16. المسيا في هيكله
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

 

وَبَعْدَ هذَا انْحَدَرَ إِلَى كَفْرِنَاحُومَ، هُوَ وَأُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ وَتَلاَمِيذُهُ ، وَأَقَامُوا هُنَاكَ أَيَّامًا لَيْسَتْ كَثِيرَةً وَكَانَ فِصْحُ الْيَهُودِ قَرِيبًا ، فَصَعِدَ يهوشوه إِلَى أُورُشَلِيمَ" (يوحنا 2: 12، 13) .

في هذه الرحلة انضم يهوشوه إلى جمع كبير من الناس الصاعدين إلى العاصمة . لم يكن قد أعلن رسالته للناس بعد فاندمج في وسط ذلك الجمع دون أن يلحظه أحد . وفي تلك الظروف كان موضوع حديث الناس أحيانا كثيرة هو مجيء مسيا الذي قد أضفت عليه خدمة يوحنا المعمدان وكرازته سموا وجلالا عظيمين ، فكانوا يتحدثون عن آمالهم في عظمتهم القومية بحماسة ملتهبة . لقد عرف يهوشوه أن مصير كل تلك الآمال هو الخيبة والفشل لأنها كانت مبنية على سوء تفسيرهم للكتب المقدسة . ولذلك فبغيرة وحماسة عظيمتين جعل يهوشوه يفسر لهم النبوات محاولا أن يحثهم على التعمق في دراسة الكلمة الإلهية .

أما رؤساء اليهود فقد علموا الشعب أنه ينبغي لهم أن يتعلموا في أورشليم كيف يعبدون يهوه. وفي هذه المدينة كانت تجتمع جماعات غفيرة من الشعب في عيد الفصح قادمين من كل أنحاء فلسطين بل ومن بلدان بعيدة . وقد امتلأت أروقة الهيكل بجماهير مختلطة من الناس ، وكثيرون منهم عجزوا عن أن يحضروا معهم الذبائح التي كان ينبغي تقديمها رمزا للذبيح العظيم الأوحد . فلأجل راحة أمثال هؤلاء الناس كانت الحيوانات تشترى وتباع في أروقة الهيكل الخارجية . في هذا المكان اجتمع الشعب من كل الطبقات لشراء تقدماتهم ، وفي هذا المكان كانت كل النقود الأجنبية تستبدل بعملة الهيكل .

غش واغتصاب في بيت يهوه

كان يُطلَب من كل يهودي أن يدفع نصف شاقل كل سنة "فِدْيَةَ نَفْسِهِ" ، وكانت تلك الأموال التي تجمع تستخدم في مطاليب الهيكل (خروج 30: 12- 16) . وفضلا عن هذا فإن مبالغ طائلة كان يؤتى بها كتقدمات طوعية لتوضع في خزانة الهيكل . وكان يطلب استبدال كل النقود الأجنبية بعملة تسمى شاقل القدس ، وهي وحدها التي كانت تُقبَل في خدمة الهيكل . وكانت عملية استبدال النقود فرصة سانحة للغش والاغتصاب . وتلك التجارة التي كانت موردا للثروة الطائلة التي كان الكهنة يستحوذون عليها ، صارت تجارة شائنة إلى أقصى حد .

كان التجار يفرضون على الحيوانات التي يبيعونها أثمانا خيالية باهظة ، وكان يقاسمهم في الأرباح الكهنة والرؤساء الذين أثروا على حساب الشعب . وقد أفلح أولئك القادة في إقناع العابدين بأنهم إذا لم يقدموا ذبائح فلن تستقر بركة يهوه على أولادهم أو أراضيهم ، وهكذا أمكن الحصول على أثمان غالية للحيوانات التي كانت تُباع ، لأن الشعب بعدما قطعوا أبعادا شاسعة من أوطانهم إلى أورشليم لم يكونوا يريدون العودة إلى بلادهم دون تقديم فروض العبادة التي قد أتوا ليمارسوها .

