1. لاوي - متى
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

من بين كل موظفي الرومان في فلسطين كان العشارون أبغض الناس لقلوب الشعب ، فكانوا ممقوتين أشد المقت . وحقيقة كون أمة أجنبية هي التي فرضت هذه الضرائب عليهم كان ذلك موضوع إثارة واهتياج دائمين لليهود إذ كان ذلك مذكرا دائما لهم بأنهم ليسوا أحرارا ولا مستقلين . ولم يكن الجباة والعشارون مجرد آلات في أيدي الرومان المستبدين ، بل كانوا مغتصبين لحسابهم الخاص ، فكانوا يصيبون ثراء فاحشا على حساب الشعب . واليهودى الذي كان يقبل القيام بهذه الوظيفة على أيدي الرومان كان يُنظر إليه كمن هو خائن لشرف أمته . وكانوا يحتقرونه كمن هو مرتد ، وكان يعتبر من أحط طبقات المجتمع .

كان لاوي متى ضمن أفراد هذه الطبقة ، وكان سيدعى ليكون خادما للمسيا بعد التلاميذ الأربعة الأولين في جنيسارت . وقد حكم الفريسيون على متى بمقتضى حرفته ، ولكن يهوشوه رأى في هذا الرجل قلبا مفتوحا لقبول الحق . كان متى قد أصغى لتعاليم المخلص ، وإذ كشف له روح يهوه المبكت عن شر قلبه تاق إلى طلب العون من المسيا ، ولكنه كان معتادا القيود التي قد فرضها معلمو الشعب فلم يكن يفكر في أن هذا المعلم العظيم سيلاحظه .

ولكن إذ كان هذا العشار جالسا عند مكان الجباية في أحد الأيام رأي يهوشوه قادما إليه ، كم كانت دهشته عظيمة حينما سمعه يخاطبه قائلا:"اتبعني" (متى 9: 9) .

اختيار النصيب الصالح

"فَتَرَكَ (متى) كُلَّ شَيْءٍ وَقَامَ وَتَبِعَهُ" (لوقا 5: 28) . لم يكن ثمة تردد أو تساؤل . ولا تفكير في تلك الوظيفة المربحة التي تدر عليه ربحا وفيرا والتي يستبدل بهـا الفقر والمشقة ، ولكن حسبه أنه سيكون مع يهوشوه ليسمع تعاليمه ويشاركه في عمله .

كذلك كانت الحال مع التلاميذ الذين قد دعوا من قبل . فعندما أمر يهوشوه المسيا بطرس ورفاقه أن يتبعوه ففي الحال تركوا السفن والشباك وساروا وراءه كان لبعض هؤلاء التلاميذ أقارب وأصدقاء يعولونهم ، ولكنهم عندما سمعوا دعوة السيد لم يترددوا ، ولا سأل أحدهم قائلا: كيف أعيش ومن يعول عائلتي؟ لكنهم كلهم أطاعوا الدعوة . وعندما سألهم يهوشوه بعد ذلك قائلا:"حِينَ أَرْسَلْتُكُمْ بِلاَ كِيسٍ وَلاَ مِزْوَدٍ وَلاَ أَحْذِيَةٍ ، هَلْ أَعْوَزَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالُوا: لاَ" (لوقا 22: 35) .

لقد قدم نفس الامتحان لمتى في ثرائه ولأندراوس وبطرس في فقرهما ، فقام كل منهم بنفس التكريس . وفي ساعة النجاح حين كانت الشباك ممتلئة بالسمك وحين كانت جوانب الحياة القديمة قوية سأل يهوشوه التلاميذ الذين كانوا عند البحر أن يتركوا كل شيء لأجل عمل الإنجيل . وهكذا يقدم الامتحان لكل نفس ليرى ما إذا كان شغفها بالخير الزمني أو شوقها إلى اتباع يهوشوه هو الأقوى .

