2. الزَّارع خَرجَ ليزرَع
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إن المسيا يشرح لنا في مثل الزارع الأمور المختصة بملكوت السموات وعمل الفلاح العظيم لأجل شعبه. فكزارع في الحقل أتى هو ليبذر بذار الحق السماوي. وكان نفس تعليمه بالأمثال البذار الذي به زُرعت أثمن حقائق نعمته. إنّ مثل الزارع نظرا لبساطته لم يُقَّدر التقدير اللائق به. يريد المسيا أن يرشد أذهاننا من البذرة الطبيعية التي تُزرع في الأرض إلى بذار الإنجيل، الذي يؤول زرعه إلى رجوع الإنسان إلى حالة الولاء ليهوه. فذاك الذي ضرب مثل البذرة الصغيرة هو ملك السماء، ونفس النواميس التي تسود على البذار الأرضي تتحكم في زرع بذار الحق.

فبجانب بحر الجليل اجتمع جماعة ليروا يهوشوه ويسمعوه – وكانوا جمعا مشتاقا ومنتظرا. كان هناك المرضى منطرحين منتظرين أن يتقدموا إليه بشكاتهم. وكان حق المسيا المعطى له من يهوه أن يشفي أمراض جنسنا الخاطيء وبلاياه. وها هو الآن قد انتهر المرض ونشر من حوله الحياة والصحة والسلام.

وإذ بدأ عدد المتجمهرين يتكاثر، زاد ضغط الشعب على المسيا بحيث لم يعد يوجد متّسع لمزيد. فإذ تكلم المسيا كلمات قليلة مع الرجال الذين في قوارب صيدهم نزل في القارب الذي كان في انتظاره ليأخذه عبر البحيرة، وإذ أمر تلاميذه أن يبعدوا قليلاً عن البرّ جعل يخاطب الجموع الذين على الشاطيء.

بجانب البحر امتدّ سهل جنيسارت الجميل ومن خلفه ارتفعت التلال، وعلى جانب التلال وفي السهل كان الزارعون والحاصدون مشتغلين، هذا في إلقاء البذار وذاك في جمع الحصاد المبكر. فإذ نظر المسيا إلى هذا المشهد قال: (( هوذا الزارع قد خرج ليزرع. وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق فجاءت الطيور وأكلته. وسقط آخر على الأماكن المحجرة حيث لم تكن له تربة كثيرة فنبت حالا إذ لم يكن له عمق أرض. ولكن لما أشرقت الشمس احترق. وإذ لم يكن له اصلُُ جفّ. وسقط آخر على الأرض الجيدة فأعطى ثمراً بعض مئة وآخر ستين وآخر ثلاثين )) (متى 3:13 – 8).

إن الناس في عهد المسيا لم يفهموا رسالته. فلم تكن كيفية مجيئه مطابقة لتوقعاتهم. لقد كان السيَد يهوشوه أساس كلّ التدبير اليهودي. كانت خدماتهم المهيبة بموجب تعيين إلهي. وكان القصد منها تعليم الشعب انه في الوقت المعين سيأتي ذاك الذي كانت تلك الطقوس تشير إليه. ولكنّ اليهود مجّدوا الفرائض والطقوس وغاب عن أنظارهم هدفها وغايتها. إنّ التقاليد وقوانين الناس وتشريعاتهم اخفت عنهم الدروس التي قصد يهوه أن يتعلّموها. فقد صارت هذه القوانين والتقاليد عقبة في طريق فهمهم وممارستهم للدين الحقيقي. وعندما جاءت الحقيقة في شخص المسيا لم يمّيزوا فيه إتمام كل رموزهم وجوهر كل رموزهم وظلالهم. لقد رفضوا المرموز إليه وتعلقوا برموزهم وطقوسهم العديمة النفع. إنّ ابن يهوه قد أتى ولكنهم ظلوا يسألون آية. والرسالة القائلة: (( توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات )) أجابوا عليها بأن طلبوا آية (متى 2:3).

لقد كان إنجيل المسيا صخرة عثرة لهم لأنهم طلبوا آيات بدلا من أن يطلبوا مخلصاً. كانوا ينتظرون أن يثبت مسّيا صدق ما قاله عن قدرته على كسب انتصارات عظيمة، وتأسيسه إمبراطوريته على أطلال ممالك الأرض. وقد أجاب المسيا على هذا التوقع بما جاء في مثل الزارع. فملكوت يهوه لم يكن لينتصر بقوّة السلاح أو التدخل العنيف بل بغرس مبدأ جديد في قلوب بني الإنسان.

(( الزارع الزرع الجيد هو ابن الإنسان )) (متى 37:13). فالمسيا قد أتى لا كملك بل كزارع، لا ليهدم الممالك بل ليلقي البذار، لا ليوجّه تابعيه إلى نصرات أرضية وعظمة قومية بل إلى حصاد يجب أن يُجمع بعد كدّ صبور في وسط الخسائر والمفشلات.

لقد فهم الفريسيون معنى مَثَل المسيا ولكنهم لم يكونوا يرحبون بالدرس المستفاد منه. فقد تظاهروا بأنّهم لم يفهموه. أمّا بالنسبة إلى الجمع فقد اشتمل المثل، في سرّ أعظم، على غرض المعلم الجديد الذي قد حرك كلامه قلوبهم بكيفية غريبة ولكن بمرارةٍ خيّب كلّ طموحهم. أمّا التلاميذ أنفسهم فلم يفهموا المثل، إلاّ أنّ اهتمامهم قد أثير. فجاءوا إلى يهوشوه على انفراد ليفسره لهم.

هذا هو الشوق الذي كان المسيا يرغب في أن يثيره فيهم، لكي يقدّم لهم مزيداً من الإرشادات المعينة. وقد فسر لهم المثل، كما يفسر ويوضح كلمته لكل من يطلبونه بقلوب خالصة. فالذين يدرسون كلمة يهوه بقلوب مفتوحة لإنارة الروح القدس لن يفوتهم فهم معنى الكلمة. قال المسيا: (( إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من يهوه أم أتكلم أنا من نفسي )) (يوحنا 17:7). فكل من يأتون إلى المسيا في طلب معرفة أوضح للحق سينالونها. وهو سيكشف لهم عن أسرار ملكوت السموات، والقلب الذي يتوق لمعرفة الحق سيفهم هذه الأسرار. وسيضيء نور سماوي في هيكل النفس وسيعلن للآخرين كسراج موقد منير في طريق مظلم.

(( هوذا الزارع قد خرج ليزرع )). كانت الحالة في الشرق غير مستقرة، وكان يوجد خطر عظيم من الغزو والعنف حتى كان اكثر الناس يسكنون في مدن ذات أسوار، وكان الفلاحون يخرجون كل يوم لمباشرة أعمالهم خارج الأسوار. وهكذا المسيا الزارع السماوي خرج ليزرع. لقد ترك وطنه حيث الأمن والسلام، ترك المجد الذي كان له عند الآب قبل كون العالم، وترك مكانه على عرش الكون. ثم خرج إنسانا متألّما مجرّباً، خرج منفردا ليزرع بالدموع وليروي بدمه بذار الحياة للعالم الهالك.