وفي عيد الفصح كان يقدم عدد هائل من الذبائح فكانت المبيعات في الهيكل ضخمة للغاية ، وكانت الضجة الهائلة الناشئة عن حركة بيع الماشية وشرائها تدل على أن ذلك المكان قد استحال من هيكل مقدس يعبد فيه يهوه إلى سوق تباع فيها الحيوانات . فكنت تسمع أصوات المساومات العالية وخوار البقر وثغاء الغنم وهديل الحمام ، وكان كل ذلك مختلطا برنين الفضة وأصوات المخاصمات الصاخبة . كانت تلك الضجة عظيمة بحيث شوشت على العابدين ، حتى أن الصلوات التي كانت تُرفَع إلى يهوه العلي طغت عليها تلك الغوغاء العالية التي خيمت على الهيكل . كان اليهود يفخرون ويتشدقون بتقواهم ، ويغبطون أنفسهم على هيكلهم ، ويعتبرون كل من يتكلم كلمة سوء في حقه مجدفا ، ويدققون أشد التدقيق في ممارسة الطقوس الخاصة به . ولكن حب المال طغى على ذلك كله ، وكادوا لا يدرون إلى أي دركة قد انحطوا عن الغرض الأصلي لتلك الخدمة التي قد سنها يهوه نفسه .

وجوب الاحترام

عندما نزل السيد على جبل سيناء تقدس ذلك الجبل بحضوره . لقد أمر موسى أن يقيم حدودا حول الجبل من كل ناحية ويقدسه . وقد سمع صوت يهوه محذرا للشعب وقائلا: "احْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْعَدُوا إِلَى الْجَبَلِ أَوْ تَمَسُّوا طَرَفَهُ . كُلُّ مَنْ يَمَسُّ الْجَبَلَ يُقْتَلُ قَتْلاً . لاَ تَمَسُّهُ يَدٌ بَلْ يُرْجَمُ رَجْمًا أَوْ يُرْمَى رَمْيًا . بَهِيمَةً كَانَ أَمْ إِنْسَانًا لاَ يَعِيشُ" (خروج 19: 12 ،13) . وهكذا تعلم الشعب هذا الدرس وهو أن أي مكان يعلن يهوه فيه نفسه يعتبر مكانا مقدسا ، فكان ينبغي اعتبار كل نطاق هيكل يهوه مقدسا . ولكن في سبيل الكفاح في طلب الكسب غير المشروع غاب كل ذلك عن بالهم .

لقد دعا يهوه الكهنة والرؤساء ليكونوا نوابا عنه أمام الشعب ، وكان عليهم أن يحرموا على الناس انتهاك حرمة أروقة الهيكل ، وأن يقدموا أنفسهم مثالا للشعب في الاستقامة والرفق . وبدلا من التفكير في منفعتهم الذاتية كان عليهم أن يراعوا موقف العابدين وحاجاتهم ، وأن يكونوا على استعداد لمساعدة غير القادرين على شراء الذبائح المطلوبة . لكنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك إذ قد قسّى الجشع قلوبهم .

لقد أتى إلى هذا العيد كثيرون ممن كانوا متألمين أو فقراء أو متضايقين ، فكان هناك العمي والعرج والصم . وكان البعض منهم يؤتى بهم على أسِرَّة ، وكثيرون أتوا ممن قد أعجزهم فقرهم عن شراء أقل التقدمات للسيد، بل كانوا يتضورون جوعا لخلو أيديهم مما يشترون به ما يسد الرمق . هؤلاء الناس كانوا يتضايقون من ادعاءات الكهنة الذين كانوا يفخرون بتقواهم ويدعون أنهم أوصياء على الشعب ، بينما كانت قلوبهم خالية من كل عطف أو إشفاق ، فعبثا كان الفقراء والمرضى والمحتضرون يستجدون منهم الإحسان إذ لم تكن آلامهم تستدر الشفقة في قلوب الكهنة .

قوة ذات سلطان

فلما دخل يهوشوه الهيكل عرف كل شيء على حقيقته . رأى الصفقات الجائرة الظالمة ، ورأى ضيق الفقراء الذين كانوا يعلمون أنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة لخطاياهم ، ورأى دار هيكله الخارجية وقد استحالت إلى مكان للتجارة النجسة ، فتلك الدار المقدسة أصبحت سوقا كبيرة .

