4. أفـلا يُنصِف يهوه مخـتَاريه ؟
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كان المسيا يتكلم عن الفترة التي تسبق مجيئه الثاني حالا وعن المخاطر المزمع أن يمر فيها شعبه. فإذ أشار إلى ذلك الوقت إشارة خاصة  قدم لهم مثلا  (( في أنه ينبغي أن يُصلَّى كل حين ولا يُمل )) ( لوقا 18 : 1 ).

قال: (( كان في مدينة قاض لا يخاف يهوه ولا يهاب إنسانا. وكان في تلك المدينة أرملـة. وكانت تأتي إليه قائلـة أنصفني من خصمي. وكان لا يشـاء إلى زمان. ولكن بعد ذلك قال في نفسه وإن كنت لا أخاف يهوه ولا أهاب إنساناً فإني لأجل أنّ هذه الأرملة تزعجني أنصفها لئلا تأتي دائما فتقمعني. وقال السيَد اسمعوا ما يقول قاضي الظلم. أفلا ينصف يهوه مختاريه الصارخين إليه نهارا وليلا وهو متمهـل عليهم. أقـول لكم إنه ينصفهم سريعا )) ( لوقا 18 : 2- 8 ).

إنّ القاضي الموصوف هنا كان لا يكترث للعدل ولا يعطف على المتألمين. فالأرملة التي كانت تلح عليه بقضيتها كانت تُصدُّ بكل إصرار. وقد أتت إليه مرارا وتكرارا وفى كلّ مّرة كانت تُعامل بالازدراء وتُطرَد من أمام كرسي القضاء. كان القاضي يعلم أن دعواها عادلة وكان يستطيع أن ينصفها في الحال ولكنه لم يشأ ذلك. لقد أراد أن يبرهن على تعسّفه وجبروته , وقد سرّه أن يراها تسأل وتترافع وتتوسل عبثا . ولكنها لم تفشل ولم تيأس. فبالرغم من عدم اكتراثه وقساوة قلبه فقد ألحّت عارضة أمرها إلى أن رضي القاضي بأن ينظر في قضيتها إذ قال: (( وان كنت لا أخاف يهوه ولا أهاب إنسانا فإني لأجل أن هذه الأرملة تزعجني أنصفها لئلا تأتي دائما فتقمعني )) فإبقاء على سمعته وحتى لا يشاع أمر محاباته وتحيّزه في حكمه أنصف تلك المرأة المثابرة.

وقال السيَد اسمعوا ما يقول قاضي الظلم. (( أفلا ينصف يهوه مختاريه الصارخين إليه نهارا وليلا وهو متمهل عليهم. أقول لكم إنه ينصفهم سريعا )). إنّ المسيا هنا يرسم صورة التباين الحاد بين قاضي الظلم ويهوه. فالقاضي أجاب الأرملة إلى طلبها مدفوعا بدافع الأنانية فقط حتى يستريح من إلحاحها. لم يكن يحسّ نحـوها بأية رأفـة أو رحمـة , ولم يكن يكترث لبؤسـها وشقائـها. إنّ يهوه يلتفت إلى توسـلات الفقـراء والمتضـايقين برحمتـه اللامحـدودة.

إنّ الأرملة التي توسلت إلى القاضي لينصفها كانت قد ثـُكلت رجلها. فإذ كانت فقيرة وبلا صديق لم تكن لديها وسيلة بها تسترد أملاكها وأموالها الضائعة . وهكذا فإنّ الإنسان قد قطع صلته بيهوه بسبب الخطية. وهو من نفسه لا يملك وسيلة للخلاص. ولكنّ لنا في المسيا قدوما إلى الآب. إنّ مختاريّ يهوه أعزاء على قلبه. إنهم أولئك الذين دعاهم من الظلمة إلى نوره العجيب لمدح مجده ليضيئوا كأنوار في ظلمة العالم. إنّ قاضي الظلم لم يبدِ أيّ اهتمام خاص بالأرملة التي كانت تلحّ عليه في طلب الخلاص , ومع ذلك فلكي يتخلص من توسلاتها المحزنة استمع لحجتها وأنقذها من خصمها. ولكنّ يهوه يحبّ أولاده محبة لا نهائية. فبالنسبة إليه فإن أعز شيء لديه على الأرض هو كنيسته.

