2. إِنْ لَمْ تَرَوْا آيَاتٍ وَعَجَائِبَ
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

لقد أذاع الجليليون القادمون من عيد الفصح أنباء العجائب التي أجراها يهوشوه . وإن الحكم الجائر الذي حكم به الرؤساء في أورشليم على أعماله فتح أمامه الطريق إلى الجليل . حزن كثيرون من الشعب بسبب ما رأوه من انتهاك قداسة الهيكل وجشع الكهنة وغطرستهم ، وقد كانوا يؤملون أن هذا الرجل الذي استطاع أن يطرد الرؤساء سيكون هو المخلص الذي انتظروه طويلا ، كما جاءتهم أنباء بدا كأنها تثبت أعز انتظاراتهم المشرقة ، فلقد ذاع خبر مفاده أن هذا النبي أعلن عن نفسه أنه مسيا .

لكن شعب الناصرة لم يكن يؤمن به ، ولهذا السبب لم يذهب يهوشوه إلى هناك في طريقه إلى قانا . فلقد أعلن المخلص لتلاميذه قائلا إنه ليس لنبي كرامة في وطنه . إن الناس يقدرون الخلق بموجب ما يستطيعون هم أنفسهم أن يقدروه . فالناس المتزمتون والذين يفكرون تفكرا ماديا حكموا على المسيا بالنظر إلى ميلاده ولباسه المتواضعين وكده اليومي ، ولكنهم لم يقدّروا طهارة روحه التي لم تلوثها الخطية .

وسرعان ما انتشر نبأ عودة المسيا إلى قانا في كل الجليل وبذلك امتلأت قلوب المرضى والمتضايقين بالآمال المشرقة . وفي كفرناحوم استرعت تلك الأنباء انتباه أحد نبلاء اليهود وكان خادما للملك . كان ابن ذلك الشريف مصابا بمرض بدا أنه لا شفاء منه . وقد يئس منه الأطباء وقالوا إنه مائت لا محالة . ولكن لما سمع ذلك الأب عن يهوشوه عوَّل على الذهاب إليه طالبا معونته . كان الصبي في حالة انهيار جسمي شديد ، حتى كان يخشى من أنه سيموت قبل عودة أبيه ، ومع ذلك فقد أحس ذلك النبيل أنه ولابد من ذهابه بنفسه إلى يهوشوه ، وكان يرجو أن توسلاته ستوقظ عطف ذلك الطبيب العظيم .

التماس أحد النبلاء

وحين وصل إلى قانا وجد جمعا من الناس ملتفين حول يهوشوه ، فبقلب جزع شق لنفسه طريقا حتى وقف في حضرة المخلص ، فضعف إيمانه وترنح عندما وجد أمامه رجلا بسيط الملبس قد علاه التراب من طول السفر ، وشك في أن هذا الإنسان يستطيع أن يفعل ما قد جاء هو يطلبه ، ومع ذلك ظفر بلقاء خاص مع يهوشوه فأخبره عن غايته من المجيء وتوسل إلى المخلص في أن يصحبه إلى بيته . ولكن يهوشوه كان قد عرف سبب حزن ذلك الرجل ، فقبلما غادر ذلك الأب بيته رأى المخلص ضيقته .

وعرف أيضاً أن ذلك الأب قد قرر في نفسه شروطا خاصة لإيمانه بالمسيا . فإذا لم يجبه إلى طلبه فلن يؤمن بأنه هو مسيا . وإذ كان ذلك الضابط ينتظر الجواب وهو معذب النفس قال يهوشوه:"لاَ تُؤْمِنُونَ إِنْ لَمْ تَرَوْا آيَاتٍ وَعَجَائِبَ" (يوحنا 4: 48) .

ومع كل البراهين على أن يهوشوه هو المسيا كان ذلك الأب قد عزم على أن يجعل إيمانه به موقوفا على إجابته إلى طلبه ، فقارن المخلص بين عدم الإيمان والتشكك هذا وإيمان السامريين البسيط الذين لم يسألوه آية ولا معجزة . إن كلمته التي هي البرهان الدائم على ألوهيته كانت مصحوبة بقوة إقناع عظيمة وصلت إلى قلوبهم . تألم المسيا لأن أمته التي كانت قد اؤتمنت على أقواله الإلهية المقدسة قد اخفقت في سماع صوت يهوه يكلمهم على لسان ابنه .

