4. اللحم كطعام
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إنّ الغذاء المعيّن للإنسان في البدء لم يشتمل على لحوم الحيوانات‏.‏ ولم يؤذن للإنسان بأكل اللحم إلاّ بعد الطوفان عندما مُحيَ عن وجه الأرض كلُّ شيء أخضر.

وعند اختيار طعام الإنسان في عدن أبان السيَد ما هو أفضل غذاء‏,‏ وفي الاختيار الذي أُجريَ لأجلِ العبرانيين علّم السيَد الناس نفسَ الدرس‏.‏ فقد أخرج العبرانيين من مصر وشرع في أمر تعليمهم حتى يكونوا شعبَه ومقتناه‏.‏ وكان يتوق إلى أن يباركَ العالم ويعلّمه بواسطتهم‏. فأعدّ لهم الطعـام الذي هو أفضـل ما يلائم هذا الغرض‏,‏ ليس اللحم بل المنّ "خبز السماء".‏ إنّما فقط بسبب تبرّمهم وتذمّرهم وتحسّرهم على قدور اللحم في مصر سُمِحَ لهم بأكل اللحم‏,‏ وهذا أيضاً لوقت قصير‏.‏ وقد جلب تناول اللحم المرض والموت لآلاف الناس‏.‏ ومع ذلك فإنّ التقيّد بالغذاء الخالي من اللحم لم يُقبَل قطّ بالرضى.‏ وظلّ هذا علّة التبرم والتذمّر في العلانية أو في السرّ,‏ ولم يصِرْ ثابتاً أو مقرّراً.

إنّ العبرانيين عندما استقرّ بهم المُقام في كنعان سُمح لهم بأكل لحوم الحيوانات‏,‏ ولكن تحت قيودٍ شديدةٍ قللت من العواقب الوبيلة‏.‏ فقد حُرّم عليهم أكل لحم الخنزير وغيرِه من الحيوانات والطيور والأسماك التي حُكم أنّ لحمها نجس‏.‏ أمّا اللحوم التي كان مسموحاً لهم بأكلها فقد حُرّم عليهم تحريماً قاطعاً أكلُ ما فيها من الشحم والدم‏.

والحيوانات التي كان يؤكل لحمها لم يكن ليؤكل غيرُ لحم التي كانت منها في حالة جيّدة‏.‏ ولم يكن يُسمح بأكل لحوم الفريسة أو الحيوانات التي نفقت أو التي لم يُصفَّ منها كلّ دمها بكلّ حرص.

وقد خسر العبرانيون خسارةً فادحةً إذ حادوا عن التدبير الذي قد أعدّه يهوه لغذائهم‏.‏ لقد اشتهوا طعام اللحم‏,‏ فحصدوا نتائج ذلك‏.‏ إنّهم لم يبلغوا إلى مقياس يهوه للخلق‏,‏ ولا تمّموا مقاصده‏.‏ فالسيَد "أعطاهم سؤلهم وأرسل هزالاً في أنفسهم" (‏مزمور‏ 106: 15). كانوا يقدّرون الأرضيّات فوق الروحيّات‏,‏ ولم يبلغوا إلى الرفعة أو السموّ الذي قصده يهوه لهم.

أسباب رفض أكل اللحم

إنّ من يأكلون اللحم إنّما يأكلون الحبوب والخضر التي سبق استعمالُها‏,‏ لأنّ الحيوان يحصل من هذه الأشياء على الغذاء الذي يجعله يكبر‏.‏ فالحياة التي كانت في الحبوب والخضر تنتقل إلى آكلها‏.‏ ونحن نحصل عليها بأكل لحم الحيوان‏.‏ فكم يكون أفضل لو حصلنا عليها مباشرةً بأكل الطعام الذي قد أعدّه يهوه لنا لنتناوله‏!

واللحم لم يكن أفضلَ طعام قطّ,‏ ولكنّ تناوله غير مقبول بل مكروه الآن بنسبة ضعفين‏,‏ حيث أنّ الأمراض تتفشّى في الحيوانات الآن بسرعة‏.‏ والذين يأكلون اللحوم قلّما يعرفون ما يأكلون‏.‏ ففي أحيان كثيرة لو أمكنهم أن يروا الحيوانات وهي بعد حيّة وعرفوا صفة اللحم الذي يأكلونه لكانوا يتركونه في اشمئزاز غير آسفين‏.‏ إنّ الناس يأكلون باستمرار اللحم المملوء بالدرن وجراثيم السرطان‏.‏ فالتدرّن والسرطان وغير ذلك من الأمراض المميتة تنتقل بهذه الكيفيّة من الحيوان إلى الإنسان.

