9. اللـؤلـؤة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

شبّه المخلص بركات المحبة الفادية بلؤلؤة كثيرة الثمن. وأوضح تعليمه بمثل التاجر الذي خرج يطلب لآليء حسنة: (( فلما وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن مضى وباع كل ما كان له واشتراها )) (متى 13: 46 ). إنّ المسيا نفسه هو اللؤلؤة الكثيرة الثمن. ففيه تجمّع كلّ مجد الآب وملء اللاهوت. إنّه بهاء مجد الآب ورسم جوهره. ومجد صفات يهوه موضح وظاهر في صفاته. وكلّ صفحة من صفحات الكتاب المقدس تتلألأ بنوره. إنّ برّ المسيا هو كلؤلؤة نقيّة بيضاء لا نقص فيها ولا شائبة. ولا يمكن أن أي عمل من أعمال الإنسان يُضفي تحسينا على عطية يهوه العظيمة الغالية الثمن. إنّها بلا عيب. ففي المسيا مذخر(( كل كنوز الحكمة والعلم )) (كولوسي 2 : 3 ) وقد (( صار لنا حكمة من يهوه وبرا وقداسة وفداء )) (كورنثوس 1: 30 ). فكل ما يمكن أن يسد حاجات النفس البشرية وأشواقها في هذا العالم وفى العالم الآتي موجود في المسيا. إنّ فادينا هو اللؤلؤة الغالية الثمن جدا بحيث أن كل الأشياء الأخرى تحسب خسارة إذا قورنت بها.

إنّ المسيا (( إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله )) ( يوحنا 1 : 11). لقد أشرق نور يهوه في ظلمة العالم ((  والظلمة لم تدركه )) ( يوحنا 1: 5 ).  ولكن لم يكن الجميع عديمي الاكتراث لعطية السماء. فالتاجر المذكور في المثل يرمز إلى جماعة اشتهوا الحق بكل إخلاص. ففي أمم العالم المختلفة وجد أناس غيورون ومفكرون جعلوا يفتشون في آداب العالم الوثني وعلومه وديانته عما كان يمكنهم أن يقبلوه على  انه كنز النفس. وقد وجد بين اليهود قوم كانوا يطلبون ما كانوا مفتقرين إليه. فإذ لم تشبع نفوسهم من الديانة الطقسّية  تاقوا إلى الأمور الروحية التي تسمو بالنفس. وقد كان التلاميذ الذين اختارهم المسيا ضمن هذه الطائفة الأخيرة, بينما كان كرنيليوس والخصي الحبشي ينتميان إلى الطائفة الأولى. لقد كانوا يشتاقون ويصلون في طلب نور من السماء, وعندما أعلن المسيا لهم قبلوه بفرح.

واللؤلؤة في المثل لا تُصوّر على أنّها هبة. فلقد اشتراها التاجر  بكل ما كان له . وكثيرون يتساءلون عن معنى هذا حيث أنّ المسيا مُقدَّم من الكتاب على أنّه هبة. نعم إنّه هبة ولكن فقط لمن يسلّمون له ذواتهم نفسا (جسداً وروحاً) بدون تحفظ. فعلينا أن نسلّم ذواتنا للمسيا ونحيا حياة الطاعة القلبية الخالصة لكل مطالبيه. إنّ كل كياننا وكل المواهب والإمكانيات التي لنا هي ملك للسيَد ويجب أن تُكرَّس للخدمة . فحين نسلم ذواتنا هكذا بالتمام للمسيا فهو يهبنا ذاته ومعه كل كنوز السماء. وهكذا نحصل على اللؤلؤة الكثيرة الثمن.

إن الخلاص هبة مجانية ومع ذلك فهو يشترى ويباع . ففي السوق الذي تتولى الرحمة الإلهية أمر إدارته يرمز إلى اللؤلؤة الثمينة على أنها لا تشترى بفضة أو ثمن. وفى هذا السوق يمكن للجميع أن يحصلوا على عطايا السماء. إنّ خزانة لآليء الحق مفتوحة للجميع, فالسيَد يقول : ((  هنذا قد جعلت أمامك بابا مفتوحا ولا يستطيع أحد أن يغلقه )) . فلا يوجد سيف يحرس طريق الدخول من هذا الباب . وهناك أصوات تأتى من الداخل ومن عند الباب قائلة: تعال. وصوت المخلص يدعونا بكل غيرة ومحبة قائلا لنا :((  أشـير عليك أن تشـــتري مني ذهبا مصفّى بالنــار لكي تستغني )) (رؤيا 3: 8 و 18).

