9. تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِــي
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

من بين كل الأمراض المعروفة في الشرق كان البرص أشدها رعبا . فإذ كان مرضا مُعدِياً ولا شفاء منه ، وبسبب آثاره المرعبة في ضحاياه ، كان أشجع الرجال يرتعدون فزعا منه . وكان اليهود يعتبرونه دينونة من يهوه على خطية . ولذلك كانوا يسمونه "الضربة" ، "إصبع يهوه" . وإذ كان ذلك المرض متأصلا في جسم المصاب ولا يمكن استئصاله كان الناس ينظرون إليه على أنه رمز للخطية . وبموجب الشريعة الطقسية كان يحكم على الأبرص بأنه نجس ، وكذلك يحكم بطرده من بين الناس كمن قد مات . وكل ما يلمسه الأبرص كان يتنجس ، بل حتى الهواء يتلوث من أنفاسه . ومن يشتبه فيه بأنه مصاب بهذا المرض كان عليه أن يعرض نفسه على الكاهن الذي وجب عليه أن يفحصه ويحكم في أمره . فمتى حكم عليه أنه أبرص يفصل عن عائلته بعيدا أو يقطع  من جماعة إسرائيل ويقضى عليه بألا يعاشر إلا من كانوا مصابين بمثل إصابته . إن الناموس لم يكن يتسامح ولا يلين في مطاليبه بهذا الشأن . حتى الملوك والرؤساء لم يعفوا من تلك الأحكام . فالملك المصاب بهذا المرض المخيف كان يلتزم بأن يسلم قضيب الملك لأخر وينفى بعيدا عن الناس .

فكان على الأبرص أن يتحمل لعنة مرضه بعيدا عن أصدقائه وأقربائه . وكان مجبرا على أن يعلن عن مصيبته بكونه يمزق ثيابه ويحذر الكل لكي يهربوا من  عدواه . إن الصرخة التي كانت تصدر عن الأبرص قائلة:"نجس . نجس" بنغمة حزينة باكية من المنفي الموحود كانت كفيلة بأن تملأ قلوب سامعيها بالخوف والاشمئزاز .

رجاء أبرص

وفي الإقليم الذي خدم فيه المسيا كان يوجد كثيرون من البرص ، وقد وصلتهم أنباء عمله فأشرقت في قلوبهم أنوار الرجاء . ولكن منذ أيام أليشع النبي لم يسمع أن إنسانا أبرص قد  طهر من برصه . ولم يجرؤ أولئك البرص على أن ينتظروا من يهوشوه أن يجري فيهم تلك المعجزة التي لم يجرها لأحد قط . ومع ذلك فقد وجد إنسان واحد بدأ الإيمان ينتعش في قلبه ، ومع ذلك فإن هذا الرجل لم يكن يعلم كيف يصل إلى يهوشوه . وكيف يتقدم إلى ذلك الشافي ما دام محرما عليه الاختلاط ببني جنسه . فتساءل ذلك المريض ما إذا كان يهوشوه يرضى بأن يشفيه ، وهل يتنازل السيد ليلاحظ ذاك الذي كان الناس يعتقدون أنه يتألم تحت دينونة يهوه؟ ألا يلعنه كالفريسيين ، أو حتى كالأطباء وينذره بالهرب بعيدا عن مساكن الأصحاء؟  لقد فكر الرجل في كل ما قيل له عن يهوشوه بأنه لم يطرد أي إنسان أتاه يطلب منه العون ، لذلك عزم ذلك الإنسان التعس على أن يجد المخلص . ومع أنه كان منفيا بعيدا عن المدن فربما يلاقي ذلك السيد الرحيم في طريق منقطع غير مطروق في المسالك الجبلية ، أو قد يجده وهو يعلم خارج المدن . لقد كانت الصعوبات عظيمة أمامه ولكن هذا كان رجاءه الوحيد .