وبنفس هذه الكيفية يجب على خدامه أن يخرجوا ليزرعوا. فإبراهيم حين دُعي ليصير زارع بذار الحق صدر إليه هذا الأمر قائلاً (( اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك )) (تكوين  1:12) : (( فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي )) (عبرانيين 8:11). وكذلك إذ كان بولس الرسول يصلّي في الهيكل في أورشليم جاءته هذه الرسالة من يهوه: (( اذهب فإني سأرسلك إلى الأمم بعيداً )) (أعمال 21:22). وكذلك من يُدعون ليتحدوا مع المسيا عليهم أن يتركوا كل شيء ليتبعوه. ، ويجب هجر خطط الحياة والتخلي عن الآمال الأرضية. فيجب أن يُزرع الزرع بالتعب والدموع والوحشة والتضحية.

(( الزارع يزرع الكلمة )) (مرقس 14:4). لقد جاء المسيا ليزرع كلمة الحق في العالم. فمنذ سقوط آدم دأب الشيطان في زرع بذار الضلال. فلقد تسلط على الإنسان في البدء بكذبة وهكذا هو ما زال يعمل ليهدم ملكوت يهوه في الأرض وليجعل الناس تحت سلطانه. وقد أتى المسيا الذي هو زارع من عالم أسمى ليزرع بذار الحق. فذاك الذي وقف في مجمع يهوه، والذي سكن في داخل مقدس الإله السرمدي أمكنه أن يأتي إلى الناس بمباديء الحق النقية. فمنذ سقوط الإنسان كان المسيا هو معلن الحق للعالم. وبواسطته سُلمت للناس البذرة التي لا تفنى (( كلمة يهوه الحية الباقية إلى الأبد )) (1بطرس 23:1). ففي ذلك الوعد الأول المقدم لجنسنا الساقط في جنة عدن كان المسيا يزرع بذار الإنجيل. ولكن مثل الزارع ينطبق بكيفية خاصة على خدمة المسيا الشخصية بين الناس وعلى العمل الذي قد ثبته.

وكلمة يهوه هي البذار. إنّ كل بذرة مودع فيها مبدأ الإنبات. ففي داخلها تكمن حياة النبات. وكذلك في كلمة يهوه توجد الحياة. فالمسيا يقول: (( الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة )) (يوحنا 63:6). (( من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية )) (يوحنا 24:5). ففي كل أمر وكل وعد في كلمة يهوه توجد قوة يهوه ونفس حياته التي بواسطتها يمكن للإنسان أن يطيع الأمر وبالتالي يتحقق له الوعد. إنّ من يقبل الكلمة بإيمان إنّما يقبل نفس حياة يهوه وصفاته.

هذا، وان كلّ بذر يثمر ثمرا كجنسه. فازرع البذار بموجب الشروط الصحيحة فتنتقل حياته إلى النبات. وإذا كنت تقبل في نفسك بالإيمان بذرة كلمة يهوه التي لا تفنى فإنها ستثمر صفات وحياة شبيهة بصفات يهوه وحياته.

إن معلمي اليهود لم يكونوا يزرعون بذار كلمة يهوه. فقد كان يوجد تباين واضح بين عمل المسيا كمعلم للحق وعمل معاصريه من معلّمي اليهود. لقد حَّولوا جل اهتمامهم إلى التقاليد والنظريات والتخمينات البشرية. وكثيرا ما كانوا يضعون ما قد علم به الناس وكتبوه عن كلمة يهوه في مكان الكلمة نفسها. ولهذا فلم يكن لتعليمهم قوّة على إحياء النفس. أما المسيا فكان موضوع تعليمه وكرازته كلمة يهوه. وكان يواجه المتسائلين والمتشككين بالقول: (( مكتوب )) ، (( ماذا يقول الكتاب؟ )), (( كيف تقرأ؟ )),  وفي كل فرصة عندما يستيقظ اهتمام صديق أو عدوّ كان السيد يزرع بذار الكلمة. فذاك الذي هو الطريق والحق والحياة والذي هو نفسه الكلمة الحية يشير إلى كلمة يهوه قائلا: (( وهـي التي تشهد لي )) وإذ (( ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء )) جعل يفسر لتلميذيه (( الأمور المختصة به في جميع الكتب )) (يوحنا 39:5 ؛ لوقا 27:24).

ويجب على خدام المسيا أن يقوموا بنفس العمل. ففي أيامنا هذه كما في أيام القدم نرى أن الحقائق الحية لكلمة يهوه قد ألقى بها جانبا واستعيض عنها بنظريات البشر وتخميناتهم. إنّ كثيرين ممن يُعرف عنهم انهم خدام الإنجيل لا يقبلون كل الكتاب على انّه كلمة يهوه الموحى بها. فهذا رجل حكيم يرفض جزءا من الكتاب، ورجلُُ آخر يشكّ في جزء آخر. يجعلون حكمهم أسمى من حكم الكلمة، والآية التي يعملون بها تستند على سلطانهم. وهكذا يطمس منشأها الإلهي وبهذه الكيفية يبذر بذار الإلحاد على مدى واسع، لأن الناس يرتبكون ولا يعرفون ما الذي يصدقونه. توجد عقائد كثيرة لا حق للعقل أن يقبلها. في أيام المسيا جعل رؤساء اليهود لكثير من أجزاء الكتاب استنتاجا قهريا غامضا. فلكون تعليم كلمة يهوه الواضحة دان تصرفاتهم وشجبها حاولوا أن يلاشوا قوتها. وهذا ما يحدث في يومنا هذا. فكلمة يهوه تُصَّور على أنها مبهمة وغامضة لكي يكون ذلك مبررا للناس ليرتكبوا خطية العصيان على شريعته. والمسيا وبخ هذه التصرفات في أيامه، فقد علّم أنّ كلمة يهوه يجب أن يفهمها الجميع. وأشار إلى الكتاب المقدس كالحجة غير المشكوك في صدقها أو سلطانها، وهذا نفس ما يجب علينا أن نفعله. فيجب تقديم الكتاب ككلمة يهوه السرمدي، وكفيصل ينهي كل مشاجرة أو خصام، وأساس كل إيمان.

لقد جُرد الكتاب من قوته، وها نحن نرى النتائج في انحطاط الحياة الروحية. فالعظات التي تلقى من على المنابر اليوم ينقصها ذلك الإعلان الإلهي الذي يوقظ الضمير ويمنح النفس حياة. ولا يستطيع السامعون أن يقولوا: (( ألم يكن قلبنا ملتهبا فينا إذ كان يكلمنا في الطريق ويوضح لنا الكتاب )) ؟ (لوقا 32:24). يوجد كثيرون ممن يصرخون إلى الإله الحيّ مشتاقين إلى حضور يهوه. فالنظريات الفلسفية والرسائل الأدبية مهما تكن باهرة متألقة لا يمكنها أن تشبع القلب. إنّ تصريحات الناس واختراعاتهم لا قيمة لها. فلتتكلم كلمة يهوه إلى الشعب. وأولئك الذين لم يسمعوا غير التقاليد والآراء والقوانين البشرية، ليسمعوا صوت ذاك الذي تستطيع كلمته أن تجدّد النفس للحياة الأبدية.

إنّ الموضوع الذي كان محبّبا إلى قلب المسيا هو رقة يهوه الأبوية ونعمته المتفاضلة. لقد تكلم كثيرا عن قداسة صفاته وشريعته. وقدم نفسه للناس على أنّه الطريق والحق والحياة. فلتكن هذه هي المواضيع التي يتكلم فيها خدام المسيا. قدموا الحق كما هو في يهوشوه. وأوضحوا مطاليب الناموس والإنجيل. واخبروا الناس عن حياة المسيا. حياة إنكار الذات والتضحية. وعن اتضاعه وموته وقيامته وصعوده وشفاعته لأجلهم في محاكم يهوه، وعن وعده القائل: (( آتي أيضا وأخذكم إليَّ )) (يوحنا 3:14).

