5. التطرف في الطعام
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

ليس كلّ من يؤمنون بالإصلاح في الغذاء هم مصلحون في الحقيقة‏.‏ إنّ الإصلاح‏,‏ بالنسبة إلى أشخاص كثيرين‏,‏ ينحصر فقط في استبعاد بعض الأطعمة الضارّة‏.‏ فهم لا يفهمون مباديء الصحة فهماً واضحاً‏,‏ وموائدهم التي ما تزال محمّلة باللذائذ الضارّة هي أبعد ما تكون عن نموذج التعفّف والاعتدال المسيحيين.

وهنالك طبقة أخرى الذين إذ يرغبون في إقامةِ مثالٍ صالحٍ يتطرّفون إلى الناحية العكسية‏.‏ إنّ البعض عاجزون عن الحصول على الأطعمة المطلوبة‏,‏ وبدلاً من استعمال الأشياء التي هي أفضل ما يسدّ النقص يستعملون طعاماً فقيراً.‏ وطعامهم لا يقدّم لهم العناصر اللازمة للحصول على دم صالح‏.‏ فتتأثر صحّتهم تأثراً سيئاً,‏ ويتلف نفعهم‏,‏ ويكون مثالهم دعاية سيّئة ضد الإصلاح في الطعام بدلاً من أن يكون دعايةً طيّبةً له.

وآخرون يظنّون أنـّه ما دامت الصحّة تتطلّب طعاماً بسيطاً فلا حاجة إلاّ إلى قليل من العناية في انتقاء الطعام أو إعداده‏.‏ والبعض يقيّدون أنفسهم بطعام قليل جدّاً وتافه للغاية فلا يحصلون على تشكيلة كافية لسدّ حاجات الجسد‏,‏ فيتألّمون من جرّاء ذلك.

والذين لا يفهمون مباديء الإصلاح إلاّ فهماً جزئيّاً هم في الغالب أشدّ الناس صرامة ليس في تنفيذ آرائهم لأنفسهم فحسب ولكنّهم يشددون في تنفيذها في عائلاتهم وبين جيرانهم‏.‏ وإنّ أثر إصلاحاتهم المخطئة كما يُرى في صحّتهم العليلة ومحاولاتهم في فرض آرائهم على غيرهم تقدّم لكثيرين فكرةً كاذبةً عن الإصلاح الغذائي وتجعل كثيرين ينبذونه تماماً.

أمّا من يفهمون قوانين الصحّة ويسيرون بموجب المبدأ فيرفضون التطرّف في كلا الانغماس الزائد‏,‏ والتقييد أو المنع‏.‏ فهم يختارون طعامهم ليس لمجرّد إشباع الشهيّة بل لأجل إسناد الجسم وتقويته‏.‏ فهم يحاولون حفظ كلّ قواهم في أفضل حالاتها لأجل الخدمة السامية ليهوه وللإنسان.‏ فالقابليّة للطعام تكون تحت سيادة العقل والضمير وهم يُكافَأون على ذلك بصحّة الجسم والعقل‏.‏ ففي حين أنّهم لا يلحّون بأفكارهم على الآخرين بكيفيّة مزعجة‏,‏ فإنّ مثالهم هو شهادة في صالح المباديء السليمة‏.‏ هؤلاء الأشخاص لهم تأثيرٌ للخير بعيدُ المدى.

يوجد إدراك حقيقي للإصلاح الغذائي‏.‏ ولكن يجب أن يُدرَسَ هذا الموضوع بتوسّع وعمق‏,‏ وينبغي ألاّ ينتقد أحد غيرَه من الناس لأنّ عملهم ليس متوافقاً مع عمله في كلّ شيء‏.‏ فمن المستحيل سنّ قانون لا يتغيّر ولا يختلف لتنظيم عاداتِ كلّ واحد‏.‏ وينبغي ألاّ يظنّ أحد نفسه مقياساً أو نموذجاً للكلّ.‏ فلا يمكن للجميع أن يأكلوا نفس الأصناف‏.‏ فالأطعمة التي هي لذيذة وصحيّة لفرد قد تكون بلا طعم بل وضارّة لآخر‏.‏ بعض الناس لا يمكنهم تعاطي الحليب‏ (‏اللبن‏)‏ بينما آخرون ينمون ويتقوّون به‏.‏ بعض الأشخاص لا يستطيعون أن يهضموا البازلاء والفاصوليا، بينما آخرون يجدونها صحيّة‏.‏ فبالنسبة للبعض يعتبر إعداد الحبوب بكيفية خشنة طعاماً جيداً بينما آخرون لا يمكنهم تعاطيها.

