6. المنبّهات والمخدّرات
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

تحت عنوان المنبّهات والمخدّرات توجد قائمة بتشكيلة عظيمة من المواد التي إذ تُستعمل جميعها كطعام أو شراب تهيّج المعدة وتسمّم الدمَ وتهيّج الأعصاب‏,‏ فتعاطيها شرّ أكيد‏.‏ إنّ الناس يطلبون الإثارةَ الناتجةَ عن المنبّهات لأنّ نتائجها مقبولة إلى حين‏.‏ ولكن يوجد دائماً ردّ فعل‏.‏ إنّ استعمال المنبّهاتِ غيرِ الطبيعيةِ يؤدّي دائماً إلى الإفراط,‏ وهو عامل قوي في إثارة الانحطاط والانحلال الجسدي.

التوابل

في عصر السرعة هذا كلّما كان الطعام أقلّ إثارةً كان ذلك أفضل‏.‏ التوابل ضارّة في طبيعتها‏,‏ فالخردل والفلفل والبهارات والمخللات وغيرها مما يشبهّها تهيّج المعدة وتجعل الدمَ مضطّرباً محموماً وغيرَ نقي‏.‏ فحالة الالتهاب التي تكون عليها معدة السكّير كثيراً ما تصوّر على أنـّها تمثّل أثر المشروباتِ الكحوليّة‏.‏ ومثل حالة الالتهاب هذه تحدث عندما يتعاطى الإنسان التوابل المهيّجة‏.‏ وسرعان ما لا تقنع الشهيّة ولا تكتفي بالطعام العادي‏.‏ والجسم يحسّ بحاجة وباشتهاء شيء أكثر إثارةً.

الشاي والقهوة

إنّ الشاي يعمل كمنبّه‏,‏ وهو يُحدث السُكْرَ إلى حدّ ما‏.‏ وعملَ القهوةِ وكثير من المشروبات المألوفة شبيه بذلك‏.‏ وأوّل تأثير يحسّ به المتعاطي يكون مُبهجاً.‏ وأعصاب المعدة تتنبّه وتنقل الاهتياج إلى المخّ وهذا بدوره يتنبّه ليوزع النشاط المتزايد إلى القلب وينقل النشاط القصير الأمد إلى الجسم كلّه‏.‏ فالتعب يُنسى ويبدو أنّ القوّة تزيد‏.‏ والعقل يتنبه والتصوّر يصير أكثر وضوحاً وصفاءً ونشاطاً.

فبسبب هذه النتائج يظنّ كثيرون أنّ الشاي أو القهوة يحدثان خيراً عظيماً.‏ ولكن هذا خطأ‏.‏ فالشاي والقهوة لا يغذّيان الجسم‏,‏ فتأثيرهما يحدث قبلما يكون هناك وقت للهضم وتحوّل الطعام إلى سائل‏,‏ وما يبدو أنّه قوّة إنّما هو فقط اهتياج عصبي‏.‏ فبعدما يزول تأثير المنبّه تضعف القوة غير الطبيعية والنتيجة هي درجة مطابقة من الخمول والضعف‏.

إنّ استعمال منبّهات الأعصاب هذه باستمرار يعقبه صداعٌ وأرقٌ وخفقانٌ في القلبِ وعسرَ هضمٍ ورعشة وشرورٌ كثيرة‏,‏ لأنّها تنهك قوى الحياة‏.‏ إنّ الأعصاب المجهدة تحتاج إلى الراحة والهدوء بدل التنبيه والإجهاد في العمل‏,‏ والطبيعة تحتاج إلى وقت لاسترداد قواها المنهوكة. فحين تُثار قواها وتتنبّه باستعمال المنبّهات فإنّ عملاً أكثر يتمّ إلى حين‏,‏ ولكن إذ يضعف الجسم من كثرة الاستعمال فبالتدريج يصير تنبيهُ القوى وإثارتُها إلى الدرجة المطلوبة أشدّ صعوبةً‏.‏ وطلب المنبهات يصعب التحكّم فيه حتى تنهزمَ الإرادة ويبدو أنّه لا قوّة لها على إنكار الاشتهاء غير الطبيعي‏.‏ ويكثر الطلب والإلحاح ويقوى للحصول على المنبّهات بحيث لا تعود الطبيعة المجهدة قادرة على الاستجابة.