(( إنّ قسمَ يهوه هو شعبه. يعقوب حبل نصيبه. وجده في أرض كفر وفي خلاء مستوحش خرب. أحاط به ولاحظه وصانه كحدقة عينه )) ( تثنيه 32 : 9 و 10 ). (( لأنه هكذا قال يهوه إله الجنود. بعد المجد أرسلني إلى الأمم الذين سلبوكم لأنّه من يمسكم يمسّ حدقة عينه )) ( زكريا 2 : 8 ).

.

إنّ طلبة الأرملة القائلة: انتقم لي. (( انصفني من خصمي )) تصور لنا صلاة أولاد يهوه. فالشـيطان هو خصمهم العظيـم. وهو (( المشتكي على إخـوتنا )) الذي يشتكى عليهم أمام يهوه نهارا وليلا (رؤيا 12 : 10). إنّه دائب أبدا على التحريف والشكوى وعلى خداع شعب يهوه وإهلاكهم. والمسيا في هذا المثل يعلّم تلاميذه أن يصلّوا لكي ينجوا من سلطان الشيطان وأعوانه.

في نبوة زكريا ينكشف أمام أنظارنا عمل الشيطان في الشكوى وعمل المسيا في مقاومة خصم شعبه, فيقول النبي: (( وأراني يهوشع الكاهن العظيم قائما قدام ملاك يهوه والشيطان قائم عن يمينه ليقاومه. فقال يهوه للشيطان لينتهرك يهوه يا شيطان, لينتهرك يهوه الذي أختار أورشليم. أفليس هذا شعـلة منتشـلة من النـار. وكان يهوشع لابسـا ثيابا قذرة وواقفا قدام الملاك )) ( زكريا 3 : 1 – 3 ).

إنّ أولاد يهوه ممثلون هنا بمجرم يحاكم. إنّ يهوشع بصفته الكاهن العظيم يطلب بركة لشعبه الذين هم في محنة قاسية. وفى حين هو واقف ليتوسل أمام يهوه يقف الشيطان عن يمينه كخصمه. فهو يشتكي على أولاد يهوه ويجعل قضيتهم تبدو ميئوسا منها بقدر المستطاع. وهو يعرض أمام يهوه شرورهم ونقائصهم, وهو يعرض أخطاءهم وفشلهم على أمل أن يظهروا أمام المسيا في صفات تجعل من المستحيل عليه أن يقدم لهم عونا في حاجتهم الشديدة. ويهوشع كالنائب عن شعب يهوه يقف تحت الدينونة إذ انّه يلبس ثيابا قذرة. فإذ هو عالم بخطايا شعبه يقف مثقّلا باليأس. والشيطان يضغط على نفسه بالشعور بالإثم الذي يجعله يحسّ وكأنّ لا رجاء له. ومع ذلك فهو يقف هناك متضرّعا والشيطان واقف ضده.

إنّ عمل الشيطان كمشتكٍ بدأ في السماء. وقد كان هذا هو عمله على الأرض ولا يزال منذ سقوط الإنسان. وسيكون هو عمله بمعنى خاص عندما نقترب أكثر إلى نهاية تاريخ العالم. فإذ يرى انّه لم يبقَ له غير وقت قصير فهو سيعمل بغيرة أعظم في الإغراء والإهلاك. إنّه يغضب حين يرى على الأرض شعبا, حتى في ضعفهم وحالتهم الخاطئة يكرمون شريعة السيَد. وقد عقد العزم على أن يجعلهم يعصون يهوه. وهو يسرّ لعدم استحقاقهم وقد أعد مكايد لكل نفس حتى يؤخذ الجميع في الأشراك وينفصلوا عن يهوه. إنّه يحاول أن يتهم يهوه ويدينه مع كل من يحاولون أن يتمموا مقاصده في هذا العالم بالرحمة والمحبة والرأفة والغفران.

