15. في وليمة العرس
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

 

إن يهوشوه لم يبدأ خدمته بعمل عظيم أمام السنهدريم في أورشليم . ولكنه أظهر قدرته في حفل عائلي في إحدى قرى الجليل الصغيرة ، وذلك ليزيد من فرح وليمة عرس ، وبهذه الكيفية أظهر مشاركته للناس ورغبته في إسعادهم . لقد شرب هو نفسه كأس الويل والألم وهو في برية التجربة . ثم خرج من هناك ليقدم للناس كأس البركة بتقديسه علاقات الحياة البشرية .

عاد يهوشوه من الأردن إلى الجليل ، وكان سيقام حفل عرس في قانا ، وهي قرية لا تبعد كثيرا عن الناصرة ، وكانت العائلتان من أقرباء يوسف ومريم . فإذ علم يهوشوه بهذا الحفل العائلي ذهب إلى قانا إذ كان هو وتلاميذه قد دعوا إلى تلك الوليمة .

وقد تقابل هناك مرة أخرى مع أمه التي كان قد انفصل عنها بعض الوقت . كانت مريم قد سمعت عن ذلك الظهور العجيب عند الأردن في وقت معموديته إذ قد انتقلت تلك الأخبار إلى الناصرة . فأعادت تلك الأخبار إليها المناظر العجيبة التي كانت قد حفظتها في قلبها سنين طويلة . إن أخبار رسالة المعمدان قد أثارت مريم بشدة ، كما أثارت غيرها من الشعب ، وتذكرت جيدا النبوة التي قيلت قبل ميلاد يهوشوه. هذا وإن صلته بيهوشوه أضرمت في قلبها نار الرجاء من جديد . ولكنها كانت قد علمت أيضاً بانطلاق يهوشوه الغامض إلى البرية فاضطربت واكتنفت نفسها تطيرات مزعجة .

إن مريم منذ سمعت إعلان الملاك لها وهي في بيتها في الناصرة اختزنت في نفسها كل دليل على أن يهوشوه هو مسيا . إن حياته الجميلة الخالية من الأنانية أكدت لها أنه لابد أن يكون هو المرسل من يهوه ومع ذلك فقد ظهرت لها أيضاً بعض الشكوك والمفشلات . فكانت تتوق إلى اليوم الذي فيه يظهر مجده . لقد فصل الموت بينها وبين يوسف الذي كان مثلها يعرف أسرار ميلاد يهوشوه. أما الآن فلم يكن هناك من تبثه آمالها وتخبره عن مخاوفها . كان الشهران السابقان أيام حزن شديد . كانت قد افترقت عن يهوشوه الذي كانت تجد في عطفه العزاء . وكانت تفكر في كلام سمعان حين قال لها: "وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ" (لوقا 2: 35) ، كما ذكرت ثلاثة أيام العذاب حين ظنت أن يهوشوه افترق عنها إلى الأبد وكانت تنتظر عودته بقلب جزع وممزق .

الابن المحب المعوان

وها هي تلتقي به في وليمة العرس ، وإذا هو كعهدها به الابن الرقيق المستعد لأداء الواجب ، ومع ذلك فهو ليس كما كان . لقد تغير منظر وجهه فهو يحمل آثار صراعه في البرية ، كما أن هنالك تعبيرا جديدا عن العظمة والسلطان على وجهه برهانا على كونه مرسلا من السماء . وكان يصحبه جماعة من الشباب يشخصون إليه باحترام وهم يدعونه معلما . هؤلاء الرفاق يسردون على مسمع مريم ما قد نظروه وسمعوه عند معمودية يهوشوه وفي أماكن أخرى ، ثم يختمون حديثهم بهذا الإعلان: "وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ" (يوحنا 1: 45).