رأى المسيا أنه لابد من عمل شيء . لقد فرضت على الشعب فرائض كثيرة دون أن يعلمهم أحد معناها ، كما كانوا يقدمون ذبائحهم دون أن يفهموا أنها كانت ترمز إلى الذبيحة الكاملة الواحدة ، فوقف في وسطهم ذاك الذي كانت كل الرموز تنتهي إليه ، ولكن لم يعرفه أو يكرمه أحد . كان قد أعطى تعليماته الخاصة بالتقدمات ، وكان يعرف قيمتها الرمزية كما عرف أنها صارت آلات فاسدة وأساء الناس فهمها . لقد بدأت العبادة الروحية تختفي ، ولم تعد هنالك أية صلة بين الكهنة والرؤساء وبين إلههم ، فكان المسيا مزمعا أن يقيم عبادة تختلف عن هذه كل الاختلاف .

وإذ يقف المسيا على درج رواق الهيكل ويتطلع بنظراته الفاحصة يرى كل شيء على حقيقته . وبعين النبوة يرى حوادث الغيب ، إنه لا يرى السنين فقط بل يرى أيضاً تعاقب القرون والأجيال . فهو يرى كيف أن الكهنة والرؤساء سيصدون الفقراء عن حقوقهم ويمنعون الكرازة بالإنجيل للمساكين . ويرى كيف أن محبة يهوه ستحجب عن عيون الخطاة وكيف سيتجر الناس بنعمته ، فإذ يشاهد ذلك المنظر ترتسم على محياه أمائر الغضب والقوة والسلطان . وهنا تتجه أنظار الناس إليه ، وأولئك المشغولون في تجارتهم النجسة يثبتون أنظارهم فيه ولا يستطيعون أن يغضوا أبصارهم عنه ، بل ويحسون بأن هذا الإنسان يقرأ أعمق أفكار قلوبهم ويكشف طواياهم ، فيحاول بعضهم إخفاء وجوههم كما لو كانت أعمالهم الشريرة مسطورة على جباههم وأن عينه الفاحصة تراها .

سكون شامل

وفجأة يكف ذلك الضجيج وتهدأ جلبة الأصوات ، أصوات التجار والمساومين . ولكن هذا الصمت يصبح مؤلما لهم . لقد سيطر عليهم الإحساس بالرهبة وكأنما هم واقفون أمام محكمة يهوه الذي يدينهم على شرورهم . وإذ يشخصون إلى المسيا يرون نور الألوهية يسطع من خلال ثوب البشرية . إن جلال السماء واقف أمامهم كما سيقف الديان في اليوم الأخير- وإن لم يكن الآن محاطا بالمجد الذي سيتسربل به حينئذٍ ، ولكن بنفس القوة التي تكشف خفايا النفس . إن عينه تنتقل بين ذلك الجمع عالمة بخفايا كل إنسان ، ويبدو كأن جسمه يعلو فوقهم في جلال آمر وعلى محياه يسطع نور سماوي . وإذ يتكلم فإن ذلك الصوت الصافي الذي يرن في ذلك المكان هو نفس الصوت الذي قد أعلن من على جبل سيناء الشريعة التي يتعداها الآن الكهنة والرؤساء ، هو نفس الصوت الذي يسمع صداه في أروقة الهيكل قائلا:"ارْفَعُوا هذِهِ مِنْ ههُنَا! لاَ تَجْعَلُوا بَيْتَ أَبِي بَيْتَ تِجَارَةٍ!" (يوحنا 16:2) .

وإذ بدأ يهبط الدرج ببطء وهو يرفع يده بالسوط من الحبال الذي قد التقطه عند دخوله إلى تلك الدار أمر أولئك الناس المنهمكين في البيع والمساومة أن يرحلوا عن أروقة الهيكل . وبغيرة وصرامة عظيمتين لم تُشاهَدا فيه من قبل يقلب موائد الصيارفة فتسقط قطع الفضة فيحدث لسقوطها رنين على الأرض الرخامية . ولا يحاول أحد أن يتساءل عن السلطان الذي خوَّله أن يفعل ذلك ، كما لم يجرؤ أحد منهم على الانحناء لالتقاط قطع النقود التي قد كسبوها بغير حق . إن يهوشوه لم يضربهم بسوطه ، ولكن ذلك السوط المصنوع من الحبال أخافهم خوفا عظيما كما لو كان سيفا ملتهبا بالنار . وها هم المناظرون على الهيكل والكهنة الغارقون في تفكيرهم ، والسماسرة وتجار الماشية بخرافهم وثيرانهم يندفعون جميعهم بغاية واحدة هي الهرب من ذلك المكان لينجوا من دينونة حضوره .