إن إنجيل المسيا بركة يمكن للجميع الحصول عليها. ويمكن لأفقر الفقراء كما لأغنى الأغنياء أن يشتروا الخلاص لأنه لا يمكن لأي ثروة أرضية مهما بلغت قيمتها أن تستحوذ عليه. إنّما يمكن الحصول عليه بالطاعة القلبية وبتسليم ذواتنا للمسيا كمقتناه. والتهذيب حتى في أسمى درجاته لا يمكنه من ذاته أن يقرّب الإنسان إلى يهوه. لقد أنعم على الفريسيين بكل الامتيازات الزمنية والروحية وقال كل منهم بكبرياء وتفاخر (( أنا غني وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء )) ومع ذلك فقد كان كل منهم هو (( الشقي والبئس وفقير وأعمى وعريان )) ( رؤيا 3: 17 ). وقد قدم لهم المسيا اللؤلؤة الكثيرة الثمن ولكنهم ازدروا بها ولم يقبلوها فقال لهم : (( إن العشارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت يهوه  )) ( متى 21 : 31 ).

ليس في مقدورنا أن نحصل على الخلاص باستحقاقنا ولكن علينا أن نطلبه بنفس الاهتمام والمثابرة كما لو أننا نترك كل ما في العالم في طلبه.

علينا أن نبحث عن اللؤلؤة الكثيرة الثمن ولكن لا في أسواق العالم ولا بالوسائل العالمية. والثمن الذي يُطلَب منّا دفعُه ليس ذهبُُ أو فضة لأن هذه تخص يهوه. أهجر فكرة كون أيّ امتياز زمني أو روحي يحقق لك الحصول على الخلاص. فيهوه يطلَب منك الطاعة القلبية , ويسألك أن تترك خطاياك . والمسيا يقول: (( من يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي كما غلبت أنا أيضا وجلست مع أبي في عرشه )) ( رؤيا 3: 21 ).

يوجد بعض من يبدو وكأنهم منصرفون إلى البحث عن اللؤلؤة السماوية، ولكنهم لا يتنازلون عن عاداتهم الخاطئة تنازلا كاملاً. ولا يموتون عن الذات ليحيا المسيا فيهم ولأجل هذا لا يعثرون على اللؤلؤة الغالية. إنّهم لم ينتصروا على الطموح النجس والافتتان بالجواذب العالمية. وهم لا يحملون الصليب ويتبعون المسيا في طريق إنكار الذات والتضحية. ومع أنهم يكادون يكونون مسيحيين فإنهم ليسوا مسيحيين بالتمام, ويبدو أنّهم قريبون من ملكوت السموات ولكنّهم لا يستطيعون دخوله. فكونهم مخلّصين خلاصا كاملا معناه أنهم ليسوا هالكين تقريبا بل هم هالكون هلاكاً كاملاً.

إن مثل التاجر الذي خرج يطلب لآليء حسنة له معنى مزدوج. فهو لا ينطبق فقط على الناس كمن يطلبون ملكوت السموات بل ينطبق أيضا على المسيا كمن يطلب ميراثه الضائع. إنّ المسيا التاجر السماوي الذي يطلب لآليء حسنة رأى في الإنسانية الهالكة اللؤلؤة الكثيرة الثمن. فقد رأى في الإنسان النجس والهالك بفعل الخطية إمكانيات الفداء. فالقلوب التي كانت ميدان الصراع مع الشيطان وخلصت بقوة المحبة هي أثمن في اعتبار الفادي من تلك التي لم تسقط أبدا. لقد نظر يهوه إلى البشرية لا كأنها دنيئة ولا قيمة لها , ولكنه نظر إليها في المسيا ورآها كما يمكن أن تصير إليه بواسطة المحبة الفادية. لقد جمع كل غنى الكون ووضعه لكي يشتري اللؤلؤة . وإذ وجدها يهوشوه أعادها إلى إكليله. (( كحجارة التاج مرفوعة على أرضه )) (زكريا 9 : 16 ). (( ويكونون لي قال يهوه إله الجنود في اليوم الذي أنا صانع خاصة ( جواهري ) )) ( ملاخي 3: 17).

