6. كانَ ضَالاً فوُجِد
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إنّ مثل الخروف الضال والدرهم المفقود والابن الضال ترسم أمامنا في سطور واضحة محبة يهوه الرحيمة لمن هم ضالون بعيدا عنه. فمع أنهم قد ابتعدوا عن يهوه فانه لا يتركهم في شقائهم. إنّه مفعم القلب بالإشفاق والعطف الرقيق لكل من هم معرضون لتجارب العدو الماكر.

وفي مثل الإبن الضال تُعرض أمامَنا معاملة السيَد مع من قد عرفوا محبة الأب من قبل، ومع ذلك فقد سمحوا للمجرب بان يقودهم أسرى لإرادته.

(( إنسان كان له ابنان. فقال أصغرهما لأبيه يا أبي أعطني القسم الذي يصيبني من المال. فقسم لهما معيشته. وبعد أيام ليست بكثيرة جمع الابن الأصغر كل شيء وسافر إلى كورة بعيدة )) (لوقا 11:15 – 13).

لقد ضجر هذا الإبن الأصغر من القيود التي كانت مفروضة في بيت أبيه، وظن أن حريته مقيدة، وأساء تفسير محبة أبيه ورعايته له فعقد العزم على أن يتبع أمياله وأهواءه.

إنّ ذلك الشاب لا يعترف بأي التزام له تجاه أبيه، ولا ينطق بكلمة شكر، ومع ذلك فهو يطالب بامتياز الإبن في اقتسام ميراث أبيه. إنّه يرغب في أن يحصل الآن على نصيبه من الميراث الذي يكون له الحق فيه عند موت أبيه. إنّه منصرف إلى التمتع بالبركات الحاضرة ولا يكترث للمستقبل.

فبعدما يحصل على ميراثه يسافر (( إلى كورة بعيدة )) بعيدا عن بيت أبيه. وإذ لديه المال الوفير والحرية ليفعل ما يشاء يتملق نفسه قائلا إنّه قد وصل إلى ما يصبو إليه قلبه. ولا يوجد من يقول له: لا تفعل هذا ففيه ضرر يلحقك، أو افعل هذا فهو الصواب. ثم إنّ رفاق السوء يساعدونه على الانغماس في عمق أعماق الخطية فيبذر (( ماله بعيش مسرف )).

إن الكتاب يخبرنا عن قوم (( بينـما هم يزعـمـون أنهم حكـماء صاروا جهلاء )) (رومية 22:1). وهذا هو تاريخ الشاب المذكور في المثل. فالثروة التي، في أنانيته، طلبها من أبيه يبذرها على الزواني. وكنز شبابه يضيع هباء. وسنو الحياة الثمينة وقوّة الذكاء ورؤى الشباب المشرقة والأشواق الروحية – كل هذه احترقت بنيران الشهوة.

ثم إذ يحدث جوع شديد يبتديء هو يحتاج فيلتصق بواحد من أهل الكورة يرسله إلى حقوله ليرعى خنازير. وقد كان هذا العمل أحقر أنواع الأعمال وأشدها انحطاطا في نظر أي يهودي. فهذا الشاب الذي كان يفخر بحريته يجد نفسه الآن عبدا. وهو في أردأ حالات العبودية – (( بحبال خطيته يمسك )) (أمثال 22:5). والبريق والزخرفة اللذان قد غررا به تلاشيا وها هو الآن يحسّ بثقل قيوده. وإذ يجلس على الأرض في تلك البلاد الموحشة التي قد ضربتها المجاعة ولا عشراء له غير الخنازير كان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله. أمّا رفاقه المرحون الذين اجتمعوا حوله في أيام اليسر والذين كانوا يأكلون ويشربون على نفقته فلم يبق منهم أحد يصادقه. أين الآن فرحُه وعربدته ؟ فإذ اسكت ضميره وخدر مشاعره ظن نفسه سعيدا، أما الآن وقد انفق ماله وصار فريسة للجوع فقد أُذِلت كبرياؤه، وتضاءلت طبيعته الأدبية وضعفت إرادته بحيث لم يعُدْ يثق بها. وقد بدا أنّ مشاعره الحساسة قد ماتت فهو أتعس إنسان.

