3. رَجُـلان يصَلّيـان
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

نطق المسيا بمثل الفريسي والعشار في مسامع (( قوم واثقين بأنفسهم أنهم أبرار ويحتقرون الآخرين )) ( لوقا 18 : 9). الفريسي يصعد إلى الهيكل ليصلي لا لأنه يشعر بأنه خاطيء يحتاج إلى الغفران , بل لأنه يظن نفسه بارا ويرجو بأن يظفر بالمديح. وهو يعتبر عبادته كعمل يستحق أجرا ويعطيه حظوة لدى يهوه. وهي في نفس الوقت تعطي للناس فكرة سامية عن تقواه. وهو يرجو أن يظفر برضى يهوه والإنسان معا. فالدافع الذي دفعه للصلاة هو مصلحته الذاتية.

إنّه مفعم القلب بمديح النفس؟ فنظراته ومشيته وصلاته تدل على ذلك. وإذ ينتحي ناحية بعيدا عن غيره. كأنما ليقول لكل منهم:(( لا تدنُ مني لأني أقدس منك )) (إشعياء 65 : 5) يقف ليصلي (( في نفسه )) ( العدد 11 ). فإذ هو راض عن نفسه كل الرضى يظن أن يهوه والناس سيقدرونه بنفس ذلك الرضى.

وها هو يقول: (( يا يهوه أنا أشكرك أنى لست مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة. ولا مثل هذا العشار )). وهو يحكم على أخلاقه لا على صفات يهوه القدوس, بل على أخلاق باقي الناس. عقله منصرف بعيدا عن يهوه إلى بني الإنسان. هذا هو السرّ في رضاه عن نفسه.

ثم يأخذ يعدّ حسناته فيقول : (( أصوم مرتين في الأسبوع  وأعشّر كل ما أقتنيه )) إنّ ديانة الفريسي لا تمس النفس. إنّه لا يطلب التشبّه بيهوه في صفاته, ولا القلب العامر بالمحبة والرحمة. فهو قانع بديانة  لها علاقة بالحياة الخارجية وحدها . فبره له وهو ثمر أعماله ويحكم عليه بمقياس بشري.

إنّ أيّ إنسان يثق, في نفسه, بأنه بار لابد أن يحتقر الآخرين. وكما أنّ الفريسي يحكم على نفسه بالقياس على باقي الناس, كذلك هو يحكم على باقي الناس بالقياس على نفسه. إنّ برّه يُقدّر ببرّ الناس, وكلما زاد شرهم كلما بدا هو باراً جدا بالمقـارنة بهم.  وبرّه الذاتي يقوده ليدين (( باقي الناس )) على أنهم متعدّون شريعة يهوه. وهكذا هو يكشف عن نفس روح الشيطان المشتكي على الأخوة. وبهذه الروح يستحيل عليه أن يكون في شركة مع يهوه. إنّه ينزل إلى بيته محروما من بركة يهوه.

أمّا العشار فقد ذهب إلى الهيكل مع باقي المصلين, ولكنه سرعان ما اعتزل عنهم إذ حسب نفسه غير أهل لأن يشترك معهم في عبادتهم. وإذ وقف من بعيد لم (( يشأ أن يرفع عينيه نحو السماء. بل قرع على صدره ))في حزن مريرٍ واشمئزازٍ من نفسه. لقد أحسّ بأنه قد عصى يهوه وأنه خاطيء ونجس. ولم يمكنه أن ينتظر حتى الشفقة ممن حوله لأنهم كانوا ينظرون إليه في ازدراء . وقد عرف أنه لا استحقاق فيه يعطيه الحظوة لدى يهوه , ففي يأسه الشديد من نفسه صرخ قائلا: (( يا يهوه ارحمني أنا الخاطيء )). إنّه لم يقارن نفسه بالآخرين. فإذ غمره الشعور بذنبه وقف كمن هو وحده في حضرة يهوه. وكان مطلبه الوحيد أن يحصل على الغفران والسلام, وكانت حجتـه الوحـيدة رحمة يهوه . وقد حصــل على البركــة. فقد قــال المسيا:(( أقول لكم إنّ هذا نزل إلى بيته مبررا دون ذاك )).