إنّ كل إعلان لقدرة يهوه لأجل شعبه يثير عداء الشيطان ففي كل وقت يعمل يهوه لصالحهم , فالشيطان وملائكته يعملون بنشاط متجدد ليحققوا هلاكهم. إنّه يغار من كل من يجعلون المسيا قوتهم . وغرضه هو التحريض على عمل الشرّ , ومتى نجح فهو يلقي كل اللوم على المجربين. يشير إلى ثيابهم القذرة وأخلاقهم الناقصة. يعرض بضعفهم وجهلهم وخطايا جحودهم وعدم تشبههم بالمسيا التي جلبت العار على فاديهم. إنّه يلح بكل هذا كحجة تبرهن على أنّ له الحق في عمل مشيئته لهلاكهم. وهو يحاول أن يرعب نفوسهم بفكرة كون قضيتهم ميئوسا منها وأنّ لطخة نجاستهم لا يمكن محوها. وهكذا يحاول أن يدمر إيمانهم حتى يخضعوا لتجاربه خضوعا كاملا ويرتدوا عن ولائهم ليهوه.

ولا يستطيع شعب السيَد من ذواتهم أن يجيبوا على اتهامات الشيطان. فإذ ينظرون إلى نفوسهم يوشكون على اليأس. ولكنهم يلجأون إلى الشفيع الإلهي. ويتوسلون باستحقـاقات الفادي. فيهوه يمكن أن يكون (( بارا ويبرر كل من هو من الإيمان بيهوشوه )) ( رومية 3 : 26 ) فيصرخ أولاد السيَد إليه بثقة ليســكتوا اتهـامات الشيطـان ويخيّبوا مكايده. فيصلـون: (( أنصفني من خصمي )). وبحجة الصليب القوية يبكم المسيا ذلك المشتكي الجسور.

(( قال يهوه للشيطان لينتهرك يهوه يا شيطان. لينتهرك يهوه الذي اختار أورشليم. أفليس هذا شعلة منتشلة من النار? )) وعندما يحاول أن يلف شعب يهوه بالسواد ويهلكهم يتدخّل المسيا. فمع انهم اخطأوا فالمسيا حمل جرم خطاياهم على نفسه. لقد انتشل جنسنا كشعلة من النار. إنه مرتبط بالإنسان بطبيعته البشرية , في حين أنّه عن طريق طبيعته الإلهية هو واحد مع الإله السرمدي. وحينئذ يصير العون في متناول النفوس الهالكة. لقد انتُهر الخصم.

(( وكان يهوشع لابسا ثيابا قذرة وواقفا  قدام الملاك. فأجاب وكلم الواقفين قدامه قائلا انزعوا عنه الثياب القذرة. وقال له انظر. قد أذهبت عنك إثمك وألبسك ثيابا مزخرفة. فقلت ليضعوا على رأسه عمامة طاهرة . فوضعوا على رأسه العمامة الطاهرة وألبسوه ثيابا  )). وحينئذ فبسلطان يهوه إله الجنود عاهد الملاك يهوشع النائب عن شعب يهوه قائلا : (( إن سلكت في طرقي وإن حفظت شعائري فأنت أيضا تدين بيتي وتحافظ أيضا على دياري وأعطيك مسالك بين هؤلاء الواقفين )) – أي بين الملائكة المحيطين بعرش يهوه ( زكريا 3 : 3-7 ).

فبالرغم من نقائص شعب يهوه لا يحوّل المسيا وجهه عمّن هم موضوع رعايته. إنّ له السلطان على أن يبدّل ثيابهم. فهو ينزع الملابس القذرة ويلبس التائبين المؤمنين ثوب برّه ويكتب في أسفار السماء كلمة الغفران أمام أسمائهم. وهو يعترف بهم أنّهم خاصته أمام مسكونة السماء. ويرى الشيطان خصمهم بأنه مشتك ومخادع. ويهوه ينصف مختاريه.

إنّ الطلبة التي تقول: (( أنصفني من خصمي )) لا تنطبق على الشيطان وحده بل على أعوانه الذين يحرّضهم على تشويه سمعة شعب يهوه وتجريبهم وإهلاكهم. إنّ من قد عقدوا العزم على إطاعة وصايا يهوه يدركون بالاختبار أنّ لهم خصوما تسيطر عليهم قوة جهنمية. مثل هؤلاء الخصوم يحدقون بالمسيا عند كل خطوة, ولا يمكن لأي كائن بشري أن يعرف بأي مداومة وإصرار يفعلون ذلك. وتلاميذ المسيا مثل سيدهم تتعقبهم التجارب باستمرار.