ما أعظم هذه من صورة لحالة الخاطيء ‍ فمع انّه محاط ببركات محبة يهوه لا يوجد شيء يتوق إليه الخاطيء المنصبّ على تمتعاته الذاتية ومسراته الخاطئة قدر الانفصال عن يهوه. فهكذا الابن الجاحد يدّعي أن خيرات يهوه هي من حقه. وهو يأخذها كأمر طبيعي ولا يقدم شكرا عليها ولا يقدم خدمة محبة. فكما خرج قايين من حضرة السيَد ليطلب بيته، وكما ضلّ الابن الضال تائها في (( الكورة البعيدة )) هكذا يطلب الخطاة السعادة في نسيان يهوه (رومية 28:1).

مهما يكن المظهر فكل حياة مركّزة في الذات هي حياة مبعثرة. وكل من يعيش بعيدا عن يهوه يبذر جوهره. إنّه يبذر سني الحياة الغالية، يبذر قوى عقله وقلبه ونفسه، ويعمل على جلب الإفلاس الأبدي لنفسه. والإنسان الذي ينفصل عن يهوه ليخدم ذاته هو عبد للمال. فالكائن العاقل الذي خلقه يهوه ليكون عشيرا للملائكة صار منحطّا لخدمة ما هو أرضي ووحشي. هذه هي النهاية التي تنتهي إليها خدمة الذات.

فإذا كنت قد اخترت مثل هذه الحيـاة فأنت تعلـم أنك إنّما تزنُ فضةً لغير خبز وتتعب لغير شبع. وستأتي عليك ساعات فيها تُدرك انحطاطَك. فإذ تكـون وحيدا في الكـورة البعيدة تحــس بشقـــائك فتـصرخ قـائـلا في يـأس: (( ويحي أنا الإنسان الشقي. من ينقذني من جسد هذا الموت? )) (رومية 24:7). هذا شرح لحق عام متضمن في أقوال النبي الذي قال: (( ملعون الرجل الذي يتكل على الإنسان ويجعل البشر ذراعه وعن يهوه يحيد قلبه. ويكون مثل العرعر في البادية ولا يرى إذا جاء الخير بل يسكن الحّرة في البرية أرضا سبخة وغير مسكونة )) (ارميا 5:17 و 6). إنّ يهوه: (( يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين )) (متى 45:5). ولكن الناس لهم القوة على أن يحبسوا أنفسهم بعيدا عن ضوء الشمس والمطر. وهكذا فيما يشرق (( شمس البر )) وتهطل سيول النعمة على الجميع بسخاء فقد نكون عاملين على فصل أنفسنا عن يهوه ونسكن (( الحّرة في البرية )).

إنّ محبة يهوه لا تزال تحنّ إلى من قد اختار الانفصال عنه، وهو يشغّل العـوامل الكفيلـة بإرجـاعه إلى بيت الآب. إنّ الابن الضــال وهو في شقــائه (( رجع إلى نفسه )). لقد تلاشت قوى الخداع التي سلطها عليه الشيطان – فرأى أنّ جهالته هي التي سببت له آلامه. فقال: (( كم من أجير لأبي يفضل عنه الخبز وأنا أهلك جوعا. أقوم وأذهب إلى أبي )) (لوقا 17:15 و 18). إنّ ذلك الابن الضال وهو في شقائه وجد رجاء في اقتناعه بمحبة أبيه. فتلك المحبة هي التي اجتذبته إلى البيت. وهكذا نجد أن يقين محبة يهوه هو الذي يحصر الخاطيء للرجوع إلى يهوه: (( لطف يهوه إنّما يقتادك إلى التوبة )) (رومية 4:2). إنّ سلسلة ذهبية هي رحمة المحبة الإلهية وحنانها تحيط بكل نفس معرضة للخطر. والسيَد يعلن قائلا: (( محبة أبدية أحببتكِ من اجل ذلك أدمت لكِ الرحمة )) (ارميا 3:31).

وها هو الابن يعقد العزم على الاعتراف بجرمه. فسيذهب إلى أبيه قائلا له: (( أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقا بعد أن أُدعى لك ابنا )). لكنه يضيف قائلا: (( اجعلني كأحد أجراك )). مظهرا بذلك إدراكه الضيّق لمحبة أبيه.