وإذ يجتمع المدعوون يبدو أن كثيرين منهم مشغولون في مواضيع هامة . وهنالك اهتياج مكبوت يشمل تلك الجماعة ، وهنالك جماعات صغيرة منهم تتحادث بنغمات مشتاقة وهادئة ، ونظراتهم المتسائلة تتجه إلى ابن مريم . وإذ سمعت مريم شهادة التلاميذ عن يهوشوه ابتهج قلبها موقنة بأن آمالها التي كانت تحتضنها طويلا لم تكن باطلة . ومع ذلك فلكونها من البشر فقد امتزج مع الفرح المقدس بعض آثار الزهو الطبيعي الذي تكنه الأم المحبة لابنها . فإذ رأت كل الأنظار متجهة إلى يهوشوه تاقت إلى أن تراه يبرهن لتلك الجماعة على أنه بالحقيقة المكرم والمختار من يهوه، ورجت أن يكون هنالك مجال له ليصنع معجزة أمامهم .

وكان من العادات المألوفة في تلك الأيام أن تدوم ولائم العرس عدة أيام . وفي هذا العرس اكتشف قبل نهاية أيام الوليمة أن الخمر قد نفدت ، فسبب ذلك كثيرا من الارتباك والأسف . وكان من غير المألوف الاستغناء عن الخمر في مثل تلك الولائم ، كما أن عدم وجودها كان دليلا على نقص في الكرم وحسن الضيافة . ولكون مريم من أقارب العائلتين فقد ساعدت في ترتيبات الوليمة ، وها هي الآن تتحدث مع يهوشوه قائلة: "لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ" (يوحنا 3:2) . كان هذا الكلام اقتراحا مقدما منها له ليسد هذه الحاجة . فأجابها يهوشوه بقوله:"مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ" (يوحنا 4:2) .

أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ 

هذا الجواب الذي يبدو مقتضبا لم يكن يعبر عن أي فتور أو فظاظة . فلقد كان أسلوب خطاب المخلص الموجه لأمه على وفاق مع عادات الشرقيين ، إذ كان يوجه إلى من يقصد توقيرهم واحترامهم . إن كل عمل من أعمال المسيا على الأرض كان متمشيا مع الأمر الذي كان هو نفسه قد وضعه عندما قال: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ" (خروج 20: 12) . وإذ كان معلقا على الصليب أظهر آخر دليل على رقته ومحبته نحو أمه بأن خاطبها بمثل ما يخاطبها به الآن ، عندما استودعها لرعاية يوحنا الحبيب أحب التلاميذ إلى نفسه . ففي وليمة العرس هذه كما وهو على الصليب نرى أن المحبة التي عبرت عنها نغمة كلامه ونظرته وأسلوبه قد فسرت كلامه .

عندما زار يهوشوه الهيكل في صباه وانكشف أمامه سر عمله في الحياة قال لمريم: "أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟" (لوقا 2: 49) . هذه الكلمات نصَّت على عمل حياته وخدمته كلها . لقد كان كل شيء موقوفا على عمله ، عمل الفداء العظيم الذي قد أتى إلى العالم ليعمله . وها هو الآن يردد نفس الدرس . كان هنالك خطر لئلا تعتبر مريم أن صلتها بيهوشوه تجعل لها دالة خاصة عليه ، وبعض الحق في توجيهه في رسالته وعمله . إنه مدى ثلاثين عاما كان ابنا محبا ومطيعا لها ، ولم تنقص محبته لها ولا تبدلت ، ولكن عليه الآن أن يبدأ بعمل أبيه . فكابن العلي ومخلص العالم ينبغي ألاّ تعطله العلاقات الأرضية عن إتمام رسالته أو تؤثر في تصرفاته ، بل ينبغي أن يقف حرا ليتمم إرادة يهوه. وهذا الدرس موجه لنا نحن أيضاً ، فإن مطاليب يهوه هي الأعظم والمفضلة حتى على صلات القرابة الأرضية ، كما ينبغي ألاّ يحوِّل أي جاذب أرضي أقدامنا عن الطريق الذي يأمرنا السيد بالسير فيه .

إن الرجاء الوحيد لفداء جنسنا الساقط هو في المسيا . وما كانت مريم لتجد الخلاص إلاّ عن طريق حمل يهوه، إذ لم يكن فيها أي استحقاق شخصي . وعلاقتها بيهوشوه لم تجعل لها أية ميزة روحية أو علاقة تقربها منه أكثر من أي نفس أخرى . وهذا ما يدل عليه كلام المخلص ، حيث جعل فرقا واضحا بين علاقته بها كابن الإنسان وعلاقته كابن يهوه. إن صلة القرابة بينهما لم تجعلها قط في مركز مساوٍ له .

