9. بناة البيت
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إنّ ذاك الذي قد أعطى حواء لآدم لتكون له زوجةً ومعينةً أجرى أولى معجزاتِه في وليمة العرس‏.‏ ففي بيت الوليمة حيث كان الأصدقاء والأقرباء يفرحون معاً بدأ المسيا خدمتَه الجهاريـّة.‏ وهكذا قدّس الزواج معترفاً بأنّه المؤسسة التي سنّها بنفسه‏.‏ وهو الذي رسم أن يرتبط الرجال بالنساء بالزواج المقدّس ليكوّنوا عائلات‏,‏ وإذ يتوّج أفرادُها بالكرامة يُعترف بهم كأعضاء في الأسرة السماويّة.

لقد أكرم المسيا صلة الزواج بجعله رمزاً للاتحاد بينه وبين مفديّيه‏.‏ فهو نفسُه العريس‏,‏ والعروس هي الكنيسة‏,‏ وهي المختارة منه التي قال عنها‏:‏ "كلك جميل يا حبيبتي ليس فيك عيبة" (‏نشيد الأنشاد 4: 7).

"أَحَبَّ الْمسيا أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا .. لتكون مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ، كذلك يجب على الرجال أن يحبوا نساءهم"‏ (‏أفسس‏ 5: 25- 28).

إنّ الرباط العائلي هو أوثق وأرقّ وأقدس كلّ الربط التي على الأرض‏.‏ وكان القصد منه أن يكون بركة لبني الإنسان‏.‏ وهو فعلاً بركة أينما يدخل الناس في عهد الزواج بفطنة في خوف يهوه وبالتقدير اللائق لتبعاته.

فعلى من يفكّرون في الزواج أن يتأمّلوا في ماذا ستكون صفة البيت الذي سيبنونه وتأثيره‏.‏ وعندما يصيرون والدين تُسلِّم إليهم عهدة مقدّسة‏.‏ فعليهم‏,‏ إلى حدّ كبير‏,‏ يتوقّف نجاح وسعادة أولادهم في هذا العالم وسعادتهم في العالم الآتي‏.‏ وهم‏,‏ إلى حدّ كبير‏، يقررون الطابع الجسماني والأدبي الذي سيطبعون به أولادهم‏.‏ وعلى صفة البيت تتوقّف حالة المجتمع‏,‏ وسيقرّر ثقل تأثير كلّ عائلة ما إذا كانت كفّة الميزان ستهبط أو سترتفع.

إنّ اختيار شريك الحياة يجب أن يكون بحيث يكفل الخير الجسماني والعقلي والروحي للوالدين ولأولادهم‏,‏ ويجعل الوالدين والأولاد يصيرون بركة لبني جنسهم ويكرمون خالقهم.

على الشبّان والشابّات‏,‏ قبلما يأخذون على عاتقهم التبعات التي يقتضيها الزواج‏,‏ أن يكون عندهم اختبارٌ في الحياة العمليّة يعدّهم لواجباته وأعبائه‏.‏ وينبغي عدم تشجيع الشباب على الزواج المبكّر‏.‏ فهذا الارتباط الهامّ جدّاً كالزواج والبعيد المدى في نتائجه ينبغي عدم اقتحامه بتسرّع بدون استعداد كافٍ وقبلما تنمو القوى العقلية والجسمانية النمو المطلوب‏.

قد لا يملك الطرفان ثروة عالميّة‏,‏ ولكن ينبغي أن تكون لديهما البركةُ الأعظم وهي بركة الصحّة‏.‏ وفي معظم الحالات ينبغي ألاّ يكون هنالك تفاوت كبير في السنّ.‏ وقد ينتج عن إهمال هذا القانون نتائج خطيرة إذ تتلف صحّة أصغرهما سناً.‏ وغالباً ما يُحرم الأولاد من القوّة الجسمانيّة والعقليّة‏.‏ فهم لا يمكنهم أن يظفروا من الأمّ أو الأب المتقدّم في العمر بالرعاية والزمالة التي تتطلّبها أيّام حداثتهم‏,‏ وقد يُثـكلون بموت أبيهم أو أمّهم في نفس الوقت الذي يكونون فيه في أشدّ الحاجة إلى الحبّ والإرشاد.

