8. الكَـنز المخْـفى
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

(( أيضـاً يشـبه ملكـوت السموات كنزاً مخفىً في حقل وجده إنسان فأخفاه ومن فرحه مضى وباع كل ما كان له واشترى ذلك الحقل )) (متى 44:13).

في العصور القديمة اعتاد الناس أن يخفوا كنوزهم في الأرض. فقد كانت حوادث السرقة والسطو كثيرة الوقوع. وكلما حدث تغيير في الحكام فالذين كانوا يملكون ثروات عظيمة باتوا معرضين لأن تفرض عليهم ضرائب فادحة. وفضلا عن هذا فإنّ البلاد كانت في خطر دائم من غزو يأتيها من جيوش مغيرة، ونتيجة لذلك، كان الأغنياء يحاولون الاحتفاظ بثروتهم بإخفائها، وكانوا ينظرون إلى الأرض كأنها مخبأُُ أمينُُ. ولكن في أحيان كثيرة كانوا ينسون المكان الذي أخفوا فيه كنوزهم، وقد يموت صاحب الكنز أو قد يفصل النفي أو السجن بينه وبين كنزه. فكانت الثروة التي قد تعب في جمعها تترك لمن يسعده الحظ بالعثور عليها. وفي عهد المسيا لم يكن أمرا غير مألوف اكتشاف عملات قديمة وحليّ من الذهب والفضة في أرض مهملة مهجورة.

إنّ رجلا يستأجر قطعة أرض ليزرعها، ففيما الثيران تحرث الأرض يكتشف الرجل كنزا مُخفى. فإذ يكتشف الرجل هذا الكنز يرى أنّ ثروةً صارت في متناول يده. فبعدما يعيد الذهب إلى مخبئه يعود إلى بيته ويبيع كل ما له لكي يشتري الحقل الذي فيه الكنز. ولكن عائلته وأقرباءه يظنون أنه يتصرف تصرف المجانين. فإذ ينظرون إلى الحقل لا يرون لتلك الأرض المهملة أية قيمة. ولكن الرجل يعلم ما هو فاعل، وعندما تصير الأرض ملكا له ينقب كل شبر في ذلك الحقل بحثا عن الكنز الذي قد أحرزه.

هذا المثل يشرح لنا قيمة الكنز السماوي والجهد الذي يجب أن يُبذل في سبيل الحصول عليه. إنّ الرجل الذي وجد الكنز في الحقل كان مستعداً للتخلي عن كل ما يملك ولبذل جهد لا يكلّ لكي يحرز تلك الثروة المخفية. وهكذا من يجد الكنز السماوي لا يعتبر أي تعب أعظم ولا أية تضحية أغلى من أن تبذل في سبيل الحصول على كنوز الحق.

إنّ الحقل الذي كان فيه الكنز المذكور في المثل يرمز إلى الكتب المقدسة. والإنجيل هو الكنز. إنّ الأرض نفسها ليست مضفورة بعروق الذهب وممتلئة بالأشياء الثمينة مثل كلمة يهوه.

كيف اخفي

يقال عن كنوز الإنجيل أنها مخفية. إنّ من هم حكماء في أعين أنفسهم المنتفخين بتعليم الفلسفة الباطلة لا يفهمون جمال تدبير الفداء وسره وقوته. كثيرون لهم عيون ولا يبصرون ولهم آذان ولا يسمعون ولهم عقول ولكنهم لا يفطنون إلى الكنز المخفي.

ربما مرّ إنسان بالمكان الذي كان الكنز مخفيّا تحته. وربما جلس ليستريح تحت شجرة وهو في فقره المدقع دون أن يدري شيئا عن الثروة المخبوءة في جذورها. كذلك كانت الحال مع اليهود. فالحق أودع بين أيدي الشعب العبراني ككنز من الذهب. إنّ التدبير اليهودي الذي كان يحمل طابع السماء، كان المسيا قد رسمه بنفسه. كانت حقائق الفداء العظيمة محجوبة بالرموز والأمثلة، ومع ذلك فعندما جاء المسيا لم يعرف اليهود ذاك الذي كانت كل الرموز تشير إليه. كانت كلمة يهوه بين أيديهم، ولكنّ التقاليد التي سُلمت من جيل إلى جيل والتفاسير البشرية للكتاب أخفت عنهم الحق كما هو في يهوشوه. وقد ضاع المعنى الروحي للكتب المقدسة. لقد كانت خزانة كل معرفة مفتوحة أمامهم ولكنّهم لم يعرفوها.