ثمّ إنّ أنسجةَ الخنازير مملوءة بالطفيليّات‏.‏ وقد قال يهوه عن الخنزير‏:‏ "هو نجس لكم‏.‏ فمن لحمها لا تأكلوا وجثثها لا تلمسوا" ‏(‏تثنية‏ 14: 8).‏ وقد صدر هذا الأمر لأنّ لحم الخنزير لا يصلح كطعام‏.‏ إنّ الخنازير هي بمثابة الزبّالين‏,‏ وهذا هو الاستعمال الوحيد الذي قُصِد لها أن تخدم به‏.‏ ولم يُسمح قطّ,‏ تحت أيّ ظرفٍ من الظروف‏,‏ بأن يأكل الناس من لحمها‏.‏ ومن المستحيل أن يكون لحمُ أيّ كائن حيّ صحّياً في حين أن الأقذار موجودة في عناصره الطبيعية وهو يقتات بكلّ ما هو كريه.

وفي غالب الأحيان تؤخذ الحيوانات إلى السوق وتباع لتُذبح وتؤكل عندما تكون مريضةً جدّاً بحيث يخشى أصحابُها من إبقائِها عندهم وقتاً أطول‏.‏ وكثيراً ما تكون بعض عمليّات تسمينها لتباع في السوق جالبةً للأمراض‏.‏ فهي تُحبس بعيداً عن النور والهواء النقي وتستنشق من هواء الحظائر القذرة‏.‏ وربما تجيء سمنتها من أكل الطعام الفاسد‏,‏ فالجسم كلّه يصير ملوثاً بالمادّة القذرة الفاسدة.

وكثيراً ما تُشحن الحيوانات لتسافر مسافاتٍ طويلةً وتتعرّض لآلام عظيمة للوصول إلى أحد الأسواق‏.‏ فإذ تؤخذ من المراعي الخضراء وتسافر أميالاً مضنية في الطرقات الحارّة المتربة أو تحشر في عربات قذرة وهي مضطربة وخائرة‏,‏ وغالباً ما تُحرم من الطعام والماء ساعات طويلة - تُساق هذه الخلائق التعسة إلى الذبح ليولمَ الناس الولائمَ على لحومها‏.

وفي أماكن كثيرة تصير الأسماك ملوّثةً بالأقذار التي تأكل منها بحيث تتسبب عن ذلك الأمراض‏.‏ ويكون هذا هو الواقع خصوصاً في الأماكن التي تكون الأسماك فيها على اتصال بمجاري المدن الكبيرة‏.‏ والأسماك التي تقتات بما تحتويه المصارف قد تنتقل إلى البحار البعيدة وتصاد في المياه الصافية النقيّة‏,‏ وهكذا حينما تُستخدم هذه الأسماك كطعام يُؤكل فهي تجلب معها المرض والموت لمن لا يشتبهون في وجود خطر.

وقد لا تتحقق نتائجُ أكلِ اللحم في الحال‏,‏ ولكنّ هذا ليس برهاناً على أنّها غير مضرّة‏.‏ فقليلون هم الذين يمكن إقناعهم بأنّ اللحم الذي أكلوا منه هو الذي سمّم دمَهم وجلب عليهم الألم‏.‏ وكثيرون يموتون من أمراض تُعزى كلّها إلى أكل اللحم في حين أنّه لا هم ولا غيرُهم اشتبهوا في السبب الحقيقي‏.

والمساويءُ الأدبية التي تُلاحَظ في اتّخاذ اللحم كطعام ليست أقلّ من الأضرار الجسمانية‏.‏ فاللحم مضرّ بالصحّة‏,‏ وكلّ ما يؤثـّر في الجسد له تأثير مماثل في العقل والنفس‏.‏ فكّر في القسوة على الحيوانات التي يشتمل عليها أكل اللحم وآثارِها على من يذبحونها ومن يشاهدونها. وكم تـُدمَّر الرقّة التي يجب أن نعتبر بها خلائق يهوه هذه‏!

إنّ الذكاء الذي تُبديه كثير من الحيوانات البكم يكاد يضارع ذكاء الناس حتى ليعتبرَ سراً.‏ فالحيوانات ترى وتسمع وتحبّ وتخاف وتتألّم‏.‏ وهي تستخدم أعضاءها بأمانة أكثر بكثير مما يستخدم بنو الإنسان أعضاءهم‏.‏ وهي تُبدي العطفَ والرقّةَ نحو شركائها في الآلام‏.‏ وأنّ كثيراً من الحيوانات تُبدي حبّها لمن يحرسونها وهو حبّ أسمى بكثير من الحبّ الذي يظهره لها بعض بني الإنسان‏.‏ وهي تكوّن صلاتٍ بالإنسان لا تُفصم ما لم يلحقها ألمٌ عظيم.

