8. الطبيب معلّم ومرشد
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

 

الطبيب الحقيقي هو معلّم ومرشد‏.‏ إنّه يعترف بأنّه مسؤول ليس عن المرضى الذين هم تحت رعايته المباشرة وحسب‏،‏ بل أيضاً تجاه المجتمع الذي يعيش فيه .. فهو يقف حارساً للصحّة البدنيّة والأدبيّة كلتيهما‏.‏ إنّه يسعى ليس فقط ليعلّم الطرق الصائبة في معالجة المرضى بل ليشجّع على العادات الصالحة للمعيشة‏،‏ ولينشر معرفة المباديء الصائبة. 

الحاجة لتعليم مباديء الصحّة

لم يكن تعليم مبادئ الصحّة لازماً في أيّ وقت مضى أكثر مما هو لازم الآن‏.‏ فبالرغم من التقدّم المدهش في النواحي المتعلّقة بوسائل الراحة للحياة حتى بالمسائل الصحّية ومعالجة المرض‏،‏ فإنّ انحطاط النشاط الجسدي وقوّة الاحتمال أمر مفزع‏،‏ وهو يتطلّب اهتمامَ وانتباهَ كلِّ من يحرصون على خير أخوتهم البشر وسلامتهم‏.

إنّ مدنيّتنا المصطنعة تُشجّع على انتشار الشرور المقوّضة للمباديء السليمة‏.‏ فالعادة والزيّ هما في حالة حرب مع الطبيعة‏،‏ لأنّ الممارسات التي يفرضانها والانغماسات التي يتعهّدانها تُضعف بكيفيّة مستمّرة من القوّة البدنيّة والعقليّة‏،‏ وتُثقّل كاهل الجنس البشري بعبءٍ لا يمكن احتماله‏.‏ إنّ عدم الاعتدال والجريمة والمرض والشقاء منتشرة في كلّ مكان.

كثيرون يتعدّون قوانين الصحّة جهلاً منهم‏،‏ وهم بحاجة إلى تعليم وإرشاد‏.‏ ولكنّ الغالبيّة الكبرى يعرفون أفضل مما يفعلون‏.‏ إنّهم بحاجة إلى إقناعهم بجعل معرفتهم مرشداً للحياة‏.‏ ولدى الطبيب فرصٌ كثيرةٌ لنشر معرفة مباديء الصحّة وإرشاد الناس إلى أهميّة العمل بها. وبواسطة التعليم الصائب يستطيع أن يساهم بقسط كبير في القضاء على الشرور التي تسبّب ضرراً بليغاً.

استعمال العقاقير أو المخدّرات

وهنالك تصرّف يمهّد الطريق لقدر هائل من المرض بل لشرور أخطر‏،‏ هو الإكثار من استعمال العقاقير السامّة‏.‏ كثيرون من الناس عندما يهاجمهم المرض لا يكلّفون أنفسهم مشقّة البحث عن سبب مرضهم‏،‏ فيجعلون همّهم الوحيد التخلّصَ من الألم والإزعاج‏.‏ وهكذا يلجأون إلى استعمال عقاقير مجهولة لا يعرفون إلاّ القليل عن خواصّها الحقيقيّة‏،‏ أو يلجأون إلى طبيب في طلب دواء يُبطل ويمنع نتيجةَ سوء فِعلهم دون التفكير في إحداث تغيير في عاداتهم الضارّة‏.‏ فإذا لم يحصلوا على فائدة سريعة يجرّبون دواءً آخرَ فآخر‏،‏ وهكذا يستمرّ الشرّ.