ثم أرشد الأبرص إلى المخلص . وها يهوشوه يعلم عند البحيرة وقد تجمهر الناس حوله . وقف الأبرص من بعيد وإذناه تلتقطان قليلا من أقوال المخلص . ثم ها هو يراه يضع يديه على المرضى ، وها هو يرى العرج والمفلوجين والموشكين على الموت من أمراضهم المختلفة ، رأى أولئك جميعا ينهضون في ملء الصحة وهم يسبحون يهوه على شفائهم . فيتشدد الإيمان في قلبه ، ثم يقترب من ذلك الجمع أكثر فأكثر ، ناسيا ، إلى حين ، القيود المفروضة عليه وسلامة الشعب والخوف الذي ينظر به الناس إليه ، ولا يفكر في غير الرجاء المبارك رجاء الشفاء .

إن منظره كريه ، فلقد هجم عليه المرض هجوما عنيفا بحيث صار منظر جسمه متآكلا مرعبا . فإذ رآه الناس تراجعوا في ذعر ، ها هم  يزحمون بعضهم بعضا للهرب من عدواه ، وعبثا يحاول بعض منهم أن يحولوا بين الرجل والاقتراب من يهوشوه . إنه لا يراهم ولا يسمعهم . وعبارات الاشمئزاز التي يسمعها منهم لا تؤثر فيه . فهو لا يرى غير ابن يهوه ، ولا يسمع  غير الصوت الذي يمنح للموتى الحياة . وإذ يدنو من يهوشوه يجثو عند قدميه ويصرخ قائلا:" يَا سَيِّدُ ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي " (متى 8: 2 ) .

 أُرِيدُ ، فَاطْهُرْ! 

أجاب يهوشوه:"أُرِيدُ ، فَاطْهُرْ! " (متى 8: 3) ووضع يده عليه وفي الحال حدث تغيير في ذلك الأبرص . فلقد عادت الصحـة إلى جسمه وصارت أعصابه حساسة وقويت عضلاته . وتلك القشور الخشنة التي تتفرد بها أجسام البرص اختفت ، وحل مكانها لون وردي نضير جعل جسمه يبدو كجسم صبي صغير في ملء الصحة .

وقد أوصى يهوشوه ذلك الرجل ألا يذيع نبأ ذلك الشفاء ، بل أن يسرع ليقدم عن نفسه ذبيحة في الهيكل . وما كانت تلك الذبيحة تقبل إلا بعدما يفحصه الكهنة ويحكمون بأنه قد شفي تماما من المرض . ومع نفور الكهنة من القيام  بتلك الخدمة فلم يكن يسعهم التهرب من فحص المريض ليحكموا له أو عليه .

ترينا أقوال الكتاب مقدار التشديد الذي اشترطه المخلص على ذلك الرجل بلزوم الصمت والعمل الناجز ، إذ يقول البشير: " فَانْتَهَرَهُ وَأَرْسَلَهُ لِلْوَقْتِ ، وَقَالَ لَهُ: انْظُرْ ، لاَ تَقُلْ لأَحَدٍ شَيْئًا ، بَلِ اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ وَقَدِّمْ عَنْ تَطْهِيرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى ، شَهَادَةً لَهُمْ" (مرقس 1: 43، 44) . لو عرف الكهنة الحقائق الخاصة بشفاء ذلك الأبرص لكانت كراهيتهم للمسيا قد أملت عليهم حكما كاذبا جائرا ، فرغب يهوشوه في أن يقدم الأبرص نفسه في الهيكل قبلما يصل إلى مسامع الكهنة خبر تلك المعجزة ، إذ بهذه الكيفية يمكنهم أن يصدروا حكما عادلا ، فيتمكن ذلك الأبرص الذي شفي من أن يجتمع بعائلته وأصدقائه مرة أخرى .

