3. أَقَامَ اثْنَيْ عَشَرَ
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

" ثُمَّ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ وَدَعَا الَّذِينَ أَرَادَهُمْ فَذَهَبُوا إِلَيْهِ . وَأَقَامَ اثْنَيْ عَشَرَ لِيَكُونُوا مَعَهُ ، وَلِيُرْسِلَهُمْ لِيَكْرِزُوا " (مرقس 3: 13، 14).

في ظلال الأشجار المغروسة بجانب الجبل وعلى مسافة قصيرة من بحر الجليل دعي الاثنا عشر ليكونوا رسلا ، وألقيت الموعظة على الجبل . وكانت الحقول والتلال هي الأماكن المحبوبة التي كان يهوشوه يذهب اليها . وقد نطق بكثير من تعاليمه في الخلاء بدلا مما في الهيكل أو في المجامع . فلم يكن هنالك مجمع يتسع لكل الجموع التي كانت تتبعه ، ولكن لم يكن هذا هو السبب الوحيد الذي لأجله اختار السيد أن يعلم في الحقول والأحراج ، بل كان يهوشوه يحب مناظر الطبيعة ، ويعتبر كل معتكف هادئ هيكلا مقدسا .

تحت أشجار عدن اختار الساكنان الأولان مقدسهما ، وفي ذلك المكان كان المسيا يتحدث إلى الجنس البشري . فلما طرد أبوانا الأولان من الفردوس ظلا يعبدان يهوه في الحقول والأحراج ، وهناك كان المسيا يقابلهما ببشارة نعمته . والمسيا هو الذي خاطب إبراهيم تحت بلوطات ممرا ، وهو الذي تحدث مع اسحق حين ذهب ليصلي في الحقول في وقت المساء ، وهو الذي تكلم مع يعقوب على تلال بيت أيل ، ومع موسى بين جبال مديان ، ومع الفتى داود حين كان يرعى قطعانه . وبموجب تعليمات المسيا ظل الشعب العبراني مدة خمسة عشر قرنا يتركون دورهم لمدة أسبوع من كل عام ليسكنوا في مظال مصنوعة من أغصان خضراء مقطوعة من: " أَشْجَارٍ بَهِجَةٍ " وكانوا أيضا يقطعون " سَعَفَ النَّخْلِ وَأَغْصَانَ أَشْجَارٍ غَبْيَاءَ وَصَفْصَافَ الْوَادِي "لنفس الغرض (لاويين 23: 40) .

في هدوء الطبيعة

إن يهوشوه وهو يدرب تلاميذه فضل الانسحاب بعيدا عن ضوضاء المدينة ، إلى الحقول والتلال حيث الهدوء والسكون ، ليكون ذلك أكثر انسجاما مع دروس إنكار الذات التي أراد أن يعلمهم إياها . ومدى سني خدمته كان يحب أن يجمع الشعب حوله تحت القبة الزرقاء على جانب جبل اكتسى ببساط من العشب الأخضر ، أو على شاطئ البحيرة . فهنا إذ كان محاطا بخليقته وصنع يديه أمكنه أن يحول أفكار سامعيه من الأشياء المصنوعة إلى الأشياء الطبيعية إذ في وسط نمو الطبيعة وازدهارها أعلنت مبادئ ملكوته . وإذ رفع الناس أنظارهم إلى جبال يهوه لينظروا عجائب يديه أمكنهم أن يتعلموا دروسا ثمينة من الحق الإلهي . وكانت تعاليم يهوشوه تتكرر أمامهم في مناظر الطبيعة . وكذلك الحال مع من يذهبون إلى الحقول والمسيا في قلوبهم ، فهم يحسون بأنهم محاطون بتأثيرات مقدسة . إن أعمال الطبيعة تتضمن أمثال السيَد وتكرر نصائحه وتعاليمه . إن الذهن إذ يكون في شركة مع يهوه في الطبيعة فهو يتسامى ، كما أن القلب يجد في ذلك راحة .