فالناس بحاجة إلى أن يتعلّموا أنّ العقاقير لا تُشفي المرض‏.‏ لا جدل في أنّها أحياناً تجلب راحة سريعة‏،‏ فيبدو على المريض وكأنّه قد شُفيَ نتيجة لتعاطيها‏.‏ ذلك لأنّ لدى الطبيعة قوّةً حيويةً كافيةً لطرد السمّ وتصحيح الظروف التي سبّبت المرض‏.‏ فالصحّة تُستردّ بالرغم من العقاقير‏.‏ ولكن في معظم الحالات كلّ ما يعمله الدواء المخدّر هو أنّه يغيّر شكل المرض وموضعه‏.‏ وفي أكثر الحالات يبدو وكأنّ الإنسانَ قد تغلّب على مفعول السمّ إلى حين‏،‏ ولكنّ النتائج تبقى في الجسم وتُحدث ضرراً بليغاً فيما بعد.

كثيرون من الناس بتعاطيهم العقاقير السامّة يجلبون على أنفسهم أمراضاً تلازمهم مدى الحياة‏،‏ وقد هلكت أرواح كثيرة كان يمكن إنقاذُها باستعمال وسائط الشفاء الطبيعيّة‏.‏ إنّ السموم التي تحتوي عليها الكثير ممّا يُدعى أدوية تعمل على تكوين عادات وأمزجة وقابليّات ينتج عنها الدمار لكلا النفس والجسد‏.‏ إنّ كثيراً من العقاقير المجهولة التي يقال عنها إنّها أدوية مباحة‏،‏ بل حتى بعض العقاقير التي يصفها الأطباءُ،‏ لها تأثير كبير في التمهيد لعادة تعاطي الخمر وعادة تعاطي الأفيون والمورفين التي هي جميعاً لعنة هائلة على المجتمع.

قوّة الطبيعة المُنعشة والمجددة

إنّ الأملَ الوحيد في تحسّن الأحوال هو في تعليم الناس المباديء الصائبة‏.‏ ليعلّم الأطباء الناس أنّ القوّة المجدّدة ليست في العقاقير بل في الطبيعة‏،‏ وأنّ المرض مجهود تبذله الطبيعة لتحرير الجسم من الحالات التي تحدث نتيجة لتعدّي قوانين الصحّة‏.‏ وفي حالة المرض ينبغي التأكد من السبب‏.‏ ينبغي تغيير الظروف غير الصحيّة وإصلاح العادات الخاطئة‏،‏ وهذا يساعد الطبيعة في مسعاها لطرد الأجسام الغريبة وإعادة الحالات الصحيحة إلى الجهاز البدني.

العلاجات الطبيعية

إنّ الهواء النقيّ ونور الشمس والتعفف والراحة والرياضة البدنيّة والغذاء المناسب وشرب الماء والثقة بقدرة يهوه - هذه هي العلاجات الحقيقية‏.‏ وينبغي أن يكون كلّ إنسان على علم بقوى الطبيعة العلاجيّة وكيف يستخدمها‏.‏ وضروري أن يفهم الإنسان المباديء المتضمّنة في معالجة المرضى وأن يتدرّب تدريباً عملياً يُمكّنه من استخدام هذه المعرفة استخداماً صائباً.

إنّ استخدامَ العلاجات الطبيعيّة يتطلّب قدراً من الحرص والجهد‏،‏ الأمر الذي لا يرغب الكثيرون في بذله‏.‏ إنّ عمليّة الطبيعة في الشفاء والبناء هي تدريجيّة‏.‏ والضجرون يعتبرونها بطيئة‏.‏ إنّ التخليّ عن الانغماسات الضارّة يتطلّب تضحية‏.‏ ولكن في النهاية سيُكتشف أنّ الطبيعة، وقد تحررت من العوائق‏،‏ تقوم بعملها قياماً حسناً وبحكمة‏.‏ والذين يثابرون على الطاعة لنواميسها سيحصدون الجزاء في صحّة البدن وصحّة الذهن.