إنّ الكتاب المقدس يصف حالة العالم قبل مجيء المسيا الثاني مباشرة. فهـا هو يعقـوب الرسـول يصـور الطمـع والظلـم اللـذين سيتفشّيان , فيقول : (( هلم الآن أيها الأغنياء . . . قد كنزتم في الأيام الأخيرة. هوذا أجرة الفعلة الذين حصدوا حقولكم المبخوسة منكم تصرخ وصياح الحصادين قد دخل إلى أذنـي يهوه إله الجنـود. قد ترفهّـتم على الأرض وتنعمتـم وربيتم قلـوبكم كما في يوم الذبح. حكمتم على البار. قتلتموه. لا يقاومكم )) ( يعقوب 5 : 1- 6 ). هذه صورة لما هو موجود اليوم. فالناس يكوّمون ثروات طائلة مستعينين في ذلك بكل دروب الظلم والاغتصاب , في حين أن صرخات الإنسانية الجائعة تصعد أمام يهوه.

(( ارتد الحق إلى الوراء والعدل يقف بعيدا. لأن الصدق سقط في الشارع والاستقامة لا تسـتطيع الدخول. وصار الصدق معـدوما والحائد عن الشر يُسلب )) ( إشعياء 59 : 14 و15 ). ولقد تمّ هذا في حياة المسيا على الأرض. لقد كان أمينا لوصايا يهوه, وطرح تقاليد الناس جانبا والمطالب التي كانت قد رُفعت فوق شريعة يهوه حتى احتلّت مكانها. فمن أجل هذا أبغضوه واضطهدوه. وهذا التاريخ يعيد نفسه. فشرائع الناس وتقاليدهم ممجدة فوق شريعـة يهوه, والذين هم أمناء لوصايا يهوه يحتملون العار والاضطهـاد. والمسيا بسـبب أمـانته ليهوه أتُّهم بكســر السـبت والتجديف. وقد أُشيع عنه بأنّ به شيطـانا ونُبِذ كمن هو بعلـزبول. وبمثل هذه الكيفية يتهم أتباعه وتشوّه سمعتهم. وهكذا يحاول الشيطان أن يجتذبهم إلى الخطية فيجلل اسم يهوه بالعار.

إنّ خُلق القاضي المذكور في المثل الذي كان لا يخاف يهوه ولا يهاب إنسانا قدمه المسيا ليرينا نوع الحكم الذي كان سائدا آنئذٍ , وهو نفس ما كان مزمعا أن يُشاهَد عند محاكمته. وهو يريد أن يدرك شعبه في كل عصر انّه ينبغي لهم ألاّ يركنوا إلى الحكام أو القضاة الأرضيين في يوم البلية. وكثيرا ما يلتزم شعب يهوه الوقوف أمام رجال يشغلون مراكز رسمية , ولكنهم لا يسترشدون بكلمة يهوه ولا يتخذونها دليلا لهم ولكنّهم يتبعون نزعاتهم غير المقدسة وغير المهذبة.

وفى مثل قاضي الظلم أبان المسيا ما ينبغي لنا أن نفعله: (( أفلا ينصف يهوه مختاريه الصارخين إليه نهارا وليلا? )) إنّ المسيا مثالنا لم بفعل شيئا ليزكّي نفسه أو يخلّصها. لقد وضع قضيته بين يدي يهوه. وكذلك ينبغي لتلاميذه ألا يشتكوا أو يدينوا أحدا أو أن يلجأوا إلى العنف لكي يخلّصوا أنفسهم.

وعندما تثور التجارب التي يبدو أنّه لا يمكن تفسيرها فينبغي ألا يضطرب سلامنا. فمهما يكن الظلم الذي نعامل به فلا يُثر غضبنا. فإننا إذ نضمر روح الانتقام نضرّ أنفسنا. ونحن ندمر ثقتنا بيهوه ونحزن الروح القدس. فيوجد إلى جانبنا شاهد , رسول سماوي يرفع لأجلنا راية في وجه العدو. وهو سيحيطنا بأشعة شمس البر المشرقة. والشيطان لا يستطيع أن يتجاوز هذا الحدّ. إنّه لا يقدر أن يتعدى هذا الترس , ترس النور المقدس.

وفى حين أنّ العالم يوغل في الشر فلا ينبغي أن نخدع أنفسنا قائلين أنه لن تواجهنا متاعب. إن نفس هذه المشقات وهذه المتاعب هي التي تدخلنا إلى حيث العلي. ويمكننا أن نطلب المشورة من ذاك الذي لا حد لحكمته.

