6. أليس هذا ابن النجار؟
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس السبت الحالي "Saturday". يجب أيضا الأخذ فيالاعتبار أن السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الرومانيالجريجوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابعمن الأسبوع يقع دائما في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري،في هذه التواريخ المحددة من كل شهر، الأمر الذي لا يستطيع أن يفعله أي تقويم آخر. لمعرفةالمزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثةشهور متتالية من موقعنا.

في خلال الأيام المشرقة التي قضاها المسيا في الخدمة في إقليم الجليل خيمت سحابة قاتمة ، ذلك أن شعب الناصرة رفضوه قائلين: "أَلَيْسَ هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟" (متى 13: 55) .

إن يهوشوه في إبان حداثته وشبابه كان يعبد يهوه مع إخوته في مجمع الناصرة . ومنذ بدء خدمته ظل متغيباً عنهم ، ولكنهم لم يكونوا يجهلون ما قد حل به . فلما ظهر بينهم من جديد ثار اهتمامهم وانتظارهم إلى أقصى حد . هنا كانت الوجوه المألوفة لديه والناس الذين عرفهم منذ الطفولة . كانت هنالك أمه وإخوته وأخواته ، وكانت كل العيون متجهة إليه عندما دخل المجمع في يوم السبت وجلس في مكانه بين العابدين .

في الخدمة اليومية المعتادة كان الشيخ يقرأ من كتب الأنبياء ويعظ الشعب أن ينتظروا مجيء الآتي الذي سيبدأ ملكه المجيد ويطرد الظالمين ، فكان يحاول تشجيع سامعيه بتلاوة البرهان على قرب مجيء مسيا ، كما كان يصف مجد مجيئه واضعاً أمامهم الفكرة السائدة من أنه سيظهر على رأس جيوش جرارة ليحرر إسرائيل .

يعلم في الهيكل

وعندما يحضر أحد المعلمين في المجمع كان المنتظر منه أنه هو الذي سيلقى العظة . وأي إسرائيلي يمكنه أن يقرأ من الأنبياء . لكن في هذا السبت طلب من يهوشوه أن يشترك في الخدمة . حينئذ "قَامَ لِيَقْرَأَ ، فَدُفِعَ إِلَيْهِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ" (لوقا 4:  16، 17 ) . وكان فصل الكتاب الذي قرأه يفهم منه أنه يشير إلى مسيا ، ويقول:" رُوحُ يهوه عَلَيَّ ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ يهوه الْمَقْبُولَةِ . ثُمَّ طَوَى السِّفْرَ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْخَادِمِ  ... وَجَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ كَانَتْ عُيُونُهُمْ شَاخِصَةً إِلَيْهِ ... وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ " (لوقا 18:4- 20، 22) .

وقف يهوشوه أمام الشعب كمفسر حي للنبوات الخاصة به . وفي تفسيره للأقوال التي قرأها تكلم عن مسيا كمن يطلق الأسرى ويرسل المنسحقين في  الحرية ويشفي المنكسري القلوب ويعيد البصر للعميان ويكشف للعالم نور الحق . وإن طريقته المؤثرة في الكـلام ومعنى كلامه العجيب هز مشاعر أولئك السامعين بقوة لم يعهدوها من قبل . إن اندفاق القوة الإلهية هدم كل الحواجز ، وكموسى رأوا يهوه غير المنظور . وإذ كان الروح القدس يرف على قلوبهم استجابوا بحرارة بكلمة آمين ، وبالتسابيح للسيَد .

ولكن عندما أعلن يهوشوه قائلا لهم:"إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ" (لوقا 4: 21) تذكروا أنفسهم فجأة وتذكروا ادعاءات هذا الذي يخاطبهم . لقد شبههم هم الإسرائيليين أبناء إبراهيم كمن هم مأسورين ، خاطبهم كمن هم أسرى يحتاجون إلى الخلاص من سلطان الشر ، وكمن يعيشون في الظلام ويحتاجون إلى نور الحق . لقد أُذلّت كبرياؤهم وثارت مخاوفهم . ودلت أقوال يهوشوه على أن عمله لأجلهم يختلف اختلافا بينّا عما كانوا يرغبون فيه . قد تفحص أعمالهم بكل تدقيق ، وبالرغم من تدقيقهم في مراعاة الطقوس والممارسات الخارجية كانوا يخافون من فحص تينك العينين الصافيتين اللتين تخترقان الأعماق .

