4. سجن يوحنا وموته
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كان يوحنا المعمدان أول بشير بملكوت المسيا . كما كان أول من تألم . لقد سجن الآن داخل أسوار سجن رهيب بعدما كان يعيش في هواء البرية الطلق تحيط به جماهير الشعب الذين تعلقت قلوبهم بكلامه ، ولكنه أمسى الآن حبيسا في قلعة هيرودس أنتيباس . ففي المنطقة الواقعة شرقي الأردن التي كانت تحت سلطة أنتيباس قضى يوحنا كثيرا من أيام خدمته . وقد كان هيرودس نفسه أحد المستمعين لكرازة المعمدان . لقد ارتعب ذلك الملك الفاسق أمام الدعوة إلى التوبة:"لأَنَّ هِيرُودُسَ كَانَ يَهَابُ يُوحَنَّا عَالِمًا أَنَّهُ رَجُلٌ بَارٌّ وَقِدِّيسٌ ... وَإِذْ سَمِعَهُ ، فَعَلَ كَثِيرًا ، وَسَمِعَهُ بِسُرُورٍ" (مرقس 6: 20) . وقد تصرف يوحنا معه بكل أمانة إذ فضح علاقته الآثمة بهيروديا زوجة أخيه . حاول هيرودس بكل ضعف  ووهن أن يحطم قيود الشهوات التي كبلته ، ولكن هيروديا أحكمت وثاقه بسحرها وانتقمت لنفسها من المعمدان بتحريضها هيرودس على الزج به في السجن .

كانت حياة يوحنا حياة العمل النشيط ، ولذلك فإن ظلام السجن وجلوسه بين تلك الجدران الكئيبة بلا عمل كان أمرا ثقيلا جدا على نفسه . وإذ مرت الأسابيع ، متثاقلة دون أن يحدث تغيير زحف الشك واليـأس إلى قلبه . لم يهجره تلاميذه بل كان يسمح لهم بزيارته في السجن فكانوا يحملون إليه أخبار أعمال يهوشوه ، كما أخبروه كيف كان الناس يتقاطرون عليه . ولكنهم كانوا يتساءلون قائلين إذا كان هذا المعلم الجديد هو مسيا فلماذا لا يفعل شيئا لإطلاق سراح يوحنا ، ولماذا يسمح بأن يحرم سابقه وخادمه الأمين ذاك من الحرية وربما من الحياة أيضا .

تساؤلات وشكوك

لم تكن تلك الأسئلة عديمة التأثير . فالشكوك التي لولا تلك الظروف الحالكة ما كانت لتظهر ، خطرت ليوحنا . وقد سر الشيطان لدى سماعه أقوال تلاميذ يوحنا عندما رأى أنها قد سحقت نفس رسول السيَد هذا . كم من مرة يحدث أن أولئك الذين يظنون أنهم أصدقاء لرجل صالح ويتوقون إلى إثبات ولائهم وصداقتهم له يتبرهن أخيرا أنهم ألد أعدائه ! وبدلا من أن يشددوا إيمانه يحزنون ويثبطون همته !

لم يكن يوحنا المعمدان يدرك طبيعة ملكوت المسيا مثله في ذلك مثل تلاميذ المخلص ، حيث كان يتوقع أن يتربع يهوشوه على عرش داود . وإذ مرت الأيام دون إن يدَّعى المخلص لنفسه سلطانا ملكيا أرتج الأمر على يوحنا وانزعجت نفسه . كان قد أعلن للشعب أنه لكي يعد الطريق للسيَد ينبغي أن تتم نبوءة إشعياء فيجب أن ينخفض كل جبل وأكمة ويصير المعوج مستقيما والعراقيب سهلا . كان ينتظر أن تنخفض مرتفعات الكبرياء والقوة البشرية ، كما أشار إلى مسيا على أنه ذاك الذي رفشه في يده وسينقي بيدره ويجمع قمحه إلى المخزن أما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ . وكالنبي إيليا الذي جاء هو بروحه وقوته إلى إسرائيل كان ينتظر أن السيَد سيعلن عن نفسه كمن يجيب بنار .

وإذ كان المعمدان يقوم بعمله فقد وقف موبخا للآثم بلا خوف من الطبقات العالية والوضيعة بل لقد تجرأ على الوقوف في وجه هيرودس موبخا إياه على الخطية دون مواربة . لم يحسب نفسه ثمينة عنده حتى يتمم العمل الموكول إليه . وهاهو الآن وهو في سجنه يرقب مجيء الأسد الخارج من سبط يهوذا ليخفض كبرياء الظالم و يخلص المسكين والمستغيث . ولكن بدا بأن المسيا اكتفى بأن يجمع حوله تلاميذ ويشفي المرضى ويعلم الشعب . كان يأكل على موائد العشارين بينما كان النير الروماني يثقل على أعناق إسرائيل كل يوم  ، وكان الملك هيرودس ومعشوقته يفعلان ما يروق لهما ، في حين أن صرخات البائسين والمتألمين كانت تصعد إلى السماء .

