7. المتاجرة بالخمور وتحريمها
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

"ويل لمن يبني بيته بغير عدل وعلاليه بغير حقّ .. القائل أبني لنفسي بيتاً وسيعاً وعلالي فسيحة ويشقّ لنفسه كوى ويسقف بأرز ويدهن بمغرة‏.‏ هل تملك لأنّك أنت تحاذي الأرز .. لأن عينيك وقلبك ليست إلاّ على خطفك وعلى الدم الزكي لتسفكه وعلى الاغتصاب والظلم لتعملهما" (إرميا 22: 13- 17).

عمل بائع الخمور

هذا الفصل الكتابي يصوّر لنا من يصنعون الخمر ويبيعون المسكر‏.‏ إنّ عملهم معناه السّلب‏.‏ لأنّ المال الذي يأخذونه لا يعطون شيئاً في مقابله‏.‏ وكلّ ريال يضيفونه إلى مكاسبهم قد جلب اللعنة على من قد أنفقه.

لقد منح يهوه هباتِه لبني الإنسان بيد سخيّة‏.‏ فلو أُنفقت هباتُه بحكمة فما كان أقلّ ما يعرفه العالم من الفاقة أو الضيق‏!‏ إنّ شرّ الناس هو الذي يحوّل بركاتِه تعالى إلى لعنة‏.‏ وبسبب الطمع في الربح القبيح وشهوة الأكل والشرب تتحوّل الحبوب والثمار المعطاة لنا لإعالة أجسامنا إلى سموم تجلب الشقاء والدمار‏.

ففي كلّ عام تُستنفَد ملايين من جالونات المشروبات المُسكرة‏.‏ وملايين فوق ملايين من الدنانير تُنفق في شراء الشقاء والفقر والمرض والانحطاط والشهوات والجرائم والموت‏.‏ ففي سبيل الربح يُقدّم بائع الخمور لضحاياه ما هو كفيل بإفساد العقل والجسم وإهلاكهما‏.‏ وهو يجرّ على عائلة السكّير الفقر والشقاء والتعاسة‏.

وعندما تموت ضحيّته لا يكفّ بائع الروم عن الاغتصاب فهو يسلب الأرملة ويلجيء الأولاد إلى الاستجداء‏.‏ وهو لا يتردد في أن يسلب العائلة المنكوبة ضروريات الحياة إيفاءً للديون المسجلة على الزوج والأب‏.‏ وصرخات الأولاد المتألّمين ودموع الأمّ الحزينة تسخطه عليهم فقط. وماذا يهمّه هو إذا كان هؤلاء المتألّمون يموتون جوعاً؟ وماذا يهمّه إذا كانوا ينساقون هم أيضاً إلى الانحطاط والهلاك؟ إنّه يغتني ممّا يأخذه من القليل الذي يملكه الذين يقودهم إلى الهلاك‏.

إنّ بيوت الدعارة ومغاور الرذيلة ومحاكم الجنايات والسجون وبيوت الإحسان ومصحّات مرضى العقول‏,‏ والمستشفيات ملأى‏,‏ إلى حدّ كبير نتيجة لعمل بائع الخمور‏.‏ فكبابل الروحيّة الرمزية هو يبيع "أجساد ونفوس الناس".‏ وخلف بائع الخمر يقف مهلكُ النفوس العظيم‏.‏ وكلّ حيلة يمكن للأرض أو الجحيم أن تبتكرها تُستخدَم لاجتذاب نفوس الناس تحت سلطانه‏.‏ إنّ أشراك الشيطان تُنصب في المدينة‏,‏ وفي الأرياف‏,‏ وفي قاطرات سكة الحديد‏,‏ وفي البواخر العظيمة‏,‏ وفي أماكن العمل‏,‏ وفي دور الملاهي‏,‏ وفي المستوصفات‏,‏ وحتى في الكنيسة وعلى مائدة العشاء المقدّسة‏.‏ ولم يُترك شيءٌ إلاّ استُخدِم لخلق شهوة المُسكرات في النفوس وتشجيعها‏.‏ ففي كلّ ركن تقريباً توجد الحانةُ بأنوارها المتلألئة وترحيبها وبشاشتها تدعو العمال والأثرياء العاطلين والشباب غير المتشكّكين.