ولا يمكن عقد رباط الزواج بأمان إلاّ في المسيا‏.‏ فالمحبّة البشريّة ينبغي أن تستمدّ أقوى ارتباطاتها من محبّة يهوه‏.‏ إنّما حيث يملك المسيا فقط توجد المحبّة العميقة التي لا تطلب ما لنفسها.

الحبّ هبة ثمينة ننالها من يهوشوه‏.‏ فالحبّ الطاهر المقدّس ليس إحساساً ولكنّه مبدأ‏.‏ والذين يحرّكهم الحبّ الصادق لا يمكن أن يكونوا غير معقولين أو عمياناً.‏ فحيث أنّهم متعلّمون من الروح القدس فإنّهم يحبّون يهوه أسمى محبّة ويحبّون القريب كالنفس.

فعلى من يفكّرون في الزواج أن يتفهّموا مليّاً كلّ مبدأ ويراقبوا كلّ تطوّر في خُلق الشخص الذي يفكرون في ربط مصيرهم بمصيره مدى الحياة‏.‏ يجب أن تتّسم كلّ خطوة يخطونها نحو الزواج بالوداعة والحشمة والبساطة والعزم الصادق الجادّ لإرضاء يهوه وإكرامه‏.‏ إنّ الزواج يؤثـّر في الحياة المستقبلة في هذا العالم والعالم الآتي‏.‏ والمسيحي المخلص لا يرسم خطّة لا يقرّها يهوه.

وإذا كنت قد بوركت بوالدين يخافان يهوه فاستشِرْهما‏.‏ واكشف لهما عن آمالك وخططك‏,‏ وتعلّم منهما الدروس التي قد تعلّماها من اختبارهما مدى الحياة فتُخلّص نفسك من أحزان كثيرة‏.‏ وفوق الكلّ اجعل المسيا ناصحاً لك ومشيراً.‏ وادرس كلمته في روح الصلاة.

وتحت هذا الإرشاد لتقبل الشابّة شريكاً لحياتها الشابَّ الذي يزدان بصفات الرجولة والطهارة‏,‏ الشاب المجدّ الطموح الأمين والذي يحبّ يهوه ويتّقيه‏.‏ ليطلب الشابّ شابّة تقف إلى جانبه تكون مؤهّلة لمقاسمته أعباء الحياة‏,‏ والتي يرفع تأثيرَها من قدره ويهذّبه والتي تجعله يسعدُ بحبّها له‏.

"أمّا الزوجة المتعقّلة فمن عند يهوه" ‏(‏أمثال ‏19: 14),‏ "بها يثق قلب زوجها .. تصنع له خـيراً لا شـراً كل أيام حـياتها" "تفتح فمها بالحكمة وفي لسـانها سنة المعروف‏.‏ تراقب طرق أهل بيتها ولا تأكل خبز الكسل‏.‏ يقوم أولادها ويطوبونها‏.‏ زوجها أيضاً فيمدحها" قائلاً: "بنات كثيرات عملن فضلاً أما أنت ففقت عليهنّ جميعاً" (‏أمثال‏ 31: 11، 12، 26- 29).‏ إن من يظفر بمثل هذه الزوجة "يجد خيراً وينال رضى من يهوه‏" (‏أمثال 18: 22).

الاختبار التالي

ومع أنّ الأزواج يُقدمون على الزواج بكلّ حرص وحكمة فإنّ أزواجاً قليلين يكون ارتباطهم كاملاً عند انتهاء حفل الزفاف‏.‏ فإنّ الاتّحاد والارتباط الحقيقي للزوجين في القران يتمّ في السنوات التالية.