النبي المعذَّب

بدا كل هذا سرا استغلق على نبي البرية ، فكانت تمر عليه ساعات تتعذب فيها روحه من وساوس الشيطان ، و كانت المخاوف الرهيبة تضايقه . فهل معنى ذلك أن المخلص الذي ظل الشعب ينتظره طويلا لم يظهر بعد؟ إذا فما معنى الرسالة التي كان عليه أن يحملها؟ لقد أحس يوحنا بخيبة مريرة نظرا إلى النهاية التي انتهت إليها مهمته ، حيث كان ينتظر أن رسالة يهوه سيكون لها نفس الأثر الذي حدث عندما قُرِئَ سفر الشريعة في أيام يوشيا وعزرا (2 أخبار 34؛ نحميا 8، 9) ، وأنه سيتبع ذلك توبة عميقة ورجوع إلى يهوه ، إذ أنه لأجل نجاح هذه المهمة ضحى بحياته كلهـا . فهل كان ذلك عبثا ؟

انزعج يوحنا حين رأى تلاميذه يعززون الشك في قلوبهم ضد يهوشوه ، وذلك بسبب محبتهم له . فهل صار تعبه لأجلهم بلا ثمر؟ وهل كان هو غير أمين في تأدية مهمته حتى لقد حيل الآن  بينه وبين مواصلة عمله؟ وإذا كان مسيا الموعود به قد ظهر ، ووجد يوحنا أمينا لدعوته ، أفلا يسحق يهوشوه  قوة الظالم ويطلق سراح بشيره؟

ولكن يوحنا لم يفرط في إيمانه بالمسيا . إن ذكرى الصوت الذي قد سمعه آتيا من السماء ، والحمامة التي استقرت على رأسه ، وحياة يهوشوه الطاهرة التي لا غبار عليها ، وقوة الروح القدس التي حلت على المعمدان عندما مثل في حضرة المخلص ، وشهادة كتب الأنبياء- كل هذه شهدت بأن يهوشوه الناصري هو السيَد الموعود به .

أَنْتَ هُوَ؟  

لم يرد يوحنا أن يناقش تلاميذه في أمر شكوكه ومخاوفه . وقد عزم على إرسال رسالة إلى يهوشوه . فوكَّل إلى اثنين من تلاميذه أمر هذه الرسالة على أمل أن لقاءهما مع المخلص سيثبت إيمانهما ويجيء باليقين إلى إخوتهما . وقد تاق إلى رسالة يرسلها المسيا إليه مباشرة .

فأتى التلميذان إلى يهوشوه بتلك الرسالة القائلة "أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟" (متى 11: 3) .

منذ عهد قريب أشار المعمدان إلى يهوشوه وصاح قائلا:"هُوَذَا حَمَلُ يهوه الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ !" ، "هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي ، الَّذِي صَارَ قُدَّامِي" (يوحنا 1: 27، 29) . وعقب ذلك سأل:"أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟" لقد كان أمرا محزنا حقا ومفشلا للطبيعة البشرية . فإذا كان يوحنا السابق الأمين قد أخفق في إدراك مهمة المسيا فماذا ننتظر من الشعب الذي يطلب ما لنفسه .

لم يجب المخلص عن سؤال ذينك التلميذين في الحال . فإذ وقفا مندهشين من صمته كان المرضى والمتألمون يأتونه في طلب الشفاء . وكان العمي يتلمسون في وسط الجموع ، وكذلك المرضى من كل الطبقات بعضهم يأتونه سيرا على أقدامهم وآخرون يحملهم أصدقاؤهم والجميع يزحمون غيرهم ليأتوا أمام يهوشوه . فكان صوت ذلك الشافي القديم يخترق آذان الصم بكلمة منه . وبلمسة من يده ارتد العمي مبصرين يرون نور النهار ومناظر الطبيعة ووجوه الأصدقاء ووجه من قد شفاهم ، وهكذا كان يهوشوه ينتهر المرض ويطرد الحمى . وقد وصل صوته إلى آذان الموتى فقاموا في ملء الصحة والشفاه . والمفلوجون المجانين أطاعوا كلمته وإذ زايلهم جنونهم خروا وسجدوا له . وفيما كان يشفي أمراضهم كان يعلم الجموع . والفلاحون والفعلة المساكين الذين كان المعلمون يطردونهم كما لو كانوا نجسين تجمهروا يزحمونه ، فكان يخاطبهم بكلام الحياة الأبدية وهكذا انقضى معظم النهار وتلميذا يوحنا ينظران ويسمعان كل شيء . أخيرا دعاهما يهوشوه إليه وأمرهما بأن يذهبا ويخبرا يوحنا بما قد رأيا وسمعا . وفى ختام حديثه معهما قال:"وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ" (لوقا 23:7) . لقد ظهر برهان ألوهيته في توافقه مع حاجات البشرية المتألمة . كما ظهر مجده في تنازله إذ أخذ جسدا كأجسادنا .