يقول السيَد: (( ادعني في يوم الضيق )) ( مزمور 50 : 15 ) . وهو يدعونا لأن نتقدم إليه بمشكلاتنا واحتياجاتنا وحاجتنا إلى العون الإلهي. إنّه يأمرنا بأن نواظب على الصلاة. فحالما تبرز أمامنا الصعوبات علينا أن نقدّم له طلباتنا الخالصة الجدية. إذ بصلواتنا اللجوجة نبرهن على ثقتنا القوية بيهوه. إنّ الشعور بحاجتنا يسوقنا إلى الصلاة بلجاجة وغيرة. وأبونا السماوي يتأثر بتضرعاتنا.

كثيرا ما يحدث أن الذين يُعيّرون أو يُضطهدون لأجل إيمانهم يجربون لأن يظنوا بأن يهوه قد تركهم. إنّهم في نظر الناس أقليّة. وكل الظواهر تدل على أن أعداءهم سينتصرون عليهم. ولكن ينبغي لهم ألاّ يخالفوا ضمائرهم. فذاك الذي قد تألم لأجلهم وحمل أحزانهم وأوجاعهم لن يتركهم.

إنّ أولاد يهوه غير متروكين أو بدون حماية. الصلاة تحرك ذراع يهوه القادر على كل شيء. فهم بالصلاة (( قهروا ممالك صنعوا برّا نالوا مواعيد سـدوا أفـواه أسـود اطفـأوا قـوة النـار )) – وسـنعرف ماذا يعنى هذا عندما نسمع أخبـــار الشـــهداء الذين مــاتوا لأجــل إيمـــانـهم – (( هـزموا جيوش غـربــاء )) ( عبرانيين 11 : 33 و 34 ).

وإذا سلمنا حياتنا لخدمته فلن نوضع في مركز لم يعدّ لنا السيَد فيه كلّ معونة وإمداد. فأيّا يكن وضعنا فإنّ لنا مرشدا يهدي خطواتنا , ومهما تكن مشاكلنا فإن لنا مشيرا أمينا, ومهما يكن حزننا أو حرماننا أو وحشتنا فإنّ لنا صديقـا عطـوفا. وإذ كنا في جهلنـا نضـلّ فالمسيا لا يتركنـا. إنّ صوته الصريح الواضــح يســـمع قــائلا : (( أنا هو الطـريق والحـق والحيـاة )) ( يوحـنا 14 :6 ). (( لأنه ينجي الفقـير المستغيث و المسـكين إذ لا معـين له )) ( مزمور 72 : 12 ).

والسيَد يعلن أنّ الذين يقتربون منه ويخدمونه بأمانة يُكرمون. (( ذو الرأي الممكن تحفظه سالما سالما لأنه عليك متوكل )) ( إشعياء 26 : 3 ). إنّ ذراع القدرة ممدودة لتقودنا إلى الأمام باستمرار. يقول السيَد: تقدموا, فسأرسل لكم العون. فلأجل مجد اسمي تسألون فتأخذون. وسأتمجد أمام من يتوقعون فشلكم. وسيرون كلمتي تنتصر بمجد عظيم: (( كل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه )) ( متى 21 : 22 ).

فليصرخ إلى يهوه المتضايقون أو المظلومون. تحولوا عن الذين قلوبهم قُدّت من فولاذ ولتُعلم طلباتُكم لدى خالقكم. لن يخيب أبدا من يأتي إليه بقلب منسحق. ولا يمكن أن تضيع أي صلاة مخلصة. ففي وسط تسبيحات أجواق السماويين يسمع يهوه صرخات أضعف إنسان. إننّا نسكب أشواق قلوبنا في مخادعنا , وننطق بالصلاة ونحن سائرون في طريقنا فتصل صلواتنا إلى عرش ملك الكون. قد لا تسمعها أذن بشرّية ولكنها لا يمكن أن تتلاشى في السكون ولا يمكن أن تضيع في غمرة نشاط الأعمال التي تُعمل. ولا يمكن لشيء أن يغرق في أشواق النفس. إنّها ترتفع فوق ضجيج الشارع وضوضائه وفوق شغب الجموع إلى ديار السماء. إننا نتحدث إلى يهوه وصلاتنا تُسمع.