عادة التدخين

التبغ سمّ بطيء مخاتل‏,‏ ولكنّه عظيم الضرر جدّاً.‏ وأيـّاً يكن الشكل الذي به يتعاطاه الإنسان فهو يؤثر في البنية‏,‏ وهو أكثر ضرراً لأن آثاره بطيئة‏,‏ وفي الأوّل لا يكاد المدخن يحسّ بها‏.‏ إنـّه يثيرُ الأعصابَ ثم يصيبها بالشلل‏.‏ وهو يضعف المخّ ويظلمه‏.‏ وفي غالب الأحيان يؤثـّر في الأعصاب بكيفيّة أقوى ممّا تفعل المشروبات الروحيّة‏.‏ وهو أكثر مكراً ودهاءً,‏ ومن الصعب محو آثارِه من الجسم‏.‏ وتعاطيه يثير في النفس تعطشاً لتعاطي المسكر‏,‏ وفي حالات كثيرة يضع الأساس لعادة إدمان الخمر.

إنّ التدخين متعبٌ ومكلّف وقذرٌ ومنجّسٌ لمن يستعمله وكريهٌ للآخرين‏.‏ وإنّ من يتعاطونه يوجدون في كل مكان‏.‏ فيندر أن تمرّ بين جمع من الناس إلاّ وترى مدخّناً ينفث نفَسَه المُسمّم في وجهك‏.‏ إنـّه أمرٌ مقبض وضارُّ بالصحّة أن يظلّ الإنسان في عربة سكّة حديد‏,‏ أو غرفة هواؤها محمّل بأبخرة الخمر أو التبغ‏.‏ ومع أنّ الناس يصرّون على تعاطي هذه السموم بأنفسهم فأيّ حقّ لهم في تلويث الهواء الذي يجب أن يتنفّسه الآخرون؟

إنّ استعمال التبغ بين الأولاد والشباب يحدث أضراراً بالغة في خطورتها‏.‏ ولابدّ أنّ تلك العادات الضارّة بالصحّة التي كانت متفشّية في الأجيال الماضية تؤثّر في صبية وشباب اليوم‏.‏ كما أنّ العجز العقلي والضعف الجسماني واضطراب الأعصاب والاشتهاء أو التحرّق غير الطبيعي، كلّ هذا يتوارثه الأبناء عن آبائهم‏.‏ ونفس تلك الأعمال والعادات التي يعملها الأولاد بعد آبائهم تجعل النتائج الوبيلة تتكاثر وتزداد رسوخاً.‏ ولهذه العلّة يُعزى بدرجة ليست بقليلة الفساد الجسماني والعقلي والأدبي الذي بدأ يصير مبعث خوف عظيم وفزع شديد.

إنّ الصبيان يبدأون في التدخين في سنّ مبكرة جداً.‏ والعادة التي تتكوّن هكذا عندما تكون لدي الجسم والعقل قابليّة لتأثيراتها تقوّض قوى الجسم وتبلّد العقل وتفسد الأخلاق.

ولكن ما الذي يمكن عمله لنعلّم الصبيان والشباب ونبصّرهم بشرور تلك العادة التي فيها يتمثّلون بالآباء والمعلّمين وخدّام الدين؟ إنّ الأولاد الصغار الذين لم يخرجوا من دور الطفولة إلاّ منذ عهد قريب يمكن رؤيتهم وهم يدخّنون سجائرهم‏.‏ وإذا تكلّم معهم أحد في هذا الشأن يقولون‏:‏ "إنّ أبي يستعمل التبغ ويدخّنه".‏ وهم يشيرون إلى خادم الدين أو مدير مدرسة الأحد ويقولون‏:‏ "إنّ هذا الرجل يدخّن فأي ضرر يلحقني لو تشبهّت به؟" وكثيرون من العاملين في جمعيات الاعتدال يدمنون التدخين‏.‏ فأيّة قوّة لدى مثل هؤلاء الناس لوقف تقدّم إدمان هذه الأشياء.