وكان لابد حينئذ من اتخاذ الخطوة التمهيدية لتنظيم الكنيسة ، حتى تنوب هي عن المسيا على الأرض  بعد انطلاقه إلى السماء . لم يكن تحت يدهم بناء فخم ثمين ، ولكن المخلص قاد تلاميذه إلى مكان هادئ كان يحبه ، وفي تصورهم كانت الاختبارات المقدسة التي جازوا بها في ذلك اليوم مرتبطة إلى الأبد بجمال الجبل والسهل والبحر .

عاملون مع يهوه

لقد دعا يهوشوه تلاميذه ليكونوا وليعلنوا للعالم ما قد رأوه وسمعوه منه ، فكانت خدمتهم أجلَّ خدمة أسندت إلى بنى الإنسان وفي المرتبة الثانية بعد خدمة المسيا نفسه. كان عليهم أن يكونوا عاملين مع يهوه لأجل خلاص العالم . وكما أن الآباء الاثني عشر الأولين في العهد القديم وقفوا نوابا عن العبرانيين ، كذلك كان على الرسل الاثني عشر أن ينوبوا عن كنيسة العهد الجديد.

عرف المخلص صفات الرجال الذين اختارهم ، إذ كانت كل ضعفاتهم وأخطائهم مكشوفة أمامه ، كما عرف المخاطر التى كانوا سيجوزون فيها والتبعات التي ستلقى على كواهلهم . وكان قلبه يحن إلى أولئك الرجال المختارين . وقد قضى الليل كله وحده مصليا لأجلهم حين كانوا هم مستغرقين في النوم في أسفل الجبل . وعندما بزغ نور الفجر دعاهم لمقابلته إذ كان هنالك أمر هام يريد أن يقوله لهم .

كان هؤلاء التلاميذ قد صاحبوا المسيا إلى حين في العمل الناشط ، فكان يعقوب ويوحنا وأندراوس وبطرس وفيلبس ونثنائيل ومتى مرتبطين به أكثر من الباقين وقد شاهدوا المزيد من عجائبه ، وكان بطرس ويعقوب ويوحنا أقرب اليه من الجميع ، وكانوا معه كل الوقت تقريبا يشاهدون معجزاته و يسمعون أقواله . وقد دخل يوحنا إلى قدس أقداس الصداقة مع يهوشوه وامتاز على الباقين بكونه التلميذ الذي كان يهوشوه حبه . لقد أحبهم المخلص كلهم ، ولكن روح يوحنا كانت أكثرهم استيعابا . كان أصغر التلاميذ ، وبثقة تشبه ثقة الأطفال كشف مكنونات قلبه ليهوشوه ، وهكذا اشترك مع يهوشوه في عواطفه أكثر من الباقين ، وكان هو الذي قدم لشعبه أعمق التعاليم الروحية التي سمعها من المخلص .