فبدلا من التحدث في نظريات خاطئة مضللة أو محاولة مقارعة خصوم الإنجيل اتبعوا مثال المسيا. لتلمع الحقائق الجديدة المستقاة من كلمة يهوه وخزانته في الحياة (( اكرز بالكلمة. اعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب ))، (( طوباكم أيها الزارعون على كل المياه )) ، (( والذي معه كلمتي فليتكلم بكلمتي بالحق. ما للتبن مع الحنطة يقول يهوه ))، (( كل كلمة من يهوه نقية … لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكَّذب )) (2 تيموثاوس 2:4 ؛ إشعياء 20:32 ؛ ارميا 28:23 ؛ أمثال 5:30و6).

(( الزارع يزرع الكلمة )) (مرقس 14:4) هنا يقدم المبدأ العظيم الذي يجب أن يكون أساس كل عمل تهذيبي. (( الزرع هو كلام يهوه )) (لوقا 11:8). ولكن في مدارس كثيرة جدا في أيامنا هذه نجد أن كلمة يهوه ملقاة في زوايا النسيان. فتوجد موضوعات أخرى تشغل الذهن. إنّ دراسة مؤلفات الكتَّاب الملحدين أُفسح لها مجال كبير في نظم التعليم. والآراء الإلحادية تُنسج في مادة الدرس في الكتب المدرسية. والبحث العلمي يصير مضللا لأن استكشافاته تحرَّف وتُفسد. وكلمة يهوه تشبَّه وتقارن بتعاليم العلم المزعومة، ويبدو وكأنها غير يقينية وغير موثوق بها. وهكذا يُزرع بذار الشك في عقول الشباب وفي وقت التجربة ينمو ويكبر  ومتى ضاع الإيمان بكلمة يهوه فالنفس تُمسي بلا مرشد أو حارس. والشباب ينقادون في طرق تبعدهم عن يهوه والحياة الأبدية.

فإلى هذا السبب، إلى حد كبير، يُعزى الإثم المستشري في عالمنا اليوم. فعندما يُلقى بكلمة يهوه جانباً فإنّ قوتها على كبح أهواء القلب الطبيعي الشريرة تُرفض. الناس يزرعون للجسد ومن الجسد يحصدون فساداً.

وهنا أيضا يكمن السبب العظيم لضعف العقل وقصوره. فالعقل إذ يتحوّل بعيدا عن كلمة يهوه ليقتات على كتابات رجال غير ملهمين فالعقل يمسي قاصراً ورخيصاً تافهاً. فهو لا يلامس مباديء الحق الإلهي الأبدية العميقة الواسعة الرحاب. والفهم يكيّف نفسه على إدراك واستيعاب الأشياء المألوفة لديه. وفي تكريسه نفسه للأشياء المحدودة يضعف وتتقلّص قدرته. وبعد وقت يصير غير قادر على التمدّد والتوسّع.

كل هذا تهذيب كاذب. فعمل كل معلّم يجب أن يهدف إلى تثبيت وتركيز عقول الشباب في الحقائق السامية، حقائق كلمة الوحي. هذا هو التعليم الجوهري لهذه الحياة والحياة الآتية.

ولكن لا يظنَّن ظانّ أن هذا سيمنع دراسة العلوم أو يسبّب تخفيضا في المستوى التهذيبي. إنّ معرفة يهوه عالية وسامية بقدر علو السماء، ومتسعة بقدر اتساع الكون. لا شيء يسمو بالإنسان ويشرّفه وينشطه كدراسة المباحث العظيمة الخاصة بحياتنا الأبدية. فليحاول الشباب فهم هذه الحقائق المعطاة من يهوه وحينئذ تتسع مداركهم وتتقوى عندما يبذلون هذا الجهد. وهذا سيأتي بكل طالب عامل بالكلمة إلى حقل للفكر أرحب ويضمن له ثروة من المعرفة لا تفنى.

والتهذيب الذي يُجتنى من تفتيش الكتب هو معرفة اختبارية لتدبير الخلاص. مثل هذا التهذيب يعيد إلى النفس صورة يهوه ويقوي العقل ويحصّنه ضد التجربة ويؤهل المتعلم لان يكون عاملا مع المسيا في رسالة رحمته إلى العالم. ويجعله عضوا في الأسرة السماوية ويؤهله لشركة ميراث القديسين في النور.

إلاّ أنّ معلّم الحق المقدس لا يمكنه أن يعطي للغير إلاّ ما قد عرفه هو بالاختبار. (( خرج الزارع ليزرع زرعه )) (لوقا 5:8). إنّ المسيا قد علَّم الحق لأنه كان هو الحق. ففكرهُ وصفاته واختبار حياته تجسمت في تعليمه. وكذلك الحال مع خدامه، فالذين يريدون أن يعلموا الكلمة يجب أن يجعلوها ملكا لهم بالاختبار الشخصي. عليهم أن يعرفوا معنى أن يصير المسيا لهم حكمة وبراً وقداسة وفداء. فإذ يقدمون كلمة يهوه للآخرين عليهم ألاّ يجعلوها فرضا أو احتمالا. بل عليهم أن يعلنوا مع بطرس الرسول قائلين: (( لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرّفناكم بقوة سيَدنا يهوشوه المسيا ومجيئه بل قد كنا معاينين عظمته )) (2 بطرس 16:1). فعلى كل خادم من خدام المسيا وعلى كل معلم أن يكون قادراً أن يقول مع يوحنـا الحبيب: (( فان الحياة أُظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا )) (1 يوحنا 2:1).

التربة بجانب الطريق

إنّ ما يتناوله مثل الزارع بالأكثر هو التأثير الذي يحدث في نمو البذار بواسطة التربة التي يقع عليها. بهذا المثل كان المسيا في الواقع يقول لسامعيه: إنّه ليس أمرا مأمون العاقبة لكم أن تقفوا كمنتقدين على عملي، أو أن تشعروا بالفشل وخيبة الأمل لأنّه لا يوافق آراءكم. فالسؤال البالغ في أهميته لكم هو هذا : كيف تتصرفون إزاء رسالتي؟ فمصيركم الأبدي يتوقف على قبولكم أو رفضكم إياها.

وفي تفسيره للبذار الذي سقط بجانب الطريق قال: (( كل من يسمع كلمة الملكوت ولا يفهم فيأتي الشرير ويخطف ما قد زرع في قلبه. هذا هو المزروع على الطريق )) (متى 19:13).

إنّ الزرع المزروع على الطريق يمثل ويصور كلمة يهوه إذ تسقط على قلب إنسان غير منتبه إلى ما يسمع. إنّ القلب الذي يصير طريقاً لحركة العالم التجارية ومسرّاته وخطاياه مشبّه بالطريق الصلب المطروق الذي تدوسه أقدام الناس والبهائم. فإذ تكون النفس منغمسة في أغراضها الذاتية وتمتعاتها الخاطئة فهي تتقسّى …(( بغرور الخطية )) (عبرانيين 13:3). فالقوى الروحية تصاب بالشلل. الناس يسمعون الكلمة ولكنهم لا يفهمونها ولا يدركون أنها تنطبق عليهم. وهم لا يستوعبون حاجاتِهم أو خطرهَم. إنهم لا يحسّون بمحبة المسيا ويتجاوزون رسالة نعمته وكأنّ لا شأن لهم بها.