مقود بإرادة الآب

إن قوله: "لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ" يشير إلى حقيقة كون كل عمل من أعمال حياة المسيا على الأرض كان إتماما لتدبير يهوه المرسوم منذ دهور الأزل . فقبلما نزل إلى الأرض كان التدبير مرسوما أمامه بكل تفاصيله . ولكنه إذ كان يسير بين الناس كان يُقتاد بإرادة الآب خطوة فخطوة . إنه لم يتردد في العمل في الوقت المعين ، وبنفس ذلك الخضوع كان ينتظر حتى يحين الوقت . إن يهوشوه إذ قال لمريم إن ساعته لم تأتِ بعد كان يجيبها على فكرها الذي لم تفصح عنه- عن انتظارها الذي شاركها فيه الناس . كانت ترجو أن يعلن نفسه بأنه مسيا ويجلس على عرش إسرائيل . ولكن الوقت لم يكن قد جاء . لقد قبل يهوشوه أن تكون قرعته مع البشرية ، لا كملك بل كرجل "أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ" (إشعياء 3:53) .

ولكن مع أن مريم لم تكن تفهم رسالة المسيا فهما صحيحا فقد كانت تثق به ثقة كاملة . وقد استجاب يهوشوه لهذا الإيمان . فلكي يكرم ثقة مريم هذه ، ولكي يقوي إيمان تلاميذه أجرى السيد معجزته الأولى . كان التلاميذ سيواجهون تجارب كثيرة وعظيمة توحي بعدم الإيمان . لقد أوضحت لهم النبوات بما لا يحتمل الشك أو الجدال أن يهوشوه هو مسيا . كانوا ينتظرون من رجال الدين أن يقبلوه بثقة أعظم من ثقتهم هم . لقد أعلنوا للناس عن معجزات المسيا وثقتهم برسالته ، إلاّ أنهم ذهلوا وأحسوا بالخيبة المريرة لعدم إيمان الكهنة والمعلمين وتعصبهم المتأصل في نفوسهم وعداوتهم ليهوشوه، وهكذا شددت معجزات المخلص الأولى قوة التلاميذ على الثبات أمام هذه المقاومات .

إن مريم التي لم تعثرها ولا أربكتها كلمات المسيا قالت للخدام: "مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ" (يوحنا 2: 5) . هكذا عملت مريم ما استطاعت لتهيئة الطريق لعمل المسيا .

كانت بجانب المدخل ستة أجران كبيرة من الحجارة ، فأمر يهوشوه الخدام بأن يملأوها ماء فملأوها إلى فوق . وحيث أنهم كانوا بحاجة شديدة إلى الخمر قال لهم: "اسْتَقُوا الآنَ وَقَدِّمُوا إِلَى رَئِيسِ الْمُتَّكَإِ" (يوحنا 2: 8) . فبدلا من الماء الذي مُلئَت به الأجران كانت هنالك خمر . لم يكن رئيس المتكإ ولا الضيوف يعلمون أن الخمر قد نفدت . ولما ذاق رئيس المتكإ ما قدمه له الخدام وجده أفضل من كل الخمر التي سبق لهم أن شربوها ، كما وجد أنها تختلف اختلافا كبيرا عما قدم عند بدء الوليمة . فالتفت إلى العريس وقال: "كُلُّ إِنْسَانٍ إِنَّمَا يَضَعُ الْخَمْرَ الْجَيِّدَةَ أَوَّلاً ، وَمَتَى سَكِرُوا فَحِينَئِذٍ الدُّونَ . أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَبْقَيْتَ الْخَمْرَ الْجَيِّدَةَ إِلَى الآنَ!" (يوحنا 10:2) .