ولكن المسيا كاللؤلؤة الغالية الثمن وامتيازنا في امتلاك هذا الكنز السماوي هو الموضوع الذي نحن في أشد حاجة للتأمل فيه. إنّ الروح القدس هو الذي يكشف للناس عن القيمة العظيمة للؤلؤة الحسنة. إنّ زمن قوة الروح القدس بمعنى خاص هو الوقت الذي فيه يطلب الناس عطية السماء ويجدونها. كثيرون من الناس سمعوا الإنجيل في أيام المسيا, إلاّ أنّ أذهانهم كانت قد اظلمتها التعاليم الكاذبة فلم يتحققوا من أن المعلم الجليلي الوضيع هو ابن يهوه. ولكن بعد صعود المسيا تميز جلوسه على عرش الملكوت كوسيط  بانسكاب الروح القدس. ففي يوم الخمسين أعطى الروح القدس. وقد أعلن شهود المسيا قوة المخلص المقام. واخترق نور السماء تلك العقول المظلمة , عقول الناس الذين خدعهم وأضلّهم أعداء المسيا. فقد رأوه الآن ممجّدا ليكون (( رئيسا ومخلصا ليعطي إسرائيل التوبة وغفران الخطايا  )) ( أعمال 5: 31 ). رأوه محاطا بمجد السماء وفى يديه كنوز لا تنفد ليمنحها لكل من يرجعون عن عصيانهم. وإذا تبين للرسل مجد وحيد الأب اعترف ثلاثة آلاف نفس بذنوبهم. وقد أمكن جعلهم يرون أنفسهم كما هي خاطئة ومنجسة, فرأوا المسيا كصديقهم وفاديهم. لقد ارتفع المسيا وتمجّد بواسطة قوة الروح القدس التي حلت على الناس. هؤلاء المؤمنون رأوا بالإيمان كمن قد احتمل الإذلال والآلام والموت لكي لا يهلكوا بل تكون لهم الحياة الأبدية. إنّ إعلان المسيا بواسطة الروح القدس جلب إليهم إحساسا بالتأكد من قدرته وجلاله فمدوا أيديهم إليه بإيمان قائلين : ((  أؤمن )).

حينئذ انتشرت بشرى المخلص المقام إلى أقصى أرجاء المسكونة. ورأت الكنيسة المهتدين يتقاطرون عليها من كل مكان. لقد اهتدى المؤمنون من جديد. وانضم الخطاة إلى المسيحيين في البحث عن اللؤلؤة الكثيرة الثمن. وتمت النبوة القائلــة إن العاثر في ذلك اليـوم يكون (( مثل داود )) ويكون بيت داود (( مثل ملاك يهوه )) (زكريا 12: 8). فقد رأى كل مسيحي في أخيه صورة إحسان يهوه ومحبته لقد شمل الجميع اهتمام واحد. وهدف واحد ابتلع كل ما عداه. واختلجت كل القلوب في انسجام وتوافق. وكان مطمح المؤمنين الوحيد هو أن يعلنوا صورة صفات المسيا و يخدموا لأجل امتداد الملكوت. ((  وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة ... وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيام السيَد يهوشوه و نعمة عظيمة كانت على جميعهم  )) ( أعمال 4 : 32و33 ) ((  وكان يهوه كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون  ))0 أعمال 2 : 47 ). لقد أحيا روح المسيا كل ذلك الجمهور وأنعشهم, لأنّهم وجدوا اللؤلؤة الكثيرة الثمن.

وستتكرر هذه المشاهد بقوة أعظم . لقد كان انسكاب الروح القدس في يوم الخمسين هو المطر المبكر. ولكن المطر المتأخر سيكون أغزر بكثير والروح ينتظر منا الطلب والتأهب لقبول البركة. وسيعلن المسيا ثانية في ملئه بقوة الروح القدس. وسيدرك الناس قيمة اللؤلؤة الغالية فيقولون مع بولس الرسول: (( ما كان لي ربحـا فهذا حسـبته من أجـل المسيا خسارة. بل إني أحسـب كل شيء أيضا خســارة من أجل فضل معرفـة المسيا يهوشوه سيَدي )) ( فيلبي 3: 7و8 ).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
1
28
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
04
25
Calendar App