وها هو الشاب يترك قطعان الخنازير والخرنوب ويتجه إلى البيت. وإذ هو مرتجف من الضعف وخائر القوى بسبب الجوع يتقدم في طريقه بحنين وشوق. إنّه لا يجد شيئا يستر به أسماله ولكن شقاءه انتصر على كبريائه فأسرع ليسأل أن تعطى له منزلة أجير في البيت الذي كان فيه ابنا.

إنّ ذلك الشاب المستهتر الطائش قلما كان يحلم وهو خارج من بيت أبيه بالآلام والحنين التي خلّفها في قلب ذلك الأب. وعندما كان يرقص ويرتع في الولائم مع رفاقه المتهورين قلّما كان يفكر في الكآبة التي أُطبقت على بيته. والآن في طريق العودة وهو يجرّ رجليه في خطوات متثاقلة كليلة لم يكن يعرف أنّ شخصا ينتظر رجوعه. ولكن إذ كان لم يزل (( بعيدا )) عرفه أبوه، إنّ المحبة سريعة وحادة البصر. فحتى انحطاط سنيّ الخطية لا يمكن أن يخفي الابن عن عيني أبيه بحيث لا يعرفه. (( تحنن وركض ووقع على عنقه )) في عناق طويل رقيق.

إنّ الأب لا يسمح لأي عين مزدرية بأن تسخر من ابنه وهو في بؤسه وثيابه البالية. لذلك فهو يخلع وشاحه الفضفاض الغالي الثمن عن كتفيه ويلف به جسم ابنه المُضنى، وإذا بالابن يعلن توبته وندامته وهو ينتحب قائلا:(( يا أبي أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقا بعد أن أدعى لك أبنا )). فيضمه الأب إلى حضنه ويأتي به إلى البيت، ولا يعطيه فرصة فيها يطلب مكان أجير. إنّه ابن وسيُكرم بأفضل ما يمكن للبيت أن يقدمه، وسيكرمه ويخدمه الرجال والنساء الواقفون في انتظار أوامره.

قال الأب لعبيده (( أخرجوا الحلة الأولى وألبسوه واجعلوا خاتما في يده وحذاء في رجليه. وقدموا العجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح. لأن ابني هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد. فابتدأوا يفرحون )) (لوقا 22:15 – 24).

إنّ الابن الضال في سني شبابه، سنيّ التبرم والضجر كان ينظر إلى أبيه كمن هو شديد وصارم. أمّا الآن فكم تبدّل فكره عنه ‍ وهكذا الذين يخدعهم الشيطان ينظرون إلى يهوه كمن هو قاس لا يعرف الرحمة. إنّهم ينظرون إليه كمن يراقب ليشتكي ويدين، وكمن يرفض قبول الخاطيء طالما يوجد عذر شرعي يمنع تقديم العون له. وهم يعتبرون شريعة يهوه على أنّها تقييد لسعادة الناس ونير ثقيل يسعدهم التهرّب منه. أما الذي فتحت محبة المسيا بصيرته فإنّه يرى يهوه كمن هو ممتليء رحمة. فهو لا يبدو ككائن طاغية لا يعرف الرحمة، بل كأب يتوق لاحتضان ابنه التائب. وحينئذ يهتف الخاطيء قائلا مع المرنم: (( كما يترأف الأب على البنين يترأف يهوه على خائفيه )) (مزمور 13:103).

ولا يوجد في المثل أي لوم أو تعيير موجّه لذلك الضال بسبب مسلكه الأثيم. فالابن يحس بأنّ الماضي قد نُسي وغُفِر ومُحي إلى الأبد. وهكذا يقول يهوه للخاطيء: (( قد محوت كغيم ذنوبك وكسحابة خطاياك )) (إشعياء 22:44). (( أصفح عن إثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد )) (ارميا 34:31). (( ليترك الشرير طريقه ورجل الإثم أفكاره وليتب إلى يهوه فيرحمه وإلى إلهنا لأنه يكثر الغفران )) (إشعياء 7:55). (( في تلك الأيام وفي ذلك الزمان يقول يهوه يُطلب إثم إسرائيل فلا يكون وخطية يهوذا فلا توجد )) (ارميا 20:50).