إنّ الفريسي والعشار يمثلان فريقين عظيمين من الناس ينقسم إليهما من يأتون ليعبدوا يهوه. والممثلان الأولان لهما هما الابنان الأولان اللذان ولدا في العالم. فلقد ظن قايين أنه بارُّ وقدم إلى يهوه تقدمة شكر فقط. لم يعترف بخطية ولا أعترف بحاجته إلى الرحمة. أما هابيل فقدّم الدم الذي يشير إلى حمل يهوه. لقد أتى كخاطيء مقرّا بأنه هالك, وكان رجاؤه الوحيد هو محبة يهوه التي لا يستحقها. لقد نظر السيَد إلى قربانه أما إلى قايين وقربانه فلم ينظــر. إنّ الإحســاس بالحاجــة والاعتراف بفقـرنا وخطيتنا هما نفـــس الشـرط الأول لقبولنا لدى يهوه, (( طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات )) ( متى 5 : 3).

ولكل من الفريقين الذين يرمز إليهما الفريسي والعشار يوجد درس في تاريخ بطرس الرسول. إنّ بطرس في بدء تلمذته ظن نفسه قويّا. ففي تقديره لنفسه كان كالفريسي (( ليس كباقي الناس ))  وعندما أنذر المسيا تلاميذه في ليلة تسليمه قائلا: (( كلكم تشكّون فيّ في هذه الليلة )) أعلن بطرس قائلا بكل ثقة : (( وإن شك الجميع فأنا لا اشك )) ( مرقس 14 : 27 و 29 ). لم يكن بطرس عالما بخطره. لقد أضلته ثقته بنفسه. فقد ظن نفسه قادرا على الصمود للتجربة , ولكن في ساعات قليلة قصيرة جاء الامتحان فأنكر سيده بلعنٍ وقسم.

وعندما ذكّره صياح الديك بكلام المسيا, وإذ فوجيء وصُدم من هول ما قد فعل التفت ناظرا إلى سيده. وفى تلك اللحظة التفت السيَد إلى بطرس , وأمام تلك النظرة الحزينة التي امتزج فيها الحنان والحب له عرف بطرس نفسه. فخرج إلى خارج وبكى بكاء مرّا. فتلك النظرة التي وجهها المسيا إليه سحقت قلبه. لقد أتى بطرس إلى نقطة التحوّل وتغيير الاتجاه فتاب عن خطيته توبة مُرّة. كان كالعشار في انسحاقه وتوبته فوجد الرحمة كالعشار. إنّ نظرة المسيا قد أكّدت له الغفران. أما الآن فقد تركته ثقته بنفسه . وما عاد يكرر ادعاءاته المتفاخرة الأولى.

والمسيا بعدما قام امتحن بطرس ثلاث مرات قائلا: (( يا سمعان بن يونا أتحبني أكثر من هؤلاء ؟)) لم يمجد بطرس نفسه فوق إخوته. بل لجأ إلى ذاك الذي يعرف خفيات القلوب قائلا: (( يا سيَد أنت تعلم كل شيء. أنت تعلم أني احبك )) (يوحنا 21 : 15 و 17).

وحينئذ تلقى منه التفويض. فقد تعين عليه عمل أوسع وأدق من كل ما كُلّف به من قبل. فلقد أمره المسيا بأن يرعى الغنم والخراف. إنّ المسيا إذ اسند إلى وكالته النفوس التي لأجلها وضع المخلص حياتَه فقد قدم لبطرس انصع برهان للثقة بتجديده. فذلك التلميذ الذي كان قبلا قلقا وفخورا وواثقا من نفسه صار الآن خاضعا ومنسحقا. ومن ذلك الحين تبع سيده في طريق إنكار الذات والتضحية. لقد صار شريكا للمسيا في آلامه, وعندما يجلس المسيا على عرش مجده سيكون بطرس شريكا له في أمجاده.