كانت للمسيا أغراض أخرى يرمى إليها من تشديده على الرجل بأن يظل صامتا . فلقد عرف المخلص أن أعداءه كانوا دائبين أبدا على الحد من نشاطه وخدمته وإبعاد الناس عنه . كما عرف أنه إذا انتشر خبر شفاء ذلك الأبرص فإن كثيرين من المصابين بذلك المرض الوبيل كانوا يتجمهرون حول المسيا ، وحينئذٍ سيصيح صائح ويقول إن الشعب قد أصيبوا بعدوى البرص من جراء احتكاكهم بأولئك البرص . وكثيرون من البرص ما كانوا يستخدمون بركة الشفاء كبركة لذواتهم أو لغيرهم . ومتى اجتذب يهوشوه البرص حوله فإن ذلك يعطي أعداءه فرصة لاتهامه بأنه يتعدى نواهي الناموس الطقسي . وبهذا يتعطل عمل الكرازة بالإنجيل .

إذاعة الخبر

هذه الحالة بررت إنذار المسيا . إذ إن شفاء ذلك الأبرص شاهده جميع من الناس ، وكانوا يتوقون لمعرفة حكم الكهنة . فلما عاد الرجل إلى أصدقائه حدث اهتياج عظيم . فبالرغم من تحفظ يهوشوه لم يبذل ذلك الرجل أي مسعى لإخفاء حقيقة شفائه . وكان من المستحيل إخفاء الأمر ، لكن ذلك الأبرص بعدما شفي أذاع الخبر في كل مكان . كما فهم أن وداعة يهوشوه هي التي جعلته يأمره بالسكوت . ولذلك جال من مكان إلى مكان معلنا عن قوة هذا الشافي العظيم . ولكنه لم يكن يدرك أن تلك الإعلانات  ستزيد من إصرار الكهنة والشيوخ على إهلاك يهوشوه . لقد أحس الرجل الذي شفي أن هبة الشفاء  ثمينة جدا ، ففرح وتهلل إذ استعاد قوة رجولته وأعيد إلى عائلته وعشرائه ، ورأى أنه من المستحيل عليه أن يكف عن تمجيد ذلك الطبيب الذي شفاه . ولكن إذاعته لخبر تلك المعجزة نتج عنه تعطيل عمل المخلص ، إذ تقاطر الناس عليه بكثرة عظيمة حتى اضطر للتوقف عمن العمل إلى حين .

إن كل عمل من أعمال المسيا كان له غرض بعيد المدى ، وكان يشتمل على ما هو أكثر مما لاح في العمل نفسه . هكذا كانت الحال مع الأبرص ، ففي حين أن يهوشوه خدم حاجات كل من أقبلوا إليه فقد كان يتوق لأن يبارك من لم يأتوا . وفي حين أنه اجتذب العشارين والوثنيين والسامريين كان يشتاق للوصول إلى الكهنة والمعلمين الذين كبلهم التعصب والتقاليد . لقد استنفد كل وسيلة كان يمكنه بواسطتها أن يصل إليهم . وفي إرساله الأبرص الذي شفي إلى الكهنة قدم شهادة أراد بها القضاء على تعصبهم .

لقد ادعى الفريسيون أن تعليم المسيا مضاد للناموس الذي أعطاه يهوه لشعبه على يد موسى . ولكنه في توصيته للأبرص الذي قد طهر بأن يقدم ذبيحة حسب ما هو مفروض في الناموس ، كذب ذلك الادعاء ، فكان ذلك شهـادة كافية لإقناع كل من يريدون أن يقتنعوا .

ثم أرسل الرؤساء في أورشليم جواسيس ليتجسسوا على يهوشوه لعلهم يجدون عليه علة يتعللون بها لإهلاكه ، فكان جوابه على ذلك الإجراء أن قدم لهم برهانا على حبه للبشرية واحترامه للناموس ، وقدرته على أن يخلص من الخطية والموت . وهكذا شهد عنهم قائلا:"وَضَعُوا عَلَيَّ شَرًّا بَدَلَ خَيْرٍ ، وَبُغْضًا بَدَلَ حُبِّي" (مزمور 109: 5) . إن ذاك الذي أوصى في موعظته على الجبل قائلا: " أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ " قد مثَّل بنفسه هذا المبدأ القائل:"غَيْرَ مُجَازِينَ عَنْ شَرّ بِشَرّ أَوْ عَنْ شَتِيمَةٍ بِشَتِيمَةٍ ، بَلْ بِالْعَكْسِ مُبَارِكِينَ " (متى 5: 44؛ 1 بطرس 3: 9) .