إن المبادئ ملزمة للإنسان دائما . فلا يمكن لإنسان أن ينجح في خدمة يهوه ما لم يكن كل قلبه في العمل ويحسب كل شىء خسارة من أجل فضل معرفة المسيا . فالذي يقدم أية تحفظات واحتياطات لا يستطيع أن يكون تلميذا للمسيا بل بالحري لا يمكنه أن يكون عاملا معه . وعندما يقدر الناس الخلاص العظيم حق قدره فإن التضحية التي رؤيت في حياة المسيا سترى في حياتهم . وأينما سار فهم سيتبعونه فرحين .

إن دعوة المسيا لمتى ليكون تلميذا له أثارت عاصفة غضب عظيمة . فكون معلم ديني يختار عشارا ليكون واحدا من أتباعه المقربين كان إهانة عظيمة موجهة ضد العادات الدينية والاجتماعية والقومية . وإذ لجأ الفريسيون إلى تعصب الشعب كانوا يؤملون أن يثيروا مشاعرهم ضد يهوشوه .

وليمة العشار

ساد على العشارين اهتمام عظيم فمالت قلوبهم إلى هذا المعلم الإلهي . وإذ كان متى فرحا سعيدا بتلمذته تاق إلى أن يجتذب زملاءه السابقين إلى يهوشوه ، ولذلك صنع ضيافة في بيته دعا إليها أقرباءه وأصدقاءه . ولم يدع العشارين وحدهم بل دعا أيضا آخرين ممن كانت سمعتهم موضع شبهة وقد جافاهم جيرانهم الأكثر تعصبا .

أقيمت تلك الوليمة إكراما ليهوشوه الذي لم يتردد في قبول تلك المجاملة . كان يعرف تماما أن ذلك سيغضب حزب الفريسيين وسيعرض مقامه هو للهوان في عيون الشعب . ولكنه لم يكن ليتأثر بالعادات في تنقلاته أو تصرفاته ، ولم يكن يقيم وزنا لوجاهة المظهر ، بل كل ما كان همة هو أن بجد نفسا ظامئة إلى ماء الحياة .جلس السيد كضيف الشرف على مائدة العشارين ، وبعطفه ولطفه ومؤانسته برهن على تقديره للكرامة الإنسانية ، كما تاق أولئك الناس إلى أن يصيروا أهلا لثقته .

فدخل كلامه إلى قلوبهم الظامئة بقوه محيية . واستيقظت في قلوبهم بواعث جديدة ، وفتح باب الحياة لهؤلاء القوم الذين كانوا معتبرين حثالة المجتمع ومنبوذين من جميع الناس .

وفي هذا الاجتماع تأثر كثيرون ممن سمعوا تعاليم المخلص ، ومع ذلك لم يعترفوا به إلاَّ بعد صعوده . وعندما انسكب الروح القدس وخلص ثلاثة آلاف نفس في يوم واحد كان بينهم كثيرون ممن سبقوا أن سمعوا الحق وهم على مائدة العشارين هذه ، وبعض منهم صاروا رسل الإنجيل . أما متى فقد اعتبر مثال المسيا ، وتصرفه في الوليمة درسا له ظل ماثلا أمامه دائما ، ثم صار هذا العشار المحتقر من أعظم المبشرين المكرسين ، وكان في خدمته يسير في إثر خطوات معلمه عن أقرب قرب.

الأَصِحَّاءُ  ... 

وعندما علم معلمو إسرائيل بوجود يهوشوه في ضيافة متى انتهزوا تلك الفرصة لاتهامه ، ولكنهم فضلوا أن يهاجموه عن طريق التلاميذ  ، فإذ يثيرون تعصبهم يمكنهم أن يحدثوا الوقيعة والجفاء بينهم وبين معلمهم . وكانت سياستهم ترمى إلى اتهام المسيا للتلاميذ واتهام التلاميذ للمسيا مصوبين سهامهم إلى المقتل . هذه هي الوسيلة التي استخدمها الشيطان منذ أوجد النفور في السماء . فكل من يحاول إيجاد النزاع والنفور والجفاء هم مدفوعون لعمل ذلك بنفس روح الشيطان .