أي يقين هذا الذي فيه يبدي يهوه استعداده لقبول الخاطيء التائب ! فهل اخترت أيها القاريء طريقا لنفسك ؟ وهل ضللت بعيدا عن يهوه ؟ وهل حاولت أن تمتع نفسك بثمار العصيان وإنما اكتشفت أنّها قد استحالت إلى رماد على شفتيك ؟ والآن وقد أنفقت مالك وخابت خطط حياتك وماتت آمالك فهل تجلس وحدك مستوحشا ؟ الآن ها هو الصوت الذي طالما تحدث إلى قلبك ولكنك رفضت الإصغاء إليه، ها هو يأتيك بكل وضوح وجلاء قائلا: (( قوموا واذهبوا لأنه ليست هذه هي الراحة. من اجل نجاسة تهلك والهلاك شديد )) (ميخا 10:2). فارجع إلى بيت أبيك. فهو يدعوك قائلا: (( ارجع إلَّي لأني فديتك )) (إشعياء 22:44).

لا تصغ إلى اقتراح الشيطان عليك بالبقاء بعيدا عن المسيا حتى تصلح نفسك، حتى تكون صالحا بالكفاية لتأتي إلى يهوه. فإن أنت انتظرت حتى يتم ذلك فإنك لن تأتي أبدا. وعندما يشير الشيطان إلى ثيابك القذرة كرر قول يهوشوه: (( من يقبل إلَّي لا أخرجه خارجا )) (يوحنا 37:6). وقل لذلك العدو إنّ دم يهوشوه المسيا يطهَر من كل خطية. واجعل صلاة داود صلاتك: (( طهرني بالزوفا فأطهر. أغسلني فأبيض أكثر من الثلج )) (مزمور 7:51).

قم واذهب إلى أبيك. أنه سيلاقيك من بعيد. فإذا أنت خطوت نحوه ولو خطوة واحدة بالتوبة فهو سيسرع ليحتضنك بين ذراعي محبته اللامحدودة. إنّ أذنه مفتوحة لسماع صرخة النفس المنسحقة. وأول اشتياقات القلب إلى يهوه معلومة لديه. إنه لم تقدم صلاة وإن تكن متلعثمة، ولم تسكب دمعة وإن تكن في الخفاء، ولم تحتضن النفس أي شوق إلى يهوه مهما يكن واهنا إلاّ ويخرج روح يهوه ليلاقيه. وحتى قبلما ينطق الإنسان بالصلاة وقبلما يُعرف الشوق إلى يهوه فإنّ نعمة تخرج من قبل المسيا لتلاقي النعمة العاملة في نفس الإنسان.

إنّ أباك السماوي سينزع عنك الثياب التي قد لوثتها الخطية. ففي نبوة زكريا التشبيهية الجميلة إذ يقف يهوشع الكاهن العظيم وهو لابس ثيابا قذرة أمام ملاكِ يهوه فهو يرمز إلى الخاطيء. ثم يتكلم يهوه قائلا: (( انزعوا عنه الثياب القذرة. وقال له انظر. قد اُذهب عنك أثمَك وألبسُكَ ثيابا مزخرفة … فوضعوا على رأسه العمامة الطاهرة وألبسوه ثيابا )) (زكريا 4:3 و 5). هكذا يُلبسك يهوه (( ثياب الخلاص )) ويكسوك (( رداء البر )) (إشعياء 10:61). (( إذا اضجعتم بين الحظائر فأجنحة حمامة مغشاة بفضة وريشها بصفرة الذهب )) (مزمور 13:68).

أنه سيدخلك إلى بيت الوليمة وعلمه فوقك محبة (نشيد 4:2). (( إن سلكت في طرقي وإن حفظت شعائري )) هكذا هو يعلن (( أعطيك مسالك بين هؤلاء الواقفين )) – أي بين الملائكة المحيطين بعرشه (زكريا 7:3).

(( كفرح العريس بالعروس يفرح بكِ إلهك )) (إشعياء 5:62). (( يخلص. يبتهج بكِ فرحا. يسكت في محبته. يبتهج بك بترنم )) (صفنيا 17:3). والسماء والأرض ستشتركان في أغنية فرح الآب: (( لان ابني هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد )).