الشفاء حجة مقنعة

إن نفس الكهنة الذين حكموا على الأبرص بالطرد من بين الأصحاء شهدوا الآن بأنه قد شفي . وإذ نطقوا بهذا الحكم جهارا وسجلوه كان ذلك شهادة ثابتة للمسيا . وإذ أعيد الرجل بعدما شفي إلى جماعة إسرائيل بناء على تأكيد الكاهن نفسه بأنه لم يعد للمرض أي أثر فيه ، كان هو نفسه شهادة حية لمن قد أحسن إليه . وبفرح عظيم قدم ذبيحة وعظَّم اسم يهوشوه ، كما شهد الكهنة لقوة المخلص الإلهية . لقد قدمت لهم الفرصة لأن يعرفوا الحق وينتفعوا بالنور ، فإذا رفضوا النور فسيرحل عنهم إلى غير عودة . لقد رفض كثيرون النور ولكنه لم يعطَ عبثاً ، إذ تأثرت قلوب كثيرة لم يكن يبدو عليها أي تأثر . ومدى سني خدمة المخلص بدا كان رسالته لم تجد سوى تجاوبا قليلا من محبة الكهنة والمعلمين ، ولكن بعد صعوده إلى السماء نقرأ قول الكتاب:"جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الإِيمَانَ" (أعمال 6: 7) .

إن عمل المسيا في تطهيره للأبرص من ذلك المرض المخيف هو مثال لعمله في تطهير النفس من الخطية . كان الرجل الذي أتى إلى يهوشوه  مملوءا برصاً . لقد نفذ سم ذلك الداء الوبيل إلى كل جسمه . فحاول التلاميذ الحيلولة بين معلمهم وملامسة الأبرص ، لأن كل من يلمس أبرص يصير هو نفسه نجسا . ولكن يهوشوه لم يتنجس عندما لمس ذلك الأبرص . بل إن لمسته منحته قوة حياة فطهر من برصه . وهكذا الحال مع برص الخطية ، فهى متأصلة في القلب ومميتة ، ومن المستحيل أن يطهر أحد منها بقوة بشرية:"كُلُّ الرَّأْسِ مَرِيضٌ ، وَكُلُّ الْقَلْبِ سَقِيمٌ . مِنْ أَسْفَلِ الْقَدَمِ إِلَى الرَّأْسِ لَيْسَ فِيهِ صِحَّةٌ ، بَلْ جُرْحٌ وَأَحْبَاطٌ " (إشعياء 1: 5، 6) . ولكن يهوشوه إذ اتخذ جسما بشريا لم يتنجس ، بل إن وجوده فيه له قوة شافية للخاطئ . وكل من يجثو عند قدميه بإيمان قائلا:" يَا سَيِّدُ ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي" سيسمع الجواب"أُرِيدُ ، فَاطْهُرْ!" (متى 2:8 ،3) .

دروس في أعمال الشفاء

في بعض حالات الشفاء لم يعط يهوشوه البركة المطلوبة في الحال . ولكن في حالة هذا الأبرص ما إن تقدم بطلبه هذا إلى السيد حتى أجيب إلى طلبه . عندما نطلب بركات زمنية قد تتأخر الإجابة ، أو قد يمنحنا يهوه شيئا غير ما طلبناه . ولكن عندما نطلب الخلاص من الخطية فالأمر يكون على خلاف هذا . فالسيَد يريد أن يطهرنا من خطايانا ويجعلنا أولادا له ويجعلنا قادرين على أن نحيا حياة القداسة . إن المسيا "بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا ، لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ يهوه وَأَبِينَا" (غلاطية 1: 4) ، "هذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا . وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبْنَا يَسْمَعُ لَنَا ، نَعْلَمُ أَنَّ لَنَا الطِّلِبَاتِ الَّتِي طَلَبْنَاهَا مِنْهُ "(1يوحنا 5: 14، 15) . " إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ " (1يوحنا  1: 9) .