إنّ الشرّ الذي أدى إلى سقوط بطرس والذي منع الفريسي من الشركة مع يهوه هو السبب في تدمير حياة آلاف من الناس في هذه الأيام. لا شيء كريه في نظر يهوه أو خطر على نفس الإنسان كالكبرياء والاكتفاء بالذات. هذه هي أعظم الخطايا الجالبة لليأس والتي لا أمل في الشفاء منها.

إنّ سقوط بطرس لم يكن أمرا فجائيا بل تدريجيا . وإنّ ثقته بنفسه قادته إلى الاعتقاد أنه مُخلّص ثم انحدر خطوة فخطوة في طريق السقوط حتى أنكر سيده. لا يمكننا أبدا أن نأمن على نفوسنا حين نثق بذواتنا أو نحسّ ونحن في هذا العالم بأننا بمأمن من التجربة. أولئك الذين يقبلون المخلص مهما يكونوا مخلصين في تجديدهم ينبغي أن لا يتعلموا أن يقولوا ويحسوا بأنهم مخلصون. فهذا تضليل. ينبغي لكل واحد أن يتعلم أن يحتضن الرجاء والإيمـان, ولكن حتى عندما نسلم ذواتنا للمسيا ونعلم بأنه قد قبلنا فإننا لا نكون بعيدين عن متناول التجـربة. إنّ كلمة يهوه تعلن قائلة: (( كثيرون يتطهرون ويبيضون ويمحصون )) ( دانيال 12 : 10 ) ولكن فقط الذي يتحمل التجربة ينال إكليل الحياة. ( يعقوب 1 : 12 ).

إنّ من يقبلون المسيا وعند بدء ثقتهم يقولون: (( أنا مُخلَّص )) هم في خطر من أن يثقوا بذواتهم. فيغيب عن أنظارهم ضعفهم وحاجتهم المستمرة للقوة الإلهية. إنّهم غير متأهبين لمواجهة مكايد الشيطان, وتحت ضغط التجربة كثيرون يسقطون إلى أعماق الخطية كبطرس. إنّ السيَد ينذرنا قائلا: (( من يظن انه قائم فلينظر أن لا يسقط )) ( 1 كورنثوس 10 : 12 ). إنّ سلامتنا الوحيدة هي في عدم الإركان الدائم إلى الذات, بل الاعتماد على المسيا.

كان من اللازم لبطرس أن يتعلم عن النقائص التي في خلقه وحاجته إلى قوة المسيا ونعمته. لم يمكن للسيَد أن ينقذه من التجربة, ولكنه كان يستطيع أن ينقذه من الهزيمة. ولو كان بطرس مستعدا لقبول إنذار المسيا لكان يسهر ويصلي. ولكان يسلك بخوف ورعدة لئلا تعثر قدماه. وكان يمكنه أن يحصل على العون الإلهي بحيث ما كان يمكن للشيطان أن ينتصر عليه.

لقد سقط بطرس بسبب اكتفائه الذاتي, وعن طريق التوبة والاتضاع تثّبتت قدماه ثانية. وفى تاريخ اختبار بطرس يمكن لكل تائب أن يتشجع. ومع أنّ بطرس أخطأ خطية شنيعة فإن السيَد لم يتخلَّ عنه. لقد نقشت أقوال المسيا في أعماق نفسه حين قال له: (( لكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك )) ( لوقا 22 : 32 ). ففي حزنه وندامته المريرة منحته هذه الصلاة وذكرى نظرة المحبة والإشــفاق التي وجـهــها إليه المسيا, رجاءً. هذا, والمسيا بعد قيامته ذكر بطـرس وأعطى للمـلاك رســالة ليبلغها للنسـاء قـائـلا: (( اذهبن وقلـن لتـلاميــذه ولبطــرس انّه يســبقكم إلى الجليــل. هناك ترونـه )) ( مرقس 16 : 7 ). لقد قبل المخلص غافر الخطايا توبة بطرس.