وفي غرف الطعام الخاصة والأماكن الفخمة الأنيقة تُقدّم للسيدات مشروبات مألوفة بأسماء مُسّرة جذّابة وهي في حقيقتها مُسكرات‏.‏ وتُقدّم للمرضى والمنهوكين المشروبات المعلن عنها في كلّ مكان أنّها مشروبات مسرّة وهي تتركّب على الأكثر من الكحول.

وحتى تُخلق القابليّة لشرب الخمر في نفوس الأطفال يُقدَم الكحول في الحلوى‏.‏ ومثل هذه الحلوى تباع في الحوانيت‏.‏ وإذ يقدم بائع الخمور هذه الحلوى إلى الأولاد يغويهم على الدخول إلى الحانات وشرب الخمر.

ويوماً فيوماً وشهراً فشهراً وسنة فسنة يسير العمل‏.‏ والآباءُ والأزواجُ والأخوةُ الذين هم دعامة الأمة ورجاؤها يدخلون بمواظبة إلى حوانيت باعة المسكرات ليعودوا محطّمين ومفلسين.

ثمّ إنّ هذه اللعنة تُوجّه أرهبَ ضرباتِها إلى قلب البيت‏.‏ إنّ نساءً كثيراتٍ يتعوّدنَ الآن شرب الخمر‏.‏ وفي كثير من البيوت يتعرّض الأولاد الصغار وحتى الرضّع في براءتهم وعجزهم‏ -‏ يتعرّضون للخطر كلّ يوم عن طريق إهمال الأمهات السكّيرات وشتائمهنّ وقسوتهنّ.‏ فالأبناء والبنات يشبوّن تحت ظلّ هذا الشرّ الرهيب‏.‏ فأيّ أمل يُرجى لهم في مستقبلهم إلاّ أن ينحدروا في السُكر إلى أبعد مما وصل إليه آباؤهم؟

ومن البلدان المدعوّة مسيحيّة تُحمل اللعنة إلى البلاد الوثنيّة‏.‏ فالهمجيّون الجهلة المساكين يتعلّمون تعاطي الخمر‏.‏ وحتى بين الوثنيين يعترف الناس الأذكياء ويحتجّون ضدّها على أنّها سمّ قتّال‏,‏ ولكنّهم عبثاً حاولوا حماية بلادهم من تخريباتِها‏.‏ فالشعوب المتمدّنة تُدخل التبغ والخمور والأفيون عنوةً إلى الشعوب والأمم الوثنيّة‏.‏ إنّ شهوات المتوحّش الجامحة إذ تثيرها الخمر تجرّه إلى هاوية الانحطاط التي لم يسبق له أن عرفها‏,‏ ويكاد إرسال مرسلين إلى تلك الدول يكون أمراً ميئوساً منه.

إنّ الوثنيين عن طريق معاشرتهم للشعوب الذين كان يجب أن يقدّموا لهم معرفة يهوه يُقادون إلى الرّذائل التي تبرهن على أنّها مهلكة لقبائلَ وأجناسٍ بأكملها‏.‏ وفي الأماكن المظلمة في الأرض نجد أنّ أهل الأمم المتمدنة مكروهون وممقوتون بسبب هذا.

مسؤولية الكنيسة

إنّ مصلحة الخمر هي قوّة في العالم‏.‏ وتنحاز إليها قوّة متضافرة من المال والعادة والاشتهاء‏.‏ والإنسان يحسّ بقوّتها حتى في الكنيسة‏.‏ فالناس الذين كوّنوا ثرواتِهم بطريق مباشر أو غير مباشر من المتاجرة في الخمور هم أعضاء في الكنائس‏,‏ وهم "في مركز حسن مرموق". وكثيرون منهم يقدّمون من أموالهم بسخاء لأعمال الخير العامة‏.‏ وعطاياهم السخيّة وتبرعاتهم تساعد في إتمام مشاريع الكنيسة وإعالة خدّامها‏.‏ وهم يتزعّمون الاعتبار الذي يُعطى لقوّة المال‏.‏ والكنائس التي تقبل مثل هؤلاء الأعضاء هي في الواقع تساند تجارة الخمر‏.‏ وفي أحيان كثيرة جداً لا تكون لدى الخادم الشجاعة التي بها يقف إلى جانب الحقّ.‏ وهو لا يعلن لشعبه ما قاله يهوه عن عمل بائع الخمر‏.‏ فلو تكلّم بصراحة فلابدّ أن يُغضب أعضاء كنيسته‏,‏ ويُضحّي بشهرته وسمعته ويخسر مرتَّبه.