إلى هنا لا توجد نغمة نشاز في مثل المخلص لتوجد تنافرا في توافق مشهد الفرح. أمّا الآن فها المسيا يقدم عنصرا جديدا. عندما رجع الابن الضال إلى البيت كان الأخ الأكبر (( في الحقل. فلما جاء وقرُب من البيت سمع صوت آلات طرب ورقصا )). فدعا واحدا من الغلمان وسأله ما عسى أن يكون هذا. فقال له. أخوك جاء فذبح أبوك العجل المسمن لأنه قبله سالما. فغضب ولم يُرد أن يدخل )) (لوقا 25:15 – 28). هذا الأخ الأكبر لم يكن يشارك أباه في جزعه وفي انتظاره للذي كان ضالاّ. ولذلك فهو لا يشارك الأب في فرحه برجوع الشارد. أصوات الفرح لا تثير في نفسه أي فرح أو سرور. وهو يسأل أحد الغلمان عن سبب الفرح فيثير الجواب حسدَه. إنّه لن يدخل ليرحب بأخيه الضـال. إنّه يعتبر الكرامة المقدمة للضال إهـانة لشخصه هو.

وعندما يخرج الأب ليعاتبه تنكشف كبرياؤه وخبث طويته. فهو يتحدث عن حياته في بيت أبيه على أنّها سلسلة من الخدمات التي لم يكافأ عليه، وحينئذ يجعل مفارقة وضيعة بين هذا وبين الإكرام المقدم للابن العائد لتوّه. وهو يجعل الأمر واضحا أنّ خدمته كانت خدمة عبد لا خدمة إبن. وعندما كان يجب أن يجد فرحا دائما في حضرة أبيه كان عقله منصبا في الربح الذي كان سيحصل عليه من حياة الحرص والاقتصاد. وكلامه يبرهن على أنّه لأجل هذا السبب تنازل عن ملذات الخطية. فإن كان هذا الأخ سيقتسم هبات أبيه فالابن الأكبر سيعتبر أنّه قد ظُلم. وهو يحقد على أخيه بسبب الإكرام المقدم له. وهو يبرهن بكل وضوح على أنّه لو كان في مكان أبيه لما قبل الابن الضال. بل إنّه لا يعتبره أخا، ولكنّه بكل فتورٍ يتكلّم عنه قائلا: (( ابنك )).

ومع ذلك فالأب يعامله بكل رقة فيقول: (( يا بني أنت معي في كل حين وكل مالي فهو لك )). مدى هذه السنين التي كان أخوك فيها شريدا ألم يكن لك امتياز معاشرتي ؟

لقد قدم الأب لابنيه مجانا وبسخاء كل ما من شأنه أن يكفل لهما السعادة. ولا حاجة بالابن لأن يسأل عن هبة أو جزاء (( كل مالي فهو لك )). عليك فقط أن تؤمن بمحبتي وتأخذ الهبة المقدمة لك مجانا.

إنّ أحد الابنين قد انفصل عن البيت إلى حين إذ لم يكن يدرك محبة الأب. وها هو قد عاد الآن فاكتسح تيار الفرح كل فكر مزعج (( لأنّ أخاك هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد )).

فهل أمكن للابن الأكبر أن يرى روحه الخسيسة الجاحدة ؟ وهل رأى أنه مع كون أخيه قد عمل شرّا فإنه لا يزال أخاه ؟ وهل تاب الأخ الأكبر عن حسده وقساوة قلبه ؟ إنّ المسيا لم يقل شيئا عن هذا. لأنّ المثل كان لا يزال يمثل وكان على السامعين أن يقرّروا النتيجة بأنفسهم.