ونفس ذلك الحنان الذي تطاول لإنقاذ بطرس يمتدّ لكل نفس سقطت تحت التجربة. إنّ الشيطان يستخدم مكيدته الخاصة في تضليل الإنسان ليسقط في الخطية ومن ثَمّ يتركه عاجزا ومرتعبا وهو يخشى من أن يطلب الغفران . ولكن لماذا نخاف في حين أنّ السيَد قد قال: (( يتمسك بحصني فيصنع صلحا معي. صلحا يصنع معي )) ؟ (إشعياء 27 : 5 ). لقد أُعِدَّت كل العدة لمواجهة كل ضعفاتنا, وكل تشجيع مقدم لنا لنقبل إلى المسيا.

قدم المسيا جسده المكسور ليفتدي ميراث السيَد ليقدم للإنسان فرصة أخرى (( فمن ثمّ يقدر أن يخلص أيضا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى يهوه إذ هو حيّ في كل حين ليشفع فيهم  )) ( عبرانين 7 : 25 ). إنّ المسيا بحياته التي بلا عيب وطاعته وموته على صليب الجلجثة توسّط لأجل جنسنا الساقط. والآن فإنّ رئيس خلاصنا لا يتوسط لأجلنا كمن يلتمس العفو بل كغالب يطالب بانتصاره. إنّ ذبيحته كاملة وكوسيط لأجلنا ينفّذ عمله الذي قد عينه لنفسه مقدما أمام يهوه المجمرة وبها استحقاقاتِه النقية وصلوات شعبه واعترافاتهم وتشكراتهم. فهذه إذ تكون معطرة بعطر برّه تصعد إلى يهوه كرائحة زكية. والذبيحة تـُقبَل قبولا كاملا فيعطي الغفـران لكلّ معصية.

لقد قدم المسيا نفسه بديلا عنا وضامنا لنا. وهو لا يهمل أحدا. فذاك الذي لم يحتمل أن يرى بني الإنسان مهددين بالهلاك الأبدي دون أن يسكب للموت نفسه لأجلهم, ينظر بالرأفة والرحمة إلى كل إنسان يدرك عجزه عن تخليص نفسه.

وهو لا ينظر إلى أي متوسل مرتعد دون أن يقيمه. فذاك الذي بواسطة كفّارته اعدّ للإنسان ذخيرة لا تنفد من القوة الأدبية لا يخفق في استخدام هذه القوة لصالحنا. فيمكننا أن نأتي بخطايانا وأحزاننا ونطرحها عند قدميه لأنه يحبنا . فكل نظرة من نظراته وكل كلمة من كلامه تدعونا لأن نثق به. وهو سيشكل أخلاقنا ويصوغها حسب إرادته.

إنّ كل قوى الشيطان لا تستطيع أن تنتصر على نفس واحدة تلقي بذاتها على المسيا في ثقة خالصة. (( يعطي المعيي قدرة ولعديم القوة يكثر شدة )) (إشعياء 40 : 29).

(( إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم )). والــسيَد يقــول (( اعرفي فقط إثمـك أنك إلى يهوه إلهـك أذنبت )) (( وأرش عليكم ماء طاهرا فتطهرون. من كل نجاستكم ومن كل أصنامكم أطهركم )) (1يوحنا1: 9 , ارميا 3: 13, حزقيال 36 : 25 ).

ولكن ينبغي أن تكون لنا معرفة بذواتنا, معرفة ينتج عنها الانسحاق قبلما يمكننا الحصول على الغفران والسلام. إنّ الفريسي لم يحسّ بتبكيت على الخطية. ولم يستطع الروح القدس أن يعمل معه. فلقد كانت نفسه محصنة في سلاح البرّ الذاتي فلم يمكن لسهام يهوه المسنونة والمصوبة تصويبا حسنا بيد الملاك أن تخترقه. إنّ المسيا لا يخلّص إلا الإنسان الذي يعرف نفسه أنّه خاطيء. قال: أتيت (( لأشفي المنكسري القلوب لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر وأرسل المنسحقين في الحرية )) ( لوقا 4 : 18 ). ولكن: (( لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب )) ( لوقا 5 : 31). فينبغي لنا أن نعرف حالتنا على حقيقتها وإلاّ فلن نحسّ بحاجتنا إلى معونة المسيا و يجب أن ندرك خطرنا وإلاّ فلن نهرب إلى الملجأ. ويجب أن نشعر بالآلام الناشئة عن جروحنا وإلاّ فلن نطلب الشفاء.