ولكن فوق محكمة الكنيسة توجد محكمة يهوه‏.‏ فذاك الذي قد أعلن للقاتل الأول قائلا‏:‏ "صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ"(‏تكوين‏ 4: 10)‏ لن يقبل تقدمات بائع المُسكر لتوضع على مذبحه‏.‏ إنّ غضبَه يشتعل ضدّ من يحاولون أن يستروا جريمتهم برداء السخاء الريائي‏.‏ إنّ أموالهم ملوّثة بالدم‏.‏ واللعنة عليها.

"لِمَاذَا لِي كَثْرَةُ ذَبَائِحِكُمْ يَقُولُ يهوه .. حِينَمَا تَأْتُونَ لِتَظْهَرُوا أَمَامِي مَنْ طَلَبَ هذَا مِنْ أَيْدِيكُمْ أَنْ تَدُوسُوا دُورِي. بِتَقْدِمَةُ باطلة‏...‏ فحين تبسطون أيديكم أستر عيني عنكم وإن كثّرتم الصلاة لا أسمع‏.‏ أيديكم ملآنة دماً" (‏إشعياء 1: 11- 15).

في مقدور السكّير أن يفعل شيئاً أفضل‏.‏ لقد أودعت بين يديه ودائعُ ووزناتٌ ليكرم بها يهوه ويبارك العالم‏,‏ ولكنَّ بني جنسه وضعوا شركاً لنفسه ووطّدوا أنفسهَم على انحطاطه‏.‏ لقد عاشوا حياة التنعّم والرفاهية بينما ضحاياهم التعساء الذين قد سلبوهم يحتضنهم الفقرُ والشقاءُ. ولكنّ يهوه لابدّ أن يطالب بهذا‏,‏ يطالب من قد أعان على الإسراع في جلب الشقاء على السكّير‏.‏ فذاك الذي يملك في السموات لم يغب عن نظره العلّةُ الأولى أو الأثرُ الأخيرُ للسكر‏.‏ إنّ من يهتمّ بالطير ويكسو عشب الحقل لن يتغافل عن أولئك الذين خُلقوا على صورته واُشتروا بدمه بحيث لا يلتفت إلى صراخهم‏.‏ فيهوه يلاحظ ويراقب كلّ هذا الشرّ الذي يؤيّد الجريمة وينشر الشقاء.

يمكن أنّ العالم والكنيسة يُبديان الاستحسان نحو الإنسان الذي قد جمع ثروته بتحقير النفس البشريّة‏.‏ ويمكن أن يبتسموا لمن قد جرّ الناس خطوةً بعد خطوة في طريق العار والانحطاط‏.‏ ولكنّ يهوه يلاحظ هذا كلّه ويقضي قضاءً عادلاً.‏ قد يُعتبر بائع الخمور تاجراً ناجحاً في نظر العالم‏.‏ أمّا السيَد فيقول‏:‏ "ويل له"‏.‏ وستُسند إليه تهمةُ كونه علّة اليأس والشقاء والألم الذي حلّ بالعالم نتيجة المتاجرة في الخمور‏.‏ ولن يستطيعَ الإجابة عن فاقة وشقاء الأمّهات والأطفال الذين قاسوا الأهوال إذ افتقروا إلى الطعام والكساء والمأوى ودفنوا كلّ رجاء فرح. لن يستطيع الإجابة عن النفوس التي قد أُلقي بها إلى الأبديّة على غير استعداد من جانبها‏.‏ والذين يؤيدون بائع الخمر ويساندونه في عمله هم شركاؤه في الجُرم‏.‏ وسيقول لهم يهوه‏:‏ "أيديكم ملآنة دماً".

قوانين للترخيص بالخمر

إنّ كثيرين يدافعون عن الترخيص بالمتاجرة في الخمور بقولهم إنّ هذا يحدّ من شرّ الخمر‏.‏ ولكنّ الترخيص بالمتاجرة فيها يضعها تحت حماية القانون‏.‏ فالحكومة تصادق على بقاء الخمور‏,‏ وهكذا تشجّع الشرّ الذي هي مدعوّة لتقييده‏.‏ وتحت حماية قوانين الترخيص تقام مصانع البيرة ومعامل تقطير المُسكرات ومصانع الخمور في كلّ البلاد‏,‏ ويثابر بائع الخمور على عمله تحت سمعنا وبصرنا وأمام بيوتنا.