شمل الرعب ذلك الجمهور الذي قد أحس بقوة ألوهية السيد الذي أخفى نوره عن الأنظار . وكانت صيحات الفزع تنطلق من أفواه مئات الناس الشاحبي الوجوه من هول الخوف ، بل حتى التلاميذ أنفسهم ارتعبوا . لقد شملهم الرعب من كلام يهوشوه وتصرفه الذي كان على غير مألوف عادته ، ثم ذكروا أنه مكتوب عنه:"غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي" (مزمور 9:69) . وسرعان ما خرج أولئك القوم المضطربون وأخرجوا سلعهم التي كانوا يتجرون بها في هيكل السيد. وها هي أروقة الهيكل قد أخليت من تلك التجارة النجسة فاستحوذ على ذلك المكان الذي كان يسوده الاضطراب سكون وخشوع شاملان . إن حضور السيد الذي قدس الجبل قديما يقدس الآن الهيكل المقام لإكرامه .

الهيكل رمز

إن يهوشوه بتطهيره الهيكل كان يعلن عن رسالته بأنه مسيا ويبدأ عمله ، فذلك الهيكل الذي بُنِي ليحل فيه يهوه كان يقصد به أن يكون درسا إيضاحيا لإسرائيل ولكل العالم . ومنذ أجيال الدهر كان قصد يهوه أن كل كائن من مخلوقاته ، من السرافيم القديسين المتسربلين بالنور ، إلى الإنسان ، يكون كل منهم هيكلا يسكنه الخالق . ولكن بسبب الخطية لم تعد البشرية هيكلا ليهوه. وإذ أظلمت قلوب الناس وتنجست بالخطية أمست لا تعلن مجد يهوه. ولكن قصد السماء قد تم بتجسد ابن يهوه. فالإله يسكن في البشرية . وبواسطة النعمة المخلصة يصبح القلب هيكلا له من جديد . وقد قصد يهوه أن يكون الهيكل في أورشليم شاهدا دائما على المصير السامي المقدم لكل نفس . ولكن اليهود لم يفهموا دلالة ذلك البناء الذي كانوا يكرمونه ويفخرون به . فلم يقدموا ذواتهم هياكل مقدسة لسكنى روح يهوه. وإن أروقة هيكل أورشليم التي علت فيها الضوضاء وامتلأت بالمتاجرة الدنسة كانت تمثل تمثيلا صادقا هيكل القلب الذي نجسته الأهواء والشهوات والأفكار النجسة . وإذ طهر يهوشوه الهيكل ممن كانوا يبيعون فيه ويشترون أعلن عن رسالته في تطهير القلب من نجاسات الخطية- من الشهوات العالمية والأهواء النفسانية والعادات الشريرة المفسدة للنفس . "يَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ ، وَمَلاَكُ الْعَهْدِ الَّذِي تُسَرُّونَ بِهِ . هُوَذَا يَأْتِي ، قَالَ يهوه إله الْجُنُودِ وَمَنْ يَحْتَمِلُ يَوْمَ مَجِيئِهِ؟ وَمَنْ يَثْبُتُ عِنْدَ ظُهُورِهِ؟ لأَنَّهُ مِثْلُ نَارِ الْمُمَحِّصِ ، وَمِثْلُ أَشْنَانِ الْقَصَّارِ . فَيَجْلِسُ مُمَحِّصًا وَمُنَقِّيًا لِلْفِضَّةِ . فَيُنَقِّي بَنِي لاَوِي وَيُصَفِّيهِمْ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، لِيَكُونُوا مُقَرَّبِينَ ليهوه، تَقْدِمَةً بِالْبِرِّ" (ملاخي 1:3- 3) .

"أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ يهوه ، وَرُوحُ يهوه يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ يهوه فَسَيُفْسِدُهُ يهوه، لأَنَّ هَيْكَلَ يهوه مُقَدَّسٌ الَّذِي أَنْتُمْ هُوَ" (1 كورنثوس 3: 17،16) . لا يستطيع أحد بنفسه أن يخرج من القلب الشرور التي قد احتلته ، ولكن يهوشوه هو وحده الذي يستطيع أن يطهر هيكل النفس . ولكنه لن يقتحم القلب أو يدخل عنوة . وهو لا يدخل القلب كما قد دخل الهيكل قديما ، ولكنه يقول:"هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ . إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي" (رؤيا 3: 20) . إنه سيأتي لا لمجرد يوم واحد لأنه يقول:"إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ ... وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا"، "يَدُوسُ آثَامَنَا ، وَتُطْرَحُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ جَمِيعُ خَطَايَاهُمْ" (2 كورنثوس 16:6؛ ميخا 7: 19) . إن حضوره يطهر النفس ويقدسها حتى تصير"هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي يهوه " و"مَسْكَنًا ليهوه فِي الرُّوحِ" (أفسس 2: 21، 22) .

 وقت اقتناع

وإذ استولى الرعب على الكهنة والرؤساء هربوا من رواق الهيكل لينجوا بأنفسهم من نظرة يهوشوه الفاحصة التي كشفت طواياهم . وفي هربهم التقوا آخرين ممن كانوا في طريقهم إلى الهيكل فأمروهم بالعودة وأخبروهم بما قد رأوا وسمعوا . وقد نظر المسيا إلى أولئك الهاربين في إشفاق رحيم لخوفهم وعدم معرفتهم مطاليب الديانة الحقيقية . وفي هذا المنظر رأى السيد رمزا لتشتت الأمة اليهودية كلها بسبب شرهم وصلابة قلوبهم .

ولكن لماذا هرب الكهنة من الهيكل؟ ولماذا لم يثبتوا في أماكنهم؟ إن من قد أمرهم بالخروج هو ابن النجار الذي كان جليليا فقيرا ، لا مقام له ولا سطوة في العالم . فلماذا لم يقاوموه ، ولماذا تركوا مكسب الظلم وهربوا انصياعا لأمر ذاك الذي كان مظهره الخارجي وضيعا جدا؟

لقد تكلم المسيا بسلطان كملك ، وفي مظهره ونغمة صوته كان هنالك شيء عجزوا عن مقاومته وأمام كلمة الأمر التي خرجت من شفتيه تحققوا ما لم يتحققوه من قبل وهو أنهم مراؤون ولصوص . وعندما سطعت ألوهيته من خلال بشريته لم يروا الغضب فقط مرتسما على وجه المسيا بل تحققوا مغزى كلامه . لقد أحسوا كأنهم ماثلون أمام عرش الديان السرمدي يستمعون لحكمه عليهم في الحياة ومدى الأبدية ، واقتنعوا بعض الوقت بأن المسيا نبي ، وآمن كثيرون بأنه مسيا ، أعاد الروح القدس إلى أذهانهم أقوال الأنبياء عن المسيا . فهل يخضعون لهذا الاقتناع؟

لقد رفضوا التوبة . عرفوا أن قلب المسيا كان ممتلئا بالعطف على الفقراء ، كما عرفوا أنهم ارتكبوا جريمة الاغتصاب في معاملتهم للشعب . ولأن المسيا عرف أفكارهم فقد أبغضوه . وإن توبيخه إياهم على مسامع الشعب كان فيه إذلال لكبريائهم ، كما كانوا يغارون منه لتزايد نفوذه بين الشعب ، فصمموا على أن يراجعوه ويتحدوه من جهة سلطانه في طردهم ، ومن أعطاه هذا السلطان .

معز لطيف

فعادوا إلى الهيكل بتؤدة وتفكير ، والحقد ينهش قلوبهم . ولكن ما أعظم التبدل الذي حدث في غيابهم! فعند هربهم تخلف الفقراء الذين أخذوا يشخصون إلى يهوشوه الذي ارتسمت على محياه آيات الحب والعطف . وقال لأولئك الناس المرتعبين الملتفين من حوله وعيناه تفيضان بالدموع: لا تخافوا سأنقذكم وأنتم ستمجدونني . فلأجل هذا أتيت إلى العالم.