والذين يعيشون في بلدان جديدة أو في أقاليم جدباء حيث يندر وجودُ الفواكه والمكسرات ينبغي ألاّ يستبعدوا الحليب والبيض من غذائهم‏.‏ لا جدال في أنّ الأشخاص الممتلئين صحّة والذين الشهوات الحيوانية فيهم قويّة يحتاجون إلى تجنّب تناول الأطعمة المنبّهة‏.‏ وعلى الخصوص في العائلات التي فيها أولاد يستسلمون لعاداتٍ شهوانيّةٍ ينبغي عدم استعمال البيض‏.‏ ولكن في حالة الأشخاص الذين أعضاؤهم المنتجة للدم ضعيفة‏,‏ وعلى الخصوص في حالة عدم تيسّر أطعمة أخرى لإمداد الجسم بالعناصر المطلوبة‏ -‏ فالحليب والبيض ينبغي عدم استبعادهما كلّية‏.‏ فينبغي اتّخاذ الحرص الشديد للحصول على الحليب من أبقار صحيحة الجسم‏,‏ والبيض كذلك من دجاج صحيح الجسم متمتّع بكفايته من الطعام وحاصل على رعاية كافية‏.‏ والبيض يجب أن يُعدّ بحيث يكون هضمه سهلاً.

ينبغي أن يكون الإصلاح في الطعام تدريجياً.‏ فإذ تكثر أمراض الحيوانات يتزايد الخطر من تعاطي الحليب والبيض‏,‏ فيجب بذل مجهود للاستعاضة عن هذين الصنفين بأشياء أخرى صحّية ورخيصة‏.‏ يجب على الناس في كلّ مكان أن يتعلّموا كيف يطهون بدون حليبٍ أو بيضٍ على قدر الإمكان، ومع ذلك يكون طعامهم صحّياً وشهيّاً.

هذا‏,‏ وإن التدرّب على تناول وجبتين فقط في اليوم وُجِدَ,‏ عادة‏,‏ أنّه مفيدٌ للصحّة‏,‏ ومع ذلك ففي بعض الظروف قد يحتاج الناس إلى وجبة ثالثة‏.‏ ولكن هذه الوجبة لو أخذت إطلاقاً ينبغي أن تكون خفيفة جداً ومن طعام يسهل هضمه‏.‏ إنّ (الفشار) ‏-‏ البسكويت الإنجليزي – أو الخبز المحمص والفاكهة أو المشروبات المصنوعة من مسحوق الحبوب هي أفضل الأطعمة لأجل وجبة العشاء‏.

إنّ البعض هم أبداً جزعون لئلا يضرّهم طعامهم مع كونه بسيطاً وصحياً.‏ فلهؤلاء أقول‏:‏ لا تظنّوا أنّ طعامكم سيضرّكم‏,‏ لا تفكّروا في ذلك مطلقاً.‏ وكلوا بحسب أفضل حكمكم‏,‏ وبعدما تسألون السيَد أن يبارك الطعامَ لتقوية أجسامِكم ثقوا أنـّه يسمع صلاتِكم وكونوا مطمئنين.

ولكون المبدأ يتطلّب منّا أن نستبعدَ بعيداً عنا الأشياء التي تهيّج المعدةَ وتتلف الصحّة فيجب أن نذكر أنّ الطعام التافه الفقير يتسبب عنه فقرُ الدم‏.‏ إنّ حالات المرض التي يصعب جداً شفاؤها تنجم عن هذه العلّة‏.‏ فالجسم لا يحصل على كفايته من التغذية فينتج عن ذلك سوء الهضم والضعف العام‏.‏ والذين يتناولون مثل هذا الطعام لا ترغمهم الفاقة دائماً على أن يفعلوا ذلك‏,‏ ولكنّهم يتناولون منه بسبب الجهل أو الإهمال,‏ أو لكي ينفّذوا آراءهم الخاطئة عن الإصلاح.

إنّ يهوه لا يتمجّد عندما يُهمَل الجسمُ أو يُنتهَك وهكذا يكون غير أهلٍ لخدمته‏.‏ أمّا رعاية الجسم بكوننا نوفّر له الطعام اللذيذ والمقوّي فهذا في مقدّمة واجبات ربّ البيت‏.‏ إنّه أفضل لنا جدّاً أن نلبسَ ملابسَ رخيصةً وأن تكون في بيوتنا أثاثاتٌ رخيصة من أن نحدد كميّة الطعام.