وكثيراً ما يُنهَى عن بيع المُسكرات لمن هو سكران أو لمن يُعرف عنه أنـّه سكّير مدمن‏.‏ ولكنّ عملية جعل الشباب سكّيرين تسير متقدمةً إلى الأمام باطّراد‏.‏ إنّ نفسَ حياةِ تجارةِ الخمور وبقاءها يتوقفان على خلق الشهوة لشرب الخمر في نفوس الشباب‏.‏ فالشباب يُقادون خطوة فخطوة حتى ترسخ في نفوسهم عادة السكر ويحسّ الشاب بتعطّشٍ لشرب الخمر ويحاول أن يروي تعطّشهَ هذا بأيّ ثمن‏.‏ إنّ إعطاء الخمر للمدمن يبدو أخفّ ضرراً,‏ إذ أنّ إفلاسه وهلاكه يكون قد سبق فتقرر‏,‏ ذلك أخفّ ضرراً من أن نسمح لزهرة شبابنا أن ينغووا للهلاك عن طريق هذه العادة المخيفة.

إنّ في إباحة المتاجرة بالخمور تظلّ التجربة أبداً ماثلة أمام من يحاولون الإصلاح‏.‏ لقد أُقيمت مؤسسات فيها يمكن مساعدة ضحايا الإدمان حتى ينتصروا على شهواتهم وحبّهم للخمر‏.‏ وهذا عمل نبيل‏.‏ ولكن طالما كان القانون يصادق على بيع الخمور فإنّ المدمنين لا يحصلون فائدة كبيرة من ملاجيء السكّيرين هذه‏.‏ وهم لا يستطيعون البقاء فيها دائماً.‏ وعليهم أن يعودوا لأخذِ مكانهم في المجتمع‏.‏ واشتهاء المُسكرات وإن يكن قد أُخضع إلاّ أنـّه لم يُستأصل تماماً.

إنّ الإنسان الذي عنده وحش شرّير شديد الأذى ومع علمه بطبيعته وميله يعطيه الحرّية‏,‏ هو مسؤول أمام قانون البلاد عن الشرّ الذي يمكن أن يحدثه‏.‏ في الشرائع المُعطاة لإسرائيل أمر السيَد أنـّه عندما تكون هناك بهيمة عُرف عنها أنّها مؤذية قد تسببت في موت إنسان فلابدّ أنّ صاحبها يدفع حياتَه ثمناً لإهماله أو خُبثه‏.‏ وعلى نفس هذا المبدأ فالحكومة التي تُعطي رخصةً لبائع الخمور يجب أن تُعتبرُ مسؤولةً عن نتائج استمرار تلك التجارة‏.‏ وإذا كان إعطاء الحرّية لبهيمة مؤذية جريمة تستحقّ الموت فكم تكون جريمة إباحة عمل بائع الخمور أعظمَ بما لا يقاس!

والتراخيص تُعطى بحجّة كونها تأتي بمورد ثروة كبيرة إلى خزانة الدولة‏.‏ ولكن ما قيمة هذا الدخل لو قورن بالكلفة العظيمة التي تتكبّدها الدولة في معالجة المجرمين والمعتوهين والمتسوّلين الذين هم ثمرة المتاجرة بالخمور‏!‏ ها إنسان واقع تحت تأثير الخمر يرتكب جرماً. ويُؤتى به أمام منصّة القضاء ليُحاكم‏,‏ وأولئك الذين رخّصوا بتجارة الخمور يضطرّون لمعالجة نتائج عملهم‏.‏ لقد رخّصوا ببيع المشروبات التي تصيب الإنسان العاقل بالجنون‏.‏ والآن يلزمهم أن يرسلوا الرجل إلى السجن أو إلى المشنقة‏,‏ بينما تُترك زوجته وأولاده معدمين في الغالب ليكونوا عبئاً على المجتمع الذي يعيشون فيه‏.