إنّي أوجه كلامي إلى من يعترفون بأنّهم يؤمنون بكلمة يهوه ويطيعونها‏.‏ هل يمكنكم كمسيحيين مدمنين عادة تشلّ عقولكم وتسلبكم قوّتكم أن تقدّروا الحقائق الأبديّة تقديراً صائباً؟ وهل يمكنكم أن ترضوا عن سلبكم ليهوه كلّ يوم الخدمة التي هي من حقّه وسلب بني جنسكم الخدمة التي يمكنكم تقديمها لهم وقوّة القدوة الحسنة؟

وهل فكّرتم في مسؤوليتكم كوكلاء ليهوه على الأموال التي بين أيديكم؟ كم تنفقون على التبغ من مال السيَد؟ احسب مقدار ما صرفته على التبغ مدى حياتك‏.‏ وما النسبة بين ما تنفقه على هذه الشهوة المدنّسة وبين ما تقدّمه لإسعاف المساكين ونشر الإنجيل؟

لا يوجد إنسان بحاجة إلى التبغ‏,‏ ولكن جموعاً غفيرة من الناس يهلكون لحاجتهم إلى المال الذي يعتبر إنفاقه على التبغ أشرّ مما لو فقد‏.‏ ألم تسيء استعمال مال السيَد؟ ألست مذنـباً بســلب يهوه وبني جنســك؟ ألاّ تعلمـون أنـّكم لسـتم لأنفسكم‏.‏ "لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا يهوه فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ ليهوه" (1 كورنثوس 6: 19، 20).

المشروبات المُسكرة

 "الخمر مستهزئة‏.‏ المسكر عجاج ومن يترنّح بهما فليس بحكيم‏.‏ لمن الويل لمن الشقاوة لمن المخاصمات لمن الكرب لمن الجروح بلا سبب لمن ازمهرار العينين‏.‏ للذين يدمنون الخمر الذين يدخلـون في طلـب الشـراب الممـزوج‏.‏ لا تنظـر إلى الخمر إذا احمرت حين تظهر حـبابها في الكأس وساغت مرقرقة.‏ في الآخر تلسع كالحيّة وتلدغ كالأفعوان" (‏أمثال ‏20: 1; 29: 32).

إنـّه لم يسبق ليد بشرية أن رسمت صورة أوضح من هذه عن الانحطاط والعبودية اللذين يعانيهما الإنسان الذي أوقع نفسه فريسة للمُسكر‏.‏ فإذ يكون مُستعبداً ومنحطّاً فحتى عندما يستيقظ للإحساس بشقائه لا تكون عنده القوّة التي تساعده على التخلّص من الشَرَك‏.‏ إنـّه يعود يطلبها بعد (أمثال‏ 23: 35).

ولا حاجة بنا إلى إيراد الحجّة لنبرهن على شرّ آثار المُسكرات في السكّير‏.‏ إنّ البشرية المُصابة بالعمى والتي سُلبت عقولُها فصارت حطاماً -‏ النفوس التي قد مات المسيا لأجلها والتي يبكي الملائكة على شقائها -‏ موجودة في كلّ مكان‏.‏ إنّهم لطخة في جبين مدنيّتنا التي نفتخر ونعتزّ بها‏.‏ هم عار ولعنة وخطر على كلّ بلد أو قطر يوجدون فيه.

ومن ذا الذي يستطيع أن يصوّر التعاسة والحزن واليأس المحتجبة في بيت السكير؟ فكّروا في الزوجة التي غالباً ما تكون متربّية تربية رقيقة‏,‏ وذات إحساس رقيق ومتعلّمة ومثقّفة وقد ارتبطت برجل أحالته الخمر إلى إنسان سكّير أو شيطان‏.‏ ثم فكّروا في الأولاد وقد حرموا من تمتّعات البيت ومن التعليم والتربية‏,‏ ويعيشون في رعب دائم من ذاك الذي يجب أن يكون لهم فخراً وحصناً وهم يُحشَرون في العالم مجللين بالعار‏,‏ وفي غالب الأحيان يرثون التحرّق والتعطّش إلى الخمر الذي يحسّ به والدهم السكير.