إعطاء الجواب

حمل ذانك التلميذان الرسالة إلى معلمهما ، وقد كانت كافية . فلقد ذكر يوحنا النبوة الخاصة بمسيا والتي تقول:"رُوحُ السَّيِّدِ يهوه عَلَيَّ ، لأَنَّ يهوه مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ . لأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ ليهوه ، وَبِيَوْمِ انْتِقَامٍ لإِلَهِنَا . لأُعَزِّيَ كُلَّ النَّائِحِينَ" (إشعياء 61: 1، 2). إن أعمال يهوشوه لم تعلن أنه مسيا وحسب ، ولكنها أبانت الكيفية التي بها كان مزمعا أن يثبت ملكوته . لقد أعلن ليوحنا نفس الحق الذي سـبق أن أعلن لإيليا فى البرية: "وَإِذَا بيهوه عَابِرٌ وَرِيحٌ عَظِيمَةٌ وَشَدِيدَةٌ قَدْ شَقَّتِ الْجِبَالَ وَكَسَّرَتِ الصُّخُورَ أَمَامَ يهوه ، وَلَمْ يَكُنِ يهوه فِي الرِّيحِ . وَبَعْدَ الرِّيحِ زَلْزَلَةٌ ، وَلَمْ يَكُنِ يهوه فِي الزَّلْزَلَةِ . وَبَعْدَ الزَّلْزَلَةِ نَارٌ ، وَلَمْ يَكُنِ يهوه فِي النَّارِ . وَبَعْدَ النَّارِ صَوْتٌ مُنْخَفِضٌ خَفِيفٌ" (1 ملوك 19: 11، 12) . هكذا كان يهوشوه يعمل عمله ليس بواسطة صليل السيوف أو قرقعة الأسلحة ولا بواسطة قلب العروش والممالك بل بمخاطبة قلوب الناس بحياة الرحمة والتضحية .

إن مبدأ حياة المعمدان ألا وهو مبدأ إنكار النفس كان مبدأ ملكوت مسيا . ولقد عرف يوحنا جيدا كيف أن هذا كله كان على نقيض مبادئ رؤساء إسرائيل وانتظاراتهم . فما كان بالنسبة إليه برهانا مقنعا على ألوهية المسيا لم يكن كذلك بالنسبة إليهم ، فكانوا ينتظرون مسيا غير موعود به . وقد رأى يوحنا أن مهمة المخلص لن تلاقي منهم غير الكراهية والإدانة والتقريع . وكان هو ، سابق المسيا ، يشرب من نفس الكأس التي كان السيد سيجرعها حتى الثمالة .

كانت كلمات المسيا القائلة: " وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ " توبيخا رقيقا ليوحنا ، ولم يكن ذلك التوبيخ بلا جدوى فإذ فهم الآن بأجلى وضوح طبيعة مهمة المسيا سلم نفسه ليهوه للحياة أو للموت على مقتضى ما يخدم مصالح الملكوت الذي أحبه .

امتداح عمل يوحنا

بعدما ذهب رسولاَ يوحنا جعل يهوشوه يخاطب الجموع عن يوحنا . كان قلب المخلص يعطف على ذلك الشاهد الأمين الذي كان سجينا في سجن هيرودس ، ولم  يرد أن يترك  الشعب في اعتقادهم بأن يهوه قد تركه أو أنه إيمانه لم يثبت في يوم الامتحان . فقال لهم :"مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ؟" (متى 11: 7) .