بطيء القلب

وعلى رأس جماعة من الجماعات التي أنقسم إليها التلاميذ نجد اسم فيلبس . كان هو أول تلميذ أصدر إليه يهوشوه أمره الواضح القائل: " اتبعني "وكان فيلبس من بيت صيدا مدينة أندراوس وبطرس . لقد كان يصغي إلى تعاليم يوحنا المعمدان وسمع إعلانه عن المسيا بأنه حمل يهوه . وكان فيلبس باحثا مخلصا عن الحق ولكنه كان بطيء القلب في الإيمان . فمع أنه ارتبط بالمسيا فإن الإعلان الذي قدمه عنه لنثنائيل يدل على أنه هو نفسه لم يكن مقتنعا اقتناعا كاملا بألوهية يهوشوه . ومع أنه قد جاء صوت من السماء معلنا أن المسيا هو ابن يهوه فإنه بالنسبة إلى فيلبس لم يكن أكثر من " يهوشوه ابن يوسف الذي من الناصرة " (يوحنا 1: 45) . ومرة أخرى عند إشباع الخمسة الآلاف تبرهن أن فيلبس كان ينقصه الإيمان . فلكي يمتحنه يهوشوه سأله قائلا: " مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزًا لِيَأْكُلَ هؤُلاَءِ؟ " فكان جواب فيلبس دليلا على عدم الإيمان إذ قال: " لاَ يَكْفِيهِمْ خُبْزٌ بِمِئَتَيْ دِينَارٍ لِيَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا يَسِيرًا " (يوحنا 6: 5، 7) . وقد أحزن جوابه قلب يهوشوه . فمع أن فيلبس كان قد رأى أعمال السيد وأحس بقدرته فلم يكن عنده إيمان . وعندما سأل اليونانيون فيلبس عن يهوشوه لم ينتهز الفرصة ليقدمهم إلى المخلص ولكنه ذهب ليخبر أندراوس (راجع يوحنا 12: 20- 22) ثم أنه في الساعات الأخيرة قبيل الصلب كان كلام فيلبس مما يثبط الإيمان إذ لما سأل توما يهوشوه قائلا: "يَا سَيِّدُ ، لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ ، فَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ الطَّرِيقَ؟" أجابه المخلص بقوله: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ ... لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا " . وإذا بفيلبس يندفع في عدم إيمان قائلا: " يَا سَيِّدُ ، أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا " (يوحنا 14: 5- 8) . هكذا كان ذلك التلميذ الذي رافق يهوشوه مدة ثلاث سنوات بطيء القلب ضعيف الإيمان.

ولكن على عكس إيمان فيلبس كانت ثقة نثننائيل الشبيهة بثقة الأطفال . لقد كان رجلا ذا طبيعة جادة وغيورة جدا ، وتمسك بإيمانه بالحقائق غير المنظورة ، ومع ذلك فقد كان فيلبس تلميذا في مدرسة المسيا . وقد صبر المعلم طويلا محتملا عدم إيمانه وبلادته . فلما حل الروح القدس على التلاميذ صار فيلبس معلما حسب فكر يهوه . كان يعرف ما يتكلم به وكان يتكلم بقوة إقناع عظيمة فتبكتت قلوب سامعيه .

طالب مركز

وفيما كان يهوشوه يعد تلاميذه ليضطلعوا بالعمل إذا بواحد لم يدع ليكون تلميذا يفرض نفسه عليهم ليكون واحدا منهم . ذاك كان يهوذا الإسخريوطي الذي اعترف بأنه تابع للمسيا . فتقدم إلى الأمام طالبا أن يفسح له المجال بين هؤلاء التلاميذ الأخصّاء ، وبغيرة عظيمة وإخلاص ظاهري أعلن قائلا للمسيا: " يَا مُعَلِّمُ ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي " فلم يصده يهوشوه ولا رحب به ، ولكنه فقط نطق بهذا القول الحزين: " لِلثَّعَالِب أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ " (متى 8: 19، 20) . آمن يهوذا بأن يهوشوه هو مسيا ، وإذ انضم إلى الرسل كان يرجو أنه سيضمن لنفسه مكانة سامية في الملكوت الجديد ، فقصد المسيا أن يبتر هذا الأمل عندما قرر أنه فقير لا يجد مكان يسند إليه رأسه .

كان التلاميذ يتوقون إلى أن يصير يهوذا واحدا منهم . لقد كانت له هيئة آمرة ، وكان فطنا وله مقدرة على الإدارة والتنفيذ ، فامتدحوه لدى يهوشوه كمن يستطيع أن يقدم له عونا كبيرا في عمله . وقد أدهشتهم عدم ترحيب يهوشوه به .

كان التلاميذ يحسون بخيبة أمل عظيمة لأن يهوشوه لم يحاول الظفر بتعاون رؤساء إسرائيل معه . كما أحسوا أنه من الخطأ ألا يدعم رسالته بمعاضدة أولئك الزعماء ذوي النفوذ العظيم . فلو كان قد طرد يهوذا فكانوا يتساءلون فيما بينهم وبين أنفسهم عن السر في ذلك بل كانوا يشكون في حكمة معلمهم . ولكن حياة يهوذا بعد ذلك برهنت لهم على خطر إقامة وزن لأي اعتبار دنيوي في تقرير لياقة أي إنسان للقيام بعمل يهوه . إن تعاون مثل هؤلاء الناس الذي كان التلاميذ يشتاقون للحصول عليه كان معناه تسليم العمل الإلهي لأيدي ألد الأعداء .