سأل أولئك المعلمون الحاسدون التلاميذ قائلين:"لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ؟" (متى 9: 11) .

لم ينتظر يهوشوه حتى يدفع تلاميذه تلك التهمة ، بل أجابهم قائلا:"لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى . فَاذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً ، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (متى 9: 12، 13) . كان الفريسيون يدعون أنهم أصحاء روحيا ولم يحسبوا أنهم بحاجة إلى طبيب ، وكانوا يعتقدون أن العشارين والأمم هالكون بأمراضهم الروحية لا محالة . أفلم يكن إذا عمله كطبيب يقتضيه أن يخف إلى نجدة تلك الفئة المحتاجة إلى معونته . لكن مع أن الفريسيين كانوا يفكرون في أنفسهم أفكارا عالية فقد كانوا في الحقيقة أسوأ حالا من أولئك الذين كانوا يحتقرونهم . كان العشارون أقل تعصبا واكتفاء بأنفسهم ، ولذلك كانوا أكثر استعدادا لتفهم الحق . قال يهوشوه لأولئك المعلمين:"اذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً" ، وهكذا برهن لهم على أنهم مع ادعائهم بأنهم مفسرو كلمة يهوه كانوا يجهلون روحها تماما .

أُبكِم الفريسيون مؤقتاً ولكنهم لم يزدادوا إلا إمعانا في عداوتهم للمسيا . وبعد ذلك ذهبوا يبحثون عن تلاميذ يوحنا المعمدان فلما وجدوهم حاولوا إثارتهم ضد المخلص . إن هؤلاء الفريسيين لم يقبلوا رسالة المعمدان . لقد كانوا يحتقرون زهده وعاداته الساذجة ولباسه الخشن وأعلنوا أنه متطرف . ولكونه وبخهم على ريائهم فقد قاوموا أقواله وحاولوا إثارة الشعب ضده . كان روح يهوه يرف على أولئك المزدرين مبكتا إياهم على الخطية . ولكنهم رفضوا مشورة يهوه وأعلنوا أن يوحنا به شيطان .

إساءة تمثيل المخلص

فلما أتى يهوشوه وامتزج بالشعب وكان يأكل ويشرب على موائدهم اتهموه بأنه أكول وشريب خمر . مع أن نفس الناس اللذين وجهوا إليه هذه التهم كانوا مذنبين . وكما أن يهوه قد أسيء تمثيله ونسبت إليه صفات الشيطان ، كذلك زيف هؤلاء الأشرار صفات رسل السيَد.

لم يكن الفريسيون يريدون أن يقتنعوا بأن غاية يهوشوه من أكله مع العشارين والخطاة كانت أن يجيء بنور السماء إلى أولئك الجالسين في الظلمة ، ولم يريدوا أن يصدقوا بأن كل كلمة نطق بها هذا المعلم الإلهي كانت بذرة حية ستنمو وتثمر لمجد يهوه . لقد أصروا على رفض النور ، ومع أنهم كانوا قد رفضوا رسالة المعمدان وقاوموها كانوا يريدون الآن أن يتوددوا إلى تلاميذه على أمل أن يقنعوهم بالتعاون معهم ضد يهوشوه . فصوروا لهم يهوشوه كمن يستخف بالتقاليد القديمة ، وجعلوا يصورون لهم الفارق العظيم بين تقوى المعمدان المتشدد ومسلك يهوشوه بأكله مع العشارين والخطاة .

في هذا الوقت كان تلاميذ يوحنا رازحين تحت ثفل حزن عظيم . وكان ذلك قبل زيارتهم ليهوشوه حاملين إليه رسالة من يوحنا . كان معلمهم المحبوب سجينا ، وكانوا يقضون أيامهم في النوح والبكاء . ولم يبذل يهوشوه أي مسعى لإخراج يوحنا من السجن بل بدا وكأنه يعيب تعاليمه . فإذ كان يوحنا مرسلا من يهوه فلماذا كان يهوشوه وتلاميذه يعيشون عيشة تختلف عن عيشة المعمدان؟