تزاحم الناس حول المسيا يقدمون إليه توسلاتهم الحارة في ضراعة موجبة للرثاء ، وكل منهم يقول: "باركني يا معلم" . وقد سمعت أذناه كل صراخهم . وبعطف يفوق عطف الأم الحنون انحنى إلى أولئك الأصاغر المتألمين وقد ظفروا جميعا باهتمامه ، فشفي جميع المرضى منهم ، فانفتحت أفواه الخرس تسبحه ، والعمى أبصروا وجه فاديهم ، وابتهجت قلوب أولئك المتألمين .

وإذ أبصر الكهنة ونظار الهيكل هذا العمل العظيم ، فما كان أعظمه إعلانا ذاك الذي طرق مسامعهم عندما سمعوا ما سمعوه! لقد كان الشعب يتحدثون عن قصص الآلام التي عانوها وعن آمالهم التي قد خابت وأيام الألم وليالي الأرق . ولكن عندما انطفأت آخر بارقة من بوارق الأمل شفاهم يهوشوه . قال أحدهم: لقد كان حملي ثقيلا وجاثما على صدري ولكني وجدت معينا- إنه مسيا يهوه وسأكرس حياتي لـخدمته . وكان الآباء يقولون لأولادهم: لقد أنقذ حياتكم فارفعوا أصواتكم وسبحوه ، فاتحدت أصوات الصغار والشباب والآباء والأمهات والأصدقاء والمشاهدين في الشكر والتسبيح . لقد امتلأت قلوبهم رجاء وحبورا وشمل السلام عقولهم وأفكارهم . لقد شفيت نفوسهم وأجسادهم فعادوا إلى بلادهم وهم يعلنون في كل مكان عن محبة يهوشوه التي لا مثيل لها .

وعندما صلب المسيا لم يشترك أولئك الذين قد شفاهم مع جماهير الرعاع حين صرخوا ضده قائلين:"اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!"، بل كانوا يعطفون على يهوشوه لأنهم سبقوا فاختبروا عطفه وقوته العجيبة . لقد عرفوه مخلصا لهم لأنه منحهم شفاء لأجسادهم ونفوسهم . لقد سمعوا كرازة الرسل ، وإذ دخلت كلمة يهوه إلى قلوبهم منحتهم وعيا وإدراكا ، فصاروا عاملين ورسل رحمة ليهوه وآلات لنشر كلمة خلاصه .

اقتناع يخمد

إن أولئك الجموع الذين هربوا من الهيكل عادوا إليه بعد حين ببطء . كان الرعب الذي شملهم قد زايلهم الآن إلى حد ما . ولكن كانت تُرَى على وجوههم سيماء التذبذب والجبن . وقد اندهشوا عندما رأوا أعمال يهوشوه واقتنعوا بأن النبوات الخاصة بمسيا قد تمت فيه . إن خطية انتهاك حرمة الهيكل استقرت على رؤوس الكهنة إلى حد كبير ، إذ بتدبيرهم استحالت دار الهيكل إلى سوق . أما الشعب فكانوا أبرياء نسبيا ، كما كانوا مقتنعين بسلطان يهوشوه الإلهي ، ولكن نفوذ الكهنة عليهم كان طاغيا . لقد اعتبروا رسالة المسيا بدعة وكانوا يشكون في أن له حق التدخل في ما قد أباحته سلطات الهيكل . لقد استاءوا لأن تلك التجارة قد قوطعت وبذلك أخمدوا صوت الروح القدس في قلوبهم فما عاد يبكتهم .