وإذ شفى المسيا المفلوج في كفرناحوم علَّم نفس الحق ، فلكي يعلن عن سلطانه لأن يغفر الخطايا أجرى تلك المعجزة . كما أن شفاء المفلوج يكشف لنا أيضاً حقائق ثمينة ، فهو غني بالرجاء والتشجيع ، وبالنسبة لعلاقته بمماحكة الفريسيين فإن فيه أيضاً تحذيرا لنا .

وكما كانت الحال مع الأبرص فكل آمال هذا المفلوج في الشفاء انهارت . وقد أصابه هذا المرض نتيجة لحياة قضاها في ارتكاب الخطية ، كما زادت من آلامه مرارة الندم . لقد ظل طويلا يتوسل إلى الفريسيين ومعلمي الناموس آملا أن يجد على أيديهم راحة من آلامه النفسية والجسمانية . ولكنهم بكل برود حكموا عليه بأن مرضه غير قابل للشفاء وأسلموه لغضب يهوه . فلقد اعتبر الفريسيون أن المحن والآلام برهان على سخط يهوه ، وكانوا يترفعون عن المرضى والفقراء . ومع ذلك فإن هؤلاء أنفسهم الذين شمخوا بأنوفهم في صلف وكبرياء معتبرين ذواتهم قديسين كانوا في غالب الأحيان أعظم جرما وأثقل إثما من أولئك المتألمين الذين حكموا عليهم .

عون لفاقدي الرجاء

كان ذلك المفلوج عاجزا تماما ، فإذ لم ير عونا يأتيه من أي إنسان غاص في بالوعة اليأس . ولكنه بعد ذلك سمع عن القوات العجيبة التي أجراها يهوشوه . وسمع أن آخرين كانوا خطاة وعاجزين مثله نالوا الشفاء ، حتى البرص طهروا . وقد شجعه أصدقاؤه الذين أنبأوه بتلك الأخبار السارة ، على الإيمان بأنه يمكنه هو أيضا أن يشفى لو حُمِل إلى يهوشوه . ولكن قلبه غاص في داخله في يأس مرير عندما ذكر كيف أصابه ذلك المرض . وقد كان يخشى من أن ذلك الطبيب القدوس قد لا يحتمل أن يراه ماثلا في حضرته ومع ذلك فإن ما كان يصبو إليه هذا المريض لم يكن هو شفاء الجسد بقدر ما كان يتوق إلى الراحة من عبء الخطية ، فلو أمكنه أن يرى يهوشوه وينال يقين غفران السماء وسلام يهوه فسيكون قانعا بالموت أو بالحياة بحسب ما يريد يهوه . كانت صرخة ذلك الرجل المحتضر هي هذه:"يا ليتني أمثل أمامه!" لم يكن لديه وقت يضيعه هباء ، فلقد تهرأ جلده ولحمه وبدت في جسمه آثار الفساد فتوسل إلى أصدقائه أن يحملوه على فراشه إلى يهوشوه ، ففعلوا ذلك بكل سرور . ولكن الزحام في داخل البيت الذي كان في به المخلص وخارجه كان على أشده حتى بدا من المستحيل على ذلك المريض وأصدقائه أن يشقوا لأنفسهم طريقا في وسط تلك الكتل البشرية ليصلوا إليه أو على الأقل يسمعون صوته من بعد .

كان يهوشوه يعلم في بيت بطرس وحسب العادة كان تلاميذه جلوسا إلى جواره:"وَكَانَ فَرِّيسِيُّونَ وَمُعَلِّمُونَ لِلنَّامُوسِ جَالِسِينَ وَهُمْ قَدْ أَتَوْا مِنْ كُلِّ قَرْيَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ وَالْيَهُودِيَّةِ وَأُورُشَلِيمَ" (لوقا 5: 17) . لقد أتى أولئك الناس ليتجسسوا على يهوشوه لعلهم يجدون عليه علة ، وخارج هذه الدائرة كانت توجد جموع مختلطة بلا ترتيب . منهم المتشوقون والمتهيبون والفضوليون والعديمو الإيمان . وكانت جنسيات مختلفة وطبقات متعددة ممثلة هناك: " وَكَانَتْ قُوَّةُ يهوه لِشِفَائِهِمْ "(لوقا 5: 17) . فكان روح الحياة يحتضن ذلك الجمع ، ولكن الفريسيين والمعلمين لم يلاحظوا حضوره إذ لم يكونوا يحسون بحاجتهم ولذلك لم يكن لهم نصيب في الشفاء: " أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ " (لوقا 1: 53 ) .