إنّ اهتماماً أقلّ من اللازم بكثير يكرس‏،‏ عادة لحفظ الصحّة‏.‏ إنّ منع المرض بالوقاية منه لأفضل بكثير من معرفة كيفيّة معالجته عندما يُصيب الإنسان‏.‏ وواجب كلّ إنسان لأجل نفسه ولأجل الإنسانية أن يتعرّف على قوانين الحياة ويطيعها بكلّ إخلاص ونزاهة‏.‏ يجب أن يكون الجميع ملمّين وعلى علم بذلك الجهاز الذي هو أعظم جهاز مدهش‏،‏ وأعني به جسمَ الإنسان‏.‏ وعليهم أن يفهموا وظائف أعضاء الجسم المختلفة واعتماد كلّ عضو على غيره لتقوم الأعضاء كلهُّا بعملها على الوجه الصحيح‏.‏ عليهم أن يدرسوا تأثير العقل في الجسم وتأثير الجسم في العقل، والقوانين التي يسيران بموجبها‏.

التدريب على الكفاح في الحياة

إنّنا لا نتجاوز الحدّ مهما شدّدنا على أنّ الصحّة لا تتوقّف على المصادفة‏.‏ ولكنّها تأتي نتيجة لإطاعة القانون‏.‏ هذا ما يعترف به المتبارون في الألعاب الرياضية واختبار القوّة‏.‏ هؤلاء الرجال يقومون بأعظم الاستعدادات الحريصة‏.‏ إنّهم يخضعون لتدريب كامل وتمرين دقيق. وينظّمون بكلّ حرص كلّ عادة جسمانيّة‏،‏ لعلمهم بأنّ الإهمال أو الإفراط أو عدم الاكتراث الذي يُضعف أيّ عضو أو وظيفة في الجسم أو يعجزها لابدّ من أن يُلحق بصاحبه الهزيمة.

فكم هو أهمّ جداً ذلك الحرص لأجل ضمان النجاح في كفاح الحياة‏.‏ إنّنا لا نشتبك في معارك تمثيليّة وهميّة‏،‏ ولكنّنا نثير حرباً تتوقّف عليها نتائج أبديّة‏.‏ إنّنا نواجه أعداءَ لا تراهم العين‏.‏ فالملائكة الأشرار يحاولون السيطرة على كلِّ إنسان‏.‏ إنّ كلّ ما يضرّ بالصحّة لا يقلل من النشاط الجسماني فقط‏،‏ ولكنّه فوق ذلك يُضعف القوى العقليّة والأدبيّة‏.‏ فالإفراط في أيّ عملٍ غير صحّي يُزيد من صعوبة التمييز بين الصواب والخطأ‏،‏ وبالتالي يزيد من صعوبة مقاومة الشرّ.‏ كما أنّه يزيد من خطر الفشل والهزيمة.

"الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ وَلكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجَعَالَةَ" (1كورنثوس 9: 24). أمّا في الحرب التي نحن مشتبكون فيها فيمكن لكلّ من يدربون أنفسهم على إطاعة مباديء الحقّ أن ينتصروا‏.‏ إنّ ممارسة هذه المباديء في شؤون الحياة الصغيرة كثيراً ما يُنظر إليها على أنّها غير مهمّة - مسألة أتفه من أن تستحقّ الانتباه‏.‏ ولكن بالنظر إلى الشؤون المعرّضة للخطر لا يوجد شيء أصغر مما يجب علينا عمله‏.‏ فكلّ عمل يلـقي بثقــل في المـيزان الذي يقـرر نصرة الحـياة أو هزيمتها‏.‏ والكتاب يأمرنا قائلا‏:‏ "هكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا" (1كورنثوس 9: 24).

لقد كانت الرغبة أو الشهوة غير المعتدلة في قلب أبوينا الأولين كفيلة بحرمانهما من عدن‏.‏ إنّ الاعتدال في كلّ شيءٍ له دخل في إعادتنا إلى عدن أكثر مما يدرك الناس.