كان ينبغي للكهنة والرؤساء ، أكثر من جميع الناس ، أن يروا يهوشوه على أنه مسيا السيد، لأن الأسفار المقدسة التي وصفت رسالته على حقيقتها كانت بين أيديهم ، وقد عرفوا أن تطهر الهيكل كان إعلانا لسلطان يفوق كل سلطان بشري . ومع أنهم كانوا يبغضون يهوشوه أشد البغض لم يستطيعوا التخلص من فكرة أنه قد يكون نبيا مرسلا من يهوه ليعيد إلى الهيكل قدسيته . فباحترام كان وليد هذا الخوف ذهبوا إليه وسألوه قائلين: "أَيَّةَ آيَةٍ تُرِينَا حَتَّى تَفْعَلَ هذَا؟" (يوحنا 2: 18) .

انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ 

لقد أراهم يهوشوه آية ، وإذ أشرق بنوره في قلوبهم وصنع أمامهم الأعمال التي كان مسيا مزمعا أن يعملها قدم لهم البرهان المقنع على صفته ومقامه . فالآن إذ سألوه آية أجابهم بمثل مبرهنا بذلك على معرفته لحقدهم وخبثهم وإلى أي نهاية سيوصلهم حقدهم ، فقال: "انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ " (يوحنا 2: 19) .

كان معنى هذا الكلام مزدوجا ، فهو لم يشر فقط إلى نقض هيكل اليهود والعبادة التي تُقام فيه بل إلى موته هو- أي نقض هيكل جسده . وهذا ما كان اليهود يتآمرون لعمله من قبل . فإن الكهنة والرؤساء بعدما عادوا إلى الهيكل كانوا قد ارتأوا قتل يهوشوه وبذلك يزيحون هذا الشخص المزعج من طريقهم . ومع ذلك فعندما كشف لهم عن قصدهم لم يفهموه . لقد فهموا كلامه على أنه ينطبق فقط على الهيكل الذي في أورشليم . فصاحوا يقولون في غضب: "فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هذَا الْهَيْكَلُ ، أَفَأَنْتَ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ تُقِيمُهُ؟" (يوحنا 2: 20) . والآن تأكدوا من وجود مبرر لعدم إيمانهم به ، فزادوا من إصرارهم على رفضه .

لم يكن المسيا يقصد أن يفهم اليهود العديمو الإيمان أقواله حتى ولا تلاميذه حينئذٍ ، إذ عرف أن أعداءه سيُحرِّفون أقواله ويحاربونه بها ، وعند محاكمته سيحيكون من هذا الكلام اتهاما لإدانته . وإذ يعلق على صليب جلجثة سيلقون به في وجهه للتقريع والزراية به . ولكن لو فسَّره آنئذٍ لعلم تلاميذه أنه مزمع أن يتألم فذلك سيجلب عليهم أحزانا لم يكونوا يستطيعون احتمالها حتى ذلك الحين . وذلك التفسير سيكشف لأولئك اليهود قبل الأوان عواقب تعصبهم وعدم إيمانهم . لقد بدأوا فعلا السير في طريق الإجرام وسيوغلون فيه إلى أن يساق يهوشوه كشاة إلى الذبح .

نطق المسيا بهذه الأقوال لأجل صالح الذين يؤمنون به . وعرف أن ذلك القول سيتكرر. وإذ نطق به في عيد الفصح فسيسمعه آلاف الناس فينتقل إلى كل أنحاء العالم . وبعد قيامته من الأموات يتضح معنى هذا الكلام ، ويكون برهانا مقنعا لكثيرين على ألوهية يهوشوه .

إنه بسبب الظلام الروحي الذي كان جاثما على القلوب لم يكن حتى تلاميذ يهوشوه أنفسهم يفهمون تعاليمه . ولكن الكثير من تلك التعاليم وضحت لهم في الحوادث التي جرت فيما بعد . وبعد صعوده حينما لم يعد يسير معهم على الأرض كان كلامه سندا لقلوبهم .

وفيما يختص بهيكل أورشليم فإن قول المسيا: "انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ" كان له معنى أعمق مما قد فهمه سامعوه . لقد كان المسيا هو أساس الهيكل وحياته . وكانت الخدمات التي تقام فيه رمزا إلى ذبيحة ابن يهوه. وكان نظام الكهنوت قد أقيم كرمز لشفاعة المسيا وعمله . إن نظام الذبائح المختص بالعبادة كله كان رمزا لموت المخلص لأجل فداء العالم ، ومتى تمت الحادثة العظيمة التي كانت تلك الذبائح تشير إليها منذ أجيال طويلة فلن تكون لها أية فاعلية أو تأثير .