يقول السيَد: (( لأنك تقول إني أنا غنيّ وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء ولست تعلم أنك أنت الشقيّ والبئس وفقير وأعمى وعريان. أشير عليك أن تشتري مني ذهبا مصفّى بالنار لكي تستغني وثيابا بيضاً لكي تلبس فلا يظهر خزي عريتك. وكحّل عينيك بكحل لكي تبصر )) ( رؤيا 3 : 17 , 18 ). إنّ الذهب المصفّى بالنار هو الإيمان العامل بالمحبة. هذا هو وحده الذي يستطيع أن يجعلنا في حالة انسجام مع يهوه. قد نكون نشيطين وقد نقوم بعمل كثير ولكن بدون أن تكون في قلوبنا محبة كالمحبة التي سكنت في قلب المسيا فلن يمكن أن نُحصَى ضمن أسرة السماء.

ولن يمكن لإنسان من ذاته أن يدرك أخطاءه: (( القلب اخدع من كل شئ وهو نجيس. من يعرفه؟ )) ( أرميا 17 : 9 ). يمكن للشفتين أن تعبرا عن فقر النفس , ولكن القلب لا يعترف بذلك. وفى حين يحادث الإنسان يهوه معبرا عن فقر روحه قد يكون القلب منتفخا بغرور وداعته الفائقة وبره السامي. ولكن يمكن الحصول على معرفة حقيقية للنفس بطريقة واحدة. ينبغي أن نرى المسيا. إنّ جهل الناس للمسيا هو الذي يجعلهم ينتفخون ببرّهم . فعندما نتأمل في طهارته وتفوقه نرى ضعفنا وفقرنا ونقائصنا كما هي في حقيقتها, نرى أنفسنا هالكين وعاجزين ولابسين أسمال البرّ الذاتي كأي خاطيء آخر. نرى انه إذا كنا سنخلص فلن يكون ذلك عن طريق صلاحنا بل عن طريق نعمة يهوه غير المحدودة.

لقد سُمعت صلاة العشار لأنها برهنت على اتكال مُدَّ ليمسك بالقدرة الإلهية. فالذات في اعتبار العشار لم تكن اكثر من عار. وهكذا يجب أن تكون في نظر كل من يطلبون يهوه. فبواسطة الإيمان - الإيمان الذي ينبذ كل ثقة بالذات – على المصلّي المحتاج أن يمسك بالقدرة غير المحدودة.

لا يمكن لأي ممارسة خارجية أن يُستعاض بها عن الإيمان البسيط وإنكار الذات إنكارا كاملا. ولا يستطيع أي إنسان أن يُخلي ذاته بنفسه. ولا يمكننا أن نقبل من غير المسيا أن يتمّم العمل. وحينئذ تكون لغة النفس هكذا: خلّصني بالرغم من ذاتي , ذاتي الضعيفة التي ليست كالمسيا يا سيَد امتلك قلبي إذ لا يمكنني أن أعطيه لك. إنّه ملكك. احفظه طاهرا لأنّي لا أستطيع أن أحفظه لك. صغني وشكّلني ارفعني إلى جوّ نقيّ ومقدس حيث يمكن لنهر محبتك الغنية أن يفيض في نفسي.

إنّ نبذ الذات هكذا لا يتمّ فقط عند بدء الحياة المسيحية. بل لا بد من تجديد هذا الإنكار عند كل خطوة تقدمية نخطوها في طريق السماء. إنّ كل أعمالنا الصالحة تستند إلى قوة خارجة عن أنفسنا , فلهذا يجب أن يصبو القلب إلى يهوه على الدوام, مع اعتراف مستمرّ بالخطية من قلب منسحق واتضاع النفس وتذللها أمام يهوه, فبواسطة نبذ الذات والاعتماد الدائم على المسيا , يمكننا بذلك وحده أن نسير آمنين.