فلدى التأمّل في الناحية الماليّة من المشكلة‏,‏ أيّ جنون هو أن نبيح مثل هذه التجارة‏!‏ ولكنّ أيّ مورد أو أيّ مال يمكن أن يعوّض عن ضياع عقل الإنسان‏,‏ ومحو صورة يهوه في الإنسان وتشويهها‏,‏ وفقر الأولاد الذين تصل بهم الحال إلى التسوّل والانحطاط‏,‏ وترسخ في الميول الشريرة التي كانت في نفوس آبائهم السكّيرين؟

تحريم الخمر

إنّ الإنسان الذي تكونت في نفسه عادة تعاطي المسكرات هو في حالة ميئوس منها‏.‏ فعقله أو دماغه مريض‏,‏ وقوّة إرادته ضعيفة‏.‏ ومن جهة أيـّة قوّة في نفسه فإنّ شهوة الخمر فيه لا يمكن ضبطها أو التحكّم فيها‏.‏ ولا يمكن محاجّته أو التفاهم معه أو إقناعه بأن ينكر نفسه. إنّ من قد عزم على الإقلاع عن السُكر‏,‏ متى اُجتذب إلى مغاور الرذيلة‏,‏ فهو يُقاد لأن يمسك بالكأس مرّة أخرى وإذ يذوق المُسكر فإنّ عزمه الصادق ينهزم لدي أوّل رشفة منه‏,‏ وكلّ ما تبقّي فيه من قوّةِ إرادةٍ يتلاشى. فعند أوّل رشفةٍ من المشروب الذي يصيب متعاطيه بالجنون يتلاشى من نفسه كلُّ فكرٍ عن العواقب ويختفي‏.‏ فالزوجة المنسحقة القلب تُنسى.‏ وذلك الأب الفاجر لا يعود يكترث لأولاده إذا كانوا جياعاً أو عراة‏.‏ فبواسطة الترخيص بالمتاجرة في الخمور يصادق القانون ويبيح هذا الانحدار النفسي ويرفض تعطيل هذه التجارة التي تملأ العالم بالشرّ.

وهل ينبغي أن يستمر الحال على هذا المنوال دائماً؟ وهل ستظلّ النفوس تكافح في سبيل النصرة‏,‏ وباب التجربة مفتوح على مصراعيه أمامها أبداً؟ وهل لابدّ أن تجثم لعنة الإدمان إلى الأبد كآفةٍ في العالم المتمدين؟ وهل لابدّ أن تظلّ تكتسح أمامها كلّ عام آلافاً من البيوت السعيدة كنار آكلة؟ عندما تتحطّم سفينة على مرأى من الشاطيء فالناس لا ينظرون إليها في بلادة أو جمود‏.‏ ولكنّهم يخاطرون بأرواحهم في محاولتهم إنقاذ الرجال والنساء الذين فيها حتى لا يبتلعهم اليمّ.‏ فكم بالأحرى يجب أن يُبذل مجهودٌ لإنقاذهم من مصير السكّير!

ولكنّ الأمر لا يقتصر على السكّير وعائلته فقط الذين هم معرّضون للخطر بسبب عمل بائع الخمور‏,‏ ولا عبء الضرائب هو الشرّ الوحيد الذي تجلبه تجارته على المجتمع‏.‏ إنّنا جميعاً مرتبطون معاً في نسيج الإنسانية‏.‏ فالشرّ الذي يحيق بأي جزء من الأخوَّة البشريّة العظيمة يجلب الخطر على الجميع‏.

كثيراً ما يحدث إنّ إنساناً بسبب ولعه بالمكاسب أو الراحة لا يريد أن يتدخّل للحدّ من تجارة الخمور‏,‏ ولكنّه وجد بعد فوات الأوان أنّ هذه التجارة لها دخلٌ به‏.‏ فلقد رأى أولاده وقد صاروا في ذهول وخراب‏.‏ فالعصيان يتحوّل إلى عربدة‏.‏ والممتلكات تتعرّض للخطر‏.‏ والحياة لا تكون في أمان‏.‏ والكوارث والفواجع التي تقع في البحر وعلى اليابسة تتكاثر‏.‏ والأمراض تنتشر حيث توجد الأقذار‏.‏ والتعاسة تشقّ لنفسها طريقاً إلى بيوت الأشراف المُترَفين‏.‏ والرذائل التي يحتضنها أبناء الدعارة والفجور والجريمة تصيب بعدواها أبناء وبنات العائلات المهذّبة والمثقّفة‏.