نظام طقسي

وحيث أن النظام الطقسي برمته كان كله يرمز إلى المسيا فلم تكن له أية قيمة بدونه . وعندما ختم اليهود على رفضهم للمسيا بتسليمهم إياه للموت رفضوا كل ما أضفى قيمة على الهيكل وخدماته ، فجرد الهيكل من قدسيته وحكم عليه بالخراب . ومند ذلك اليوم أمست تلك الذبائح الكفارية وكل الخدمات المرتبطة بها بلا معنى أو دلالة . لقد صارت كتقدمة قايين لا تعبر تعبرا صريحا عن الإيمان بالمخلص . وإذ صلب اليهود المسيا وقتلوه فهم في الواقع قد نقضوا الهيكل . وحينما صلب المسيا انشق حجاب الهيكل الداخلي إلى اثنين من فوق إلى أسفل دلالة على أن الذبيحة العظيمة الأخيرة قد قدمت وأن نظام الذبائح الكفارية قد أبطل إلى الأبد .

"وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ" . عندما مات المخلص ظهر كأن قوات الظلمة قد انتصرت ، وقد فرحت وتهللت بانتصارها ، ولكنه خرج من قبر يوسف ظافرا: "إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا ، ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ" (كولوسي 2: 15) . فبفضل موته وقيامته صار "خَادِمًا لِلأَقْدَاسِ وَالْمَسْكَنِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي نَصَبَهُ يهوه لاَ إِنْسَانٌ" (عبرانيين 2:8) . لقد أقام الناس الخيمة اليهودية ، وهم الذين بنوا الهيكل اليهودي . أما المقدس السماوي الذي كان المقدس الأرضي رمزا له ، فلم تقمه يد مهندس بشري "هُوَذَا الرَّجُلُ الْغُصْنُ اسْمُهُ . فَهُوَ يَبْنِي هَيْكَلَ يهوه، وَهُوَ يَحْمِلُ الْجَلاَلَ وَيَجْلِسُ وَيَتَسَلَّطُ عَلَى كُرْسِيِّهِ" (زكريا 6: 12، 13) .

لقد بطلت الخدمة الكفارية التي كانت ترمز إلى المسيا ، ولكن عيون الناس التفتت إلى الذبيح الحقيقي المقدم لأجل خطايا العالم . لقد بطل الكهنوت الأرضي ولكننا ننظر إلى يهوشوه خادم العهد الجديد ، وإلى: "دَمِ رَشٍّ يَتَكَلَّمُ أَفْضَلَ مِنْ هَابِيلَ"،"أَنَّ طَرِيقَ الأَقْدَاسِ لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ ، مَا دَامَ الْمَسْكَنُ الأَوَّلُ لَهُ إِقَامَةٌ ... أَمَّا الْمَسِيا، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ ، فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ ، غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ ... بِدَمِ نَفْسِهِ ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا" (عبرانيين24:12؛ 8:9- 12) .

"فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى يهوه، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ " (عبرانيين 7: 25) . ومع أن الخدمة كانت مزمعة أن تنتقل من الهيكل الأرض إلى الهيكل السماوي ، ومع أن المقدس ورئيس كهنتنا الأعظم لن تراهما عين بشرية ، فإن التلاميذ لم تلحقهم من ذلك خسارة . لن يحدث شق في شركتهم كإخوة ، ولن تضعف قوتهم نظرا لغياب مخلصهم عنهم بالجسد . ففي حين أن يهوشوه يخدم في المقدس السماوي فإنه بروحه لا يزال يخدم في الكنيسة على الأرض . لقد احتجب عن العيون البشرية ولكنه قبيل انطلاقه قدم لشعبه هذا الوعد:"هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ"(متى 28: 20) . فإنه إذ يمنح قوته وسلطانه للخدام الذين على الأرض فإنه بحضوره ينشط كنيسته .

"فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ ... فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ . لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا ، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا ، بِلاَ خَطِيَّةٍ . فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ" (عبرانيين 4: 14- 16).

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
4
3
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
06
27
Calendar App