كانت الأقصاب أو أعواد الغاب النامية بجانب الأردن تتحرك أمام هبات النسيم الخفيفة ، وكانت تشبه تمام الشبه معلمي اليهود الذين وقفوا ينتقدون رسالة المعمدان ويدينونه . كانوا يتمايلون إلى هذه الناحية وتلك أمام رياح الرأي العام . لم يريدوا أن يتواضعوا ويقبلوا تلك الرسالة الفاحصة  للقلوب التي نطق بها المعمدان ، ومع ذلك لم يجسروا على مقاومة عمله جهارا . ولكن رسول السيَد ذاك لم يكن إنسان رعديدا جبان القلب . وتلك الجموع التي  تجمهرت حول المسيا كانت خير شاهد على عمل يوحنا . لقد سمعوه يوبخ الخطية بلا خوف . لقد خاطب يوحنا جماعة الفريسيين الذين كانوا يحسبون أنفسهم أبرار والكهنة الصدوقيين والملك هيرودس ورجال بلاطه الأمراء والجنود والعشارين والفلاحين بصراحته المعهودة . لم يكن قصبة تحركها الريح إذ لم تؤثر فيه رياح مديح الناس أو تعصبهم . وفى السجن ظل ثابتا على ولائه وغيرته على البر كما كان عندما كرز برسالته في البرية . لقد كان أمينا لمبادئه وثابتا كالصخر.

ثم استطرد يهوشوه يقول:"لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَإِنْسَانًا لاَبِسًا ثِيَابًا نَاعِمَةً؟ هُوَذَا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ النَّاعِمَةَ هُمْ فِي بُيُوتِ الْمُلُوكِ" (متى 11: 8) . لقد دعي يوحنا ليوبخ الخطايا وعدم الاعتدال الذي كان متفشيا في عصره . فكان لباسه البسيط وحياة إنكار الذات التي عاشها على وفاق مع صبغة مهمته ورسالته .  لا نصيب لخدام يهوه في الثياب الغالية والحلل البهية وترف الحياة . ولكنها من نصيب أولئك الذين يعيشون"في بيوت" ، ورؤساء هذا العالم وسادته الذين لهم قد أعطي السلطان والغنى . وقد أراد يهوشوه أن يوجه انتباه الناس إلى البون الشاسع بين لباس يوحنا ولباس الكهنة والرؤساء . كان هؤلاء القادة يلبسون الثياب الفاخرة ويتحلون بأغلى الزينات . كانوا يحبون التظاهر ويحاولون أن يبهروا الشعب ، وبذلك يفرضون عليهم تقديم المزيد من التبجيل . كان شوقهم إلى الظفر بإعجاب الناس أعظم من شوقهم للحصول على طهارة القلب التي يرضى عنها يهوه . وهكذا برهنوا على عدم ولائهم ليهوه بل لرئيس هذا العالم .

 أَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ 

عاد يهوشوه يقول: "لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيًّا؟ نَعَمْ ، أَقُولُ لَكُمْ ، وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ . فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّـئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ . اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ" (متى 11: 9- 11) . عندما ظهر الملاك لزكريا ليبشره بولادة يوحنا قال له إنه "يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ يهوه" (لوقا 1: 15) . ما الذي تنطوي عليه العظمة في نظر السماء؟ ليس ما يعتبره العالم عظمة هو الثروة ولا المركز ولا الانتساب إلى عظماء الأرض ولا المواهب العقلية في حد ذاتها . فإذا كانت العظمة العقلية منفصلة عن أي اعتبار آخر أعظم منها ، مستحقة للكرامة ، إذا فهذا يقتضي أن نقدم ولاءنا للشيطان الذي لا يباريه أي إنسان في قوة ذهنه . ولكن متى انحرفت الموهبة العقلية وفسدت بحيث تخدم الذات فكلما عظمت صارت لعنة أعظم . إن يهوه يقدر القيمة الأخلاقية ، فهو يقدر فضيلتي المحبة والطهارة أعظم تقدير . لقد كان يوحنا عظيما أمام يهوه عندما رفض أمام الرسل الموفدين من قبل السنهدريم وأمام الشعب وأمام تلاميذه أن يطلب لنفسه مجدا أو كرامة ، بل أشار إلى يهوشوه كالسيد الموعود به . إن فرحه الخالي من الأنانية بخدمته للمسيا يقدم لنا اعظم رمز للنبل ظهر في إنسان .