أنتم يا من تحسون بأنكم أقل الناس استحقاقا لا تخافوا من أن تسلموا قضيتكم إلى يهوه. إنّه عندما بذل نفسه في شخص المسيا لأجل خطية العالم أخذ على عاتقه قضية كل نفس , (( الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضا معه كل شيء? )) (رومية 8 : 32 ). أفلا يفي بكلمته الرحيمة التي أعطاها لنا لأجل تشجيعنا وتقويتنا ؟

إنّ المسيا لا يشتاق إلى شيء قدر اشتياقه لافتداء ميراثه من سلطان الشيطان. ولكن قبل ما نتحرر من قوة الشيطان الخارجية يجب أن نتحرر من قوته في داخلنا. إنّ السيَد يسمح بوقوع التجارب علينا لكي نتطهر من التعلّق بالأرضيات والأنانية والصفات الفظّة التي لا تمت إلى المسيا. إنه يسمح بمياه الضيقات العميقة بأن تطمو فوق نفوسنا لكي نعرفه ويهوشوه المسيا الذي أرسله حتى تنشأ في قلوبنا أشواق قلبية عميقة لنتطهر من نجاستنا ولكي نخرج من التجربة أطهر وأقدس وأسعد ممّا كنا. وفى كثير من الأحيان ندخل أتون التجربة ونفوسنا قد اظلمتها الأنانية, ولكن إذا كنا نصبر على التجربة الفاحصة فسنخرج وقد انعكست على قلوبنا الصفات الإلهية. ومتى تحقق قصده من التجربة فحينئذ (( يُخرج مثل النور برّك وحقك مثل الظهيرة )) ( مزمور 37 : 6 ).

ليس هناك خطر من يهوه بأن يهمل صلوات شعبه. ولكن الخطر هو أنّهم في التجارب والمحن يخورون ويخفقون في المواظبة على الصلاة.

لقد أبدى المخلص رحمة إلهيّة للمرأة الفينيقية السورية.  فقد تأثر قلبه عندما رأى حزنها. واشتاق إلى أن يمنحها تأكيدا سريعا بأن طلبتها قد سُمعت, إلاّ انّه أراد أن يعلم تلاميذه درسا , وقد بدأ لوقت قصير وكأنه قد أغضى على صرخات قلبها المُعذّب. وعندما اتضح إيمانها خاطبها بكلام المديح وأرسلها مزوّدة بالهبة الثمينة التي سألتها. ولم ينسَ التلاميذ هذا الدرس قطّ, وقد سجّل شهادة في الكتاب للتدليل على نتيجة المداومة على الصلاة. المسيا نفسه هو الذي أوجد في قلب تلك الأم ذلك الإصرار الذي يأبى أن يرفض. والمسيا هو الذي أعطى تلك الأرملة المتوسّلة شجاعة وتصميما أمام القاضي. والمسيا هو الذي منذ قرون مضت وفي الصراع الخفي عند مخاضة يبوق ألهم يعقوب بنفس الإيمان المثابر. هذا وإنّ الثقة التي هي من غرس يديه لم يخفق في مكافأتها.

إنّ ذاك الساكن في القدس السماوي يقضي بالعدل والبرّ. إنّ مسرته هي بالأكثر في أفراد شعبه الذين يكافحون ضد التجربة في عالم الخطية، أكثر من جيوش الملائكة المحيطين بعرشه.

كل مسكونة السماء تظهر أعظم اهتمام ببقعة العالم هذه لأنّ المسيا قد دفع ثمنا لا يُقدّر لجلّ نفوس سكانه. لقد ربط فادي العالم الأرض بالسماء برباط رسل السماء لأن مفديي السيَد هنا. والكائنات السماوية لا تزال تزور الأرض كما في الأيام التي فيها كانوا يسيرون ويتحدثون مع ابراهيم وموسى. ففي وسط النشاط والعمل في مدننا الكبرى، وفي وسط الجموع الذين تزدحم بهم الشوارع العامة والذين يملأون أسواق التجارة، حيث يعمل الناس من الصباح إلى المساء كما لو أن العمل والألعاب والمسرات هي كل شيء في الحياة، حيث لا يوجد غير القليلين الذين يفكرون في الحقائق غير المنظورة – حتى هنا لم يزل لدى السماء رقباؤها وقديسوها. توجد خلائق غير منظورة تراقب أقوال بني الإنسان وأعمالهم كلها. وفي كل اجتماع لأجل العمل أو المسرّات وفي كل اجتماع للعبادة يوجد مستمعون أكثر ممن تراهم العيون البشرية. وأحيانا تزيح تلك الخلائق السماوية الستار الذي يخفي العالم غير المنظور حتى تنصرف أفكارنا عن سرعة الحياة واندفاعها لنتأمل في أنه يوجد شهود غير منظورين لكل ما نفعله أو نقوله.