بواعث أنانية

ومع ذلك فقد كان عند ذلك النبيل قليل من الإيمان لأنه قد أتى ليسأل ما كان يعتقد أنه أثمن البركات ، بينما كان لدى يهوشوه هبة أعظم ليمنحه إياها . كان يتوق ليس ليشفي الابن المريض فحسب بل أن يجعل أيضاً ذلك الضابط وكل بيته شركاء في بركات الخلاص ، وليشمل نورا في كفرناحوم التي عما قليل ستكون حقل خدمته . ولكن يجب على ذلك النبيل أن يدرك حاجته قبلما يطلب من المسيا النعمة . كان نديم الملك هذا مثالا لكثيرين من بني أمته ، فلقد كانوا مهتمين بيهوشوه لأجل بواعث أنانية . كانوا يرجون الحصول على منافع خاصة بواسطة قوته . وقد جعلوا إيمانهم متوقفا على منحه إياهم ذلك الإحسان الزمني ، ولكنهم كانوا يجهلون مرضهم الروحى ، ولم يدركوا حاجتهم إلى النعمة الإلهية .

وكنور خاطف كشفت تلك الكلمات قلب ذلك النبيل له ، فلقد رأى أن الدوافع التي أتت به إلى يهوشوه كانت دوافع أنانية وقد بدا إيمانه المترنح على حقيقته . وفي ضيقه العميق تحقق من أن شكوكه قد تكلفه موت ابنه ، وعرف أنه في حضرة ذاك الذي يعرف ما يخطر ببال الناس والذي كل شيء مستطاع لديه . وفي توسل مؤثر محزن صرخ قائلا:"يَا سَيِّدُ ، انْزِلْ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ابْنِي" (يوحنا 4: 49) . وكيعقوب تمسك بالمسيا بالإيمان ، إذ فيما كان يعقوب يصارع الملاك صرخ قائلا:"لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي" (تكوين 32: 26) .

وقد غلب كما غلب يعقوب من قبل . إن المخلص لا يمكنه أن يترك النفس التي تتعلق به متوسلة إليه أن يمنحها حاجتها العظمى ، "قَالَ لَهُ يهوشوه: اذْهَبْ . اِبْنُكَ حَيٌّ" (يوحنا 4: 50) . فانطلق ذلك النبيل من حضرة المخلص وقد امتلأ قلبه بسلام وفرح عظيمين لم يكن له بهما عهد من قبل . ولم يؤمن فقط بأن ابنـه سيشفى بل بثقة عظيمة آمن بأن المسيا هو الفادي .

وفي نفس الساعة رأى أقارب الصبي المحتضر الملتفون حول سريره تغييرا سريا مفاجئا طرأ عليه بعدما كان في حالة الاحتضار . فلقد اختفى شبح الموت بعيدا عن ذلك الابن المريض . وبدلا من وقدة الحمى حلت الصحة والراحة ، والعينان المنطفئتان أشرقتا بنور الذكاء وعادت القوة إلى ذلك الجسم المضنى . ولم يبق في جسم المريض أي أثر من آثار المرض . وذلك الجسم الذي كان ملتهبا بالحمى تندَّى بالعرق فنام الابن نوما هادئا . وقد زايلته الحمى في أشد ساعات النهار حرارة. وقد ذهلت العائلة وفرح الجميع فرحا عظيما .