ثغرة في السقف

حاول حاملو المفلوج مرارا أن يشقوا لأنفسهم طريقا في وسط ذلك الجمع ولكن كل محاولاتهم ذهـبت هباء . وقد جال الرجل المريض في ألم وعذاب لا يعبر عنهما . وبعدما صارت المعونة التي طالما اشتاق إليها في متناول يده ، كيف يمكنه الآن أن يفلت الرجاء من يده . فبناء على اقتراحه حمله أصدقاؤه إلى سطح البيت وبعدما كشفوا السقف دلوا المرض أمام قدمي يهوشوه ، فتوقف السيد عن حديثه ، ونظر إلى وجه ذلك الرجل الذي ارتسمت عليه الحزن والفجيعة ورأى عينيه المتوسلتين مركزتين فيه . وقد عرف حالته لأنه هو الذي كان قد اجتذب إليه تلك النفس المرتبكة المتشككة . فإذ كان المفلوج لا يزال في بيته أدخل المخلص التبكيت إلى ضميره . وعندما تاب عن خطاياه وآمن بقدرة يهوشوه على شفائه باركت قلبه المشتاق مراحم المخلص المانحة الحياة . وقد لاحظ يهوشوه أول بارقة من بوارق الإيمان تنمو فيه حتى صارت يقينا لا يتزعزع بأن هذا هو المعين الوحيد للخاطئ ، كما رأى ذلك الإيمان ينمو و يتقوى مع كل محاولة أبداها للمثول بين يدي الفادي .

وبكلمات نزلت كالموسيقى على أذني المتألم قال له المخلص:"ثِقْ يَا بُنَيَّ . مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ" (متى 9: 2) .

تدحرج حمل اليأس عن نفس ذلك الإنسان وشمل قلبه سلام الغفران ، فأضاء وجهه بنور الفرح . لقد شفي من ألمه الجسماني فتبدل كل كيانه . شفي المفلوج العاجز! وغفرت خطايا ذلك الخاطئ المجرم!

وبإيمان بسيط قبل الرجل كلمات يهوشوه كهبة الحياة الجديدة ، ولم يلح في طلب شيء آخر ، بل ظل مضطجعا هناك في سكون فرح ، فكانت سعادته مما لا يمكن أن يعبر عنها لسان ، وأشرق نور السماء على محياه ، ونظر الناس إلى ذلك الإنسان بتهيب ورهبة.

كان معلمو الشعب يتلهفون لمعرفة ما الذي سيفعله يهوشوه في هذه الحالة . وتذكروا كيف أن ذلك الرجل كان قد لجأ إليهم في طلب العون ولكنهم رفضوا إعطاءه الرجاء وأغلقوا أحشاءهم عنه . وإذ لم يكتفوا بذلك أعلنوا أنه يقاسى من لعنة يهوه على خطاياه . وها عادت إليهم تلك الذكرى عندما رأوه الآن أمامهم ، ثم لاحظوا الاهتمام العظيم بهذا المشهد الذي أبداه كل ذلك الجمع . فاعتراهم خوف شديد من أن يتلاشى نفوذهم وسلطانهم على الشعب .

لم يتحدث أولئك الرؤساء معا ، ولكنهم قرأوا أفكار بعضهم البعض لمجرد تبادل النظرات . وكان معنى نظراتهم أنه لا بد من عمل شيء لصد تيار ذلك الشعور الجارف . لقد أعلن يهوشوه لذلك المفلوج أن خطاياه قد غفرت ، ولكن الفريسيين اعتبروا هذا التصريح تجديفا ، واعتقدوا أنه يمكنهم اعتبار هذا التجديف خطية تستوجب الموت ، وبموجب ذلك يقدمون يهوشوه للمحاكمة . وفكروا في قلوبهم قائلين: " لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هذَا هكَذَا بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ يهوه وَحْدَهُ؟ " (مرقس 2: 7) .