إنّ يهوه لا يخفي حقه عن الناس. ولكنهم بتصرفهم يجعلونه غامضا على أنفسهم. لقد أعطى المسيا للشعب اليهودي البراهين الوافرة على أنّه مسيّا، ولكن تعليمه كان يتطلب تغييرا حاسما في حياتهم. وقد رأوا أنهم لو قبلوا المسيا فلابد لهم من أن يتخلّوا عن مبادئهم المحبوبة وتقاليدهم وأعمالهم الأنانية الشريرة. إنّ قبول الحق الأبدي الثابت يتطلب تضحية. لذلك رفضوا الاعتراف بأعظم البراهين القاطعة التي قدمها يهوه لتوطيد الإيمان بالمسيا. لقد اقرّوا بأنهم يؤمنون بأسفار العهد القديم ومع ذلك فقد رفضوا الشهادة المتضمنة فيها عن حياة المسيا وصفاته. كانوا يخافون من الاقتناع لئلا يتجددوا ويضطروا للتخلي عن آرائهم السابقة. كان بينهم كنز الإنجيل، الطريق والحق والحياة ولكنهم رفضوا أعظم عطية يمكن أن تهبها السماء.

(( ولكن مع ذلك آمن به كثيرون من الرؤساء أيضا غير انهم لسبب الفريسيين لم يعترفوا به لئلا يصيروا خارج المجمع )) (يوحنا 42:12). هذا ما يقوله الكتاب. لقد اقتنعوا، وآمنوا بأن يهوشوه هو ابن يهوه، ولكنّ الاعتراف به لم يكن متوافقا مع رغائبهم وطموحهم. فلم يكن عندهم الإيمان الذي كان يمكن أن يضمن لهم الكنز السماوي. فقد كانوا يطلبون كنزاً أرضياً.

والناس اليوم يطلبون كنوز الأرض بكل اجتهاد وشوق. وعقولهم مشحونة بأفكار الأنانية والطموح. ففي سبيل الحصول على الغنى الأرضي أو الكرامة أو السلطان يضعون مباديء الناس وتقاليدهم ومطاليبهم فوق مطاليب يهوه ولذلك تخفى عليهم كنوز كلمته.

(( ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح يهوه لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يحكم فيه روحياً. )) (1 كورنثوس 14:2).

(( ولكن إن كان إنجيلنا مكتوما فإنما هو مكتوم في الهالكين، الذين فيهم اله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيا الذي هو صورة يهوه )) (2 كورنثوس 3:4 و 4).

قيمة الكنز

رأى المخلص الناس وإذا هم مشغولون في جمع المال، وقد غابت عن أنظارهم الحقائق الأبدية، ولذلك أخذ على نفسه أمر معالجة هذا الشرّ. حاول أن يحطّم السحر الذي خلب عقولهم وأصاب أرواحهم بالشلل. فرفع صوته وصرخ قائلا: (( ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه. أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟ )) (متى  26:16). وهو يضع أمام البشرية الساقطة العالم الأنبل الذي قد غاب عن أنظارهم حتى يروا الحقائق الأبدية. وهو يوقفهم على أعتاب عالم الأبد الذي يشع منه مجد يهوه الذي لا يوصف ويريهم الكنز الذي هناك.

إنّ قيمة هذا الكنز تفوق قيمة الذهب والفضة. وغنى كل مناجم الأرض لا يعادله.

(( الغمر يقول ليست هي فيَّ والبحر يقول ليست هي عندي. لا يُعطى ذهب خالص بدلها ولا توزن فضة ثمنا لها. لا توزن بذهب أوفير أو بالجزع الكريم أو الياقوت الأزرق. لا يعادلها الذهب ولا الزجاج ولا تبدل بإناء ذهب إبريز. لا يذكر المرجان أو البلور وتحصيل الحكمة خير من اللآليء )) (أيوب 14:28 – 18).