إننا بحاجة إلى أن تفهم رسالة الزوار من الملائكة فهما أفضل. ويحسن بنا أن نراعي الفكرة أنه في كل عملنا نجد تعاونا ورعاية من الخلائق السماوية. إن جيوشا غير منظورة من النور والقوة تلازم الودعاء والمتواضعين الذين يؤمنون بمواعيد يهوه ويطالبون بها. إنّ الكاروبيم والسرافيم والملائكة المقتدرين قـوة – ربــوات ربــوات وألــوف ألــوف - يقفــون عن يمــين يهوه. (( أليس جميعهم أرواحا خادمة مرسلة للخدمة لاجل العتيدين أن يرثوا الخلاص )) (عبرانيين 14:1).

هؤلاء الرسل من الملائكة يحتفظون بسجل أمين لاقوال بني الإنسان وأفعالهم. فكل عمل من أعمال القسوة أو الظلم موجه إلى شعب يهوه وكل ما يضطرون لأن يقاسوه بسبب قوة فاعلي الشرّ مسجل في السماء.

(( أفلا ينصف يهوه مختاريه الصارخين إليه نهارا وليلا وهو متمهل عليهم. أقول لكم إنّه ينصفهم سريعا )).

(( فلا تطرحوا ثقتكم التي لها مجازاة عظيمة. لأنكم تحتاجون إلى الصبر حتى إذا صنعتم مشيئة يهوه تنالون الموعد. لأنّه بعد قليل جدا سيأتي الآتي ولا يبطيء )) (عبرانيين 35:10 – 37). (( هوذا الفلاح ينتظر ثمر الأرض الثمين متأنيا عليه حتى ينال المطر المبكر والمتأخر. فتأنوا أنتم وثبتوا قلوبكم لأنّ مجيء السيَد قد اقترب )) (يعقوب 7:5 و 8).

إنّ طول أناة يهوه عجيبة. العدل ينتظر طويلا في حين تتوسل الرحمة إلى الخاطيء: (( العدل والحق قاعدة كرسيه )) (مزمور 2:97): (( يهوه بطيء الغضب وعظيم القدرة ولكنه لا يبريء البتة. يهوه في الزوبعة وفي العاصف طريقه والسحاب غبار رجليه )) (ناحوم 3:1).

لقد أمسى العالم جريئا في عصيان شريعة يهوه. فبسبب صبره الطويل داس الناس على سلطانه. لقد شدد بعضهم أيدي بعض في الظلم والقسوة على ميراثه قائلين: (( كيف يعلم يهوه وهل عند العلي معرفة ?)) (مزمور 11:73). ولكن هنالك حدا لا يستطيعون أن يتعدوه، وقريب هو الوقت الذي فيه يكونون قد وصلوا إلى الحد المعين. بل حتى الآن كادوا يتجاوزون حدود طول أناة يهوه وحدود نعمته وحدود رحمته. وسيتدخل السيَد ليزكّي كرامته ولينقذ شعبه وليقمع ثورة الآثم وهيجانه.

في عهد نوح كان الناس قد أهملوا شريعة يهوه، حتى كادت كل ذكرى للخالق تتلاشى من الأرض. وقد بلغ إثمهم حدا هكذا شنيعا بحيث جلب السيَد طوفانا من المياه على الأرض واكتسح سكانها الأشرار.

ومن جيل إلى جيل أعلن السيَد طريقة عمله. فعندما كانت تحل أزمة كان يعلن نفسه ويتدخل ليعرقل إتمام خطط الشيطان. فمع الأمم والعائلات والعشائر والأفراد كثيرا ما سمح بان تتأزم الحالة حتى يكون تدخله ملحوظا. وحينئذ أعلن أنّه يوجد إله في إسرائيل يحفظ شريعته ويزكّي شعبه.

وفي هذا الوقت الذي فيه طغى الإثم يمكننا أن نعلم أنّ الأزمة الأخيرة العظيمة هي على الأبواب. وعندما يكاد تحدّي شريعة يهوه يكون شاملا وعندما يُضطهد شعب يهوه ويتضايقون على أيدي بني جنسهم فالسيَد سيتدخل حتما.