إيمان نال مكافأة

ولم تكن قانا تبعد عن كفرناحوم كثيرا وكان يمكن أن يصل ذلك الضابط إلى بيته في مساء اليوم الذي فيه تقابل مع يهوشوه ، إلاّ أنه لم يسرع في عودته إلى البيت فلم يصل إلى كفرناحوم إلا في غد اليوم التالي . وكم كان قلبه مبتهجا وهو عائد إلى بيته! إنه عندما خرج من بيته يطلب يهوشوه كان قلبه مثقلا بالحزن فكان نور النهار مؤلما لنفسه وغناء الطيور كان سخرية بأحزانه . ولكن ما أعظم التبدل الذي حدث له الآن . إنه يرى الطبيعة كلها وقد اكتست ثوبا بهيا جميلا ، وها هو يرى بعينين جديدتين . وفيما كان مسافرا في ساعة الصباح الباكرة بدا كأن الطبيعة كلها تشاركه في تسبيح يهوه . وإذ كان لم يزل بعيدا عن بيته خرج عبيده لملاقاته لكي يسروا عنه الجزع الذي كانوا يعلمون أنه يضايقه . لم تدهشه الأخبار التي سمعها منهم . ولكن باهتمام عميق لم يعرفوا سره استخبرهم عن الساعة التي أخذ فيها ابنه يتعافى . فأجابوه قائلين:"أَمْسِ فِي السَّاعَةِ السَّابِعَةِ تَرَكَتْهُ الْحُمَّى" (يوحنا 4: 52) . ففي نفس اللحظة التي فيها تمسك الأب بقول المسيا "اِبْنُكَ حَيٌّ" لمست محبة يهوه ذلك الابن المحتضر بلمستها الشافية .

وقد أسرع الأب ليسلم على ابنه ، وإذ وصل إلى البيت احتضن ابنه كمن قد أقيم من الأموات ، وشكر يهوه مرارا وتكرارا على هذا الافتقاد الإلهي الرحيم .

اشتاق ذلك النبيل إلى أن يعرف الشيء الكثير عن المسيا . فلما سمع تعاليمه بعد ذلك صار هو وكل بيته تلاميذ للسيد . لقد قدس يهوه التجربة فصارت واسطة في اهتداء أسرة كاملة . ثم انتشرت أنباء تلك المعجزة ، وفي كفرناحوم التي أجرى فيها المسيا قوات عديدة كان الطريق معدا لخدمته .

إن ذاك الذي بارك النبيل القادم من كفرناحوم له نفس الشوق لأن يباركنا ، ولكننا كذلك الأب المتألم كثيرا ما نطلب يهوشوه طمعا في الحصول على خير زمنى . فإذا منحنا طلبنا وثقنا بمحبته ، غير أن المخلص يتوق إلى أن يمنحنا بركة أعظم مما نطلب ، وهو يؤخر إجابة طلبنا إلى أن يرينا شر قلوبنا وحاجتنا العظمى إلى نعمته ، كما أنه يرغب في تحريرنا من الأنانية التي تسوقنا إلى أن نطلبه . وإذ نعترف بعجزنا وحاجتنا المرة علينا أن نسلم أنفسنا بالتمام لمحبته .

كان ذلك النبيل يرغب في رؤية إجابة صلاته قبلما يؤمن . ولكن كان عليه أن يقبل قول المسيا بأن طلبه قد أجيب وأنه قد منحه البركة . وعلينا نحن أيضاً أن نتعلم هدا الدرس عينه ، علينا أن نؤمن لا لأننا نحس أو نرى بل علينا أن نثق بمواعيده . ومتى أتينا إليه بإيمان ، فكل طلبة تصل إلى قلب يهوه . ومتى طلبنا منه بركة علينا أن نؤمن بأننا قد نلناها ونشكره لأنه منحنا إياها . وحينئذ نذهب لمزاولة أعمالنا ، موقنين أن البركة ستتحقق لنا عندما نكون في أشد الحاجة إليها . ومتى تعلمنا أن نفعل هذا فسنعرف أن صلواتنا قد أجيبت . ويهوه سيفعل لنا "أَكْثَرَ جِدًّا" ، "بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ" و"عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ" (أفسس 3: 20 ، 16 ؛ 1: 19) .

___________________________________________________________________________

ملاحظة هامة: بحسب توقيت الكتاب المقدّس، كانت الساعة الأولى تعادل حوالي الساعة السادسة بحسب التوقيت الحالي؛ وعلى هذا كانت الساعة السابعة المذكورة أعلاه تعادل ما يقارب الواحدة ظهرا ً بحسب التوقيت الحالي.

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
13
25
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
03
23
Calendar App