ثم فكّروا أيضاً في الكوارث المخيفة التي تقع كلّ يوم بسبب تأثير الخمر‏.‏ ها هو سائق قطار سكة حديد يهمل الالتفات إلى الإشارة التي أمامه‏,‏ أو يُحرّف أمراً صادراً إليه‏.‏ فإذ يسير القطار وهو ينهب الأرض متقدّماً في طريقه يحدث تصادم وتهلك أرواح كثيرة‏.‏ أو قد تصطدم إحدى البواخر بصخرة فيدفن البحارة والركاب في أعماق اليمّ.‏ وعندما يجري تحقيق في ذلك الحادث يُكتشف أنّ واحداً ممن يشغلون مركزاً هاماً كان واقعاً تحت تأثير المُسكر‏.‏ إلى أيّ مدى يمكن أن يدمن إنسانٌ شرب الخمر ولا يكون هنالك خطر من أن يُستأمن على أرواح الناس؟ إنـّه لا يمكن أن يؤتمن إلاّ إذا أقلع عن تعاطي الخمر نهائياً.

شاربو الخمر باعتدال

يجب على من قد ورثوا الشهوة غير الطبيعية للمنبّهات ألاّ تقع أنظارهم على الخمر أو البيرة أو خمر التفّاح وألاّ تكون في متناول أيديهم‏,‏ لأنّ هذا يعرّضهم للتجربة باستمرار‏.‏ إنّ كثيرين إذ يعتبرون أنّ خمر التفّاح الحلو عديم الضرر‏,‏ لا ينتابهم أيّ شكّ أو وسواس وهم يبتاعونه بحرّية‏.‏ ولكنّه يبقى حلوا إلى حين وحينئذ يبدأ التخمّر. وإنّ الطعم الحادّ الذي يحدثه حينئذ يجعل كثيرين يُقبلون على شربه بشغف‏,‏ ولا يريد من يتعاطاه أن يعترف بأنّه قد صار ثقيلاً أو مختمراً.

ويوجد خطر على الصحّة حتى من تعاطي خمر عصير التفاح المُحلّى كما اعتادوا أن ينتجوه‏.‏ فلو أمكن للناس أن يروا ما يكشف عنه المجهر بخصوص خمر التفاح التي يقبلون على شرائِها لما أقبل على شربها غيرُ نفرٍ قليل‏.‏ وفي غالب الأحيان يحدث أنّ من يصنعون الخمر من التفّاح للسوق لا يهتّمون كثيراً بالحالة التي تكون عليها تلك الثمار المستخرج منها الخمر‏,‏ وهكذا تُصنع الخمر من عصير التفّاح الذي أفسده الدود‏.‏ والذين لا يفكّرون في الأكل من التفّاح السام الذي أتلفه الدود فصار معطوباً,‏ أو الانتفاع به من أيّ وجه‏,‏ يشربون الخمر المصنوعة منه ويعتبرونها لوناً من ألوان الترف‏,‏ ولكنّ المجهر يبرهن على أنّ هذا المشروب المُسر لا يصلح للشرب إطلاقاً حتى لو كان آتياً من المعصرة لتوّه.

إنّ الإنسان يسكر بكلّ يقين من الخمر والبيرة وخمر التفّاح كما يسكر من المشروبات الأقوى.‏ وتعاطي هذه المشروبات يشحذ القابليّة لتعاطي المشروبات الأقوى وهكذا ترسخ عادة شرب الخمر في الإنسان‏.‏ وشرب الخمر باعتدال هو المدرسة التي يتعلّم الناس فيها ليكونوا سكّيرين. ولكنّ عمل هذه المنبّهات الخفيفةُ مُخاتلٌ جدّاً بحيث يبدأ الإنسان السيرَ في الطريق المؤدّي إلى السكر قبلما تتنبّه الضحّية إلى خطره‏.

إنّ بعض من لا يُعتبرون سكّيرين حقيقة هم دائماً تحت تأثير المنبّهات الخفيفة‏.‏ إنّهم مضطربون وغير راسخي العقول وغير متّزنين‏.‏ وإذ يتصوّرون أنّهم في أمان فهم يتقدّمون أكثر فأكثر حتى ينقض كل سياج وينهدم,‏ ويضحّوا بكلّ مبدأ.‏ وأقوى العزائم تنهار‏,‏ وأسمى الاعتبارات لا تكون كافية لإبقاء الشهوة المنحطّة تحت سيطرة العقل‏.

