاهرة في صوتك. فإن نطقت بكلمة أو اتخذت موقف عدم المبالاة أو أظهرت الشك أو عدم الثقة فقد يتسبب ذلك في هلاك نفس. إنّه بحاجة إلى أخ له قلب عطوف كقلب الأخ الأكبر ليلمس قلبه البشري. دعه يحس مصافحة اليد القوية العطوف ويسمعك تهمس في أذنه قائلا: لنصلِّ. ويهوه سيعطي كليكما اختبارا غنيا. إنّ الصلاة توحِّدنا بعضنا  مع بعض ومع يهوه. الصلاة تجعل يهوشوه يقف إلى جانبنا وتمنح النفس الخائرة المرتبكة قوة جديدة لغلبة العالم والجسد والشيطان. والصلاة تصد عنا هجمات الشيطان.

عندما يحول الإنسان نظره بعيدا عن نقائص البشر لينظر إلى يهوشوه، فإن تغييرا إلهياً يحدث في الخُلُق. وإذ يعمل روح المسيا في القلب فإنه يجعله مشابهاً لصورته. إذاً فابذل جهدك لتُعلّي يهوشوه. حوّل عيني ذهنك إلى ((حمل يهوه الذي يرفع خطية العالم )) (يوحنا 29:1). وإذ تَنشغل في هذا العمل أذكر (( أنّ من رد خاطئا عن ضلال طريقه يخلص نفسا من الموت ويستر كثرة من الخطايا )) (يعقوب 20:5).

(( إن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضا زلاتكم )) (متى 15:6). لا يوجد ما يبرّر الروح الحاقدة التي لا تغفر.إنّ من ليس رحيما نحو الآخرين يبرهن على أنه ليس شريكا في نعمة يهوه الغافرة. ففي غفران يهوه. يُجتذب قلب المخطيء إلى القلب الكبير قلب المحبة اللامحدودة. إنّ نهر رحمة يهوه يفيض في نفس الخاطيء، ومنه إلى نفوس الآخرين. إنّ الرقة والرحمة التي قد أظهرهما المسيا في حياته الكريمة ستريان في حياة من يصيرون شركاء في نعمته. ولكن: (( أن كان أحد ليس له روح المسيا فذلك ليس له )) (رومية 8:9). إنّه متجنب عن يهوه وليس أهلا إلا للانفصال الأبدي عنه.

نعم ربما يكون قد نال الغفران مرة، ولكنّ روحه القاسية التي لا تعرف الرحمة تدل على أنه الآن يرفض محبة يهوه الغافرة. لقد فصل نفسه عن يهوه وهو الآن في نفس الحالة التي كان عليها قبلما غُفرت خطاياه. لقد جحد توبته وخطاياه مستقرة عليه كما لو لم يكن قد تاب.

ولكن الدرس العظيم الذي نتعلمه من المثل كائن في المفارقة بين رحمة يهوه وبين قساوة قلب الإنسان، وفي حقيقة كون رحمة يهوه الغافرة يجب أن تكون مقياس غفراننا. (( أفما كان ينبغي أنك أنت أيضا ترحم العبد رفيقك كما رحمتك أنا؟ ))

إنّ يهوه لا يغفــر لنا لأننـا نغفـر للآخرين بل كما نغفر. إنّ أسـاس كل غفــران يوجد في محبة يهوه التي لا نستحقها، ولكننا بموقفنا الذي نقفه من الآخرين نبرهن على ما إذا كنا قد امتلكنا تلك المحبة أم لا. لهذا يقول المسيا: (( بالدينونة التي بها تدينون تدانون. وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم )) (متى2:7).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
4
3
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
06
27
Calendar App