إنّ بعض أرباب البيوت يقتّرون على مائدة العائلة لكي يعدّوا ولائم مكلّفة لضيوفهم‏.‏ ولكنّ هذا تصرّف غير حكيم‏.‏ ففي الوليمة المعدّة للضيوف ينبغي أن تتوفّر بساطة عظيمة‏.‏ إنّ حاجاتِ العائلة يجب أن تنال أوّل وأعظم اهتمام.

إنّ الاقتصاد غير الحكيم والعاداتِ المصطنعة كثيراً ما تحول بين الناس وبين إظهار كرم الضيافة حيث يُحتاج إليه ويمكن أن يكون بركة‏.‏ إن مؤونة الطعام المنتظمة لأجل موائدنا ينبغي أن تكون كافية بحيث أن أي ضيف يأتينا على غير انتظار يمكننا أن نرحب به بدون أن نرهق ربة البيت لإعداد طعام زائد‏.

وعلى الجميع أن يتعلّموا ماذا يأكلون وكيف يُطهى طعامهم‏.‏ فالرجال كالنساء سواء بسواء يجب عليهم أن يفهموا كيفية إعداد الطعام بطريقة بسيطة وصحّية‏.‏ إنّ عملهم يدعوهم في كثير من الأحيان للذهاب إلى أماكن لا يوجد فيها طعام صحّي‏,‏ وحينئذ فمتى كانت عندهم خبرة بفنّ الطهو يمكنهم استخدامها لأغراض صالحة‏.

عليك أن تتأمّل في طعامك باهتمام‏.‏ ادرس من السبب إلى النتيجة واغرس في نفسك فضيلةَ ضبط النفس‏.‏ اجعل قابليّتك للطعام تحت سلطان عقلك‏.‏ ولا ترهق المعدة أبداً بالإفراط في الأكل‏,‏ ولكن لا تحرم نفسك من الطعام الصحّي اللذيذ الذي تتطلّبه صحّتك.

إنّ الآراء الضيّقة المتزمّتة لبعض مُصلحي الصحّة المزعومين كانت ضرراً بليغاً لقضية الصحّة‏.‏ فعلى أساتذة الصحّة أن يذكروا أنّ إصلاح الطعام سيُحكم بشأنه إلى حدٍّ كبير بواسطة المؤونة التي يعدّونها لموائدهم‏,‏ وبدلاً من اتخاذ نهج يجلب عليه العار‏,‏ عليهم أن يمثلوا مبادئه بحيث يقدمونها مثالاً للعقول المخلصة‏.‏ ويوجد فريق كبير سيقاومون أيـّة حركة للإصلاح مهما تكن معقولة إذا كانت تنطوي على تقييد للنهم‏.‏ إنّهم يستشيرون ذوقهم بدلاً من استشارة عقولهم أو قوانين الصحّة‏.‏ هذا الفريق يحسب كلّ من يحيدون عن طريق العُرف المطروق ويناصرون الإصلاح قوماً متطرّفين مهما يكن مسلكهم مناسباً أو لائقاً.‏ وحتى لا يكون لهؤلاء الناس أساسٌ للانتقاد,‏ فعلى رجال الصحّة ألاّ يحاولوا رؤية مقدار اختلافهم عن غيرهم بل عليهم أن يحاولوا التقرّب منهم بقدر الإمكان دون ما تضحية بالمبدأ.

وعندما يجنح من يناصرون الإصلاح الصحّي إلى حدّ التطرّف‏,‏ فلا غرابة إذا كان كثيرون ممن يعتبرون هؤلاء الأشخاص ممثلين لمباديء الصحّة يرفضون الإصلاح كليّةً.‏ فهذا التطرّف كثيراً ما يُحدث ضرراً في وقت قصير أكثر مما يمكن أن يصلحه الإنسان الذي يعيش ثابتاً مدى حياته.

إنّ الإصلاح الصحّي أساسه المباديء الواسعة والبعيدة المدى‏,‏ وعلينا ألاّ نحقّر من شأنه بآرائنا وأعمالنا الضيّقة المتزمّتة‏.‏ ولكن ينبغي ألاّ يسمحَ أحدٌ للمقاومة أو السخرية أو الرغبة في إرضاء الآخرين أو التأثير عليهم أن تحوّله عن المباديء الحقيقية أو تجعله ينظر إليها باستخفاف‏.‏ إنّ من يخضعون لحكم المبدأ سيكونون ثابتين مستقرّي الرأي في الوقوف إلى جانب الحقّ,‏ ومع هذا ففي كلّ معاشراتهم سيظهرون روحاً كريمة مسيحيّة واعتدالاً حقيقياً.‏

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
11
22
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
01
20
افرحوا بالخالق في يوم قدسه. سبت مبارك.
Calendar App