وبالإشارة إلى ضبط النفس الذي كان يتدرّب عليه المتبارون في الألعاب الإغريقية قديماً يكتب بولس الرسول قائلا‏:‏ "كُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَمَّا أُولئِكَ فَلِكَيْ يَأْخُذُوا إِكْلِيلاً يَفْنَى وَأَمَّا نَحْنُ فَإِكْلِيلاً لاَ يَفْنَى. إِذاً أَنَا أَرْكُضُ هكَذَا كَأَنَّهُ لَيْسَ عَنْ غَيْرِ يَقِينٍ. هكَذَا أُضَارِبُ كَأَنِّي لاَ أَضْرِبُ الْهَوَاءَ بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا" (1كورنثوس 9: 25- 27).

أساس الإصلاح

إنّ تقدّم الإصلاح يتوقّف على الاعتراف الصريح بالحقّ الأساسي‏.‏ ففي حين أنّ الخطرَ يكمن في الفلسفة الضيّقة المتزمّتة واستقامة الرأي الجامدة الصارمة من ناحية‏،‏ فمن الناحية الأخرى يوجد خطر عظيم من حرّية الرأي المُستهترة‏.‏ إنّ أساس كلّ إصلاح دائم هو شريعة بهوه. فعلينا أن نبيّن الحاجة إلى إطاعة هذه الشريعة في سطور صريحة واضحة‏.‏ وينبغي أن تظلّ مبادئها ماثلة أمام أنظار الناس‏.‏ إنّها أبديّة وغير متساهلة كيهوه نفسه.

ومن أعظم المؤثّرات المحزنة للارتداد الأصلي الأوّل فقدان الإنسان قوّة ضبط النفس‏.‏ وعلى قدر ما نستردّ هذه القوّة يمكن أن يكون هنالك تقدّم ونجاح حقيقي.

الجسم هو الواسطة الوحيدة التي عن طريقها ينمو الذهن والنفس لأجل بناء الخلق‏.‏ ولهذا يصِّوب عدّو النفوس تجاربَه لإضعاف قوى الجسم وتحقيرها والحطّ منها‏.‏ ونجاحُه في هذا معناهُ إخضاع الإنسان كلّه للشرّ.‏ إنّ ميول طبيعتنا الجسدّية ما لم تكن تحت سيطرة قوّة أسمى لابدّ من أن تؤدي بنّا إلى الدمار والموت‏.

ينبغي إخضاعُ الجسد‏.‏ ويجب أن تسودَ عليه القوى الأسمى في الإنسان‏.‏ ومن اللازم أن تُسيطر الإرادةُ على العواطف والأهواء‏.‏ والإرادةُ نفسها يجب أن تخضع ليهوه.‏ وقوّة العقل السامية التي تقدّسها النعمة الإلهيّة هي التي ينبغي أن تسوَد في حياتنا.

إنّ مطالبَ يهوه ينبغي أن تقتنع بها ضمائرُنا‏.‏ وعلى الرجال والنساء أن يستيقظوا إلى واجب ضبط النفس والحاجة إلى الطهارة والتحرر من كلّ شهوة مفسدة وكل عادة دنسة‏.‏ وهم بحاجة إلى الاقتناع بحقيقة كون كلّ قوى العقل والجسد هبةً من يهوه وينبغي حفظَها في أفضل حالة ممكنة لأجل خدمته‏.

في ذلك الطقس القديم الذي كان رمزاً إلى الإنجيل لم يكن يُسمح لأحد بالإتيان بذبيحة فيها عيب ما إلى مذبح يهوه .‏ فالذبيحة التي ترمز إلى المسيا كان ينبغي أن تكون بلا عـيب‏.‏ وكلمة يهوه تشـير إلى هـذا كمـثال لما ينبغي أن يكـون علـيه أولاد يهوه.‏ فتقـول‏:‏ "ذَبِيحَةً حَيَّةً"، "مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ" ، "مَرْضِيَّةً عِنْدَ يهوه" (‏رومية ‏12: 1؛ أفسس 5: 27).

الحاجة إلى القوّة الإلهية

بدون قوّة لا يمكن تحقيقُ أيّ إصلاح حقيقي‏.‏ إنّ الحواجزَ البشرّيةَ ضد الميول الطبيعيّة والمكتسبة إن هي إلاّ كشاطيءِ رمليّ ضدّ السيل الجارف‏.‏ إنّنا لا نستطيع مقاومة التجارب التي تهاجمنا من الداخل ومن الخارج ما لم تَصِر حياة المسيا قوةً مُحيّيةً في حياتنا.