إنّ الابن الأكبر يرمز إلى اليهود غير التائبين في عهد المسيا والفريسيين في كل عصر الذين ينظرون بازدراء إلى من يعتبرونهم كالعشارين والخطاة. فلأنّهم هم أنفسهم لم يوغلوا بعيدا في طريق الرذيلة فقلوبهم مفعمة بالبرّ الذاتي. وقد التقى المسيا بهؤلاء المماحكين في ميدانهم. فكالابن الأكبر المذكور في المثل كانوا يتمتعون بامتيازات خاصة من يهوه. فقد ادّعوا أنّهم أبناءَ في بيت يهوه ولكنّ روحهم كانت روح الأُجَراء. كانوا يخدمون ليس بدافع المحبة بل على أمل الجزاء. وكان يهوه في نظرهم سيّدا صارما. وقد رأوا المسيا يدعو العشارين والخطاة لقبول هبة نعمته مجانا – الهبة التي كان أولئك الأحبار يرجون الحصول عليها عن طريق الكدح والأعمال التكفيرية – وقد استاءوا واغتاظوا. فإنّ رجوع الابن الضال الذي ملأ قلب الأب فرحا أثار الحسدَ في نفوسهم.

ونجد في المثل أنّ عتاب الأب للابن الأكبر كان هو نداء السماء الرقيق إلى الفريسيين: (( كل ما لي فهو لك )) لا على أنه أجرة بل على أنه هبة. فيمكنكم قبولها كالابن الضال فقط على أنها هبة محبة الآب التي لا تستحقونها.

إنّ البرّ الذاتي فضلا عن كونه يقود الناس لان يسيئوا تصوير يهوه فإنّه يجعلهم فاتري المحبة ومنتقدين لإخوتهم. إنّ الابنَ الأكبرَ في أنانيته وحسده وقف متأهبا لمراقبة أخيه وانتقاد كل عمل من أعماله واتّهامه بأقل تقصير. أراد أن يكتشف كل غلطة ويهوّل كل خطأ. وهكذا أراد أن يبرر روح الحقد والضغينة الذي فيه. وكثيرون اليوم يفعلون نفس هذا الشيء. ففي حين أن النفس تبذل أول جهودها لصد تيار التجارب فإنهم يقفون في صلابتهم وعنادهم يشتكون ويتهمون. قد يدّعون أنهم أولاد يهوه ولكنهم يتصرفون مدفوعين بروح الشيطان. إنّ هؤلاء المشتكين، بموقفهم الذي يقفونه من اخوتهم، يضعون أنفسهم في وضع لا يمكن ليهوه فيه أن يشرق عليهم بنور وجهه.

إن كثيرين يتساءلون دائما قائلين: (( بمَ أتقدم إلى يهوه وأنحني للإله العلي؟ هل أتقدم بمحرقـات بعجول أبناء سـنة؟ هل يسر يهوه بألوف الكباش بربوات انهار زيت … قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح. وماذا يطلبه منك يهوه إلاّ أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعا مع إلهك )) (ميخا 6:6 – 8).

هذه هي الخدمة التي قد اختارها يهوه – (( حل قيود الشرّ فكّ عقد النير وإطلاق المسحوقين أحرارا وقطع كل نير … وأن لا تتغاضى عن لحمك )) (إشعياء 6:58 و 7). فعندما ترون أنفسكم كخطاة مخلصين فقط بمحبة أبيكم السماوي فستعطفون وتشفقون على من يتألمون بالخطية. ولن تعودوا تواجهون الشقاء والتوبة بالحسد واللوم. فعندما يذوب الثلج، ثلج الأنانية من قلوبكم فستشاركون يهوه في عطفه وفي فرحه بخلاص الهالكين.

نعـم إنّـك تقــول انـك ابن يهوه فـإذا كنت صادقـا في هذا الادعــاء فـإنّ (( أخاك )) هو الذي (( كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد )) إنّه مرتبط بك بأوثق الربط لأنّ يهوه يعتبره ابنا. فإن أنكرت صلة قرابتك له برهنت على أنك أجير في البيت ولست ابنا في أسرة يهوه.

ومع أنّك لا تشترك في الترحيب بالضال فالفرح سيستمر وسيكون للابن الراجع مكان إلى جوار الآب وفي عمل الآب. فالذي يُغفر له كثير يحبُّ كثيرا. أمّا أنت فستكون في الظلمة الخارجية، لأن (( من لا يحب لا يعرف يهوه لأنّ يهوه محبة )) (1 يوحنا 8:4).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
11
25
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
01
23
Calendar App