هذا هو الكنز الذي يوجد في كتاب يهوه. فالكتاب المقدس هو كتاب درس يهوه الفسيح والمهذب العظيم. أساس كل علم حقيقي مشتمل في الكتاب. ويمكن العثور على كل فرع من فروع المعرفة بواسطة تفتيش كلمة يهوه. وفوق كل كتاب آخر هو يشتمل على علم كل العلوم أي علم الخلاص. فالكتاب المقدس هو المنجم الذي فيه غنى المسيا الذي لا يُستقصى.

إنّ التهذيب الحقيقي الأسمى يُنال بواسطة درس كلمة يهوه وإطاعتها. ولكن متى أُلقيت كلمة يهوه جانبا واستعيض عنها بكتب لا تُرشد النفس إلى يهوه أو إلى ملكوت السموات فإنّ التعليم الذي يحصل عليه الإنسان هو تزييف لإسم التعليم.

توجد في الطبيعة حقائق عجيبة ومدهشة. فالأرض والبحر والسماء ملأى بالحق. وكلها تعلّمنا. والطبيعة تنطق بصوتها في دروس الحكمة السماوية والحق الأبدي. ولكنّ الإنسان الساقط لا يريد أن يفهم. لقد أظلمت الخطية بصره وهو لا يستطيع من نفسه أن يفسّر الطبيعة بدون أن يضعها فوق يهوه. ولا يمكن للدروس الصحيحة أن تؤثّر في عقول من يرفضون كلمة يهوه. وهم يحرفون تعليم الطبيعة بحيث يبعدهم عن الخالق.

إنّ كثيرين يظنون أنّ حكمة الإنسان أسمى من حكمة المعلم الإلهي، وينظرون إلى كتاب درس يهوه على أنه طراز قديم وكتاب مبتذل لا لذّة فيه. أما الذين قد أنعشهم الروح القدس فلا ينظرون إليه هكذا، فهم يرون فيه كنزاً لا يُقدّر بثمن، وهم يريدون أن يبيعوا كل شيء ويشتروا الحقل الذي فيه الكنز. وبدلا من أن يقتنوا الكتب المشتملة على افتراضات الكتَّاب المشهورين فإنّهم يختارون كلمة ذاك الذي هو أعظم كاتب وأعظم معلم عرفه العالم والذي بذل حياته لأجلنا لكي تكون لنا به الحياة الأبدية.

نتائج إهمال الكنز

إنّ الشيطان يعمل في عقول الناس فيقنعهم بأنه يوجد علم عجيب ومدهش يمكن الحصول عليه بعيداً عن يهوه. إنّه بسبب محاجته الخادعة ساق آدم وحواء إلى الشك في كلمة يهوه وملأ مكانها بنظرية أدّت إلى العصيان. وإنّ مغالطته تعمل اليوم نفس ما عملته في جنة عدن. فالمعلمون الذين يخلطون آراء الكتَّاب الملحدين بالتهذيب الذي يقدمونه إنمّا يغرسون في أذهان الشباب أفكاراً تقود إلى الشك في يهوه وعصيان شريعته. وقلّما يعرفون ما هم صانعون. وقلّما يتحققون من مغبّة عملهم.

قد يتقدم أيّ شاب ويحصل على كل الدرجات العلمية في مدارس اليوم وكلياته، وقد يكرّس كل قواه لاجتناء المعرفة، ولكن ما لم يعرف يهوه، وما لم يطع الشرائع التي تحكم على كيانه فسيُهلك نفسَه. فبسبب العادات الخاطئة يفقد القوة على تقدير نفسه ويفقد قوة ضبط النفس. ولا يستطيع أن يتناقش مناقشةً صحيحةً في الأمور التي تمسّه من أقرب قرب. إنّه طائش وغير واقعي في معالجة عقله وجسده. فبسبب عاداته الخاطئة يجعل من نفسه حطاما خربا. ولا يستطيع أن يجد السعادة لأنّ إهماله في غرس المبادئ الصحية الطاهرة يجعله تحت سيطرة العادات التي تدمر سلامه. وسنو دراسته المضنية تضيع لأنه قد أهلك نفسه. لقد أساء استخدام قوى جسمه وعقله وقد صار هيكل جسمه خرابا. لقد أصاب الدمارُ حياتَه الحاضرة والعتيدة. كان يظنّ أنّه إذ طرَح كتابَه المقدس جانبا فقد ضحّى بكنزٍ يساوي كل شيء آخر.