المعلم الصبور

لم يكن تلاميذ يوحنا يدركون عمل المسيا إدراكا صحيحا . فظنوا أن التهم التي وجهها الفريسيون إلى المسيا هي تهم تنطوي على بعض الحقيقة ، ولها ما يبررها . وكانوا هم يحفظون كثيرا من الوصايا التي فرضها المعلمون بل كانوا يرجون أن يتبرروا بأعمال الناموس . كان اليهود يمارسون الصوم وكانوا ينتظرون أن يثابوا عليه . وأشد الناس تدقيقا بينهم كانوا يصومون مرتين في الأسبوع ، وكان الفريسيون وتلاميذ يوحنا صائمين عندما أتوا إلى يهوشوه قائلين:"لِمَاذَا نَصُومُ نَحْنُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ كَثِيرًا ، وَأَمَّا تَلاَمِيذُكَ فَلاَ يَصُومُونَ؟" (متى 9: 14) .

أجابهم يهوشوه بكل رقة ولطف . ولم يحاول تصحيح أفكارهم الخاطئة عن الصوم ، ولكنه أراد فقط أن يعطيهم فكرة صحيحة عن رسالته . وقد فعل هذا باستخدام نفس الرمز الذي استخدمه المعمدان نفسه عندما شهد ليهوشوه . قال يوحنا:"مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ ، وَأَمَّا صَدِيقُ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحًا مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْعَرِيسِ . إِذًا فَرَحِي هذَا قَدْ كَمَلَ" (يوحنا 3: 29) . إن تلاميذ يوحنا لم يفتهم أن يتذكروا هذا الكلام الذي نطق به معلمهم . فإذ استعار يهوشوه ذلك الرمز نفسه قال: "أَتَقْدِرُونَ أَنْ تَجْعَلُوا بَنِي الْعُرْسِ يَصُومُونَ مَا دَامَ الْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟" (لوقا 5: 34) .  

كان ملك السماء بين شعبه . إن أعظم هبات السماء قد أعطيت للعالم . لقد كان هنالك فرح للمساكين لأن المسيا أتى ليجعلهم ورثة لملكوته ، وفرح للأغنياء لأنه سيعلمهم كيف يحصلون على الغنى الأبدي ، وفرح للجهلاء لأنه سيجعلهم يتحكمون للخلاص ، وفرح للعلماء لأنه سيكشف لهم عن أسرار أعمق مما قد اكتشفوا . والحقائق التي كانت محجوبة منذ تأسيس العالم كانت ستكشف للناس بواسطة رسالة المخلص .

سُرَّ المعمدان برؤية المخلص . وكم كانت فرصة مؤآتية للتلاميذ لأن يفرحوا حيث قد تمتعوا بامتياز السير والتحدث مع جلال السماء! إذا لم يكن هذا وقتا مناسبا للنوح والصوم . عليهم أن يفتحوا قلوبهم لاستقبال أنوار مجده ، حتى يشرق نورهم على الجالسين في الظلمة ووادي ظل الموت .

حزن يخالطه فرح

لقد كانت صورة مفرحة رسمتها كلمات المسيا  . ولكن كانت في ثناياها ظلال كثيفة لم يرها أحد سواه فلقد قال: "وَلكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ الْعَرِيسُ عَنْهُمْ ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ"  (لوقا 5: 35) . فحين يرى التلاميذ سيدهم مسلما للموت ومصلوبا سينوحون ويصومون . لقد قال لهم في خطابه الوداعي وهم في العلية:"بَعْدَ قَلِيل لاَ تُبْصِرُونَنِي ، ثُمَّ بَعْدَ قَلِيل أَيْضًا تَرَوْنَنِي اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ سَتَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ وَالْعَالَمُ يَفْرَحُ . أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ ، وَلكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ" (يوحنا 16: 19، 20)