كلما زدنا قربا من يهوشوه وكلما شاهدنا جليا طهارة صفاته, كلما أدركنا بوضوح أكثر شر الخطية العظيم وكلما قل اهتمامنا بتمجيد ذواتنا. إنّ أولئك الذين تعترف السماء بأنهم قديسون هم آخر من يباهون بصلاحهم. لقد صار بطرس الرسول خادما أمينا للمسيا, فأكرمه السيَد بنور وقوة إلهيين. وقام بطرس بدور نشيط كبير في بناء كنيسة المسيا , ولكنه لم ينس قط اختبار إذلاله المخيف . لقد غُفرت خطيته, ولكنه عرف جيدا أنه لم يمكن لغير نعمة المسيا أن تنهضه من سقوطه الذي جاء نتيجة لضعف خلقه. إنّه لم يجد في نفسه شيئا يدعو إلى الفخر.

إنّه ولا واحد من الرسل أو الأنبياء ادّعى العصمة من الخطية. والناس الذين عاشوا أقرب من غيرهم إلى يهوه، والذين كانوا على أتم استعداد للتضحية بالحياة نفسها حتى لا يرتكبوا خطأ واحد عن علم أو عمد, والذين قد أكرمهم يهوه بنور وقوة إلهيين – هؤلاء اعترفوا بشرّ طبيعتهم. إنّهم لم يتكلوا على الجسد ولا ادعوا لأنفسهم برّا ولكنهم اتكلوا بالتمام على برّ المسيا. وهكذا تكون الحال مع من يشاهدون المسيا.

إنّ توبتنا ستتعمق في كل خطوة من خطوات تقدمنا في الاختبار المسـيحي. فالـذين غفر لهم السيَد, والـذين يعـترف بأنـّهم شـعــبه يقـول لهـم: (( فتذكرون طرقكم الرديئة وأعمالكم غير الصالحة وتمقتون أنفسكم أمام وجوهكم )) ( حزقيل 36 : 31 ). ثم يقول أيضا: (( وأنا أقيم عهدي معك فتعلمين أنّي أنا يهوه. لكي تتذكري فتخزي ولا تفتحي فاك بعد بسبب خزيك حين اغفر لك كل ما فعلت يقول السـيد يهوه )) ( حزقيال 16 : 62و63 ). وحينئذ لن تنفرج شفاهنا عن أقوال التمجيد لذواتنا. وسنعلم أن كفايتنا هي في المسيا وحده. وسنعترف بما قد اعترف به الرسول عندما قال : (( فإني اعلم انه ليس ساكن في ( أي في جسدي ) شئ صالح )) ( رومية 7 : 18 ). (( حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب سيَدنا يهوشوه المسيا الذي به قد صلب العالم لي وأنا للعالم )) (غلاطية 6 : 14).

وعلى وفاق هذا الاختبار يأتي هذا الأمر: (( تمموا خلاصكم بخوف ورعدة. لأن يهوه هو العـامـل فيكم أن تريدوا وأن تعملــوا من أجـل المسرة )) ( فيلبي 2 : 12 و13 ). إنّ يهوه لا يأمركم بأن تخافوا لئلا يخفق هو في إنجاز وعوده أو أنّ صبره سيكلّ أو أنّ رحمته ستوجد ناقصة. بل خافوا لئلا تأبى أرادتكم الخضوع لإرادة المسيا, ولئلا تتحكم أخلاقكم الموروثة والمكتسبة فتسيطر على حياتكم:(( لان يهوه هو العامل فيكم أن تريدوا وان تعملوا من أجل المسرة )) خف لئلا تتدخل الذات بين نفسك وبين السيد العامل الأعظم. وخف لئلا يفسد عنادك المقصد الأسمى الذي يريد يهوه أن يتممه بواسطتك. خف من الوثوق بقوتك , وخف من أن تسحب يدك من يد المسيا وتحاول أن تسير في طريق الحياة بدون حضوره الدائم معك.