كما أن الناس يضعون الخمر الجيدة أولا وبعد ذلك يقدمون الدون كذلك يفعل العالم بعطاياه . إن ما يقدمه العالم يسر العيون ويسحر الحواس ولكن يتبرهن بعد ذلك أنه غير مشبع ، فالخمر تستحيل إلى مرارة والانشراح إلى وجوم وحزن . وما بدأ بالأغاني والفرح ينتهي بالتعب والاشمئزاز ، ولكن عطايا يهوشوه هي أبدا سائغة وجديدة . فالوليمة التي يقدمها للنفس لابد أن تملأها شبعا وفرحا . وكل عطية جديدة تزيد قابلية من يتناولها على تقدير بركات السيد والتمتع بها . إنه يعطى نعمة فوق نعمة . وعطاياه لا يمكن أن تنفد . فإذا ثبتَّ فيه فإن حقيقة كونك تتناول هبة سخية اليوم تؤكد حصولك على عطية أعظم غداً . إن جواب يهوشوه لنثنائيل يعبر عن قانون معاملة يهوه لبنى الإيمان ، إذ مع كل إعلان جديد لمحبته يعلن للقلب الذي يأخذ قائلا: "هَلْ آمَنْتَ ... سَوْفَ تَرَى أَعْظَمَ مِنْ هذَا!" (يوحنا 1: 50).

إن هبة المسيا لوليمة العرس كانت رمزا ، فالماء رمز إلى المعمودية لموته ، أما الخمر فترمز إلى سفك دمه لأجل خطايا العالم . والماء الذي ملئت به الأجران أتت به أيدٍ بشرية ، ولكن كلمة المسيا وحدها أعطته قوة محيية . وكذاك الحال بالنسب إلى الطقوس التي تشير إلى موت المخلص ، فبقوة المسيا وحدها العاملة بالإيمان تكون فيها قوة وفاعلية لتغذية النفس.

لقد سدت كلمة المسيا حاجة المدعوين إلى تلك الوليمة ، وكذلك نعمة يهوه سخية وكافية لمحو خطايا الناس وآثامهم ولتجديد النفس وإعالتها وإسنادها.

إن يهوشوه إذ ذهب مع تلاميذه إلى أول وليمة قدم لهم الكأس التي يرمز إلى عمله لأجل خلاصهم . وفي العشاء الأخير قدسها مرة أخرى عندما سنَّ تلك الفريضة المقدسة التي بها يخبرون بموته "إِلَى أَنْ يَجِيءَ" (1 كورنثوس 11: 26) . لقد تعزى التلاميذ عن حزنهم على افتراق سيدهم عنهم بوعده لهم باجتماع شمله بهم مرة أخرى حينما قال: "إِنِّي مِنَ الآنَ لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هذَا إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ أَبِي" (متى 26: 29) .

اَلْخَمْرُ مُسْتَهْزِئَةٌ 

إن الخمر التي قدمها المسيا للمدعوين إلى الوليمة والتي قدمها لتلاميذه كرمز لدمه كانت من عصير الكرمة النقي الغير المختمر . والنبي إشعياء يشير إلى هذه الخمر عندما يتكلم عن الخمر الجديدة "فِي الْعُنْقُودِ" قائلا: "لاَ تُهْلِكْهُ لأَنَّ فِيهِ بَرَكَةً" (إشعياء 8:65) .

إن المسيا هو الذي قدم الإنذار لإسرائيل قديما قائلا: "اَلْخَمْرُ مُسْتَهْزِئَةٌ . الْمُسْكِرُ عَجَّاجٌ ، وَمَنْ يَتَرَنَّحُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِحَكِيمٍ" (أمثال 20: 1) . فلا يعقل أنه يقدم مثل هذا المشروب بنفسه . إن الشيطان يجرب الناس لأن يسكروا بالخمر حتى تظلم عقولهم وتتخدر بصيرتهم الروحية . ولكن المسيا يعلمنا أن نخضع طبيعتنا الدنيا . لقد كانت حياته كلها مثالا يحتذى في إنكار الذات . فلكي يحطم قوة الشاهية (شهوة الطعام) احتمل أقسى امتحان يمكن أن يحتمله بشر نيابة عنا . إن المسيا هو الذي أوصى ألاّ يشرب يوحنا خمرا ولا مسكرا وهو الذي حذر امرأة منوح ومنعها عن الخمر والمسكر ، كما أنه نطق بالويل على من يسقي صاحبه خمرا ومسكرا . والمسيا لم يناقض تعاليمه . إن الخمر غير المختمرة التي قدمها للمدعوين إلى العرس كانت شرابا صحيا منعشا ، وكان من أثرها أنها جعلت ذوق الشاربين على وفاق مع القابلية السليمة .