أيّ إنسان له قلب بشر يرعى هذه الحيوانات الأليفة أمكنه أن يتطلّع في عيونها الملأى بالثقة والحبّ ويرضى بتسليمها إلى سكّين الجزار؟ وكيف يمكنه أن يزدرد لحمها كلقمة سائغة ولذيذة؟

تغيير الغذاء

من الخطأ أن نظنّ أنّ قوّة العضلات تتوقّف على أكلِ اللحم‏.‏ إنّ حاجاتِ الجسد يمكن سدّها بكيفيّة أفضل‏,‏ ويمكن أن يتمتّع الإنسان بمزيد من الصحّة والنشاط بدون تناول اللحم‏.‏ فالحبوب مع الفواكه والمكسّرات والخضر تحتوي على كلّ الخواص الغذائية اللازمة لإصلاح الدم‏,‏ فهذه العناصر لا يمكن توفّرها بصورة جيّدة وبكيفيّة كاملة بأكل اللحوم‏.‏ فلو كان أكل اللحم جوهرياً للصحّة والقوّة لكان اللحم قد ذُكر عند ذكر الغذاء المعيّن للإنسان في البدء.

وعندما يبطل استعمال اللحم كطعام كثيراً ما يكون هنالك إحساسٌ بالضعف وعدم النشاط وانعدام القوّة‏.‏ وكثيرون يتقدّمون بهذا كبرهان على أنّ أكل اللحم أمر جوهري‏,‏ ولكن لكون الأطعمة التي من هذا النوع منبّهة ولأنّها تهيّج الدم وتثير الأعصاب فهي تفتقد هكذا‏.‏ والبعض يجدون أنـّه من الصعب ترك أكل اللحم بقدر ما يصعب على السكّير أن يترك كأس الخمر‏.‏ ولكنّ التغيير يجعلهم في حالة أفضل.

وعندما يُستبعد اللحم فينبغي الاستعاضة عنه بتشكيلة من الحبوب والمكسّرات والخضر والفواكه التي هي مغذّية ومنشّطة للشهيـّة‏.‏ وهذا لازم بكيفيّة خاصّة بالنسبة لحالة من هم ضعفاء أو مجهدون من الكدّ المتواصل‏.‏ في بعض البلدان حيث يتفشّى الفقر يكون اللحم أرخص الأطعمة. ففي هذه الظروف يحدث التغيير بصعوبة أعظم ولكن من الممكن إتمامه‏.‏ وعلينا مع ذلك أن نفكّر في موقف الناس وقوّة العادة التي لازمتهم مدى الحياة ولنحترس من أن نشدّد في فرض الآراء الصائبة بكيفيّة غير لائقة‏.‏ وينبغي ألاّ نُرغم أحداً على إحداث هذا التغيير فجأة‏.‏ فيجب الاستعاضة عن اللحم بأطعمة صحّية رخيصة‏.‏ وفي هذا الأمر يتوقّف الشيء الكثير على الطاهي‏.‏ فيمكن إعداد الأطباق المغذّية والجالبة للشهيّة بعناية ومهارة ويمكن أنّها تأخذ مكان اللحم إلى حدّ كبير.

وفي كلّ الحالات درِّب الضمير‏,‏ وجنّد الإرادة‏,‏ وقدّم طعاماً جيداً وصحّياً,‏ فيتمّ التغيير بسرعة‏,‏ وهكذا ينصرف الناسُ عن طلب اللحم.

أليس هذا هو الوقت الملائم الذي فيه يجب أن يهدف الناس إلى الاستغناء عن أكل اللحم؟ وكيف يمكن لمن يرغبون في أن يكونوا أطهاراً ومهذّبين وقدّيسين‏,‏ ليكون عشراؤهم ملائكة السماء‏ -‏ كيف يمكنهم الاستمرار في تناول طعام يوقع مثل هذا الضرر على النفس والجسم؟ وكيف يقضون على حياة خليقة يهوه ليلتهموا لحومها كلون من ألوان الترف؟ عليهم بالأحرى أن يعودوا إلى الطعام الصحّي اللذيذ الذي أُعطيَ للإنسان في البدء‏,‏ وأن يمارسوا الرحمة نحو الخلائق البكماء التي قد خلقها يهوه وأخضعها لسلطاننا‏,‏ وأن يعلّموا أولادهم أن يمارسوا ذلك أيضاً.‏ 

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
1
29
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
04
26
افرحوا بالخالق في يوم قدسه. سبت مبارك.
Calendar App