والشهادة التي قيلت عنه بعد موته والتي نطق بها أولئك الذين كانوا قد سمعوا شهادته ليهوشوه هي هذه: "إِنَّ يُوحَنَّا لَمْ يَفْعَلْ آيَةً وَاحِدَةً ، وَلكِنْ كُلُّ مَا قَالَهُ يُوحَنَّا عَنْ هذَا (الإنسان) كَانَ حَقًّا" (يوحنا 10: 41) . لم يعطَ ليوحنا أن يستمطر نارا من السماء أو أن يقيم الموتى كما قد فعل إيليا ، أو أن يحسن استخدام عصا موسى عصا القوة باسم يهوه . لقد أرسل لكي يعلن عن مجيء المخلص وليعلن للناس عن وجوب الاستعداد لمجيئه . وقد أدى مهمته بكل أمانة حتى إن الناس عندما تذكروا ما قاله لهم عن يهوشوه شهدوا قائلين:"كُلُّ مَا قَالَهُ يُوحَنَّا عَنْ هذَا كَانَ حَقًّا" . فعلى كل تلميذ للسيد أن يحمل مثل هذه الشهادة للمسيا .

وكبشير لمسيا كان يوحنا " أَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ " ، لأنه في حين أن الأنبياء رأوا مجيء المسيا من بعيد فقد أعطي ليوحنا أن يراه ويسمع شهادة السماء بكونه مسيا ويقدمه لإسرائيل كمن هو مرسل من قبل يهوه . ومع ذلك قال يهوشوه إن "الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ " (متى 11: 11).

النور الأضعف

كان النبي يوحنا حلقة اتصال بين العهدين . فكنائب عن يهوه وقف ليبين علاقة الناموس والأنبياء بالعهد المسيحي . كان هو النور الأضعف الذي سيجيء بعده النور الأعظم . لقد استنار عقل يوحنا بالروح القدس ليشرق بالنور على شعبه . ولكن لم يشرق ولن يشرق على الناس الضالين كالنور الباهر المنبثق من تعاليم يهوشوه ومثاله . لقد فهم المسيا ومهمته في نور ضئيل ضعيف إذ رمز إليه بالذبائح المبهمة . حتى يوحنا نفسه لم يدرك المستقبل على حقيقته ، ولا حياة الخلود بواسطة المخلص .

وإذا استثنينا الفرح الذي حصل عليه يوحنا وهو يقوم بمهمته أمكننا أن نقول أن حياته كانت حياة الحزن . فصوته قلما كان يسمع إلا في البرية . وكانت الوحدة والوحشة نصيبه ، ولم يسمح له بأن يرى ثمار تعبه ، كما لم يحصل على امتياز الوجود مع المسيا ليرى بعينيه إظهار القوة الإلهية المرافقة للنور الأكمل . لم يكن له أن يرى العمي يبصرون والمرضى ينالون الشفاء والموتى تعود إليهم الحياة . ولم يرَ النور ينبثق من كل كلمة نطق بها المسيا إذ كان كلامه يريق نورا عظيما على النبوات . إن أصغر تلميذ للمسيا ممن رأوا المسيا رأوا القوات التي أجراها وسمعوا أقواله ، حصل بهذا المعنى على امتياز يفوق امتياز يوحنا المعمدان ، ولذلك يقال عنه إنه أعظم منه .

وقد ذاعت شهرة يوحنا عن طريق الجموع الكثيرة التي جاءت تستمع لكرازته ،  فاهتم الناس اهتماما عظيما بنتيجة سجنه . ومع ذلك فإن حياته التي كانت بلا لوم ووقوف الرأي العام إلى جانبه جعل الناس يعتقدون أنه لن تتخذ ضده أية إجراءات تعسفية .

كان هيرودس يعتقد أن يوحنا نبي مرسل من يهوه فقصد أن يراه حرا طليقا ، ولكنه تأخر في تنفيذ غرضه خوفا من هيروديا .

وقد عرفت هيروديا أنها لن تستطيع بإجراءاتها السافرة أن تظفر برضى هيرودس في قتل يوحنا المعمدان ، فعزمت على نيل بغيتها بالحيلة والخداع . كانت ستقام وليمة بمناسبة عيد ميلاد الملك يدعى إليها حكام الدولة وأشراف البلاد ، وسيكون هناك أكل وسكر . وسيغفل هيرودس عن حذره إذ يكون مخمورا وسيكون من السهل التأثير فيه فيجيبها إلى رغبتها .

وليمة سكر ومجون

فلما جاء ذلك اليوم العظيم وكان الملك وأشرافه يأكلون ويسكرون أرسلت هيروديا ابنتها إلى دار الوليمة لترقص احتفاء بالضيوف . كانت سالومي في شرخ شبابها فاستأسر جمالها الشهواني الخلاب ألباب أولئك الأشراف المعربدين . لم يكن أمرا مألوفا أن تظهر سيدات البلاط في مثل تلك الولائم . وقد قدمت كلمة ثناء خادعة لهيرودس عندما رقصت ابنة كهنة إسرائيل وأمرائهم هذه لتسلية الضيوف والترفيه عنهم .