البحث عن الكنز

ينبغي أن تكون كلمة يهوه موضوع دراستنا. وعلينا أن نعلّم أولادنا الحقائق المدونة فيها. إنّها كنز لا ينفد ولكن الناس يخفقون في العثور على هذا الكنز لأنهم لا يفتشون حتى يصير في حوزتهم. إنّ كثيرين جداً يقنعون بالظنّ والافتراض في أمر الحق. يقنعون بدرسٍ سطحي إذ يحسبونه أمرا مسلّما به أنّهم قد حصلوا على كل ما هو جوهري. فهم يعتبرون أقوال الآخرين أنّها الحق إذ أنهم متكاسلون جدا عن أن يشرعوا بأنفسهم بجدٍ وغيرةٍ في العمل المرموز إليه في الكتاب بالحفر بحثا عن الكنز المخفي. ولكنّ اختراعاتِ الناس فضلا عن أنها لا يُعتمد عليها فهي خطرة لأنها تضع الإنسان حيث يجب أن يكون يهوه. وهي تضع أقوال الناس حيث يجب أن يكون (( هكذا قال السيَد )).

إنّ المسيا هو الحق. وأقواله حق ولها معنى أعمق مما يبدو حسب الظاهر. إنّ كل أقوال المسيا لها قيمة أعظم مما تبدو على بساطتها. والعقول التي قد أحياها الروح القدس تميّز قيمة هذه الأقوال. سيكتشفون جواهر الحق الثمينة مع أنّ هذه قد تكون كنوزاً مخفية.

إنّ النظريات والأفكار البشرية لن تقود إنسانا لفهم كلمة يهوه. وإنّ الذين يظنون أنهم يفهمون الفلسفة يحسبون أنّ شروحهم لازمة للكشف عن كنوز المعرفة ومنع الضلالات داخل الكنيسة. ولكنّ هذه الشروح بعينها هي التي أدخلت النظريات الكاذبة والهرطقات. لقد بذل الناس جهودا يائسة في شرح ما ظنّوه فصولا معقدة من الكتاب. ولكنّ في غالب الأحيان لم تعمل جهودهم هذه إلاّ على زيادة غموض ما قد حاولوا إيضاحه.

لقد ظن الكهنة والفريسيون أنّهم كانوا يعملون أعمالا عظيمة كمعلمين بتقديم تفسيرهم لكلمة يهوه، ولكن المسيا قال عنهم: (( لا تعرفون الكتب ولا قوة يهوه )) (مرقس 24:12). وقد اتّهمهم المسيا بذنب كونهم: (( يعلمون تعاليم هي وصايا الناس )) (مرقس 7:7). فمع أنّهم كانوا معلمي أقوال يهوه، ومع أنه كان مفروضا أنهم يفهمون كلمته فإنّهم لم يكونوا عاملين بالكلمة. لقد أعمى الشيطان عيونهم حتى لا يروا معناها الحقيقي.

وهذا ما يعمله كثيرون في يومنا هذا، إذ توجد كنائس كثيرة مذنبة بهذه الخطية. فهناك خطر عظيم من أنّ حكماء العالم المزعومين اليوم يفعلون نفس ما فعله معلّمو اليهود. إنّهم يفسرون أقوال يهوه كذبا فيحيق الارتباك بالنفوس وتكتنفهم الظلمة بسبب عدم إدراكهم للحق الإلهي.

لا حاجة لقراءة الكتب المقدسة على نور التقليد المظلم أو الآراء البشرية. إنّ شرح الكتب المقدسة بالتقاليد أو التصورات البشرية هو كمحاولتنا أن ننير الشمس بمشعل. إنّ كلمة يهوه المقدسة هي في غير حاجة إلى ضوء المشاعل الأرضية لكي يُرى مجدُ لمعانها واضحا وجليا. إنّها نور في ذاتها – مجد يهوه المُعلن وبدونها يبدو كل نور ظلاما.