لقد أتى المسيا إلى العالم وعاش بموجب شريعة يهوه حتى يتسنّى للإنسان أن يسيطرَ سيطرة كاملة على ميوله الطبيعيّة التي تفسد النفس‏.‏ وكطبيب للنفس والجسد هو يمنح النصرة على الشهوات المحاربة‏.‏ لقد أعدّ كلّ ما يساعد الإنسان وييسّر له امتلاكَ كمالِ الخلق.

وعندما يُسلّم الإنسان نفسَه للمسيا فالعقلُ يخضع لضبط الشريعة‏،‏ ولكنّها الشريعة الملكيّة التي تعلن الحرّية لكلّ أسير‏.‏ وإذ يصير الإنسان واحداً مع المسيا يتحرر‏.‏ فالخضوع لإرادة المسيا معناه استرداد الرجولة الكاملة.

الطاعة ليهوه هي التحرر من عبوديّة الخطيّة ومن الشهوات والنوازع البشرّية‏.‏ ويمكن للإنسان أن يقفَ منتصراً على نفسه‏،‏ منتصراً على ميوله‏،‏ منتصراً على الرياسات والسلاطين وعلى ولاةِ العالم على ظلمة هذا الدهر وعلى "أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ" (أفسس 6: 12).

إنّ البيت هو أحوج ما يكون إلى هذا التعليم‏،‏ ولا يمكن أن يكون هذا التعليم منتجاً لخير أعظم مما في البيت‏.‏ إنّ للوالدين دخلاً في نفس أساس العادة والخلق‏.‏ وحركة الإصلاح يجب أن تبدأ بتقديم مباديء شريعة يهوه لهم على أنّ لها علاقة بالصحّة البدنيّة والأدبيّة كلتيهما. بيّنوا لهم أنّ الطاعة لكلمة يهوه هي حامينا الوحيد من الشرور التي تكتسح العالم إلى الهلاك‏.‏ ثمّ وضّحوا لهم مسؤولية الوالدين‏،‏ ليس فقط عن أنفسهم بل أيضاً عن أولادهم‏.‏ إنّهم يقدّمون لأولادهم مثالاً وقدوةً إمّا للطاعة أو للعصيان‏.‏ فبقدوتهم وتعليمهم يتقرر مصيرُ عائلاتهم‏.‏ والأولاد يكونون كما يصنعهم والدوهم.

ولو أمكن للوالدين أن يتّتبعوا نتيجة عملهم ويروا كيف أنّهم بقدوتهم وتعليمهم يؤيّدون ويزيدون قوّة الخطيّة أو قوّة البرّ فلابدّ من أن يحدث تغيير ولابدّ من أن يترك كثيرون التقاليدَ والعاداتِ ويقبلون المباديءَ الإلهيّةَ للحياة‏.

قوّة القدوة

إنّ الطبيب الذي يخدم في بيوت الشعب ساهراً عند أسِرَّةِ المرضى مخففاً آلامهم مُرجعاً إياهم من تخوم الهاوية‏.‏ ومتكلّماً بكلام الرجاء للمحتضرين‏،‏ يظفر بثقتهم ومحبّتهم‏،‏ الأمر الذي لا يُعطى إلاّ لنفر قليل‏.‏ وحتى خادم الإنجيل نفسه لا تُعطى له مثل هذه الإمكانيات العظيمة أو مثل هذا التأثير البعيد المدى.