القلوب تتقسّى

فجعلوا يتساءلون قائلين: من هو يهوشوه هذا ؟ إن هذا الذي يدَّعي لنفسه مجد مسيا هو ابن نجار كان يزاول حرفته مع أبيه يوسف . لقد رأوه وهو يتعب في صعود الجبال والنزول منها ، وكانوا يعرفون إخوته وأخواته وحياته وخدماته . لقد رأوه وهو ينمو من الحداثة إلى الشاب ومن الشباب إلى الرجولة . ومع أن حياته كانت بلا لوم فانهم لم يريدوا أن يؤمنوا بأنه هو الموعود به .

ما أعظم الفرق بين ما يعلَّم به عما يختص بالملكوت الجديد وما سمعوه من شيخهم! إن يهوشوه لم يذكر شيئا عن تحريرهم من نير الرومان . لقد سمعوا عن معجزاته وكانوا يرجون أنه سيستخدم قوته فيما يؤول إلى نفعهم وخيرهم ، ولكنهم لم يسمعوا منه ما يدل على تحقيقه لتلك الغاية .

وعندما أفسحوا المجال للشكوك زادت قساوة قلوبهم بعدما لانت قليلاً . لقد عقد الشيطان العزم على ألا تُفتح عيون العمى في ذلك اليوم ، ولا أن تحرر النفوس المستعبدة . وبكل ما من نشاط وقوة أراد أن يكبلهم بقيود عدم الإيمان ، فلم يقيموا أي وزن للعلامة التي قد أعطيت عندما اهتزت مشاعرهم إذ علموا أن فاديهم هو الذي يخاطبهم .

ولكن يهوشوه أعطاهم الآن البرهان على ألوهيته بكونه كشف عن أفكارهم الخفية:"فَقَالَ لَهُمْ:عَلَى كُلِّ حَال تَقُولُونَ لِي هذَا الْمَثَلَ: أَيُّهَا الطَّبِيبُ اشْفِ نَفْسَكَ! كَمْ سَمِعْنَا أَنَّهُ جَرَى فِي كَفْرِنَاحُومَ ، فَافْعَلْ ذلِكَ هُنَا أَيْضًا فِي وَطَنِكَ وَقَالَ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ مَقْبُولاً فِي وَطَنِهِ . وَبِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرَامِلَ كَثِيرَةً كُنَّ فِي إِسْرَائِيلَ فِي أَيَّامِ إِيلِيَّا حِينَ أُغْلِقَتِ السَّمَاءُ مُدَّةَ ثَلاَثِ سِنِينَ وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، لَمَّا كَانَ جُوعٌ عَظِيمٌ فِي الأَرْضِ كُلِّهَا ، وَلَمْ يُرْسَلْ إِيلِيَّا إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا ، إِلاَّ إِلَى امْرَأَةٍ أَرْمَلَةٍ ، إِلَى صَرْفَةِ صَيْدَاءَ . وَبُرْصٌ كَثِيرُونَ كَانُوا فِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَانِ أَلِيشَعَ النَّبِيِّ ، وَلَمْ يُطَهَّرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلاَّ نُعْمَانُ السُّرْيَانِيُّ" (لوقا4: 23-27) .

وجوب الانتفاع ببركات يهوه

إن يهوشوه إذ ذكر علاقة هذه الحوادث بالأنبياء واجه تساؤل سامعيه . فعبيد يهوه الذين قد اختارهم لعمل خاص لم يسمح لهم أن يتعبوا مع شعب صلب الرقاب عديمي الإيمان قساة القلوب . ولكن أولئك الذين كانت لهم قلوب تحس وإيمان يثق ، أحسن يهوه إليهم إحسانات خاصة بإظهار قدرته بواسطة الأنبياء . ففي زمان إيليا ارتد الشعب عن يهوه وتعلقوا بخطاياهم ورفضوا إنذارات الروح بواسطة رسل السيَد وبذلك قطعوا صلتهم بالوسيلة التي عن طريقها تأتيهم بركات يهوه . لقد مر السيَد على بيوت إسرائيل ووجد لخادمه ملجأ في أرض وثنية عند امرأة لم تكن من الشعب المختار . ولكن هذه المرأة نالت نعمة لأنها اتبعت النور الذي حصلت عليه فانفتح قلبها للنور الأعظم الذي أرسله يهوه إليها بواسطة النبي .

ولنفس هذا السبب أغفل البرص في إسرائيل في أيام أليشع . أما نعمان الذي كان أميراً وثنياً فكان أمينا لاقتناعه بالصواب وقد أحس بحاجته العظمى إلى المعونة . فكان في حـالة تؤهله لقبول هبات نعمة يهوه . ولم يطهر فقط من برصه بل حصل على بركة معرفة الإله الحقيقي .

