5. مـثْل حَـبّة خَـردل
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كان بين الجموع التي استمعت لتعليم المسيا كثيرون من الفريسيين. هؤلاء الناس لاحظوا بازدراء قلة عدد من اعترفوا به كمسيّا من بين سامعيه. وكانوا يسائلون أنفسهم كيف يمكن لهذا المعلّم الساذج أن يرفع شأن إسرائيل إلى ذروة السيادة الشاملة. فبدون غنى أو سلطان أو كرامة كيف يمكنهُ أن يوطّد دعائم الملكوت الجديد ؟ وقد قرأ المسيا أفكارهم فأجابهم:

(( بماذا نشبه ملكوت يهوه أو بأي مثل نمثله? )) في حكومات الأرض لا يوجد ما يصلح لأن يكون شبيهاً به. ولا يوجد مجتمع مدني يمكن أن يتخذه السيد رمزاً له، فقال: (( مثل حبة خردل متى زرعت في الأرض فهي أصغــر جمـيع البـذور التي على الأرض. ولكن متى زُرعت تطلـع وتصــير أكـبر جميع البقول وتصنع أغصاناً كبيرة حتى تستطيع طيور السماء أن تتآوى تحت ظلها )) (مرقس 30:4 – 32).

إنّ الجرثومة التي في البذرة تنمو بتفتح مبدأ الحياة الذي قد غرسه يهوه فيها. ونموّها لا يتوقف على أية قوة بشرية. وكذلك الحال مع ملكوت المسيا. إنّه خليقة جديدة. ومباديء نموه هي على نقيض المباديء التي تحكم على ممالك هذا العالم. فالممالك الدنيوية تنتصر بالقوة والعنف وتحتفظ بأملاكها بالحروب. ولكن مؤسس الملكوت الجديد هو رئيس السلام. إنّ الروح القدس يشبِّه ممالك العالم بالوحوش الضارية المفترسة، أما المسيا فهو (( حمل يهوه الذي يرفع خطية العالم )) (يوحنا 29:1). وفي تدبيره للحكم لا يوجد استخدام للقوة الوحشية لإرغام الضمير. كان اليهود ينتظرون أن يتأسس ملكوت يهوه بنفس وسيلة تثبيت ممالك العالم. فلكي ينشروا البر لجأوا إلى إجراءات خارجية. وابتكروا وسائل وخططاً. ولكن المسيا يغرس مبدأ. فإذ يثبِّت الحق والبر يعرقل عمل الضلال والخطية.

فإذ نطق يهوشوه بهذا المثل كان يمكن رؤية شجرة الخردل من بُعد ومن قرب وقد ارتفعت فوق العشب والحنطة وكانت أغصانها تلوح في الهواء برشاقة. وكانت الطيور تنتقل من فرع إلى آخر وترسل أغاريدها من خلال أوراق الأغصان. ومع ذلك فإن البذرة التي منها نبتت هذه الشجرة العظيمة كانت من أصغر البذور كلها. في باديء الآمر أخرجت غُصيناً صغيراً رقيقاً، ولكنه كان ذا حيوية قوية فنما وازدهر إلى أن وصل إلى حجمه الحالي العظيم. وكذلك ملكوت المسيا فقد ظهر في بدئه حقيراً لا يُعتد به. فلو قورن بممالك العالم لبدا أصغرهن جميعاً. لقد كان حكام هذا العالم يسخرون من تصريح المسيا بأنه ملك. ومع ذلك ففي الحقائق العظيمة الجبارة المسلمة لتلاميذه كانت لملكوت الإنجيل قوة حياة إلهية. وما كان أسرع نموه وما كان أوسع مدى تأثيره ! عندما نطق المسيا بهذا المثل لم يكن غير عدد قليل من فلاحي الجليل ليمثلوا الملكوت الجديد. إنّ فقرهم وقلة عددهم اعتبرا مرارا كثيرة سببا لأجله لا يليق بالناس أن ينضموا إلى هؤلاء الصيادين السذج الذين تبعوا يهوشوه. ولكن حبة الخردل كان عليها أن تنمو وتمد أغصانها في كل أنحاء العالم. وعندما تندثر وتزول ممالك الأرض التي ملأ مجدها قلوب الناس حينئذ فإن ملكوت المسيا سيبقى قوة جبارة تملأ الأرجاء.