وإذ أبدى المدعوون ملاحظاتهم على نوع الخمر أخذوا يسألون عدة أسئلة جعلت الخدام يعترفون بحدوث المعجزة ، فاستولت على تلك الجماعة دهشة بالغة جعلتهم ينسون التفكير إلى حين في ذاك الذي صنع العمل العجيب  . فلما بحثوا عنه أخيرا علموا أنه قد خرج بهدوء بحيث لم يلاحظ أحد خروجه حتى ولا تلاميذه أنفسهم .

ثم اتجه انتباه تلك الجماعة آنئذٍ إلى التلاميذ . ولأول مرة اعترفوا بإيمانهم بيهوشوه ، وأخبروهم بما كانوا قد نظروه وسمعوه عند نهر الأردن ، فاضطرمت في قلوب كثيرين من السامعين نار الرجاء في أن يهوه قد أقام مخلصا لشعبه . وقد انتشر نبأ تلك المعجزة في كل الإقليم حتى وصل إلى أورشليم ، ولذلك بدأ الكهنة والشيوخ يفتشون في أسفار الأنبياء الخاصة بمجيء المسيا باهتمام جديد ، كما نشأ في القلوب شوق شديد لمعرفة رسالة هذا المعلم الجديد الذي ظهر بين الشعب في غير تكلف أو ادعاء .

خطر الانجراف وراء الرسميات

لقد كانت خدمة المسيا على طرفي نقيض مع خدمة شيوخ اليهود . إن حرصهم على حفظ التقاليد والرسميات والطقوس قضى على الحرية الحقيقية للتفكير والعمل . لقد عاشوا طيلة حياتهم في رعب دائم من التنجس . فلكي يـتحاشوا النجسين كانوا يترفعون ليس فقط عن الأمم بل أيضاً عن الأكثرية الساحقة من بني أمتهم ، وبذلك لم يحاولوا أن ينفعوهم أو يكسبوا صداقتهم . وإذ ظلوا يفكرون في تلك الأمور صغرت عقولهم وضاق نطاق حياتهم ، وكان مثالهم مشجعا للأنانية والتعصب بين طبقات الشعب .

شرع يهوشوه في عمل الإصلاح بكونه أبدى عطفا شديدا على البشرية . ففي حين أنه أبدى أعظم احترام للشريعة الإلهية فقد وبخ الفريسيين على تقواهم المصطنعة وحاول أن يحرر الشعب من القوانين التي لا معنى لها والتي أسرتهم ، وحاول أن ينقض السياجات التي كانت تفصل طبقات الشعب عن بعضهم البعض لكي يجمع الناس معا كأفراد أسرة واحدة ، وهكذا كان حضوره إلى ذلك العرس خطوة في سبيل تحقيق ذلك القصد .

لقد وجه يهوه يوحنا المعمدان للسكنى في البرية ليتقي شر تأثير الكهنة ومعلمي الشعب ولكي يتأهب لرسالة خاصة ، ولكن صرامة حياته وعزلته لم تكونا مثالا يحتذيه الشعب . فهو نفسه لم يوصِ سامعيه باعتزال واجباتهم ، ولكنه أمرهم بأن يبرهنوا على توبتهم بأمانتهم ليهوه في عملهم الذي قد عيَّنه لهم .