قريب هو الوقت الذي فيه يقول يهوه: (( هلم يا شعبي ادخل مخادعك وأغلق أبوابك خلفك. اختبيء نحو لحيظة حتى يعبر الغضب. لأنّه هوذا يهوه يخرج من مكانه ليعاقب إثم سكان الأرض فيهم فتكشف الأرض دماءها ولا تغطي قتلاها في ما بعد )) (إشعياء 20:26 و 21). يمكن أن الناس الذين يدّعون انهم مسيحيون يغدرون الآن بالمساكين ويضطهدونهم، ويمكنهم أن يسلبوا الأرملة واليتيم وأن يضمروا في نفوسهم الكراهية الشيطانية لأنهم لا يستطيعون التحكم في ضمائر شعب يهوه. ولكن لأجل كل هذا سيحضرهم يهوه إلى الدينونة. وسيكون (( الحكم … بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة )) (يعقوب 13:2). وبعد قليل سيقفون أمام ديّان كل الأرض ليعطوا حسابا عن الألم الذي سببوه لأجسام ميراثه ونفوسهم. يمكنهم الآن أن يمعنوا في اتهاماتهم الكاذبة، ويمكنهم أن يسخروا بمن قد أقامهم يهوه ليعملوا عمله ويمكنهم أن يودعوا في السجن جماعة المؤمنين به، وأن يوثقوهم بالسلاسل للأعمال الشاقة أو أن ينفوهم أو يقتلوهم، ولكنّهم لابد سيعطون حسابا عن كل وخزة من وخزات الألم وكل دمعة سُكبت. فيهوه سيجازيهم ضعفا عن كل خطاياهم. إنّ يهوه يقول لرسل دينونته عن بابل التي ترمز إلى الكنيسة المرتدة: (( لأنّ خطاياها لحقت السماء وتذكر يهوه آثامها. جازوها كما هي أيضا جازتكم وضاعفوا لها ضعفا نظير أعمالها. في الكأس التي مزجت فيها امزجوا لها ضعفا )) (رؤيا 5:18 و 6).

إنّ صرخة الشقاء الإنساني تصعد إلى يهوه من الهند وأفريقيا والصين ومن جزائر البحر ومن ملايين المدوسين بالأقدام ممن يعيشون في البلدان التي تدعى مسيحية. وتلك الصرخة لن تظلّ طويلا بدون إجابة. فيهوه سيطهر الأرض من فسادها الأدبي، لا بطوفان من الماء كما في عهد نوح بل بطوفان من النار التي لا يمكن لأي اختراع بشري أن يطفئها.

(( ويكون زمان ضيق لم يكن منذ كانت أمة إلى ذلك الوقت وفي ذلك الوقت يُنجَّى شعبك كل من يوجد مكتوبا في السفر )) (دانيال 1:12).

إنّ المسيا سيجمع أولاده إلى نفسه من الغرف العلوية ومن المخابيء ومن السجون المظلمة ومن فوق المشانق ومن الجبال والبراري ومن مغاير الأرض وكهوف البحر. لقد كانوا على الأرض معوزين ومتضايقين ومعذبين. ملايين منهم نزلوا إلى الهاوية مجللين بالعار لأنّهم رفضوا الخضوع لمطاليب الشيطان الخادعة.لقد حكمت محاكم الأرض على أولاد يهوه على أنّهم أحط المجرمين. ولكن سيأتي قريبا اليوم الذي يكون فيه (( يهوه هو الديان )) (مزمور 6:50)، وحينئذ ستنعكس قرارات الأرض (( ينزع عار شعبه )) (إشعياء 8:25). وستُعطى لكلّ منهم ثياب بيض (رؤيا 11:6). (( ويسمونهم شعبا مقدسا مفدّيي يهوه )) (إشعياء 12:62).

مهما تكن الصلبان التي دُعي أولاد يهوه ليحملوها، ومهما تكن الخسائر التي حاقت بهم ومهما يكن الاضطهاد الذي قاسوه حتى إلى خسارة حياتهم الأرضية فقد نالوا تعويضـا كافيا (( وهم سينظرون وجهه واسمه على جباههم )) (رؤيا 4:22).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
12
27
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
02
23
Calendar App