فعندما يخرج حيا من قبره سيتحول حزنهم إلى فرح . وبعد صعوده إلى السماء سيغيب عنهم بالجسد ولكنه سيظل معهم في شخص المعزي ، ولن يقضوا أيامهم في البكاء والنوح . هذا ما كان يبغيه الشيطان . كان يريدهم أن يقنعوا العالم بأنهم قد خدعوا وأن آمالهم قد خابت . ولكن كان عليهم أن يشخصوا بالإيمان في المقدس الأعلى حيث يهوشوه يخدم لأجلهم ، وكان عليهم أن يفتحوا قلوبهم للروح القدس نائب يهوشوه وأن يبتهجوا بنور حضوره . ولكن ستأتي أيام محن وتجارب حين يجب عليهم أن يشتبكوا في صراع مع ولاة هذا العالم وقواد مملكة الظلمة حين لا يكون المسيا معهم بشخصه ويخفقون في معرفة المغزى ، فحينئذ سيكون من الأنسب لهم أن يصوموا .

خمر جديدة في زقاق عتيقة

حاول الفريسيون أن يمجدوا أنفسهم بحفظهم الطقوس الصارمة بينما كانت قلوبهم مشحونة بالحسد والمخاصمات . يقول الكتاب: "هَا إِنَّكُمْ لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ تَصُومُونَ ، وَلِتَضْرِبُوا بِلَكْمَةِ الشَّرِّ . لَسْتُمْ تَصُومُونَ كَمَا الْيَوْمَ لِتَسْمِيعِ صَوْتِكُمْ فِي الْعَلاَءِ . أَمِثْلُ هذَا يَكُونُ صَوْمٌ أَخْتَارُهُ؟ يَوْمًا يُذَلِّلُ الإِنْسَانُ فِيهِ نَفْسَهُ ، يُحْنِي كَالأَسَلَةِ رَأْسَهُ ، وَيْفْرُشُ تَحْتَهُ مِسْحًا وَرَمَادًا . هَلْ تُسَمِّي هذَا صَوْمًا وَيَوْمًا مَقْبُولاً ليهوه؟" (إشعياء 58: 4، 5) .

إن الصوم الحقيقي ليس مجرد خدمة طقسية . لقد اختار يهوه أن يكون الصوم "حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ . فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا ، وَقَطْعَ كُلِّ نِير" وإن "أَنْفَقْتَ نَفْسَكَ لِلْجَائِعِ ، وَأَشْبَعْتَ النَّفْسَ الذَّلِيلَةَ" (إشعياء 58: 6، 7) تلقَ رضى يهوه وبذلك تكون عاملا بروح المسيا ومبدئه السامي . لقد كانت كل حياته هي تضحية نفسه لأجل خلاص العالم . فسواء أكان صائما في برية التجربة أو كان يأكل مع العشارين على مائدة متى كان يبذل حياته لفداء الهالكين . إن روح التعبد الحقيقي لا يظهر في النوح الباطل أو في مجرد إذلال الجسد او تقديم الذبائح الكثيرة ه ولكنه يظهر في تسليم النفس لخدمة طوعية ليهوه والناس .

واستطرد يهوشوه في كلامه وهو يجيب على سؤال تلاميذ يوحنا فضرب مثلا: "لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ رُقْعَةً مِنْ ثَوْبٍ جَدِيدٍ عَلَى ثَوْبٍ عَتِيق ، وَإِلاَّ فَالْجَدِيدُ يَشُقُّهُ ، وَالْعَتِيقُ لاَ تُوافِقُهُ الرُّقْعَةُ الَّتِي مِنَ الْجَدِيدِ" (لوقا 5: 36) . إن رسالة يوحنا المعمدان ما كان لها أن تختلط أو تمتزج بالتقاليد والخرافات . إن محاولة مزج ادعاء الفريسيين بتعبد يوحنا سيجعل الاختلاف أردأ بين الاثنين .