 قُمْ وَاحْمِلْ فِرَاشَكَ 

وإذ ثبت يهوشوه نظره فيهم جبنوا أمامه وتراجعوا ، ومن ثم قال لهم: " مَاذَا تُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِكُمْ؟ أَيُّمَا أَيْسَرُ: أَنْ يُقَالَ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَامْشِ؟ وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا" ثم بعد أن رجع يصوِّب نظره إلى المفلوج: " قُمْ وَاحْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ! " (لوقا 5: 22- 24) .

وإذا بذلك الرجل الذي أتي به إلى يهوشوه محمولا على فراشه ينهض على قدميه بكل ما في الشباب من خفة ومرونة وقوة ، وإذا بالدماء الحارة تجري في كل عروقه ، وكل عضو في جسمه تملأه القوة ، فينشط للعمل فجأة ، وبدلا من شحوب الموت الذي كان يدنو منه ، كان وجهه وجسمه يتألقان بالصحة والحياة: " فَقَامَ لِلْوَقْتِ وَحَمَلَ السَّرِيرَ وَخَرَجَ قُدَّامَ الْكُلِّ ، حَتَّى بُهِتَ الْجَمِيعُ وَمَجَّدُوا يهوه قَائِلِينَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هذَا قَطُّ! " (مرقس 2: 12) .

يا لمحبة يهوشوه العجيبة إذ تتنازل لتشفي المذنبين والمتألمين! هوذا الإله يحزن ويخفف آلام بني الإنسان المتألمين! ويا للقوة العجيبة التي تعلن نفسها هكذا لبنى الإنسان! من ذا يستطيع أن يشك في رسالة الخلاص ؟ أومن ذا يحتقر مراحم الفادي الرؤوف ؟

إن الأمر كان يحتاج إلى قدرة يهوه الخالقة لكي تعود إلى ذلك الجسم الواهن الذابل صحته ونضارته . إن ذلك الصوت الذي منح الحياة للإنسان المجبول من تراب الأرض هو نفسه الذي منح الحياة لذلك المفلوج الذي كان يحتضر . ونفس القوة التي أعادت الحياة إلى الجسم هي التي جددت القلب . ذاك الذي عند بدء الخليقة:"قَالَ فَكَانَ . هُوَ أَمَرَ فَصَارَ"(مزمور 33: 9) . هو نفسه الذي تكلم بكلمة الحياة للنفس المائتة بالذنوب والخطايا . إن شفاء الجسد كان برهانا على القوة التي جددت القلب . وقد أمر المسيا المفلوج بأن يقوم ويمشي قائلا:"لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا " (لوقا 5: 24) .

ذلك المفلوج وجد في يهوشوه شفاء للنفس والجسد ، وتبع الشفاء الروحي شفاء جسدي ، فينبغي لنا ألا نغفل هذا الدرس . وفي هذه الأيام يوجد آلاف الناس الذين يتعذبون من أمراض جسدية ، وهم كالمفلوج يتوقون لسـماع الرسالة القائلة:"مغفورة لك خطاياك" إن عبء الخطية بما ينطوي عليه من عدم الراحة والرغائب التي لم تشبع بعد هو سبب كل أدواء الناس . إنهم لا يستطيعون أن يجدوا راحة حتى يأتوا إلى شافي النفوس . إن السلام الذي لا يستطيع أحد سواه أن يمنحه للنفس يمكنه أن يعطى للذهن نشاطا وللجسم صحة وقوة .