وكما أنّ الطيور تسرعَ في خطف البذار من الطريق كذلك الشيطان يسرع في خطفِ بذار الحقّ الإلهي من النفس. فهو يخشى لئلا توقظ كلمة يهوه العديمي الاكتراث وتحدث أثرها في القلب القاسي. فالشيطان وملائكته يوجدون بين الجماعات التي يُكرز لها بالإنجيل. ففي حين أن ملائكة السماء يحاولون أن يؤثروا في القلوب بكلمة يهوه فإنّ العدّو متيقظ ليجعل الكلمة عديمة التأثير. فبغيرة تضارع خبثه يحاول أن يعرقل عمل روح يهوه. وفي حين أن المسيا يجتذب النفس بمحبته فالشيطان يحاول أن يبعد انتباه الإنسان الذي يحركه روح يهوه ليطلب المخلص. انه يشغل عقله بمشاريع دنيوية. إنه يثير الانتقاد أو يوعز بالشكوك وعدم الإيمان. فانتقاء المتكلم للكلمات اللغوية أو طريقته في الكلام قد لا تعجب السامعين فيفكرون في هذه النقائص. وهكذا فالحق الذي يحتاجونه والذي قد أرسله يهوه إليهم رحمة منه لا يدوم تأثيره.

وللشيطان كثيرون من المساعدين. فكثيرون ممن يعترفون بأنهم مسيحيون يساعدون المجرّب على خطف بذار الحق من قلوب الآخرين. وكثيرون ممن يستمعون للكرازة بكلمة يهوه يجعلونها مادة للانتقاد في بيوتهم. وهم يجلسون في منصة القضاء ليحكموا على العظة كما يفعلون لدى سماع خطاب يلقيه محاضر أو خطاب أحد الساسة. فالرسالة التي يجب اعتبارها كلمة السيَد لهم يفكرون فيها باستخفاف أو بالتعليقات التهكّمية. وهم بكلّ حرية يتباحثون في أخلاق الخادم وبواعثه وأعماله وتصرفات زملائهم من أعضاء الكنيسة، وهم ينطقون بأحكام صارمة، ويتفرغون للقيل والقال والافتراء وهذا في مسامع غير المتجددين. وغالبا ما تقال هذه الأقوال من الوالدين في مسامع أولادهم. وبذلك يتلاشى الاحترام والتوقير لخدام يهوه والإكرام لرسالتهم. وكثيرون يتعلّمون الاستخفاف بكلمة يهوه نفسها.

وهكذا ففي بيوت من يعترفون بأنهم مسيحيون يتعلم الشباب أن يكونوا ملحدين. ثم يسأل الوالدون لماذا لا يهتم أولادهم اكثر بالإنجيل؟ ولماذا هم على أتم استعداد للشك في صدق الكتاب المقدس؟ وهم يستغربون كيف يغدو من الصعب عليهم جدا الوصول إليهم بواسطة المؤثرات الأدبية والدينية. ولكنهم لا يرون أن مثالهم هم هو الذي قسّى قلوب أولادهم. فالبذار الجيد لا يجد مجالا فيه يمد جذوره فيخطفه الشيطان.

في الأرض المحجرة

(( والمزروع على الأماكن المحجرة هو الذي يسمع الكلمة وحالا يقبلها بفرح. ولكن ليس له اصل في ذاته بل هو إلى حين. فإذا حدث ضيق أو اضطهاد من اجل الكلمة فحالا يعثر )) (متى 20:13و21).

إنّ البذرة المزروعة في الأرض المحجرة لا تجد إلاّ عمقاً قليلاً من التربة. فينمو النبات بسرعة. إلاّ أنّ الجذر لا يمكنه اختراق الصخر ليجد غذاءً يساعده على النمو فسرعان ما يذبل ويموت. إنّ كثيرين ممّن يعترفون بالديانة هم سامعون تُشبه قلوبهم الأماكن المحجرة. إنّ أنانية القلب الطبيعي تكمن تحت تربة رغائبهم الصالحة وأشواقهم كالصخر الذي يكمن تحت طبقة التربة. فحبّ الذات لم يخضع. وهم لم يروا شرّ الخطية العظيم. والقلب لم يتذلّل تحت الإحساس بإثمه. هذا النوع من الناس قد يسهل إقناعهم ويبدو أنّهم متجدّدون أذكياء، إلاّ أنّ تدينهم سطحي.

إنّ الناس يرتدّون لا لأنّهم يقبلون الكلمة حالا ولأنّهم يفرحون بها. إنّ متَّى العشار حالما سمع دعوة المخلص قام في الحال وترك كل شيء وتبعه. فحالما تأتي كلمة يهوه إلى قلوبنا فيهوه يريدنا أن نقبلها ومن الصواب أننا نقبلها بفرح. (( إنّه هكذا يكون فرح في السماء بخاطيء واحد يتوب )) (لوقا 7:15). ويوجد فرح في النفس التي تؤمن بالمسيا. ولكن الناس المذكورين في المثل الذين يقال عنهم أنّهم يقبلون الكلمة حالا ، لا يحسبون النفقة. ولا يتأملون فيما تطلبه كلمة يهوه منهم. وهم لا يأتون بها وجها لوجه أمام كل عادات حياتهم ولا يخضعون ذواتهم بالتمام لسلطانها.

إنّ جذور النبات تتعمّق في التربة. وإذ تكون مخفية عن العيون تُغذّي حياة النبات. وكذلك الحال مع المسيحي، فبواسطة الإتّحاد غير المنظور بين نفسه والمسيا أي بالإيمان تتغذّى الحياة الروحية. ولكن السامعين ذوي القلوب المُحجرة يعتمدون على الذات بدل اتكالهم على المسيا. إنّهم يثقون بأعمالهم الصالحة وبواعثِهم الطيبة وهم أقوياء ببرّهم. إنّهم ليسوا أقوياء بالسيَد وفي شدة قوته. إنسان من هذا النوع (( ليس له أصلُُ في ذاته )) (متى 21:13) لأنه غير مرتبط بالمسيا.

إنّ شمس الصيف الحارّة التي تقوّي الحنطة الناجحة وتنضجها تقتل ما لم تكن جذوره متعمّقة. وهكذا الذي (( ليس له أصل في ذاته )) (( هو إلى حين )) لأنه: (( إذا حدث ضيق أو اضطهاد من اجل الكلمة فحالا يعثر )) (متى 21:13). إنّ كثيرين يقبلون الإنجيل كوسيلة للنجاة من الألم، بدلا من قبوله للخلاص من الخطية. وهم يفرحون إلى حين إذ يظنّون أنّ الدين سيحرّرهم من المشقّات والتجارب. وإذ تسير الحياة معهم هيّنة ليّنة يبدو وكأنّهم مسيحيون ثابتون. ولكنهم يخورون تحت ضغط امتحان التجربة المحرقة. إنّهم لا يستطيعون احتمال العار لأجل المسيا. وعندما تشير كلمة يهوه إلى خطية محبّبة أو تطلب منهم إنكار الذات أو التضحية يعثرون. إن إجراء تغيير جوهري في حياتهم قد يكلّفهم مجهودا كبيرا. إنّهم ينظرون إلى التعب الحاضر والتجربة ولكنهم ينسون الحقائق الأبدية. فكالتلاميذ الذين تركوا يهوشوه هم موشكون أن يقولوا: (( هذا الكلام صعـب. من يقدر أن يسمعه؟ )) (يوحنا 60:6).