وإذ يواجه الزوجان الحديثا العهد بالزواج حملَ الارتباك والهمّ في حياتهما فإنّ الصورة الخياليّة الجميلة التي كانا يضفيانها على الزواج تختفي‏.‏ وكلّ من الزوج والزوجة يفهم أخلاق الآخر‏,‏ الأمر الذي كان يستحيل عليهما معرفته عند معاشرتهما السابقة‏.‏ وهذه هي أحرج فترة في اختبارهما‏.‏ وإنّ السعادة والنفع اللذين سيلازمان حياتهما المستقبلة يتوقّفان على انتهاجهما الطريق الصائب الآن‏.‏ وفي الغالب ما يلاحظُ كلُّ منهما في الآخر ضعفاتٍ ونقائصَ لم يكنُ يشتبه فيها‏,‏ ولكنّ القلبين اللذين وحّدت بينهما المحبّة سيكتشفان تفوّقاً وجمالاً لم يسبق لهما أن عرفاه‏.‏ فليجتهد الجميع في اكتشاف الكمالات والفضائل لا النقائص‏.‏ وكثيراً ما يكون موقفنا أي الجو المحيط بنفوسنا هو الذي يقرّر ما سينكشف لنا في حياة الشخص الآخر‏.‏ يوجد كثيرون ممن يعتبرون الإفصاح عن المحبّة ضعفاً,‏ وهكذا يعتصمون بالتحفّظ الذي ينفّر الآخرين‏.‏ هذه الروح تصدّ اندفاق تيّار العطف‏.‏ فإذ تُكبت النوازع الاجتماعيّة الكريمة فهي تذوى وتذبل فيصير القلب مستوحشاً وبارداً.‏ فيجب أن نتحفّظ ونحترس من هذه الغلطة‏.‏ إنّ المحبّة لا تدوم طويلاً إذا لم يُعبّر الإنسان عنها‏.‏ فلا تجعل قلب الشخص المرتبط بك يتضوّر جوعاً لعدم وجود حنان أو عطف في قلبك‏.

المحبـّة تنتصر

ومع أنّ الصعوباتِ والارتباكاتِ والمفشّلاتِ تعترض طريق الزوجين فينبغي ألاّ يظنّ الزوج أو الزوجة أنّ ارتباطهما كان غلطة أو فشلاً,‏ ولا يخطرنّ ذلك على بال أحدهما‏.‏ إعزما أن يبذل كلّ واحد منكما قُصارى جهدِه لأجل الآخر بل عليكما بالاستمرار في اهتمامكما وتقديركما السابقين.‏ وبكلّ وسيلة ليُشجّع كلّ منكما الآخر على خوض معارك الحياة‏.‏ وليجتهد كلّ منكما في زيادة إسعاد الآخر‏,‏ وليكن بينكما حبّ وصبر واحتمال متبادل‏.‏ وحينئذ فبدلاً من أن يكون الزواج هو انتهاء الحبّ سيكون هو بدء الحبّ كما هو الواقع‏.‏ إنّ حرارة الصداقة الأمينة والمحبّة التي تربط قلبا بقلب هما عربون محبّة السماء‏.

توجد حول كلّ عائلة دائرة مقدّسة‏,‏ وينبغي أن تظلّ سليمة غير منفصمة‏.‏ ولا حقّ لأيّ إنسان آخر أن يقتحم تلك الدائرة‏.‏ وينبغي ألاّ يسمحَ الزوج أو الزوجة لأيّ شخص غريب أن يشاركهما في الاطلاع على أسرارهما الخاصّة بهما وحدهما.

وعلى كلّ من الزوجين أن يقدّم الحبّ للآخر لا أن يفرضه عليه‏,‏ وعليكما أن تغرسا في أنفسكما أنبل الفضائل وأكرمها وأن يسرع كلّ منكما في الاعتراف بالصفات الحميدة التي في قرينه‏.‏ إنّ إحساس الإنسان بأنّ الآخر يقدّره هو منبّه قويّ وأمر مشبع للنفس يشيع فيها الرضى. والعطف والاحترام يشجعان على الاجتهاد في بلوغ الكمال والسموّ,‏ والمحبّة نفسها تزداد عندما تنشِّط الإنسان على الوصول إلى أهداف أنبل.