ولكن الخمر أفقدت الملك وعيه فتسلطت عليه الشهوة وخلع العقل عن عرشه . فلم يعد الملك يرى غير تلك الدار التي كان يشيع فيها السرور  ، والضيوف من حوله يطربون ويعربدون ، ومائدة الوليمة والخمر المرقرقة والأنوار المتلألئة وتلك الشابة ترقص أمامه . ففي لحظة الطيش تلك أراد الملك أن يبدي بعض المفاخرة والمباهاة ليرتفع قدره في نظر عظماء المملكة . فوعد ابنة هيروديا بقسم أن يعطيها كل ما تطلب ولو إلى نصف مملكته .

فأسرعت سالومي إلى أمها لتستشيرها فيما تطلب . وكان جواب الأم حاضرا - رأس يوحنا المعمدان . لم تكن سالومي تعلم شيئا عن شهوة الانتقام التي كانت أمها تضمرها في قلبها فأجفلت من التقدم بهذا الطلب . ولكن عزم هيروديا انتصر. فعادت الفتاة لتقدم ذلك الطلب المخيف قائلةً:"أُرِيدُ أَنْ تُعْطِيَنِي حَالاً رَأْسَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ عَلَى طَبَق" (مرقس 6: 25) .

ذُهِل الملك وتحير وكف الضيوف عن طربهم وعربدتهم وساد على كل أولئك المدعوين السكارى سكون مشؤوم ، وأصاب الملك رعب عظيم عندما فكر في قتل يوحنا . ومع ذلك فقد كان مرتبطا بوعده ، ولم يكن يريد أن يبدو أمام تلك الجماعة كمن هو طائش أو متقلب في رأيه . لقد نطق بقسمه إكراما لضيوفه فلو أن أحدا منهم اعترض على إجابة ذلك الطلب الوحشي لكان الملك بكل سرور يبقى على حياة النبي . وقد أعطاهم فرصة ليتكلموا دفاعا عن الأسير . كانوا قبلا يسافرون مسافات طويلة ليسمعوا كرازة يوحنا وكانوا يعرفون أنه خادم السيَد الذي لم يرتكب جرما . ولكن مع أن طلب تلك الفتاة كان صدمة عنيفة لهم فإن الخمر كانت قد ذهبت بألبابهم فلم يتقدم أحد بكلمة احتجاج ، ولم يرتفع صوت لإنقاذ حياة رسول السماء . كان هؤلاء القوم يحتلون مراكز عظيمة تنطوي على مسؤوليات خطيرة ، ومع ذلك فقد أقبلوا على الأكل والسكر حتى تاه وعيهم وفارقهم شعورهم . كانت أصوات الموسيقى والرقص قد أدارت رؤوسهم فنامت ضمائرهم وهجع وجدانهم . ففي صمتهم حكموا بالموت على نبي يهوه لإشباع حب الانتقام في نفس تلك المرأة الخليعة المتهتكة .

مقتل المعمدان

وعبثا انتظر هيرودس التحلل من قسمه فأمر أخيرا بقتل النبي وهو كاره . وسرعان ما جيء برأس يوحنا أمام الملك ومدعويه . فتانك الشفتان اللتان حذرتا الملك من حياة الخطية التي كان يعيشها أبكمتا إلى الأبد . ولم يعد ذلك الصوت يدعو الناس للتوبة . إن سكر وعربدة ليلة واحدة كان فيها القضاء على حياة نبي من أعظم الأنبياء .

كم مرة ضُحِّي بحياة الأبرياء بسبب إفراط أولئك الذين كان ينبغي أن يكونوا حراسا للعدالة ! إن من يجرع المسكر يوقع نفسه تحت مسؤولية كل المظالم التي قد يوقعها على الأبرياء ويرتكبها تحت تأثير الخمر التي تسلب الألباب . فإذ تتخدر حواس الإنسان يغدو من المستحيل عليه أن يحكم بهدوء أو أن يكون عنده إدراك صحيح للتمييز بين الخطأ والصواب . إنه يفسح المجال للشيطان ليعمل بواسطته على إيقاع الظلم والقتل بالأبرياء:"اَلْخَمْرُ مُسْتَهْزِئَةٌ . الْمُسْكِرُ عَجَّاجٌ ، وَمَنْ يَتَرَنَّحُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِحَكِيمٍ"(أمثال 20: 1) . وهكذا يرتد الحق إلى الوراء والعدل يقف بعيدا  والحائد عن الشر يُسلَب (إشعياء 59: 14، 15) . إن من لهم حق التحكم في أرواح بني جنسهم متى استسلموا للخمر فلا بد من أن يحكم عليهم بأنهم مجرمون . فعلى من ينفذون القانون أن يكونوا حماة له . ينبغي لهم أن يكونوا رجالا أعفاء ضابطين لأنفسهم ، وليكن لهم السلطان الكامل على قواهم الجسدية والعقلية والأدبية حتى ينشط فيهم الذكاء والإحساس الرفيع بالعدالة .