وهكذا عمل النعمة في القلب هو صغير في مبدئه. فإذ تُقال كلمة ينسكب شعاع من النور في النفس وتُبذل قوة وتأثير هما بدء الحياة الجديدة، ومن ذا الذي يستطيع أن يقيس نتائجهما!

إنّ مثل حبة الخردل لا يشرح نمو ملكوت المسيا فقط بل في كل طور من أطوار النمو يتكرر الاختبار المشروح في المثْل. لقد أعد يهوه لكنيسته  في كل عصر وكل جيل حقّاً خاصاً وعملا خاصا. فالحق الذي قد أُخفي عن عقلاء هذا العالم وحكمائه أُعلن لمن هم كالأطفال والودعاء. إنّه يتطلب إنكار الذات والتضحية. ولديه معارك يخوضها ونصرات يحرزها. في البدء نجد أن مناصريه قليلون. فعظماء العالم والكنيسة المجارية للعالم يقاومونهم ويزدرونهم. انظروا يوحنا المعمدان سابق المسيا وهو واقف وحده موبخا كبرياء الأمة اليهودية وتمسكها بالرسميات. وانظروا حاملي الإنجيل الأولين إلى أوروبا. وكم كانت رسالة بولس وسيلا، صانعي الخيام، تبدو مغمورة وبائسة حين أبحرا مع رفقائهما من ترواس إلى فيلبي. ثم انظروا (( بولس الشيخ )) السفير في سلاسل وهو يكرز بالمسيا في معقل القياصرة. ثم انظروا إلى الجماعات الصغيرة من العبيد والفلاحين وهم في نضال مع وثنية روما الإمبراطورية. وانظروا كذلك إلى مارتن لوثر وهو يصمد أمام تلك الكنيسة العظيمة التي هي طُرفة الحكمة العالمية. انظروه وهو متشبث بكلمة يهوه ضد الإمبراطور والبابا وهو يقول (( إنّي اتخذ موقفي هنا. ولا يمكنني أن افعل غير ذلك. وليكن يهوه في عوني )). ثم انظروا جون وسلي وهو يكرز بالمسيا وبرّه في وسط التمسك بالطقوس والشهوانية والإلحاد. انظروا إنساناً مثقلاً بحمل ويلات العالم الوثني متوسلا في طلب امتياز حمل رسالة محبة المسيا إليهم. ثم اسمـعـوا بماذا أجـابه رجـال الاكلـيروس ، فقد قــالوا لـه : (( اجلس أيها الشاب. إنّ يهوه حين يريد أن يهدي الوثنيين فهو سيفعل ذاك بدون مساعدتك أو مساعدتنا )).

إنّ قادة الفكر الديني العظام في هذا العصر يشيدون بمديح من قد زرعوا بذار الحق في القرون الماضية ويقيمون لهم الأنصاب. إلا يوجد كثيرون ممن ينحرفون عن هذا العمل ليطأوا بأقدامهم على النبات الطالع مـن نفـس هـذا البـذار اليـوم ؟ إنّ الصـرخة القديمـة تتردّد من جديد قائلة : (( نحن نعلم أنّ موسى كلّمه يهوه، وأمّا هذا (أي المسيا في شخص الرسول الذي يرسله) فما نعلم من أين هو )) (يوحنا 29:9). وكما في الأجيال القديمة نجد أن الحقائق الخاصة بهذا العصر لا توجد في سلطات رجال الدين بل مع الرجــال والنسـاء الذين ليسـوا أعلم ولا أحكم من أن يؤمنوا بكلمة يهوه.

(( فانظروا دعوتكم أيها الاخوة أن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد ليس كثيرون أقـوياء ليس كثيرون شـرفاء بل اختـار يهوه جهّـال العـالم ليخزي الحكماء. واختار يهوه أدنيـاء العالم والمزدرى وغير الموجـود ليبطل الموجود )) (1 كورنثوس 26:1 – 28), (( لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة يهوه )) (1 كورنثوس 5:2).

وفي هذا العصر الأخير سيصل مثل حبة الخردل إلى إتمام ظافر وفريد. فالحبة الصغيرة ستصير شجرة. وآخر رسالة للإنذار والرحمة ستصل إلى (( كل أمة وقبيـلة ولسـان وشعب )) (رؤيا 6:14 – 14) : (( ليأخذ منهم شعبا على اسمه )) (أعمال 14:15) وستستنير الأرض من بهائه (رؤيا 1:18).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
11
20
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
01
18
Calendar App