يوجد أناس كثيرون جدّا ممن يدّعون انّهم يخدمون يهوه ولكنهم لا يعرفونه معرفة اختبارية. إنّ شوقهم إلى عمل مشيئته مبني على ميلهم لا على إقناع الروح القدس العميق. وتصرفهم ليس على وفاق مع شريعة يهوه. إنّهم يقرّون بأنهم قبلوا المسيا مخلصا لهم إلاّ أنّهم لا يؤمنون بأنه سيمنحهم القوة للانتصار على خطاياهم. فليست لهم صلة شخصية بالمخلص الحيّ، وصفاتهم تكشف عن نقائصهم الموروثة والتي ربّوها في قلوبهم.

إن قبول فاعلية الروح في القلب بوجه عام شيء، أمّا قبول عمله كمبكّت يدعو إلى التوبة فشيء آخر. إنّ كثيرين عندهم إحساس بالتباعد عن يهوه يدركون عبوديتَهم للذات والخطية ويبذلون جهودا للإصلاح ولكنهم لا يصلبون الذات. إنهم لا يسلمون ذواتهم بالتمام بين يدي المسيا طالبين القوة الإلهية لعمل مشيئته. وهم غير راغبين في أن يُصاغوا حسب صورته الإلهية. إنهم يعترفون بنقائصهم بكيفية عامة إلاّ انهم لا يقلعون عن خطاياهم الخاصة. وبكلّ عملٍ خاطيءٍ نجد أن طبيعتهم القديمة المحبة لذاتها تزداد قوةً.

والرجاء الوحيد لهؤلاء الناس هو أن يتحققوا في نفوسهم صدق كلام المسيا لنيقوديموس إذ قال: (( ينبغي أن تولدوا من فوق )) ، (( أن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت يهوه )) (يوحنا 7:3و3).

القداسة الحقيقية هي خدمة يهوه الكاملة. هذا هو شرط العيشة المسيحية الحقّة. إنّ المسيا يطلب تكريسا في غير تحفظ وخدمة غير منقوصة. إنّه يطلب القلب والعقل والنفس والقدرة. وينبغي عدم تدليل الذات. فالذي يعيش لذاته ليس مسيحياً.

وينبغي أن تكون المحبة هي المبدأ الباعث على العمل. فالمحبة هي المبدأ الأساسي في حكم يهوه في السماء وعلى الأرض، وينبغي أنّها تكون أساس الخلق المسيحي. فهذا وحده يمكنه أن يحفظ المسيحي ثابتاً. وهذا وحده كفيل بان يقدّره على الصمود أمام المحن والتجارب.

والمحبة تظهر في التضحية. إنّ تدبير الفداء كان أساسه التضحية – التضحية التي هي واسعة وعميقة وعالية جدّا بحيث لا يمكن أن تقاس أبعادها هذه. لقد بذل المسيا كل شيء لأجلنا والذين يقبلون المسيا لابد أن يكونوا على أتمُ استعداد للتضحية بكلّ شيء في سبيل فاديهم، وانّ التفكير في كرامته ومجده يأتي قبل أيّ شيء آخر.

وإذا كنا نحب يهوشوه فسنرغب في أن نحيا له ونقدم له ذبائح الحمد ونخدمه. ونفس التعب لأجله سيكون هيّنا وخفيفا. فلأجله نتوق إلى الألم والتعب والتضحية. وسنشعر معه في شوقه لأجل خلاص الناس. وسنحس بنفس الشوق الرقيق الذي يحسّ هو به نحو النفوس.

هذا هو دين المسيا. وكلّ ما يقصر دون ذلك هو خداع. إنّ مجرّد العلم النظري بالحق والاعتراف بالتلمذة له لا يمكن أن يخلص النفس. إنّنا لا يمكننا أن نكون خاصة المسيا ما لم نكن له بالتمام. لأنه بسبب فتور الهمة في الحياة المسيحية تضعف عزائم الناس وتتبدل أشواقهم. إنّ محاولة أيّ إنسان لأن يخدم الذات والمسيا معا تجعله سامعا شبيها بالأرض المحجرة ولن يصمد عندما يجوز في بوتقة الامتحان.

المزروع بين الأشواك

(( والمزروع بين الشوك هو الذي يسمع الكلمة. وهم هذا العالم وغرور الغنى يخنقان الكلمة فيصير بلا ثمر )) (متى 22:13).

إنّ بذار الإنجيل كثيرا ما تقع  بين الشوك والأعشاب المضرّة الوبيلة، فإذا لم يحدث تغيير أدبي في القلب البشري، وإذا لم يتخلّص الإنسان من العادات والأعمال القديمة والحياة الماضية حياة الخطية، وإذا لم تُطرد صفات الشيطان بعيدا عن النفس فإنّ الحنطة تختنق. وسيكون الشوك هو الحصاد وستقتلع الحنطة.

يمكن للنعمة أن تنمو وتترعرع فقط في القلب الذي هو مُعدّ على الدوام لقبول بذار الحق الثمين. إنّ أشواك الخطية تنمو في أيّة تربة، وهي في غير حاجة إلى فلاحة أو خدمة، أمّا النعمة فينبغي أن تُزرع بكل حرص وعناية. إنّ العوسج والأشواك لمستعدة أبدا لأن تنمو بسرعة، فينبغي لعمل التطهير أن يتقدم باستمرار. فإذا لم يُحفظ القلب تحت سلطان يهوه، وإذا لم يعمل الروح القدس بلا انقطاع في تنقية الخلق والسمو به فإنّ العادات القديمة ستُظهر نفسها في الحياة. يمكن أن يعترف الناس بإيمانهم بالإنجيل ولكن ما لم يتقدسوا بالإنجيل فإنّ اعترافهم يُمسي عديم الجدوى. وإذا لم يحرزوا الانتصار على الخطية فالخطية تنتصر عليهم. فالأشواك التي قطعت ولكنها لم تُستأصل تنمو بسرعة حتى لتغشى كل النفس.

لقد ذكر المسيا الأشياء التي هي خطرة على النفس. ذكر، كما جاء في مرقس، هموم العالم وغرور الغنى وشهواتِ سائر الأشياء، بينما لوقا يذكر هموم الحياة وغناها ولذّاتها. هذه هي التي تخنق الكلمة وتوقف نمو البذار الروحي. فإذ تكفّ النفس عن أن تستمد الغذاء من المسيا تموت الميول الروحية من القلب.

(( هموم هذا العالم )). لا توجد طبقة من الناس بعيدة عن متناول الهموم العالمية. فبالنسبة إلى الفقراء نجد أنّ التعب والحرمان والخوف من العوز تجلب عليهم الارتباكات والأعباء. أمّا الأغنياء فيأتيهم الخوف من الخسائر وكثير من الهموم الجزعة. إن كثيرين من اتباع المسيا ينسون الدرس الذي قصد السيَد بأن نتعلمه من زنابق الحقل. فهم لا يركنون إلى رعايته الدائمة. إنّ المسيا لا يستطيع أن يحمل أعباءهم لأنهم لا يلقون همهم عليه. ولهذا فإنّ هموم الحياة التي كان يجب أن تدفعهم إلى المخلص في طلب العون والعزاء تفصلهم عنه.