إنّ الكتاب لا يُبيح تعاطي الخمر المسكرة في أيّ جزء منه‏.‏ والخمر التي صنعها المسيا من الماء في وليمة العرس في قانا الجليل كانت هي عصير العنب النقيّ.‏ هذا هو (السلاف‏ الذي‏‏ يوجد فِي الْعُنْقُودِ) الذي يقول الكتاب عنه‏:‏ "لاَ تُهْلِكْهُ لأَنَّ فِيهِ بَرَكَةً" (إشعياء 65: 8).

إنّ المسيا هو الذي قدّم للعبرانيين قديماً الإنذار القائل‏:‏ "اَلْخَمْرُ مُسْتَهْزِئَةٌ الْمُسْكِرُ عَجَّاجٌ وَمَنْ يَتَرَنَّحُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِحَكِيمٍ" (أمثال 20: 1). وهو نفسه لم يقدّم مثل هذا المشروب‏.‏ والشيطان يجرب الناس للانغماس في تعاطي الخمر الأمر الذي يظلم العقل ويخدّر المشاعر الروحيّة، ولكنّ المسيا يعلّمنا أن نخضع الطبيعة الدنيا‏.‏ إنّه لا يمكن أن يقدّم للناس ما يمكن أن يكون تجربة لهم‏.‏ لقد كانت حياته كلّها نموذجاً لإنكار الذات‏.‏ ولكي يحطّم قوّة الشهوة احتمل لأجلنا أقسى امتحان أمكن للإنسانية أن تجوز فيه عندما صام أربعين يوماً في البرية‏.‏ إنّ المسيا هو الذي أمر بألاّ يشرب يوحنا المعمدان خمراً ولا مسكراً.‏ وهو فرض على امرأة منوح أن تمتنع عن كلّ هذه المشروبات‏.‏ والمسيا لم يناقض تعاليمه‏.‏ والخمر غير المختمرة التي قدّمها لضيوف العرس كانت شراباً صحّياً ومنعشاً.‏ وهي نفس الخمر التي شرب منها المخلّص وتلاميذه لما مارسوا فريضة العشاء السيدي لاوّل مرة‏.‏ وهي الخمر التي يجب أن تقدّم دائماً على مائدة العشاء السيدي كرمز لدم المخلّص‏.‏ والمقصود بخدمة العشاء السيدي إنعاش النفوس وإحياؤها‏.‏ وينبغي ألاّ يرتبط بها أيّ شيء يمكن أن يخدم الشرّ.

وفي نور ما تعلّم به الكتب المقدسة والطبيعة والعقل عن استخدام المسكرات أو تعاطيها كيف يمكن للمسيحيين أن يشتركوا في إقامة معامل لصنع البيرة أو صنع الخمر أو خمر التفّاح لتباع في السوق؟ فإذا كانوا يحبّون القريب كالنفس فكيف يساعدون على أن يضعوا في طريقه ما سيكون له شركاً؟

مسؤولية الوالدين

إنّ عدم الاعتدال كثيراً ما يبدأ في البيت‏.‏ فبسبب تناول الأطعمة الدسمة غير الصحّية تضعف أعضاء الهضم وينشأ في الإنسان شوق للحصول على طعام يكون أكثر تنبيهاً.‏ وهكذا تتدرّب القابليّة على أن تشتهي باستمرار شيئاً اقوى‏.‏ وطلب المنبّهات يتزايد وتُمسى مقاومته أمراً أشدّ صعوبة‏.‏ ويمتليء الجسم بالسمّ إنّ قليلاً أو كثيراً,‏ وإذ يزيد ضعفاً يزيد شوقه إلى هذه الأشياء‏.‏ إنّ خطوة واحدة في طريق الخطأ تُعدّ الطريق لخطوة أخرى.‏ إنّ كثيرين ممن لا يريدون أن يكونوا آثمين في وضع الخمر أو أي مشروب مسكر من أيّ نوع على مائدتهم يثقّلون المائدة بطعام يخلق في نفوسهم شوقاً وتحرّقاً إلى المشروبات الروحيّة بحيث تبدو مقاومة تلك التجربة مستحيلة‏.‏ فالعادات الخاطئة في الأكل والشرب تهدم الصحّة وتمهّد الطريق للسكر.