وبخ المسيا الانغماس والإفراط في كل صورهما ، ومع ذلك كان اجتماعيا بطبيعته ، وكان يقبل كرم الضيافة من كل الطبقات ويزور بيوت الأغنياء والفقراء ، والعلماء والجهلاء على السواء ، وكان يحاول أن يسمو بتفكيرهم عن شؤون الحياة العادية إلى الأمور الروحية الأبدية . ولم يكن يتسامح مع الانغماس في الشهوات ، ولم يشوه تصرفاته أي أثر للرعونة العالمية ، ومع ذلك فقد سرَّته مناظر السعادة البريئة ، وبحضوره صادق على مجالس الإيناس . كانت حفلات الأعراس اليهودية فرصا تجلت فيها الحشمة والوقار ، ولم تكن الأفراح مغيظة لابن الإنسان . فإذ حضر يهوشوه هذه الوليمة أضفى على الزواج كرامة عظيمة على اعتبار أنه دستور إلهي .

العلاقة الزوجية

في العهد القديم والعهد الجديد كليهما تستخدم العلاقة الزوجية كرمز للاتحاد الحبي المقدس الكائن بين المسيا وشعبه . وقد كان المسيا يفكر أن أفراح ولائم الأعراس تشير إلى الأمام إلى فرح ذلك اليوم الذي فيه سيأتي بعروسه إلى بيت الآب ويجلس المفديون مع فاديهم في عشاء عرس الخروف ، فهو يقول: "كَفَرَحِ الْعَرِيسِ بِالْعَرُوسِ يَفْرَحُ بِكِ إِلهُكِ"، "لاَ يُقَالُ بَعْدُ لَكِ: مَهْجُورَةٌ ... بَلْ تُدْعَيْنَ: حَفْصِيبَةَ ... لأَنَّ يهوه يُسَرُّ بِكِ"، "يَبْتَهِجُ بِكِ فَرَحًا . يَسْكُتُ فِي مَحَبَّتِهِ . يَبْتَهِجُ بِكِ بِتَرَنُّمٍ" (إشعياء 62: 4، 5 ؛ صفنيا 3: 17) . عندما سمح ليوحنا الرسول أن يرى الرؤى السماوية كتب يقول: "وَسَمِعْتُ كَصَوْتِ جَمْعٍ كَثِيرٍ ، وَكَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ ، وَكَصَوْتِ رُعُودٍ شَدِيدَةٍ قَائِلَةً: هَلِّلُويَا! فَإِنَّهُ قَدْ مَلَكَ يهوه الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ . لِنَفْرَحْ وَنَتَهَلَّلْ وَنُعْطِهِ الْمَجْدَ! لأَنَّ عُرْسَ الْخَرُوفِ قَدْ جَاءَ ، وَامْرَأَتُهُ هَيَّأَتْ نَفْسَهَا ... وَقَالَ لِيَ: اكْتُبْ: طُوبَى لِلْمَدْعُوِّينَ إِلَى عَشَاءِ عُرْسِ الْخَرُوفِ! . وَقَالَ: هذِهِ هِيَ أَقْوَالُ يهوه الصَّادِقَةُ" (رؤيا 19: 6، 7، 9) .

لقد رأى يهوشوه في كل نفس شخصا ينبغي أن تقدم له الدعوة للدخول إلى ملكوته ، فوصل إلى قلوب الناس لأنه كان يسير بينهم كمن يطلب لهم الخير . كان يسعى إليهم في الشوارع العامة وفي المنازل وفي قوارب الصيد وفي المجمع وعلى شواطئ البحيرة وفي وليمة العرس ، وكان يلتقي بهم حيث كانوا يزاولون أعمالهم يوميا وأبدى اهتمامه بشؤونهم الدنيوية . وكان يقدم تعاليمه للعائلات جاعلا الناس وهم في بيوتهم يحسون بحضوره الإلهي ، فعطفه نحو كل فرد منهم شخصيا سبى قلوبهم . وفي أحيان كثيرة كان يذهب إلى الجبال ليصلى منفردا ، ولكن هذا كان إعدادا له ليقوم بعمله بين الناس في حياة الخدمة . وبعد ذلك كان يخرج ليخفف آلام المرضى ويعلم الجهال ويحطم قيود أسرى الشيطان .