إنّ كثيرين ممن كان يمكنهم أن يكونوا مثمرين في خدمة يهوه ينكبُّون على اقتناء الثروة. فكل قوى نشاطهم منصرفة إلى مشاريعَ تجاريةٍ ويحسون بأنهم مجبرون على إهمال الأمور الروحية. وهكذا هم يُبعدون أنفسهم عن يهوه. إنّ الكتاب المقدس يوصينا بأن نكون: (( غير متكاسلين في الاجتهاد )) (رومية 11:12). علينا أن نعمل حتى يمكننا أن نعطي من له احتياج. فعلى المسيحيين أن يعملوا ويشتغلوا في أية حرفة ويمكنهم أن يفعلوا هذا دون أن يرتكبوا خطية. ولكنّ كثيرين يصيرون منهمكين في عملهم بحيث لا يجدون وقتا للصلاة ولا لدرس الكتاب ولا ليطلبوا يهوه ويخدموه. في بعض الأحيان تصبو أشواق النفس إلى القداسة والسماء، ولكن لا وقت لديهم لينسحبوا بعيدا عن ضجيج العالم وضوضائه ليستمعوا إلى صوت روح يهوه المهيب الجازم. لقد صارت أمور الأبدية ثانوية، أما أمور العالم فلها الأولوية والأسبقية. وهكذا يغدو من المستحيل على بذار الكلمة أن يأتي بثمر، لأنّ حياة النفس منصرفة إلى تغذية أشواك محبة العالم.

وكثيرون ممن يعملون لغرض يخالف هذا كل المخالفة يسقطون في نفس الغلطة. إنهم يخدمون لخير الآخرين وواجباتهم تضغط عليهم ومسؤولياتهم كثيرة وهم يسمحون لعملهم أن يزحم تعبدهم. يهملون الشركة مع يهوه عن طريق الصلاة ودرس كلمته، وينسون أنّ المسيا قد قال: (( لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئا )) (يوحنا 5:15). إنّهم يسيرون بعيداً عن المسيا، وحياتهم غير مشمولة بنعمته، وصفات الذات تظهر. وخدمتهم تشوّهها الرغبة في التفوق والتسامي وفي صفات الخشونة البشعة في القلب الجامح غير المخضع. هنا سرّ من أهم أسرار الفشل في الخدمة المسيحية. هذا هو السبب في أنّ نتائجها عقيمة في غالب الأحيان.

(( غرور الغني )) (متى 22:13). إنّ حب الغنى له قوة ساحرة خادعة. ففي غالب الأحيان يحدث أنّ من يملكون ثروات عالمية ينسون أنّ يهوه هو الذي يمنحهم قوة لاصطناع الثروة. إنهم يقولون: (( قوتي وقدرة يدي اصطنعت لي هذه الثروة )) (تثنية 17:8). إنّ أموالهم بدلا من أن توقظ فيهم روح الشكر ليهوه تسوقهم إلى تمجيد ذواتهم. فشعورهم بالاعتماد على يهوه يزايلهم، وكذلك التزامهم تجاه بني جنسهم. وبدلا من كونهم يعتبرون الثروة وزنة تُستخدم لأجل مجد يهوه ورفع شأن البشرية ينظرون إليها على أنّها وسيلة بها يخدمون ذواتهم. وبدلا من أنّها تنمّي في الإنسان صفات يهوه فإذ تُستخدم بهذه الكيفية فهي تنمّي فيه صفات الشيطان. وبذار الكلمة يخنقه الشوك.

(( هموم هذه الحياة … ولذاتها )) (لوقا 14:8). يوجد خطر في التسلية التي تُطلب لمجرد إرضاء الذات. فكل عادات الانغماس التي تُضعف قوى الجسم وتُظلم العقل وتخدّر الإحساس الروحي إن هي إلاّ (( الشهوات الجسدية التي تحارب النفس )) (1 بطرس 11:2).

(( وشهوات سائر الأشياء )) (مرقس 19:4). هذه ليست بالضرورة أشياء شريرة في ذاتها، ولكنّها شيء تعطي له الأولوية على ملكوت يهوه. فكل ما يجتذب العقل بعيداً عن يهوه، وكل ما يُبعد العواطف عن يهوه هو عدّو للنفس.

عندما يكون العقل في نضارته ونشاطه وتأثره السريع في النمو فهنالك تجربة عظيمة وهي أن يكون الإنسان طموحاً للذّات ليخدم الذّات. وعندما تكون المشاريع العالمية ناجحة يوجد في الإنسان الميل لمواصلة السير في الطريق الذي يميت الضمير ويمنع التقدير الصحيح لما يُعتبر بحقّ السمو الحقيقي للخلق. فعندما تكون الظروف مواتية لهذا التطور سيُرى النمو والانحياز إلى الاتجاه الذي تحرّمه كلمة يهوه.

إنّ مسؤولية الآباء عظيمة جداً في هذا الطور، طور النمو في حياة أولادهم. فعليهم أن يفكروا في إحاطة الشباب بالمؤثرات الصالحة التي تعطيهم آراء صحيحة عن الحياة والنجاح الحقيقي فيها. ولكن بدلا من هذا فما اكثر الوالدين الذين يجعلون هدفهم الأول أن يحرزوا النجاح العالمي لأولادهم. وهم يختارون كل عشرائهم بالإشارة إلى هذا الهدف. وكثيرون من الوالدين يقيمون لهم بيوتا في مدينة كبيرة ويقدمون أولادهم إلى المجتمع العصري. ويحيطونهم بمؤثرات تشجع على حب العالم والكبرياء. ففي هذا الجو يصغر العقل والنفس ويتضاءلان. وتغيب عن الأنظار أهداف الحياة السامية النبيلة. ثم إنّ امتياز كونهم أبناء يهوه وورثة الأبدية يُستعاض عنه بأرباح العالم.

إنّ كثيرا من الآباء يحاولون أن يزيدوا من سعادة أولادهم بإشباع حبهم للتسليات. فيسمحون لهم بالاشتراك في الألعاب وفي ولائم الفرح والمرح ويقدمون لهم المال لاستخدامه بسخاء في التظاهر والمفاخرة وإرضاء الذات. فعلى قدر ما يُسمح للرغبة بالانغماس في المسرات تزداد قوتها. وهكذا ينصرف اهتمام هؤلاء الشباب اكثر واكثر إلى اللهو إلى حدّ انّهم يعتبرونه هدف الحياة العظيم فتنشأ فيهم عادات الكسل والخمول والانغماس في الملذات بحيث يكاد يبدو من المستحيل عليهم أن يصيروا مسيحيين ثابتين.

بل حتى الكنيسة التي ينبغي أن تكون عمود الحق وقاعدته، أحيانا تشجع الملذات. فعندما يُجمع المال لأجل أغراض دينية، فما هي الوسائل التي تلجأ إليها كثير من الكنائس ؟ انهم يلجأون إلى إقامة أسواق خيرية وحفلات عشاء وأوراق اليانصيب وما شاكل ذلك من الوسائل. وكثيرا ما يتنجس المكان المخصص لعبادة يهوه بالولائم وشرب الخمر والبيع والشراء والمرح. وهكذا تقل الكرامة اللائقة لبيت يهوه والتوقير اللائق بعبادته في عقول الشباب وتضعف حواجز ضبط النفس، وهكذا تشجع وتتقوى الأنانية والشهوات وحب التفاخر إذ ينغمس الناس فيها.

إن اتّباع الملذات واللهو يتركز اكثر في المدن. إن كثيرين من الوالدين الذين يختارون السكنى في بيت في المدينة لأجل أولادهم ظنا منهم انهم بذلك يقدمون لهم ميزات أعظم يُمنون بالخيبة والفشل ثم يندبون غلطتهم ويندمون عليها بعد فوات الأوان. إن مدن اليوم تسرع في التشبه بسدوم وعمورة. فأيام العطلة الكثيرة تشجع على الكسل. ثم إنّ الألعاب المثيرة وأسباب اللهو – كالذهاب إلى المسارح وسباق الخيل والمقامرة وشرب الخمر والعربدة – تثير في النفوس كل شهوة إلى أقصى حدود نشاطها. وهكذا ينجرف الشباب مع التيار العام. والذين يتعلمون حب اللهو لأجل اللهو يفتحون الباب أمام طوفان التجارب. إنّهم يستسلمون للحبور الاجتماعي والمرح الطائش. واختلاطهم بمحبي الملذات له على العقل تأثير مخدر، فينقادون من لون إلى آخر من ألوان الإسراف حتى ليفقدون الرغبة والقدرة على حياة النفع. ثم يبرد تلهفهم إلى الأمور الدينية وتظلم حياتهم الروحية. وكل قوى النفس النبيلة وكل ما يربط الإنسان بالعالم الروحي ينحط.