إنّ قدوة الطبيب التي لا تقلّ عن تعليمه ينبغي أن تكون قوّة إيجابيّة في جانب الصواب‏.‏ فقضيّة الإصلاح تتطلّب رجالاً ونساءً يكون عمل حياتهم مثالاً لضبط النفس‏.‏ وإنّ مّمارسة المباديء التي نراعيها في الأذهان هي التي تعطيها وزناً وقيمة‏.‏ فالعالم بحاجة إلى إظهار وإعلان عملي لما يمكن لنعمة يهوه أن تفعله لتعيد إلى بني الإنسان مركزهم‏،‏ معطية إيّاهم السيادةَ على أنفسهم.‏ ليس من شيءٍ يحتاجه العالم قدر حاجتِه إلى معرفة قوّة الإنجيل المخلّصة المُعلنة في الحياة المُتشبّهة بحياة المسيا.

إنّ الطبيب يكون دائماً على اتصال بمن يحتاجون إلى قوّة وتشجيع المثال الصائب‏.‏ يوجد كثيرون ضعفاء في القوّة الأدبّية‏.‏ هؤلاء تعوزهم قوّة ضبط النفس وتغلبهم التجربةُ بسهولة‏.‏ والطبيب في مقدوره مساعدة هؤلاء الناس فقط على قدر ما يعلن في حياتِه من قوّة المبدأ التي تمكّنه من الانتصار على كلّ عادة مضّرة وكلّ شهوة نجسة‏.‏ ويجب أن يُرى في حياته عمل القوّة الإلهية‏.‏ فان أخفق في هذا فمهما يكن كلامه فعّالاً أو مُقنعاً فإنّ تأثيره يكون في جانب الشرّ.

كثيرون ممن قد صارت أخلاقهم حطاماً بفعل عاداتهم الشرّيرة الخاطئة يلتمسون مشورة الطبيب ومعالجته‏.‏ إنّهم منسحقون وضعفاء ومُجَّربون ويحسّون بجهلهم وغبائهم وعجزهم على الانتصار‏.‏ أمثال هؤلاء ينبغي ألاّ يكون هنالك شيء في بيئتهم يشجعهم على الاستمرار في التمسّك بأفكارهم ومشاعرهم التي صيّرتهم إلى تلك الحال التي وصلوا إليها‏.‏ فهم بحاجة إلى أن يتنسّموا جوّاً من الطهارة والنقاوة والفكر النبيل‏.‏ فكم تكون المسؤوليّة رهيبةً عندما يكون الذين كان ينبغي أن يكونوا قدوة صالحة لهم‏،‏ مستَعبَدين لعاداتٍ كريهة‏،‏ وقدوتهم تضفي على التجربة قوّة جديدة‏!

الطبيب وعمل الاعتدال

كثيرون يأتون ليتعالجوا عند الطبيب ممّن قد دُمّرت نفوسهُم وأجسامُهم بسبب تعاطيهم التدخين أو المسكرات‏.‏ فالطبيب الذي هو أمين نحو مسؤوليته ينبغي له أن يخبرَ هؤلاء المرضى بعلّة آلامهم‏.‏ أمّا إذا كان هو نفسُه مدمناً للتدخين أو المسكرات فأيّ وزن وأيّة قيمة تكون لكلامه؟ فمع إحساسه بانغماسه في هذه العادات‏،‏ أفلن يتردّد في تبصير مريضه بنقطة الداء أو الضربة التي في حياته؟ وما دام هو نفسه يتعاطى هذه الأشياء فكيف يمكنه إقناع الشباب بآثارها المضرّة؟

وكيف يمكن للطبيب أن يقف في المجتمع مثالاً للطهارة وضبط النفس‏،‏ وكيف يستطيع أن يكون عاملاً فعّالاً في قضيّة الاعتدال في حين أنّه هو نفسه مدمن لعادة شرّيرة؟ وكيف يستطيع أن يخدمَ خدمةً مقبولةً عند أسَّرة المرضى والمحتضرين في حين أنّ نَفَسَه هو ذاته نَفَسٌ كريهٌ تفوح منه رائحةُ الخمر والتبغ؟

وإذ يوقع الطبيبَ الاضطرابُ والتشويشُ في أعصابه ويظلم عقلُه بتعاطيه للسموم المخدّرة كيف يمكنه أن يكون أميناً للثقة التي وضعت فيه كطبيب ماهر؟ وكم يغدو من المستحيل عليه أن يميّزَ الأمور بسرعة أو يعمل بدقّة‏!