إننا نحتاج إلى أن نتحاشى كل ما يشجع الكبرياء والاكتفاء بالذات, ولذلك يجب أن نحذر مدح الناس أو تملّقهم أو قبول شيء من ذلك لأنفسنا. التملق من أعمال الشيطان. إنّه يتعامل في التملق كما في الشكوى والدينونة. وبهذه الكيفية يحاول إهلاك النفس. إنّ من يمتدحون الآخرين يستخدمهم الشيطان أعوانا له ليوجه خدام المسيا كلّ كلمة مديح بعيدا عن أنفسهم. لنبعد الذات بحيث لا نراها. وليتمجد المسيا وحده. لتتجه كل عين وليرتفع التسبيح من كل لسان إلى ذاك الذي (( أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه )) ( رؤيا 1 : 5 ).

إنّ الحياة التي يحياها الإنسان في خوف يهوه لن تكون حياة حزن أو غم. ولكن عدم وجود المسيا هو الذي يجعل الوجه حزينا والحياة سياحة كلها آهات وتنهدات. إنّ من يملأ قلوبهم الاعتداد بالذات ومحبة الذات لا يحسون بحاجتهم إلى الاتحاد بالمسيا اتحادا حيا وشخصيا. إن القلب الذي لم يسقط على الصخرة يفخر بكماله. فالناس يريدون ديانة وجيهة. يريدون أن يسيروا في طريق رحب بالكفاية بحيث يتسع لصفاتهم. إن حبهم لذواتهم وحبهم للشهرة وحبهم للمديح يطرد المخلص من قلوبهم, وبدونه توجد الكآبة والحزن. ولكن إذ يسكن المسيا في النفس ينبثق منها ينبوع الفرح. فلكل الذين يقبلونه تكون نفس النغمة الرئيسية في كلمة يهوه هي الفرح.

(( لأنه هكذا قال العلي المرتفع ساكن الأبد القدوس اسمه. في الموضع المرتفع المقدس اسكن ومع المنسحق والمتواضع الروح لأحيي روح المتواضعين ولأحيي قلب المنسحقين )) ( إشعياء 57 : 15 ).

إنّ موسى عندما أُخِفيَ في شق الصخرة رأى مجد يهوه. وعندما نختبيء نحن في الصخرة المشقوقة يغطينا المسيا بيده المثقوبة فنسمع ما يقول السيَد لعبيده. ويهوه سيعلن نفسه لنا كما لموسى على أنه (( رحيم ورؤوف بطيء الغضب وكثير الإحسان والوفاء, حافظ الإحسان إلى ألوف. غافر الاسم والمعصية والخطية )) ( خروج 34 : 6 و7 ).

إنّ عمل الفداء ينطوي على نتائج يصعب على الإنسان أن يدركها. (( ما لم ترَ عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده يهوه للذين يحبونه )) (1كورنثوس 2 : 9). فالخاطيء إذ تجتذبه قوة المسيا وإذ يقترب إلى الصلـيب المرفوع وينطرح أمــامه تكون هناك خليقة جــديدة. فيُعطَى له قلب جديد ويصير خليقة جديدة في المسيا يهوشوه. والقداسة تجد انّه لا يوجد لديها مطلب آخر. ويهوه نفسه هو الذي: (( يبرر من هو من الإيمان بيهوشوه )) ( رومية 3 : 26 ). (( والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضا )) ( رومية 8 : 30 ). ومع عظمة العار والانحطاط الذين أحدثتهما الخطية فإنّ الكرامة والمجد اللذين تحققهما المحبة الفادية هما أعظم. والناس الذين يجاهدون ليكونوا مماثلين لصورة يهوه مذخور لهم مؤونة عظيمة من كنز السـماء وقوة فائقـة سـامية ترفعـهم إلى درجه أسمى حتى من الملائكة الذين لم يخطئوا.

(( هكذا قال يهوه … للمهان النفس لمكروه الأمة … ينظر ملوك فيقومون. رؤسا فيسجدون. لأجل يهوه الذي هو أمين وقدوس إسرائيل الذي قد اختارك )) (إشعياء 49 : 7).

(( لأن كل من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع )) (لوقا 18 : 14).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
1
1
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
03
28
نتمنى لكم يوم رأس شهر مبارك في السنة الجديدة.
Calendar App