لا يوجد إنسان إلاّ وتتعرّض مصالحُه للخطر بسبب تجارة الخمور‏.‏ ولا يوجد إنسان إلاّ وينبغي له أن يعمل على القضاء على هذه التجارة حرصاً على سلامته.

وأكثر من كلّ الأماكن الأخرى التي لها دخل بالمصالح الزمنيّة وحدها‏,‏ يجب على دور التشريع ومحاكم العدل أن يتحرر رجالُها من لعنة الإدمان‏.‏ فالحكّام وأعضاء مجالس الشيوخ والنواب والقضاة‏,‏ الرجال الذين يسنّون شرائع الأمّة ويشرفون على إدارتها والذين بين أيديهم بنو جنسهم وسمعتهم الطيّبة وأموالهم ينبغي لهم أن يمتنعوا عن تعاطي الخمور امتناعاً باتاً.‏ فبهذه الوسيلة وحدها يمكن أن تظلّ عقولهم صافيةً للتمييز بين الصواب والخطأ.‏ وبهذه الوسيلة وحدها يمكن أن يكون عندهم ثبات على المبدأ وحكمة لإجراء العدل وإظهار الرحمة‏. ما الذي يثبته التقرير؟ وكم من هؤلاء الرجال أظلمت عقولهم‏,‏ وتشوّش إحساسهم بالصواب والخطأ فلم يمّيزوا بينهما بسبب المُسكرات؟ وكم من مرة فُرضت القوانين الظالمة‏!‏ وكم مرّة حُكم بالموت على الأبرياء بسبب الظلم الذي يرتكـبه واضعو القوانين السكّـيرون‏,‏ والشـهود والمحلّفون والمحامون وحتى القضاة‏!‏ يوجد كثيرون هم "أبطال في شرب الخمر" وذوو"القدرة على مزج المسكر" ويقولون "للشرّ خيراً وللخير شرّاً",‏ الذين "يبررون الشرّير من أجل الرشوة وأمّا حقّ الصديقين فينزعونه منهم"‏.‏ يقول يهوه عن مثل هؤلاء‏:‏ "ويل .." لهم‏.‏ "كما يأكل لهيب النار القشّ ويهبط الحشيش الملتهب يكون أصلهم كالعفونة ويصعد زهرهم كالغبار لأنّهم رذلوا شريعة يهوه إله الجنود واستهانوا بكلام قدوس إسرائيل" (‏إشعياء‏ 5: 22- 24).

إنّ كرامةَ يهوه واستقرارَ الأمّة وخيرَ المجتمع وخيرَ البيت وخيرَ الفرد تستدعي بذل كلِّ جهد ممكن في إيقاظ الناس لرؤية شرّ الإدمان‏.‏ إنّنا سرعان ما نرى عاقبة هذا الشرّ الرهيب كما لا نراه الآن‏.‏ من ذا الذي يبذل جهداً صادقاً ثابتاً لوقف عمل الهلاك؟ إنّ الصراع لم يبدأ  فليُعبّأ جيش لوقف بيع المُسكرات التي توقع الناس في الجنون‏,‏ وليوضّح للناس ضررُ المتاجرة بالخمور‏,‏ وليُخلق شعورٌ بطلب تحريمها‏,‏ وليُعطَ للناس الذين أفقدتهم الخمرُ عقولَهم فرصة للهروب من عبوديتهم‏,‏ وليرفع أبناءُ الأمّةِ أصواتَهم طالبين من واضعي قوانينهم أن يوقفوا التجارة الشائنة‏.

"أَنْقِذ الْمُنْقَادِينَ إِلَى الْمَوْتِ وَالْمَمْدُودِينَ لِلْقَتْلِ. لاَ تَمْنَعُ. إِنْ قُلْتَ هُوَذَا لَمْ نَعْرِفْ هذَا أَفَلاَ يَفْهَمُ وَازِنُ الْقُلُوبِ وَحَافِظُ نَفْسِكَ أَلاَ يَعْلَمُ. فَيَرُدُّ عَلَى الإِنْسَانِ مِثْلَ عَمَلِهِ" (أمثال 24: 11، 12)، و"مَاذَا تَقُولِينَ حِينَ يُعَاقِبُكِ" (إرميا 13: 21).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
1
29
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
04
26
افرحوا بالخالق في يوم قدسه. سبت مبارك.
Calendar App