أخذ رأس يوحنا المعمدان إلى هيروديا التي استقبلته بارتياح شيطاني . وسرت بانتقامها وكانت تخدع نفسها بالقول أن ضمير هيرودس لن يعود يزعجه . ولكنها لم تحصل على السعادة بعد ارتكاب تلك الخطية . لقد صار اسمها مسبة عار وصارت مكروهة . أما هيرودس فقد مزقته آلام الحزن والندامة أكثر مما كانت تؤرقه توبيخات المعمدان . إن تأثير تعاليم يوحنا لم يخمد بل كان سيمتد إلى كل الأجيال وإلى انقضاء الدهر .

ضمير يمزقه العذاب

ظلت خطية هيرودس تلاحقه ، فكان دائما يبحث عن وسيلة تريحه من اتهامات ضميره . ولم تتزعزع ثقته بيوحنا . فإذ عاد بالذكرى إلى حياة إنكار الذات التي عاشها وإنذاراته الجادة الخطيرة ، وحكمه السليم ومشوراته الصائبة ، ثم إذ ذكر كيف عاجله الموت لم يكن الملك يجد راحة أو عزاء . فإذ انشغل في شؤون الدولة وكان يتقبل الكرامات من الناس كان يبدو على وجهه الابتسام وسيماء العظمة ولكنه كان يخفي بين جنبيه قلبا مثقلا بالحزن ومتطيرا ، وكان لا يفتأ يضايقه الخوف من أن اللعنة قد استقرت عليه .

كان هيرودس قد تأثر تأثرا عميقا من أقوال يوحنا التي تفيد بأنه لا يمكن إخفاء شيء عن عيني يهوه ، واقتنع بأن يهوه موجود في كل مكان وأنه قد شاهد السكر والعربدة في دار الوليمة وأنه سمعه يأمر بقطع رأس يوحنا ، ورأى هيروديا تبتهج وتتهلل ، كما رأى الإهانات التي قد صبتها على ذلك الرأس المفصول عن جسم النبي الذي كان يوبخها . وكثير من الأقوال التي قد سمعها هيرودس من فم النبي جعلت تتحدث إلى ضميره بأكثر وضوح وقوة مما كان وهو يستمع لوعظه في البرية .

وعندما سمع هيرودس عن أعمال المسيا انزعج انزعاجا عظيما ، وظن أن يهوه قد أقام يوحنا من الأموات وأرسله مزودا بقوة أعظم ليدين الخطية . فكان يلازمه خوف عظيم من أن يوحنا قد يثأر لموته بالحكم عليه وعلى بيته بالدينونة . لقد كان هيرودس يحصد ما قال يهوه أنه سيكون نتيجة حياة الخطية- "قَلْبًا مُرْتَجِفًا وَكَلاَلَ الْعَيْنَيْنِ وَذُبُولَ النَّفْسِ . وَتَكُونُ حَيَاتُكَ مُعَلَّقَةً قُدَّامَكَ ، وَتَرْتَعِبُ لَيْلاً وَنَهَارًا وَلاَ تَأْمَنُ عَلَى حَيَاتِكَ . فِي الصَّبَاحِ تَقُولُ: يَا لَيْتَهُ الْمَسَاءُ ، وَفِي الْمَسَاءِ تَقُولُ: يَا لَيْتَهُ الصَّبَاحُ ، مِنِ ارْتِعَابِ قَلْبِكَ الَّذِي تَرْتَعِبُ ، وَمِنْ مَنْظَرِ عَيْنَيْكَ الَّذِي تَنْظُرُ"(تثنية 28: 65- 67) . إن أفكار الخاطئ وخواطره هي التي تتهمه ، وليس هناك عذاب أقسى من وخزات الضمير المذنب التي لا تعطى صاحبها راحة ، ليلا ولا نهارا.