وكذلك لم يمكن الجمع بين تعاليم المسيا والطقوس الفريسية . وما كان ليهوشوه أن يرمم الثغرة التي أحدثتها تعاليم يوحنا ، ولكنه أراد أن يجعل الفاصل كبيرا وظاهرا بين القديم والجديد . وبعد ذلك أورد المسيا مثالا لهذه الحقيقة فقال:"وَلَيْسَ أَحَدٌ يَجْعَلُ خَمْرًا جَدِيدَةً فِي زِقَاق عَتِيقَةٍ لِئَلاَّ تَشُقَّ الْخَمْرُ الْجَدِيدَةُ الزِّقَاقَ ، فَهِيَ تُهْرَقُ وَالزِّقَاقُ تَتْلَفُ" (لوقا 5: 37) . إن الزقاق الجديدة التي كانت تستخدم لتوضع الخمر الجديدة فيها ، كانت بعد ذلك تجف وتصبح سهلة الكسر ولذلك لم تكن تصلح لنفس الغرض مرة أخرى . ففي هذا المثل المألوف وصف المسيا حالة رؤساء اليهود . كان الكهنة والكتبة والرؤساء محصورين في أخدود من الفرائض والطقوس فانكمشت قلوبهم كالزقاق الجافة التي قد مثَّلها بها . وطالما ظلوا مكتفين بصورة الديانة الصحيحة فقد غدا من المستحيل عليهم أن يصيروا مستودعات لحق السماء الحي ، حيث ظنوا أن برهم الذاتي فيه الكفاية ، فلم يرغبوا في إدخال عنصر جديدا في ديانتهم . لم يقبلوا إرادة يهوه الصالحة نحو الناس على أنها شيء منفصل عن أنفسهم فقد قرنوها باستحقاقهم لأجل أعمالهم الصالحة . ولم يكن يمكن أن الإيمان العامل بالمحبة الذي يطهر النفس يتحد بديانة الفريسيين المكونة من التقاليد ووصايا الناس . ولذلك بات من العبث توحيد تعاليم يهوشوه مع الديانة التي قد أقرها الرؤساء وتمسك بها الناس . فحق يهوه الحى الذي شبه خمرا جديدة لا بد أن يشق زقاق تقاليد الفريسيين البالية التالفة.

التمسك بطقوس ميتة

لقد ظن الفريسيون أنفسهم أحكم من أن يكونوا بحاجة إلى تعليم ، وأبر من أن يكونوا بحاجة إلى خلاص ، وأكرم من أن يحتاجوا إلى الكرامة التي يمنحها المسيا فتركهم المخلص ليجد آخرين يقبلون رسالة السماء . وقد وجد في الصيادين الأميين والعشار الجالس عند مكان الجباية ، والمرأة السامرية ، والشعب البسيط الساذج الذي كان يسمعه بسرور ، الزقاق الجديدة التي توضع فيها الخمر الجديدة . إن الوسائط التي يستخدمها يهوه في عمل الإنجيل هي تلك النفوس التي بكل سرور تقبل النور الذي يرسله يهوه إليها . هذه هي الوسائط اللازمة لتبليغ معرفة الحق إلى العالم . فإذا كان شعب المسيا بفضل نعمته يصيرون زقاقا جديدة فسيملأهم بالخمر الجديدة .

إن تعاليم المسيا مع كونها قد شبهت بالخمر الجديدة فهي لم تكن تعاليم جديدة ، بل هي إعلان لما قد تعلمه الناس من البدء . ولكن حق يهوه كان قد فقد معناه وجماله الأصليين في نظر الفريسيين . وبالنسبة إليهم كان تعليم المسيا جديدا من كل الوجوه تقريبا ، فلم يقدروه ولا اعترفوا به .

أشار يهوشوه إلى قوة التعاليم الكاذبة على ملاشاة تقدير الحق والرغبة فيه ، فقال:"وَلَيْسَ أَحَدٌ إِذَا شَرِبَ الْعَتِيقَ يُرِيدُ لِلْوَقْتِ الْجَدِيدَ ، لأَنَّهُ يَقُولُ: الْعَتِيقُ أَطْيَبُ " (لوقا 5: 39). إن كل الحق الذي قد أعطي للعالم بواسطة الآباء والأنبياء قد أريق عليه نور جمال جديد من أقوال المسيا . ولكن الكتبة والفريسيين لم يستسيغوا الخمر الجديدة الثمينة بل كانوا راغبين عنها . وما لم يفرغوا ذواتهم من التقاليد والعادات والممارسات القديمة فلن يكون هنالك مكان في العقل أو القلب لتعاليم المسيا . لقد تمسكوا بالطقوس الميتة وحوَّلوا أنظارهم عن الحق الحي وقدرة يهوه .