نعم إنّ البعض قد يكتشفون جهالتهم ويتوبون ويمكن أن يغفر لهم يهوه. ولكنهم قد جرحوا أنفسهم وجلبوا على ذواتهم خطرا يدوم مدى الحياة. فالقدرة على التمييز التي كان يجب أن تظل جادة دائما وحساسة للتمييز بين الصواب والخطـأ تتلاشى إلى حد كبير. وهم يكونون متباطئين في تمييز صوت الروح القدس الهادي واكتشاف مكايد الشيطان. وفي غالب الأحيان عندما يحـدق بهم الخطر يسـقطون تحت التجربة ويضلون بعيداً عن يهوه. إنّ عاقبة حياة حب اللهو واللذة هي دمارُُ في هذا العالم وفقدان في العالم الآتي.

إنّ الشيطان يستخدم الهموم والغنى والملذات في لعبة الحياة لنفس الإنسان. إنّ السيَد يقدم لنا الإنذار القائل: (( لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم. إن أحبّ أحد العالم فليست فيه محبة الآب. لأّن كل ما في العالم شهـوة الجسـد وشهـوة العيون وتعظم المعيشـة ليس من الآب بل من العـالم )) (1 يوحنا 15:2 و 16). فذاك الذي يقرأ قلوب الناس كما لو كانت كتابا مفتوحا يقول: (( احترزوا لأنفسكم لئلا تثقل قلوبكم في خمار وسكر وهموم الحياة )) (لوقا 34:21). والرسول بولس يكتب بالروح القدس قائلا: (( أما الذين يريدون أن يكونوا أغنياء فيسقطون في تجارب وفخاخ وشهوات كثيرة غبية ومضرّة تغرق الناس في العطب والهلاك. لأن محبة المال اصل لكل الشرور الــــذي إذ ابتغـاه قـوم ضلوا عن الإيمــان وطعنوا أنفســهم بأوجـاع كثيرة )) (1 تيموثاوس 9:6 و10).

إعداد التربة

في مثل الزارع من أوله إلى آخره يبيّن المسيا نتائج الزارع المختلفة على أنها تتوقف على التربة. ففي كل حالة نجد أن الزارع والزرع هما بذاتهما لم يتغيرا. وهكذا هو يعلمنا انه إذا أخفقت كلمة يهوه في إتمام عملها في قلوبنا وحياتنا فالسبب هو فينا. ولكن النتيجة ليست فوق سلطاننا. نعم إننا عاجزون عن تغيير أنفسنا، ولكن لنا قوة الاختيار وعلينا نحن أن نقرر مصيرنا. فالذين يسمعون الكلمة وقلوبهم تشبه الطريق أو الأرض المحجرة أو الأرض التي كثرت فيها الأشواك لا حاجة بهم أن يظلوا هكذا. فروح يهوه يحاول دائماً أن يكسر سحر الافتتان الذي يبقي الناس منشغلين في الأمور العالمية ويوقظ في النفوس شوقاً إلى الكنز الذي لا يفنى. فالناس إذ يقاومون الروح يصبحون غير منتبهين إلى كلمة يهوه أو يهملونها. فهم أنفسهم مسؤولون عن قساوة القلب التي تمنع البذار الجيد من أن يمد جذوره في القلب، ومسؤولون أيضا عن تكاثر الأعشاب الضارة التي توقف نموه.

فينبغي أن يُحرث بستان القلب وان تُشق التربة بالتوبة العميقة عن الخطية. كما ينبغي اقتلاع النباتات الشيطانية السامة. والتربة التي كانت تملأها الأشواك يمكن إصلاحها فقط بالجد والمثابرة على العمل. وهكذا يمكن الانتصار على الأميال الشريرة في القلب الطبيعي ببذل الجهد الجدي باسم يهوشوه وقوته. إنّ السيَد يأمرنا على لسان نبيه قائلا: (( احرثوا لأنفسكم حرثا ولا تزرعوا في الأشواك )) كما يقول أيضا: (( ازرعوا لأنفسكم بالبرّ احصدوا بحسب الصلاح )) ( ارميا 3:4 ؛ هوشع 12:10). إنّه يريد أن يتمّم هذا العمل لنا، إنّما هو يسألنا أن نتعاون معه.

إنّ من يزرعون البذار لديهم عمل يعملونه في إعداد القلوب لقبول الإنجيل. ففي خدمة الكلمة تُقدّم العظات اكثر من اللازم ويقل جدا العمل الحقيقي من القلب إلى القلب. توجد حاجة إلى العمل الفردي لأجل نفوس الهالكين. فعلينا أن نقترب من الناس واحدا واحدا بعطف كعطف المسيا، وأن نحاول إثارة اهتمامهم بأمور الحياة الأبدية العظيمة. قد تكون قلوبهم قاسية كأرض الطريق وقد يبدو أن تقديم المخلص إليهم أمر لا جدوى منه، ولكن في حين قد يعجز المنطق عن إيقاظ النفس وتعجز الحجّة عن إقناعها فأن محبة المسيا الظاهرة في الخدمة الشخصية قد تذيب القلب الصخري بحيث يمكن لبذار الحق أن يمدّ فيه جذوره.

وهكذا يوجد لدى الزارعين عمل يعملونه حتى لا يختنق البذار بالأشواك أو يهلك لان التربة ليست عميقة. ففي مستهل الحياة المسيحية ينبغي لكل مؤمن أن يتعلم مبادئها الأساسية. فينبغي له أن يتعلم أنه لا يكتفي بأن يخلص بذبيحة المسيا، بل عليه أن يجعل حياة المسيا حياته وصفات المسيا صفاته. وليتعلم الجميع أنّه عليهم أن يحملوا الأثقال وينكروا الميول الطبيعية. وليتعلموا بركة خدمة المسيا متمثلين به في إنكار الذات واحتمال المشقات كجنود صالحين. ليتعلموا أن يثقوا بمحبته ويلقوا عليه كل همومهم. وليذوقوا فرح ربح نفوس له. ففي محبتهم واهتمامهم بالهالكين ستغيب الذات عن أنظارهم. ولن يعود لملذات العالم سلطان يجتذبهم ولن تضعف أثقال قلوبهم. وسيعمل محراث الحق عمله فيشق الأرض المتروكة، ولن يقطع فقط أطراف الأشواك بل سيستأصلها بالتمام.

في الأرض الجيدة

إنّ الزارع لن تواجهه المفشلات على الدوام. فقد قال المخلص عن البذار الذي سقط على الأرض الجيدة: هذا (( هو الذي يسمع الكلمة ويفهم وهو الذي يأتي بثمر فيصنع بعض مئة وآخر ستين وآخر ثلاثين )) ( متى 23:13). (( والذي في الأرض الجيدة هو الذين يسمعون الكلمة فيحفظونها في قلب جيد صالح ويثمرون بالصبر )) (لوقا 15:8).