وحيد ولكن غير متروك

كثيرون يعتبرون مصير المعمدان سرا غامضا فيتساءلون قائلين لماذا يترك رجل  كهذا ليضعف ويذبل ثم يموت . إن أبصارنا البشرية لا يمكنها أن تخترق الحجب وتكتشف السر في هذا المصير المؤلم الذي قد سمحت به عناية يهوه . ولكن ثقتنا بيهوه لا تتزعزع متى ذكرنا أن يوحنا كان شريك المسيا في آلامه . إن كل من يتبعون المسيا لا بد لهم من أن يلبسوا إكليل التضحية . فالناس الأنانيون سيسيئون فهمهم حتما وسيصيرون هدفا لهجمات الشيطان العنيفة . إن مملكة ذلك العدو قد أقيمت لهدم مبدأ التضحية ، وهو سيحاربه أينما وجده .

لقد امتازت سنو حداثة يوحنا وشبابه ورجولته بالثبات والقوة الأدبية . وعندما سمع صوته في البرية يقول:"أَعِدُّوا طَرِيقَ يهوه . اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً" (متى 3: 3) خشي الشيطان على سلامة مملكته . لقد كشف يوحنا عن شر الخطية بكيفية جعلت الناس يرتعبون . لقد انسحق سلطان الشيطان الذي ظل كثيرون يئنون تحته ، ولم يكل الشيطان من بذل مساعيه ليحول بين المعمدان وحياة التسليم الكامل بلا تحفظ . ولكن كل تلك المساعي باءت بالفشل . وقد أخفق في الانتصار على يهوشوه . لقد انهزم الشيطان حين جرب المسيا في البرية فاحتدم غيظه . فقصد الآن أن يجلب المتاعب والأحزان على يهوشوه بكونه يضرب يوحنا . فذاك الذي لم يستطع إبليس أن يغويه ليرتكب الخطية يجعله يتألم .

لم يتدخل يهوشوه لإنقاذ حياة خادمه ، فلقد عرف أن يوحنا سيصمد أمام تلك المحنة . كان المخلص يريد بكل سرور أن يأتي إلى يوحنا لينير ظلام السجن بحضوره ، ولكن لم يكن يحسن به أن يلقي بنفسه بين أيدي الأعداء ويعرض عمله للخطر . كان يريد بكل سرور أن ينقذ خادمه الأمين ، ولكن لأجل تشجيع الآلاف ممن سيقاسون فيما بعد من السجن والموت كان على يوحنا أن يشرب كأس الاستشهاد . فحينما يتألم أتباع يهوشوه في السجون أو يموتون قتلا بالسيف أو على آلات التعذيب أو حرقا بالنار ، متروكين حسب الظاهر من يهوه والناس فكم ستُسند  قلوبهم وتتشجع إذ يفكرون بأن يوحنا المعمدان الذي قد شهد المسيا نفسه بأمانته جاز في ضيقات وآلام مماثلة !

لقد سمح للشيطان بأن يقضي على الحياة الأرضية لخادم يهوه ، أما تلك الحياة التي هي"مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمسيا فِي يهوه"(كولوسي 3: 3) فالمهلك لم يستطع أن يمسها . ابتهج إبليس لكونه قد جلب الحزن إلى قلب المسيا ولكنه لم يستطع الانتصار على يوحنا ، إذ الموت ذاته قد أبعده  فقط  إلى الأبد عن متناول قوة التجربة . وفي هذه الحرب كان الشيطان يكشف القناع عن صفاته . وأمام الشهود من كل المسكونة أعلن عن عداوته ليهوه والإنسان .

ومع إنه لم تجرِ معجزة لإنقاذ يوحنا فهو لم يكن متروكا ، فلقد كان ملائكة السماء يرافقونه دائما ، وهم الذين كشفوا له عن النبوات الخاصة بالمسيا ومواعيد يهوه العظمى والثمينة ، وكانت تلك المواعيد سندا لقلبه . كما أنها ستكون سندا لقلوب شعب يهوه في الأجيال القادمة . وقد قدم ليوحنا المعمدان كما قدم لمن أتوا بعده هذا الوعد:"هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (متى 28: 20) .

إن يهوه لا يقود أولاده أبداً في طريق غير الطريق الذي كانوا يختارونه لأنفسهم لو كانوا يعرفون النهاية من البداية ويفطنون إلى مجد الغرض الذي يتممونه كعاملين معه . فلا أخنوخ الذي نقل إلى السماء وإيليا الذي أخذته إلى هناك مركبة نارية كان أعظم أو حصل على كرامة أوفر من يوحنا المعمدان الذي قتل وحده في السجن:"لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمسيا لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ" (فيلبي 1: 29) . ومن بين كل الهبات التي تمنحها السماء لبني الإنسان نجد أن مشاركة المسيا في آلامه تضفي على أصحابها أعظم كرامة وأسمى مجد.

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
4
3
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
06
27
Calendar App