إنّما ينبغي أن تكون هنالك دراسةُُ جادّة غيورة وتنقيبُُ دقيق. إنّ الإدراك القاطع الواضح للحق لا يمكن أن يكون جزاء الكسل أو الخمول. لا توجد بركة أرضية ينالها الإنسان دون أن يبذلَ جهدا جادا صبورا مثابرا. فإذا كان الناس يظفرون بالنجاح في عملهم أو تجارتهم فينبغي أن تكون لهم إرادة ليفعلوا وإيمان به ينتظرون النتيجة. ونحن لا يمكننا أن ننتظر الحصول على المعرفة الروحية بدون تعب وحماسة. والذين يرغبون في العثور على كنوز الحق يجب أن ينقبوا عنها كما يحفر المعَّدن بحثاً عن الكنز المخفي في الأرض. إنّ العمل بفتور وفي غير اكتراث لن يجدي نفعاً. ومن اللازم جدا للكبار والصغار لا أن يقرأوا كلمة يهوه فقط بل أيضا أن يدرسوها بغيرة قلبية صادقة مصلين وباحثين عن الحق كمن يبحث عن كنز مخفي. والذين يفعلون هذا يجازون خيراً لأن المسيا يحيي الفهم وينعشه.

إنّ خلاصنا موقوف على معرفة الحق المتضمن في الكتب المقدسة. ويهوه يريدنا أن نمتلك هذا الحق. إذن فتشوا، نعم فتشوا الكتاب المقدس الثمين بقلوب جائعة. وافحصوا كلمة يهوه كما يفحص صاحب المنجم الأرض ليجد عروق الذهب. ولا تكفّوا أبداً عن البحث حتى تتأكدوا من صلتكم بيهوه وإرادته الخاصة بكم. قال المسيا : (( ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله ليتمجد الآب بالابن. إن سألتم شيئا بإسمي فأني أفعله )) (يوحنا 13:14 و 14).

إنّ الناس الأتقياء الموهوبين يرون لمحات من الحقائق الأبدية، ولكنهم في غالب الأحيان يقصرون عن الإدراك لأنّ الأشياء المنظورة تحجب مجد غير المنظور. والذي يريد أن يفتّش باجتهاد عن الكنز المخفي عليه أن يرتفع إلى مطالب أسمى من أمور هذا العالم. فينبغي أن تكرس عواطفه وكل إمكانياته لهذا البحث.

لقد أوصد العصيان الباب على قدر عظيم من المعرفة التي كان يمكن اجتناؤها من الكتب المقدسة. إنّ الإدراك معناه الطاعة لأوامر يهوه. وإنّ الكتب المقدسة ينبغي ألاّ تطبق بحيث توافق تعصب الناس وحسدهم. ولكن لا يمكن أن يفهمها إلاّ من يفتشون بتواضع عن معرفة الحق حتى يمكنهم أن يطيعوه.

أتتساءل قائلا: (( ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟ )) ينبغي أن تضع كل الآراء التي سبق لك أن عرفتها وآراءك الموروثة والمكتسبة أمام باب البحث والتنقيب. أمّا إذا كنت تفتش الكتب لكي تبرّر آراءك فلن تصل إلى الحق. فتش لتعرف ماذا يقول السيَد. وفيما أنت تفتش إذا كان يأتيك الاقتناع ورأيت أنّ آراءك المحبوبة ليست متوافقة مع الحق، فلا تحرّف الحق ليتفق ومعتقدك بل اقبل النور المعطى لك. إفتح عقلك وقلبك حتى يمكنك أن ترى عجائب من كلمة يهوه.

إنّ الإيمان بالمسيا كفادي العالم يتطلب اعتراف الذهن المستنير الذي يتسلط عليه القلب الذي يميز ويقِّدر الكنز السماوي. هذا الإيمان غير منفصل عن التوبة وتغيير الخلق. فالحصول على الإيمان معناه العثور على كنز الإنجيل وقبوله مع كل الالتزامات التي يفرضها.

(( إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت يهوه )) (يوحنا 3:3). قد يخمّن ويتصوّر ولكن ما لم تكن له عين الإيمان فهو لا يستطيع أن يرى الكنز. لقد بذل المسيا نفسه ليضمن حصولنا على هذا الكنز الذي لا يقدر بثمن، ولكن بدون التجديد بالإيمان بدمه لا غفران للخطايا ولا كنز لأية نفس هالكة.