إنّ القلب الجيد الصالح الذي يتحدث عنه المثل ليس قلباً خالياً من الخطية، لأن الإنجيل يكرز به للهالكين. وقد قال المسيا، (( لم آت لأدعو أبرارا بل خطاة إلى التوبة )) ( مرقس 17:2). إنّ من يخضع لتبكيت الروح القدس هو الذي له القلب الجيد الصالح. فهو يعترف بذنبه ويحسّ بحاجته إلى رحمة يهوه ومحبته. وله رغبة مخلصة في معرفة الحق حتى يطيعه. إنّ القلب الجيد هو القلب المؤمن والذي له إيمان بكلمة يهوه. وبدون إيمان يستحيل على الإنسان أن يقبل الكلمة: (( لأنه يجب أن الذي يأتي إلى يهوه يؤمن بأنه موجود وأنه يجازي الذين يطلبونه )) (عبرانيين 6:11).

هذا: (( هو الذي يسمع الكلمة ويفهم )) (متى 23:13). إن الفريسيين في أيام المسيا أغمضوا عيونهم لئلا يبصروا وآذانهم لئلا يسمعوا، لذلك لم يمكن للحق أن يصل إلى قلوبهم. وكان عليهم أن يحتملوا العقاب عن جهلهم العنيد وعماهم الذي فرضوه على أنفسهم. ولكن المسيا علم تلاميذه أن يفتحوا أذهانهم للتعليم ويكونوا مستعدين لأن يؤمنوا. وقد نطق عليهم بالبركة لأنهم أبصروا وسمعوا بعيونهم وآذانهم التي آمنت.

إنّ السامع الذي يشبه الأرض الجيدة يقبل الكلمة:  (( لا ككلمة أناس بل كما هي بالحقيقة ككلمة يهوه )) (1 تسالونيكي 13:2). فالذي يقبل الكتاب على أنه صوت يهوه متحدثا إليه هو وحده المتعلم الحقيقي الأمين. إنه يرتعد من الكلمة لأنها بالنسبة إليه حقيقة حيّة. وهو يفتح ذهنه وقلبه لقبولها. أمثال هؤلاء السامعين كان كرنيليوس وأصدقاؤه، إذ قال لبطرس الرسول: (( والآن نحن جميعاً حاضرون أمام يهوه لنسمع جميع ما أمرك به يهوه )) (أعمال 33:10).

إنّ معرفة الحق لا تتوقف بالأكثر على قوة العقل بل على نقاوة القصد وبساطة الإيمان الغيور المستند على يهوه. فالذين في وداعة قلوبهم يطلبون الإرشاد الإلهي يقترب منهم ملائكة يهوه. والروح القدس يُعطى لهم ليكشف لهم عن كنوز الحق الغنية.

والسامعون الذين قلوبهم أرض جيدة إذ يسمعون الكلمة يحفظونها. فلا الشيطان ولا كلّ أعوانه الأشرار يستطيعون أن يختطفوها.

ولكن مجرّد سماع الكلمة أو قراءتها لا يكفي. فعلى من يرغب في الانتفاع بكلمة يهوه أن يتأمل في الحق المقدم له. فعليه، بالانتباه الجاد الغيور والتفكير في روح الصلاة، أن يتفهّم معنى كلام الحق ويجرع بعمق من روح أقوال يهوه المقدسة.

إنّ يهوه يأمرنا بأن نملأ عقولنا بالأفكار العظيمة الطاهرة. ويريدنا أن نتأمل في محبته ورحمته وندرس عمله العجيب في تدبير الفداء العظيم. وحينئذ يصير إدراكنا للحق أوضح وأوضح، واشتياقُنا إلى طهارة القلب وصفاء الذهن أسمى وأقدس. وإذ تسكن النفس في الجو النقي، جو التفكير المقدس ستتغير بواسطة الشركة مع يهوه عن طريق درس كلمته.

(( يأتي بثمر ))

أولئك الذين إذ يسمعون الكلمة يحفظونها سيثمرون في الطاعة. فكلمة يهوه إذ تُقبل في النفس تظهر في الأعمال الصالحة. وستظهر نتائجها في أخلاق كأخلاق المسيا وحياة كحياته. لقد قال المسيا عن نفسه: (( أن أفعل مشيئتك يا إلهي سررت. وشريعتك في وسط أحشائي )) (مزمور 8:40). (( لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني )) (يوحنا 30:5). والكتاب يقول: (( من قال أنه ثابت فيه ينبغي أنه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو أيضاً )) (1يوحنا 6:2).

وكثيرا ما تصطدم كلمة يهوه بأخلاق الإنسان الموروثة والتي كوَّنها في نفسه وعادات حياته. ولكنّ السامع الذي يشبه الأرض الجيدة إذ يسمع الكلمة يقبلها ويقبل كل شروطها ومطاليبها. فطباعه وعاداته وأعماله تُخضع لكلمة يهوه. وفي نظره تُعتبر أوامر الإنسان المحدود المخطيء تافهة بالمقارنة مع كلمة الإله السرمدي غير المحدود. وبقلب كامل وبعزم غير منقسم يطلب الحياة الأبدية وهو سيطيع الحق حتى لو كلفه ذلك الخسارة أو الاضطهاد أو الموت نفسه.

وهو يثمر (( بالصبر )). ليس واحد ممّن يقبلون كلمة يهوه معفى من الصعوبات والتجارب، ولكن عندما تأتي التجربة فالمسيحي بالحقّ لا يصير ضجراً أو عديم الثقة أو بائساً. فمع أننا لا نستطيع أن نعرف أو نرى النتيجة المحددة للأحداث ولا أن ندرك قصد يهوه في معاملات عنايته لنا فينبغي ألاّ نطرح عنا ثقتنا. فإذ نذكر مراحم السيَد يجب أن نلقي همنا عليه وبالصبر نتوقع خلاصه.

الحياة الروحية تتقوّى بالجهاد. فإذ نحتمل المحن فذلك يزيد من رسوخ خُلُقنا ويزيد من فضائلنا الروحية الثمينة. إنّ ثمر الإيمان الكامل، بالوداعة والمحبة، غالبا ما ينضج بشكل أفضل في وسط عواصف السحب والظلام.

(( هوذا الفلاح ينتظر ثمر الأرض الثمين متأنّيا عليه حتى ينال المطر المبكر والمتأخر )) (يعقوب 7:5). وكذلك يجب على المسيحي أن يتوقع بالصبر أن تثمر كلمة يهوه في حياته. وغالبا عندما نصلي في طلب هبات الروح يعمل يهوه على إجابة صلواتنا بأن يضعنا في ظروف تنمّي هذه الثمار. ولكننا لا ندرك قصده فنندهش ونيأس. وليس أحد يمكنه أن يظهر هذه المواهب إلاّ عن طريق عملية النمو والإثمار. فعملنا هو أن نقبل كلمة يهوه ونتمسك بها خاضعين بالتمام لسلطانها وحينئذ يتمّ غرضها فينا.

قال المسيا: (( إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي واليه نأتي وعنده نصنع منزلا )) ( يوحنا 23:14). إنّ قوةً أسمى، قوة عقل كامل تحيط بنا لأنّ لنا اتصالا حيّا بنبع القوة الباقية إلى الأبد. وفي حياتنا الإلهية سنُسبى ليهوشوه المسيا. ولن نعيش فيما بعد الحيــاة العادية حياة الأثرة ولكن المسيا يحيا فينا. وصفاته ستتكرر في طبيعتنا. وهكـذا نثمر ثمر الـروح القدس – (( واحد ثلاثين وآخر ستين وآخر مئة )) (مرقس 20:4).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
13
25
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
03
23
Calendar App