وينبغي ألاّ يدمجَ أحد الزوجين شخصيّته في شخصيّة الآخر‏.‏ فلكلّ منهما علاقة شخصــية بيهوه‏.‏ وعلى كـلّ منهما أن يســأل يهوه قــائلا‏:‏ "ما هـو الصــواب‏,‏ وما هو الخـطأ؟"، "وكيف يمكنني تحقيق هذا الغرض بأفضل كيفيّة؟" اجعل غنى محبّتك تفيض نحو من بذل نفسه لأجلك‏.‏ اجعل المسيا الأوّل والآخر والأفضل في كلّ شيء‏.‏ وإذ تصير محبّتك له أعمق وأقوى فإنّ محبّة كلّ منكما للآخر تصير أنقى وأشدّ.

إنّ الروحَ التي يُظهرها المسيا نحونا هي الروح التي ينبغي لكلّ من الزوج والزوجة أن يُظهرها للآخر‏,‏ "كَمَا أَحَبَّنَا الْمسيا أَيْضاً" "اسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ". "كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمسيا، كَذلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمسيا أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا" (‏أفسس‏ 5: 2، 24، 25).

وينبغي ألاّ يحاول أيّ من الزوجين أن يفرضَ على الآخر سلطةً تعسّفية‏.‏ ويجب ألاّ يحاول أيّ منكما إرغام الآخر على الخضوع لرغباته‏.‏ لا يمكنكما عمل هذا وفي نفس الوقت يحتفظ كلّ منكما بمحبّة الآخر‏.‏ كونا مشفقين صبورين ومحتملين ومنصفين ولطيفين‏.‏ وبنعمة يهوه يمكن لكلّ منكما أن يفلحَ في إسعاد الآخر كما قد تعهّدتما عند زواجكما‏.

السعادة في الخدمة

ولكن اذكروا أنّ السعادة لا توجد في انطوائكم على أنفسكم‏,‏ قانعين بأن يسكب كلّ منكم محبّتَه على الآخر‏,‏ بل عليكم بانتهاز كلّ فرصة في العمل على إسعاد من حولكم‏.‏ ثم اذكروا أنّ الفرحَ الحقيقيَّ يوجد فقط حيث الخدمة في غير أثرَة.

إنّ الاحتمالَ والإيثارَ هما الطابع الذي تتميّز به أقوال وأعمال كلّ من يعيشون الحياةَ الجديدةَ في المسيا‏.‏ وإذ تجتهدون في أن تعيشوا كما قد عاش‏,‏ محاولين قهر الذات والأثْرة,‏ وأن تخدموا حاجات الآخرين‏,‏ فستحرزون نصرةً في إثـْرِ نصرة‏.‏ وهكذا تباركون العالمَ بتأثيركم.

ويمكن للرجال والنساء أن يصلوا إلى المثل الأعلى الذي وضعه يهوه لهم لو استعانوا بقوّة المسيا‏.‏ فما لا تستطيع الحكمة البشريّة أن تحققه يمكن لنعمته أن تتمّمه لمن يسلّمون ذواتِهم له في ثقة ومحبّة‏.‏ وتستطيع عنايتُه أن تربط القلوب بربُط سماويّة‏.‏ والمحبّة لا تكون مجرّد تبادل بعض الكلمات الناعمة والتملّقات‏.‏ إنّ منسج السماء ينسج بالسدى (السداة) واللحمةَ نسيجاً أرفع‏,‏ وفي نفس الوقت أمتن‏,‏ من أيّ نسيج تنسجه الأرض‏.‏ والنتيجة ليست هي صناعة نسيج من القماش بل صوغَ صفاتٍ مميّزة تحتمل الامتحان والتجربة‏.‏ فالقلب يرتبط بالقلب بربط المحبـّة الذهبيـّة الدائمة‏.

"إنّ البيت الهاديء أغلى وأفضل من الذهب حيث تتجمّع كل عواطف المحبّة أمام المدفأة. إنّ مقدس المحبّة وسماء الحياة إذ تقدّسهما الأمّ أو الأخت أو الزوجة‏, فمهما يكن البيت وضيعاً أو مجرّباً بأحزان سمحت بها السماء‏, فالبركات التي لم تُشتَر قطّ ولم تُبع قطّ, وتتركّز هناك‏,‏ هي أفضل من الذهب".

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
4
3
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
06
27
Calendar App