إن موقفنا أمام يهوه يتوقف لا على مقدار النور الذي حصلنا عليه . بل على كيفية استخدام ما قد حصلنا عليه . وهكذا حتى الوثنيون الذين يختارون الحق على قدر ما يستطيعون أن يميزوه هم في حالة أفضل ممن قد حصلوا على نور عظيم ويعترفون بأفواههم بأنهم يخدمون يهوه ولكنهم يستخفون بالنور . وبحياتهم اليومية يناقضون اعترافهم .

إن أقوال يهوشوه التي نطق بها في مسامع شعب الناصرة في المجمع ضربت شجرة برهم الذاتي من أصولها إذ اضطرهم إلى الاقتناع بالحقيقة المرة وهي أنهم قد ارتدوا عن يهوه وخسروا حقهم في الإدعاء بأنهم شعبه . وقد كانت كل كلمة قالها كسيف حاد حين كشف لهم عن حالتهم على حقيقتها . وهاهم الآن يحتقرون الإيمان الذي كان يهوشوه قد ألهمهم به في البداءة . فلم يريدوا التسليم بأن ذاك الذي نشأ في أحضان الفقر والمسكنة هو أكثر من إنسان عادي .

وقد حبل عدم إيمانهم فولد حقدا وضغينة ، فتحكم الشيطان فيهم . وفي غضبهم صرخوا ضد المخلص . لقد ارتدوا عن ذاك الذي كان عمله شفاء النفوس وردّها . وظهرت فيهم الآن صفات المهلك .

ينجو من أيدي القتلة

وعندما أشار يهوشوه إلى البركات التي منحت للأمم ثارت كبرياء سامعيه القومية وضاع كلامه في وسط جلبة أصواتهم . كان هؤلاء الناس يفتخرون بحفظهم للناموس ، أما الآن وقد جرح تعصبهم فقد كانوا على أهبة ارتكاب جريمة قتل . انفض الاجتماع ثم ألقوا أيديهم على يهوشوه وأخرجوه بعنف من المجمع ومن المدينة ، وبدا كأنهم جميعاً كانوا متعطشين إلى إهلاكه فأسرعوا به إلى حافة هوة وقد عولوا على طرحه إلى أسفل . وارتفعت أصوات الصياح والشتائم وبعضهم كانوا يرشقونه بالأحجار . وإذا به يختفي من أمامهم فجأة . إن رسل السماء الذين كانوا إلى جانبه وهو في المجمع كانوا يعسكرون من حوله وهو في وسط ذلك الجمع الغاضب إلى حد الجنون . لقد حفظوه من أعدائه وأخذوه إلى مكان أمين .

وكذلك حفظ الملاكان لوطا وأخرجاه سالما من وسط سدوم ، كما حفظت الملائكة أليشع في المدينة الجبلية الصغيرة ، إذ عندما عسكرت جيوش ملك آرام ومركباته وفرسانه حول تلك المدينة رأى أليشع الجبال لقريبة إليه وقد احتشدت فيها جيوش يهوه- خيل ومركبات من نار حول خادم السيَد .

كذلك هي الحال في كل الأجيال  ، فإننا نجد الملائكة قريبين من أتباع يهوشوه الأمناء . إن حلفاء الشر الكثيرين يصطفون لمحاربة كل من يريدون أن ينتصروا ، ولكن المسيا يريدنا أن ننظر إلى ما لا يرى ، إلى جيوش السماء التي تعسكر حول من يحبون يهوه لتنقذهم . لقد حفظنا من مخاطر كثيرة منظورة وغير منظورة إذ تدخلت الملائكة لحراستنا . ولن نعرف كثرة تلك المخاطر التي قد نجونا منها حتى نرى حوادث عناية يهوه في نور الأبدية . وحينئذ سنعرف أن كل الأسرة السماوية كانت مهتمة بأسرة السيَد على الأرض ، وأن الرسل القادمين من أمام عرش يهوه كانوا يلازمون خطواتنا يوماً فيوماً .