ومع ذلك فإن يهوذا حين انضم إلى التلاميذ لم يكن عديم الإحساس بجمال صفات المسيا . فلقد أحس بتأثير تلك القوة الإلهية التي كانت تجتذب النفوس إلى المخلص . إن ذاك الذي لم يأت ليقصف قصبة مرضوضة أو ليطفئ فتيلة مدخنة لم يرد أن يطرد هذه النفس عندما وجد عندها رغبة ضئيلة للوصول إلى النور . لقد عرف المخلص قلب يهوذا ، كما عرف أعماق وهدة الإثم التي كان مزمعا أن ينحدر إليها ما لم تتداركه نعمة يهوه . وإذ ربط هذا الإنسان بشخصه جعله في وضع خاص بحيث يمكنه يوما بعد يوم أن يبقى على اتصال بسيول محبة يهوشوه الدافقة التي لا تعرف الأثرة . فلو فتح قلبه للمسيا فإن النعمة الإلهية ستطرد من قلبه شيطان الأنانية ، وحتى يهوذا نفسه يمكن أن يكون أحد رعايا ملكوت يهوه .

يهوه يطلب الطائعين

إن يهوه يأخذ الناس كما هم بالعناصر البشرية التي في أخلاقهم ثم يدربهم على خدمته إذا كانوا يرغبون في أن يتدربوا ويتعلموا منه . إنهم لم يُختاروا لكونهم كاملين ، بل لكي يتغيروا إلى صورته عن طريق معرفة الحق وممارسته وعن طريق نعمة المسيا بالرغم من نقائصهم .

كانت ليهوذا نفس الفرص التي كانت لباقي التلاميذ ، وكان يصغي إلى نفس التعاليم الثمينة . ولكن السلوك بموجب الحق الذي كان يطلبه المسيا كان على طرفي نقيض مع رغائب يهوذا وأغراضه ، فلم يرد أن يتخلى عن آرائه لكي يقبل الحكمة النازلة من فوق .

وكم كان المخلص رقيقا في معاملته لذاك المزمع أن يسلمه! إن يهوشوه في تعاليمه تكلم كثيرا عن مبادئ الإحسان التي كانت فئوسا ضربت الطمع في أصوله ، وصور لعقل يهوذا شناعة الجشع ومرارا كثيرة كان التلميذ يقتنع بأن كلام المسيا صور أخلاقه أدق تصوير وكشف عن خطيته . ولكنه أبى الاعتراف بشره أو الإقلاع عنه . كان مكتفيا بنفسه وراضيا عنها وبدلا من مقاومة التجربة أمعن في الاختلاس والخيانة التي قد حذقها . كان المسيا أمامه مثالا حيا لما يجب أن يصير إليه إذا أراد أن يجتني ثمار الوساطة والخدمة الإلهية . ولكن كل تلك الدروس التي سمعها ذلك التلميذ لم تلاق منه أية استجابة .

لم يوجه إليه يهوشوه أي توبيخ على طمعه . ولكنه بصبر إلهي احتمل هذا الرجل المخطئ حتى مع كونه قد برهن له على أنه يعرف خفايا قلبه كما لو كان يقرأ من سفر مفتوح أمامه . وقد بسط أمامه أسمى الدوافع للعمل الصائب ، فإذا رفض يهوذا نور السماء فلن يكون له عذر.

 وبدلا من أن يسير يهوذا في النور اختار الإبقاء على نقائصه . قد احتضن في قلبه الأميال الشريرة وشهوة الانتقام والأفكار المظلمة الكئيبة إلى أن سيطر عليه الشيطان سيطرة كاملة حتى صار يهوذا نائبا عن عدو المسيا .