إنّنا بحاجة إلى إنارة الروح القدس حتى نعرف ونكتشف الحقائق التي في كلمة يهوه. إنّ الأشياء الجميلة التي في العالم الطبيعي لا يمكن رؤيتها إلاّ بعدما تشرق الشمس وتغمر العالم بنورها مبدّدة الظلمة. وهكذا لا يمكن لأحد أن يقدر كنوز كلمة يهوه حتى تكتشف عنها أشعة نور شمس البر المتألقة.

إنّ الروح القدس المرسل من السماء بأريحية المحبة السرمدية يأخذ ممّا ليهوه ويعلنه لكل نفس عندها إيمان ثابت في المسيا. فبقوة الروح القدس تنطبع على العقل الحقائق الحيوية التي عليها يتوقف خلاص النفس، ويتضح طريق الحياة حتى لا يضل فيها أي إنسان. ففيما نحن ندرس الكتاب المقدس ينبغي لنا أن نصلّي حتى يشرق نور الروح القدس على الكلمة فنرى الكنوز ونقدرها.

مكافأة البحث والتنقيب

لا يظنَّن أحد أنه لم تبق بعد له معرفة يكتسبها. يمكن قياس عمق العقل البشري. وأعمال الكتَّاب البشريين يمكن قياسها. أما أسمى وأعمق وأوسع تحليق للخيال والفكر فلا يمكنه معرفة يهوه. توجد سرمدية أسمى من كل ما يمكننا إدراكه. لقد رأينا بصيصا من المجد الإلهي والمعرفة والحكمة اللامحدودتين لا أكثر، لقد كنا نشتغل على ظاهر المنجم على ما يبدو، بينما جوهر الذهب الغني هو تحت السطح وهو سيكون مكافأة لمن يحفر في طلبه. ينبغي تعميق المدخل فبواسطة الإيمان الصادق الصحيح يحصل الإنسان على المعرفة الإلهية.

ولا يمكن أنّ أحدا يفتش الكتب بروح المسيا دون أن يكافأ. فعندما يكون إنسان راغباً في التعلّم كولد صغير ويخضع بالتمام ليهوه فسيجد الحق في كلمته. وإذا كان الناس يطيعون فسيدركون تدبير يهوه في حكمه. والعالم السماوي يفتح مقاصير نعمته ومجده لمن يكتشفه. والخلائق البشرية تختلف تماما عما هي الآن لأنه بواسطة اكتشاف مناجم الحق يصير الناس أسمى وأنبل. وسرّ الفداء وتجسد المسيا وذبيحته الكفارية لن تكون غامضة في عقولنا كما هي الآن فإنّه فضلا عن فهمنا إياها فهما أفضل فإنها ستظفر منا بتقدير أعظم.

إنّ المسيا في صلاته إلى الآب قدم للعالم درساً ينبغي أن ينقش على العقل والنفس. فقد قال: (( وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويهوشوه المسيا الذي أرسلته )) (يوحنا 3:17). هذا هو التهذيب الحقيقي. فهو يمنح القوة. فالمعرفة الاختبارية ليهوه وليهوشوه المسيا الذي قد أرسله تغيّر الإنسان بحيث يصير على صورة يهوه. وهي تعطي الإنسان قوة للسيطرة على نفسه جاعلا كل وازع وعاطفة في الطبيعة الدنيا تحت سيطرة القوى الأسمى في العقل. وهي تجعل من يملكها ابناً ليهوه ووارثاً للسماء. وهي تأتي بالإنسان إلى الشركة مع الفكر الإلهي غير المحدود وتفتح له كنوز الكون الغنية.

هذه هي المعرفة التي تُنال عندما تُفتَّش كلمةُ يهوه. وهذا الكنز يمكن أن يجده كلُّ إنسان يترك كلَّ شيءٍ ليناله.

(( إن دعوت المعرفة ورفعت صوتك إلى الفهم. إن طلبتها كالفضة وبحثت عنها كالكنوز فحينئذ تفهم مخافة يهوه وتجد معرفة يهوه )) (أمثال 3:2  – 5).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
13
2
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
02
28
Calendar App