شعبه يرفضه

إن يهوشوه حين قرأ وهو في المجمع من النبوة لم يكمل قراءة كل ما ورد فيها عن عمل مسيا . فبعدما قرأ القول "وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ يهوه الْمَقْبُولَةِ" ترك العبارة القائلة: "وَبِيَوْمِ انْتِقَامٍ لإِلَهِنَا " (إشعياء 61: 2) . إن هذا كان حقاً كما كان باقي النبوة ، ويهوشوه بصمته لم ينكر الحق . ومن هذه العبارة الأخيرة هي ما كان سامعوه يرغبون في الوقوف أمامها طويلاً وكانوا يرغبون في إتمامها . لقد حكموا بالدينونة على الأمم الوثنيين ، ولكنهم لم يكونوا يدركون أن جريمتهم أعظم وأرهب من جرائم أعدائهم . لقد كانوا هم أنفسهم في أشد حاجة إلى الرحمة التي كانوا يتوقون إلى حرمان الوثنيين منها . إن ذلك اليوم الذي فيه وقف يهوشوه أمامهم في المجمع كان فرصتهم لقبول دعوة السماء ، وذاك الذي" يُسرّ بالرأفة " (ميخا 7: 18) كان يرغب كل الرغبة في تخليصهم من الهلاك الذي كانت خطاياهم تستحقه .

لم يكن يريد أن ينفض يديه منهم ويسلمهم للدينونة قبلما يقدم لهم وعود أخرى للتوبة . فقبل انتهاء خدمته في الجليل زار مرة أخرى البيت الذي قضى فيه أيام حداثته . فمنذ رفضوه هناك ذاعت شهرة تعاليمه ومعجزاته في كل البلاد . فلم يعد أحد ينكر الآن أنه مزود بقوة تفوق قوة البشر . وقد عرف سكان الناصرة أنه جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس . فكانت حولهم قرى بأكملها لم تكن تسمع من أحد سكانها صرخة أو آهة بسبب أي مرض لأنه قد مّر بينهم وشفى كل مرضاهم . وأن الرحمة التي قد أعلنت في كل عمل من أعمال حياته شهدت لمسحته الإلهية .

وإذ سمع أهل الناصرة كلامه مرة أخرى تأثروا بقوة روح يهوه . ولكنهم حتى في هذه المرة رفضوا التسليم بأن هذا الإنسان الذي قد نشأ بينهم يمكن أن يكون أعظم من أي واحد منهم . كانت عقولهم لا تزال مسممة بفكرة أنه في حين ادعى أنه الشخص الموعود به فقد رفض أن يعدهم ضمن إسرائيل ، إذ برهن لهم أنهم أقل استحقاقا لرضى يهوه من الرجل الوثني والمرأة الأممية . لهذا فمع كونهم تساءلوا قائلين:"مِنْ أَيْنَ لِهذَا هذِهِ الْحِكْمَةُ وَالْقُوَّاتُ؟" (متى 13: 54) ، فقد رفضوا قبوله كمسيا يهوه . فلعدم إيمانهم لم يقدر المخلص أن يصنع بينهم معجزات كثيرة ولم تُفتح لقبول بركته غير قلوب قليلة ، فبكل تردد رحل عنهم على ألا يعود إليهم . إن أهل الناصرة إذ أفسحوا المجال لعدم الإيمان مرة فقد ظل متحكماً فيهم . وهكذا تحكم في رجال السنهدريم والأمة كلها . فبالنسبة إلى الكهنة والشعب كان أول رفضهم لإعلان الروح القدس وإظهار قوته هو بداية النهاية . فلكي يبرهنوا على أنهم كانوا على صواب عندما رفضوه أول مرة ظلوا يماحكون في كلام المسيا بعد ذلك . إن رفضهم لروح يهوه كانت نهايته صليب جلجثة وخراب مدينتهم وتشتت الأمة كلها في كل أنحاء الأرض .

الحق نقيض التقاليد الباطلة

كم كان يهوشوه يتوق لأن  يفتح لإسرائيل كنوز الحق! ولكن عماهم الروحي كان عظيماً بحيث غدا من المستحيل عليه أن يكشف لهم عن الحقائق الخاصة بملكوته . لقد ظلوا متشبثين بعقائدهم وطقوسهم الباطلة في حين أن حق السماء كان يعرض نفسه عليهم ليقبلوه . أنفقوا أموالهم على الخرنوب والتبن والأمور التافهة مع أن خبز الحياة كان في متناول أيديهم . فلماذا لم يذهبوا إلى كلمة يهوه ويفتشوها باجتهاد ليعرفوا هل كانوا على خطإ أم على صواب؟ لقد أبانت أسفار العهد القديم بكل وضوح كل تفاصيل خدمة المسيا ، ومراراً وتكراراً اقتبس المسيا لهم من أقوال الأنبياء قائلا:"إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ " (لوقا 4: 21) . فلو كانوا قد فحصوا الكتب بأمانة وفحصوا نظرياتهم في نور كلمة يهوه ، لما التزم يهوشوه أن يبكي على جحودهم وصلابة قلوبهم ، ولما التزم أن يعلن لهم قائلا:"هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا!" (لوقا 13: 35) . كان يمكنهم أن يطلعوا على برهان كونه مسيا ، وكان يمكن تلافي تلك الكارثة التي ألصقت مدينتهم المتشامخة بالثرى ، ولكن عقول اليهود كانت قد صارت ضيقة لسبب تعصبهم غير المعقول . لقد كشفت تعاليم المسيا عن نقص أخلاقهم ، ولكن الفرصة قدمت لهم ليتوبوا . فلو قبلوا تعاليمه لتغيرت أعمالهم وكانوا تنحوا عن آمالهم المحبوبة لديهم . فلكي ينالوا مجد السماء كان عليهم أن يضحوا بمجد الناس . ولو أطاعوا أقوال هذا المعلم الجدير لكانوا ساروا على عكس أراء المفكرين والمعلمين العظام الذين عاصروهم .