وعندما صاحب يهوذا يهوشوه كانت في أخلاقه بعض الميزات التي كان يمكن أن تكون بركة للكنيسة . فلو رغب في حمل نير المسيا لصار بين طليعة الرسل ، ولكنه قسى قلبه عندما أشير إلى نقائصه ، وفي كبريائه وتمرده اختار مطامعه الأنانية وهكذا جعل نفسه غير أهل للقيام بالعمل الذي أراد يهوه أن يسنده إليه .

رأي واحد وحكم واحد

لقد كانت لكل التلاميذ أخطاء كثيرة عندما دعاهم يهوشوه لخدمته . حتى يوحنا الذي تمتع بأقدس وأوثق شركة مع ذاك الوديع والمتواضع القلب لم يكن بطبيعته وديعا أو متواضعا أو خاضعا . فلقد دعي هو وأخوه بـ " ابني الرعد " فعندما كانا مرافقين ليهوشوه كان أقل إهانة أو احتقار موجه إلى سيدهما كفيلا بإثارة غضبهما ومقاومتهما . كان في التلميذ المحبوب كثير من النقائص كالطبع الحاد الشرير وحب الانتقام وروح الانتقاد . كان متكبرا ويطمع في أن يكون الأول والأعظم في ملكوت يهوه . ولكنه يوما بعد يوم كان يرى رقة يهوشوه وصبره واحتماله على نقيض روح الغضب التى كانت فيه هو ، وكان يسمع تعاليمه عن الوداعة والصبر ، ففتح قلبه لتأثيرات روح يهوه ، وصار ليس سامعا فقط لتعاليم المخلص بل أيضا عاملا بها . لقد استقرت الذات في المسيا وتعلم هو أن يحمل نير المسيا بدون تذمر أو شكوى .

وبخ يهوشوه تلاميذه وأنذرهم وحذرهم ، ولكن يوحنا وإخوته التلاميذ لم يتركوا السيد بل اختاروه برغم توبيخاته . كما أن المخلص لم يتركهم بسبب ضعفاتهم وأخطائهم ، فلازموه طوال الوقت ليشاطروه تجاربه وليتعلموا من حياته دروسا ثمينة . وإذ نظروا إلى المسيا تغيرت صفاتهم .

كان الرسل يختلفون بعضهم عن بعض اختلافا بينا في عاداتهم وميولهم . فكان بينهم العشار لاوي- متى ، وسمعان الغيور الملتهب عدو سلطان روما الذي لا يلين ، وبطرس الكريم النفس السريع الاندفاع ، ويهوذا الدنيء النفس ، وتوما المستقيم القلب الذي كان مع ذلك خجولا ووجلا ، وفيلبس البطيء القلب والميال إلى الشكوك ، وابنا زبدي اللذان كانا يجاهران بطموحهما ومعهما إخوتهما . كان هؤلاء معا بما فيهم من أخطاء مختلفة ، وفيهم ميل إلى الشر موروث ومكتسب ، ولكنهم في المسيا وعن طريقه كان لا بد أن يعيشوا بين أسرة يهوه ليتعلموا كيف يكونون موحدين في إيمانهم وعقيدتهم وروحهم ، وستكون لهم تجاربهم ومضايقاتهم وآراؤهم المتباينة ، ولكن طالما كان المسيا ساكنا في قلوبهم لم يكن هنالك مجال للمنازعات . فمحبته ستجعل كلا منهم يحب إخوته ، والتعاليم التي يتلقونها من المعلم ستجعلهم جميعا في حالة انسجام ، وبذلك تختفي كل الفروق فيتحدون بحيث يكون لجميعهم رأي واحد وحكم واحد . إن المسيا هو مركز الدائرة وكل منهم كان مزمعا أن يقترب إلى باقي إخوته بنسبة اقترابه من المركز .

وعندما انتهى المسيا من تعليم التلاميذ جمع حوله ذلك القطيع الصغير ، وإذ جثا على ركبتيه في وسطهم واضعا يديه على رؤوسهم قدم لأجلهم صلاة ، مكرسا إياهم للعمل المقدس . وهكذا أقيم تلاميذ السيَد لخدمة الإنجيل .