كان يمكن بعد قليل ألاّ تكون هنالك حاجة إلى حملات لأجل الاعتدال لو أمكن أن تغرس في نفوس الشباب‏,‏ الذين يكّونون المجتمع ويشكّلونه‏,‏ مباديء الاعتدال الصحيحة‏.‏ ليبدأ الآباء حملة ضد الإدمان حول مواقدهم في المباديء التي يعلّمونها لأولادهم ليتبعوها منذ الطفولة ويمكنهم أن يؤملوا في النجاح‏.

ويوجد عمل للأمهات في مساعدتهنّ لأولادهنّ في تكوين عادات صائبة وأذواق نقيـّة‏.‏ درّبوا الشهيـّة‏,‏ وعلّموا أولادكم كراهة المنبّهات‏.‏ ونشئّوا أولادكم على أن تكون لهم قوة أدبيّة لمقاومة الشرّ المحيط بهم‏.‏ وعلّموهم ألاّ يكونوا تحت سيادة آخرين وأنّ عليهم ألاّ يستسلموا للمؤثرات القوية بل أن يؤثّروا على الآخرين للخير‏.

مسؤولية الفرد

توجد جهود عظيمة تُبذل للقضاء على عدم الاعتدال‏,‏ ولكن يوجد جهد كثير لا يُوجّه الوجهة الصحيحة‏.‏ فعلى دعاة الإصلاح والاعتدال والمدافعين عنه أن ينتبهوا إلى الشرور الناجمة عن الأكل من الطعام غير الصحّي والتوابل وشرب الشاي والقهوة‏.‏ إنّنا ندعو بالتوفيق لجميع من يعملون لأجل الاعتدال‏,‏ ولكنّنا ندعوهم لينظروا نظرةً أعمق إلى علّة الشرّ الذي يحاربونه وليتأكدوا من أنّهم مثابرون على الإصلاح وماضون فيه.

وينبغي ألاّ يغيب عن بال الناس أنّ الميزان الصحيح للقوى العقليّة والأدبيّة يتوقّف‏,‏ بدرجة كبيرة‏,‏ على الحالة الصحيحة لأجهزة الجسم‏.‏ فكلّ المخدرات والمنبّهات غير الطبيعية التي تضعف الطبيعة الجسدية وتحقّرها تؤول إلى التقليل من حدّة الذكاء وجمال الخلق‏.‏ إنّ عدم الاعتدال هو أساس الانحطاط الأخلاقي في العالم‏.‏ وبسبب الانغماس في إشباع الشهيّة الفاسدة يخسر الإنسان القوّة على مقاومة التجربة.

إنّ المصلحين في حقل الاعتدال لديهم عمل يعملونه في تعليم الشعب في هذا المجال‏.‏ علّموهم أنّ الصحة والأخلاق وحتى الحياة نفسها مستهدفة للخطر بسبب تعاطي المنبّهات التي تثير القوى المجهدة للقيام بنشاط غير طبيعي وتشنّجي.

وبالنسبة إلى الشاي والقهوة والتبغ والمشروبات الكحوليّة نقول إنّ المسلك الوحيد الآمن لكلّ إنسان هو ألاّ يمس أو يذوق أو يستخدم هذه الأشياء‏.‏ إنّ الشايَ والقهوةَ والمشروباتِ تنعطف في نفس الاتجاه الذي تسير فيه المشروبات الكحوليّة والتبغ‏.‏ وفي بعض الحالات يصعب التحرر من العادة بقدر ما يصعب على السكّير أن يتخلّص من المسكرات‏.‏ والذين يحاولون التخلّص من هذه المنبّهات سيحسّون لبعض الوقت بخسارة ويتألّمون بسبب حرمانهم منها‏.‏ ولكن بفضل التصميم وثبات العزم سينتصرون على ذلك الاشتهاء ولن يشعروا بالاحتياج إليها‏.‏ يمكن للطبيعة أن تحتاج إلى وقت قصير لتستفيق من الإنهاك الذي وقع عليها‏,‏ ولكن أعطوها فرصة فتستردّ قواها من جديد وتقوم بعملها بأحسن وأنبل كيفيّة‏.‏

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
1
29
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
04
26
افرحوا بالخالق في يوم قدسه. سبت مبارك.
Calendar App