لم يكن الحق مقبولاً ولا محبوباً في أيام المسيا ، وهو كذلك في هذه الأيام . وهو غير مقبول ولا محبوب منذ جعل الشيطان الإنسان يعافه إذ قدم له الأكاذيب التي من شأنها أن تسوق إلى تعظيم الذات . ألا نصطدم في هذه الأيام بنظريات وتعاليم لا أساس لها في كلمة يهوه ؟ إن الناس يتشبثون بها بكل إصرار كما قد تمسك اليهود بتقاليدهم .

لقد كانت قلوب رؤساء إسرائيل مفعمة بالكبرياء الروحية . إن تحرقهم على تعظيم ذواتهم بدا حتى في خدمة المقدس . كانوا يحبون المجالس الأولى في المجامع ، والتحيات في الأسواق ، وكانوا يسرون عندما يسمعون الناس ينادونهم بألقاب الشرف . فإذ انحطت التقوى الحقيقية صاروا أشد غيرة على تقاليدهم وطقوسهم .

النفاق يكشفه الإخلاص

ولكون أفهامهم قد أظلمتها التعصبات الأنانية لم يستطيعوا التوفيق بين قوة أقوال المسيا المقنعة وبين اتضاع حياته . إنهم لم يقدروا حقيقة كون العظمة الحقة تغني صاحبها عن المظهر الخارجي . إن فقر هذا الإنسان بدا كأنه يتعارض مع دعواه بأنه مسيا . فجعلوا يتساءلون قائلين لو كان هو كما يدَّعي حقا فلماذا هو بسيط إلى هذا الحد؟ وإذا كان يكتفي بأن يكون مجرداً من قوة السلاح فماذا يكون مصير أمتهم ، ومن أين يمكن أن القوة والمجد اللذين انتظرهما الشعب طويلاً يخضعان الشعوب لمدينة اليهود؟ ألم يعلم الكهنة الشعب بأن إسرائيل سيملك على كل الأرض؟ وهل من الممكن أن يكون معلمو الأمة الدينيون مخطئين؟

ولكن لم يكن تجرد يهوشوه من المجد الخارجي هو وحده الذي ساق اليهود إلى رفضه . لقد كان هو الطهارة مجسمة ، أما هم فكانوا نجسين . لقد عاش بين الناس مثالا للاستقامة التي لا غبار عليها . وإن نور حياته التي كانت بلا عيب كشف عما في قلوبهم من خبث ، كما فضح إخلاصه نفاقهم . إن ذلك النور كشف عن ريائهم في ادعائهم التقوى والقداسة كما كشف لهم عن إثمهم الكريه . ولكنهم لم يرحبوا بذلك النور .

ولو أن المسيا وجه أنظار الشعب إلى الفريسيين وأطرى علمهم وتقواهم لكانوا هتفوا له بفرح . ولكنه عندما تكلم عن ملكوت السماوات على أنه عهد الرحمة لكل بني الإنسان كان يقدم صورة للديانة التي لم يكونوا يحتملونها . لم تكن تعاليمهم أو مثالهم مما يحبب الناس في خدمة يهوه . وعندما رأوا اهتمام يهوشوه ينصرف إلى نفس الناس الذين كانوا هم يبغضونهم ويصدونهم ثارت في قلوبهم المتكبرة أعنف انفعالات الغضب . وبالرغم من تشدقهم بأن إسرائيل سيستعلي على كل الشعوب تحت حكم "الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا" (رؤيا 5: 5) فقد كان يمكنهم تحمل صدمة انهيار آمالهم وطموحهم ، وكان ذلك أهون عليهم من توبيخ يهوشوه إياهم على خطاياهم والخزي الذي كانوا يحسون به وهم في حضرته الطاهرة الكلية القداسة .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
1
29
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
04
26
افرحوا بالخالق في يوم قدسه. سبت مبارك.
Calendar App