لقد أتى يهوشوه "لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ" ."فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ " وهو القائل: "أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ" ، وقد صار "رُوحًا مُحْيِيًا" (1 يوحنا 3: 8؛ يوحنا 1: 4، 10؛ 1 كورنثوس 15: 45) . ولا يزال يملك القوة المانحة الحياة ، كما قد شفي المرضى ومنح الغفران للخطاة عندما كان على الأرض ، "الَّذِي يَغْفِرُ جَمِيعَ ذُنُوبِكِ . الَّذِي يَشْفِي كُلَّ أَمْرَاضِكِ"(مزمور 103: 3) .

كان تأثير معجزة شفاء المفلوج هذه على الشعب عظيما كما لو أن السماء انفتحت وكشفت عن أمجاد العالم الأفضل . وإذ شق الرجل الذي شفي لنفسه طريقا في وسط تلك الجموع وهو يبارك يهوه عند كل خطوة وحامل سريره وكأنه لا يحمل شيئا ، تراجع الناس ليفسحوا له الطريق ، وكانوا ينظرون إليه وهم ذاهلون ، ويتهامسون قائلين: " إِنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا الْيَوْمَ عَجَائِبَ! " (لوقا 5: 26) .

هزيمة الكهنة

أبكمت الدهشة الفريسيين وأصابتهم هزيمة ماحقة ، ورأوا أنه لا مجال لحسدهم الآن ليلهب الجمهور ضد يهوشوه . إن الآية التي أجريت في الرجل الذي كانوا قد أسلموه لغضب يهوه كان تأثيرها على الشعب عظيما بحيث إن المعلمين صاروا حينئذٍ مغمورين في زوايا النسيان . فلقد رأوا أن المسيا يملك قوة كانوا هم ينسبونها ليهوه وحده ، ومع ذلك فإن عظمته الممتزجة باللطف والتواضع كان الفرق عظيما بينها وبين غطرستهم وكبريائهم ، فشملهم الارتباك والخجل إذ كانوا متحققين من وجود كائن سام جليل بينهم ، ولكنهم لم يعترفوا بذلك . وعلى قدر عظمة البرهان على أن ليهوشوه السلطان أن يغفر الخطايا على قدر ما اعتصموا هم بعدم إيمانهم ، فخرجوا من بيت بطرس الذي خرج منه المفلوج في ملء الصحة بقوة كلمة السيد ، ليتآمروا على إسكات صوت ابن يهوه .

إن المرض الجسدي مع أنه كان مميتا ومتأصلا في ذلك الإنسان فقد شُفي بقوة المسيا  ولكن مرض الروح تمكن بكل قوة من أولئك اللذين أغمضوا عيونهم حتى لا ترى النور . إن البرص والفالج لم يكونا متعصبين كما كان التعصب وعدم الإيمان .

وعندما عاد المفلوج إلى بيته بعد شفائه كان هنالك فرح عظيم بعودته صحيحا معافى حاملا ، في يسر ، السرير الذي كان قد حمل عليه بكل رفق وأخذ إلى حيث كان المسيا منذ قليل . فتجمع أهل بيته حوله وفي عيونهم دموع الفرح وهم لا يكادون يصدقون عيونهم . لقد وقف الرجل أمامهم في ملء نشاط الرجولة . وتانك الذراعان اللتان كانتا بلا حياة صارتا قويتن وطوع إرادته . ولحم جسمه المتقلص المنكمش الداكن اللون عاد الآن كلحم صبي صغير ذا لون وردي جميل . وكان يمشي بخطوات قوية ثابتة . وارتسم الفرح والرجاء على كل تقاسيم وجهه ، وحلت سيماء الطهارة والسلام في مكان أثار الخطية والآلام ، وارتفعت تهاليل الشكر من جوانب ذلك البيت ، وتمجد يهوه في ابنه الذي قد أعاد الرجاء إلى ذلك الإنسان اليائس ، والقوة لمن كان مضروبا بمرض لا يرجى منه الشفاء . لقد كان هذا الرجل وأهل بيته مستعدين لأن يضعوا حياتهم لأجل يهوشوه ، ولم يعد يعكر إيمانهم أي شك ، كلا ولا أفسد عدم الإيمان ولاءهم لذاك الذي قد أدخل النور والسعادة إلى بيتهم المظلم الكئيب  .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
12
26
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
02
22
Calendar App