خطر الاعتداد بالذات

كان هذا هو العامل في هلاك اليهود ، وسيكون علة هلاك نفوس كثيرة في أيامنا هذه . إن آلاف الناس يرتكبون نفس الخطأ الذي قد أرتكبه الفريسيون الذين وبخهم المسيا في وليمة متى . كثيرون من الناس بدلا من التخلي عن رأي يعتزون به أو طرح عقيدة قديمة يعتبرونهـا صنما يعبدونه فيرفضون نور الحق الذي ينبثق من عند أبي الأنوار . إنهم يثقون بأنفسهم ويعتمدون على حكمتهم ويصدقون حقيقة كونهم فقراء روحيا . إنهم يصرون على أن يخلصوا بوسيلة ما عن طريق إنجازهم لعمل هام وإثبات بر أنفسهم . ومتى عرفوا أنه لا مجال لإقحام الذات في ذلك العمل فإنهم يرفضون الخلاص المقدم لهم .

إن الديانة الطقسية لا يمكنها أن تأتي بالنفوس إلى المسيا ، لأنها ديانة خالية من المحبة ومن المسيا . فالصوم أو الصلاة التي تسوق الإنسان إليها روح تبرير الذات هي رجس قدام يهوه . فالمحافل المقدسة المجتمعة للعبادة وسلسلة الطقوس الدينية والتقشف الخارجي والذبائح المهيبة تعلن أن كل من يفعل تلك الأشياء يعتبر نفسه بارا وأهلا للسماء ، ولكن ذلك كله خداع مهلك . إن أعمالنا لا يمكنها أبدا أن تشتري لنا الخلاص .

وكما كانت الحال في أيام المسيا كذلك هي اليوم . فالفريسيون لا يعرفون فاقتهم الروحية ، ولذلك تأتيهم هذه الرسالة:"لأَنَّكَ تَقُولُ: إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ . أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنِّي ذَهَبًا مُصَفًّى بِالنَّارِ لِكَيْ تَسْتَغْنِيَ ، وَثِيَابًا بِيضًا لِكَيْ تَلْبَسَ ، فَلاَ يَظْهَرُ خِزْيُ عُرْيَتِكَ " (رؤيا 3: 17، 18) . إن الإيمان والمحبة هما الذهب المصفي بالنار . ولكن بالنسبة لكثيرين قد اكدرَّ الذهب وضاع الكنز الثمين ، وثوب بر المسيا يشبه بالنسبة لهم ثوبا لم يلبس وينبوعا لم يمسه أحد . ولذلك يقال لهم: "عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى . فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ ، وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى ، وَإّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا ، إِنْ لَمْ تَتُبْ" (رؤيا 2 : 4، 5) .

"ذَبَائِحُ يهوه هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ . الْقَلْبُ الْمُنْكَسِرُ وَالْمُنْسَحِقُ يَا يهوه لاَ تَحْتَقِرُهُ" (مزمور 51: 17) . على الإنسان أن يفرغ من الذات قبلما يكون ، بكل معنى الكلمة ، مؤمنا بيهوشوه . فمتى نبذت الذات يمكن للسيَد أن يجعل الإنسان خليقة جديدة . فالزقاق الجديدة هي وحدها التي توضع فيهما الخمر الجديدة . إن محبة يهوه تنعش المؤمن بحياة جديدة . وذاك الذي ينظر إلى رئيس الإيمان ومكمله ستظهر فيه صفات المسيا .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
2
1
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
04
27
نتمنى لكم يوم رأس شهر مبارك.
Calendar App