نواب يهوه

إن المسيا لم يختر نوابه بين الناس من الملائكة الذين لم يسقطوا قط ، بل اختارهم من الخلائق البشرية ، من أناس كانوا تحت الآلام مثل أولئك الذين طلبوا أن يخلصوهم . لقد اتخذ المسيا لنفسه طبيعة بشرية حتى يمكنه الوصول إلى بني الإنسان . وكانت الطبيعة الإلهية بحاجة إلى الطبيعة البشرية لأن خلاص العالم كان يستلزم وجود كلتيهما معا . كانت الألوهية بحاجة إلى البشرية لكي تكون البشرية قناة اتصال بين يهوه والإنسان . وهذا يصدق أيضا على خدام المسيا ورسله . فالإنسان يحتاج إلى قوة خارجة عنه وأعلى منه لتعيده إلى صورة يهوه وتقدره على القيام بعمل يهوه ، ولكن هذا لا لجعل الوسيلة البشرية غير لازمة أو غير جوهرية . إن البشرية تمسك بقدرة يهوه ، والمسيا يسكن في القلب بالإيمان ، وعن طريق التعاون مع القوة الإلهية تصير قوة الإنسان فعالة لعمل الخير.

إن ذاك الذي دعا صيادي الجليل لم يزل يدعو الناس لخدمته ، لم يزل راغبا في إظهار قدرته فينا كما قد أظهرها في التلاميذ الأولين . ومهما نكن ناقصين وخطاة فالسيَد يقدم لنا هبة مشاركته والتلمذة للمسيا . وهو يدعونا إلى قبول التعليم الإلهي حتى إذا اتحدنا بالمسيا يمكننا أن نعمل أعمال يهوه .

" لَنَا هذَا الْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ ، لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ ليهوه لاَ مِنَّا " (2  كورنثوس 4: 7) . هذا هو السبب الذي لأجله أسند السيد عمل الكرازة بالإنجيل إلى أناس مخطئين لا إلى الملائكة. إنه أمر واضح أن القوة التي تعمل عن طريق ضعف البشرية هي قوة يهوه . وهذا يشجعنا على أن نؤمن بأن القوة التي قد أعانت من هم ضعفاء نظيرنا يمكنها أن تعيننا . فالإنسان الضعيف الذي هو أداة بيد القدير يكون " قَادِرًا أَنْ يَتَرَفَّقَ بِالْجُهَّالِ وَالضَّالِّينَ ، إِذْ هُوَ أَيْضًا مُحَاطٌ بِالضَّعْفِ " (عبرانيين 5: 2) . وبما أنّ المندوبين لعمل البشارة هم أنفسهم محاطون بالمخاطر فإنّهم يعرفون مخاطر الطريق وصعابها ، ولهذا السبب هم مدعوون لأن يبصروا غيرهم ممن هم سائرون في نفس الطريق حتى يتقوا تلك المخاطر . إن بعض النفوس تساورها الشكوك وتضنيها الضعفات فهم ضعفاء في الإيمان وغير قادرين على التمسك بغير المنظور . ولكن الصديق الذي يمكنهم أن يروه والذي يأتيهم بدلا من المسيا يمكنه أن يكون حلقة اتصال ليثبت في المسيا إيمانهم المترنح المرتعش .

علينا أن نكون عاملين مع ملائكة السماء في تقديم يهوشوه للعالم . إن الملائكة ينتظرون منا أن نتعاون معهم بشوق عظيم وصبر يكاد يكون نافدا ، لأن الإنسان ينبغي أن يكون قناة للاتصال بإنسان مثله . وعندما نسلم ذواتنا للمسيا في تكريس قلبي كامل فالملائكة سيفرحون ويتهللون حين يمكنهم أن يتكلموا بأصواتنا معلنين للناس محبة يهوه .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
12
28
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
02
24
Calendar App