علم يهوشوه تلاميذه بالاتصال الشخصي والمعاشرة . فأحيانا كان يعلمهم وهو سائر في وسطهم بجانب الجبل ، وأحيانا أخرى بجانب البحر أو وهو سائر معهم في الطريق فكان يعلن لهم أسرار ملكوت السماوات . لم يكن يقدم مواعظ رسمية كما يفعل الناس اليوم . فأينما وجدت قلوب مفتوحة لقبول الرسالة الإلهية كان يكشف لها عن حقائق طريق الخلاص . لم يكن يأمر تلاميذه أن يفعلوا هذا أو ذاك بل كان يقول لكل واحد "اتبعني" وحين كان يسافر في الأرياف أو المدن كان يصطحبهم معه لكي يروا كيف كان يعلم الشعب . لقد جمع بين مصالحه ومصالحهم فشاركوه في العمل .

الارتباط بمصالح البشر

إن مثال المسيا في كونه ارتبط بمصالح البشر ينبغي أن يحتذيه كل من يكرزون بكلمته وكل من قبلوا إنجيل نعمته . ينبغي ألاّ ننبذ الشركة الاجتماعية وألا نعزل أنفسنا عن الآخرين . فلكي يمكننا الوصول إلى كل الطبقات علينا أن نذهب لمقابلتهم حيث هم ، إذ يندر أنهم يطلبوننا من تلقاء أنفسهم . إن قلوب الناس لا تتأثر بالحق الإلهي الذي يلقى من على المنبر فقط ، بل هناك حقل آخر للعمل ، قد يكون وضيعا ولكنه يبشر بحصاد وفير ، إنه في أكواخ الفقراء كما في قصور الأغنياء والعظماء ، على المائدة وفي مجتمعات الأُنس البريئة .

وكتلاميذ للمسيا نحن لا نختلط بالعالم لمجرد حب السرور أو الملذات ، ولا لنشارك الناس في جهالاتهم ، فمثل تلك الاجتماعات لا ينجم عنها سوى الضرر . ينبغي ألاّ نبيح الخطية بكلامنا أو أعمالنا أو صمتنا أو حضورنا . فأينما نذهب ينبغي لنا أن نصطحب يهوشوه معنا وأن نعلن للآخرين عن قيمة مخلصنا العظيمة . أما أولئك الذين يريدون الاحتفاظ بديانتهم بإخفائها في حصون مشيدة فستضيع عليهم فرص كثيرة لعمل الخير ، إذ عن طريق الصلات الاجتماعية تتقارب المسيحية من العالم . فكل من قد حصل على النور الإلهي عليه أن ينير طريق أولئك الذين لا يعرفون نور الحياة .

علينا جميعا أن نكون شهودا ليهوشوه . فالجاذبية الاجتماعية أو ميل الإنسان إلى المعاشرة إذ تتقدس بنعمة المسيا ينبغي استخدامها في ربح النفوس للمخلص . ليرَ العالم أننا لسنا بكل أنانية مشغولين في مصالحنا الخاصة ، بل أننا نرغب في إشراك الآخرين في بركاتنا وامتيازاتنا . لنرِهم أن ديانتنا لا تجعلنا عديمي العطف أو متعصبين . فعلى كل من يعترفون بأنهم قد وجدوا المسيا أن يخدموه كما قد خدم هو لخير الناس .

ينبغي ألاّ نجعل العالم يعتقد اعتقادا كاذبا أن المسيحيين قوم تعساء تعلو العبوسة وجوههم . فإذا ثبتنا أنظارنا في يهوشوه سنرى أنه الفادي العطوف وسيشرق نور وجهه علينا ، إذ حيثما يملك روحه يحل السلام . وسيكون هنالك أيضاً الفرح لأن في يهوه ثقة مقدسة هادئة .

إن المسيا يفرح بتابعيه عندما يبرهنون على أنهم شركاء الطبيعة الإلهية مع أنهم بشر مجبولون من التراب . إنهم ليسـوا تماثيل جامدة ولكنهم أناس أحياء . فقلوبهم إذ تنتعش بندى النعمة الإلهية تنفتح وتتسع لشمس البر ، والنور الذي يشع عليهم يعكسونه على الآخرين في أعمالهم المنيرة بمحبة المسيا .

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
1
1
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
03
28
نتمنى لكم يوم رأس شهر مبارك في السنة الجديدة.
Calendar App