وإذا لم يحفظ القوانينَ التي تحكم كيانه بل يختار ما يُرضي مزاجَه الأنانيَّ مُضحيّاً بسلامة الجسم وصفاء الذهن‏،‏ ألاّ يعلن بذلك أنّه غيرُ أهلٍ لأن يؤتمَن على أرواح الناس التي هو مسؤول عن سلامتها؟

صعوبات في عمل الطبيب

مهما يكن مبلغُ مهارة الطبيب وأمانته فإنّ في عمله‏،‏ كما يبدو‏،‏ كثيراً من المفشّلات والهزائم‏.‏ فكثيراً ما يفشل عملُه في إنجاز ما يصبو إلى إنجازه‏.‏ ومع أنّ المرضى يستردّون صحّتهم فقد لا يكون ذلك ذا نفع حقيقيّ لهم ولا للعالم‏.‏ كثيرون تُستردّ لهم الصحّة فقط ليعودوا إلى تكرار الانغماس في ما جلب عليهم المرضَ قبلاً.‏ وبنفس الشوق واللهفة الماضية يعودون للانغماس في الشهوات والجهالات من جديد‏.‏ فعمل الطبيب لأجلهم يبدو وكأنّه جهدٌ ضائعٌ.

لقد جاز المسيا في نفس هذا الاختبار‏،‏ ومع ذلك فهو لم يكفّ عن بذل جهوده لأجل نفسٍ واحدةٍ متألّمة‏.‏ فمن بين البرص العشرة الذين قد طهروا لم يقدر هذه الهبة غيرُ رجلٍ واحدٍ وكان سامرّياً غريب الجنس‏.‏ فلأجل ذلك الرجل الواحد شفى المسيا العشرة‏.‏ فإذا لم يظفر الطبيب بقسط من التقدير أعظمَ مما ظفر به المخلّص فليتعلّم درساً من الطبيب الأعظم‏.‏ لقد قيل عن المسيا إنّه "لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَنْكَسِرُ". "مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ" (اشعياء 42: 4؛ 53: 11).

لو أنّ نفساً واحدةً أرادت قبول إنجيل نعمة المسيا لكان السيد يهوشوه قد اختار حياة التعب والاتضاع وموت العار لكي يخلّص تلك النفس‏.‏ ولو أنّ إنساناً واحداً يتسامى ويصل إلى حياة النبل والكرامة وصار أهلاً لأن يضيءَ في مواطن السيد بواسطة جهودنا ألا يكون ذلك سبباً كافياً لأجله نفرح؟

إنّ واجباتِ الطبيب شاقة ومتعبة‏.‏ ولكي يتممها بأعظم نجاح فهو بحاجة إلى مزاج قويّ وصحّة جيّدة‏.‏ فالرجل الضعيف أو السقيم لا يستطيع مواصلةَ العمل المُضني الخاص بدعوة الطبيب‏.‏ والذي تعوزه قوّة ضبط النفس الكاملة لا يمكنه أن يكون صالحاً لمعالجة كلّ أنواع الأمراض.

إنّ الطبيب إذ يُحرَم في غالب الأحيان من النوم‏،‏ ويُهمل حتى في تناول الطعام‏،‏ ويكون منقطعاً إلى حدّ كبير عن تمتّعات المجتمع والامتيازات الدينيّة فإنّ حياته تبدو أنّها مكتنفة بظلام دائم‏.‏ فالآلام والأحزان التي يشاهدها والمرضى الذين يعتمدون عليه وهم متلهّفون إلى معونته‏،‏ واتصاله بالمحزونين - كلّ ذلك يسقم قلبَه ويكادّ يلاشي ثقتَه بالإنسانية.

وفي المعركة التي يخوضها الطبيب ضدّ المرض والموت يبذل قواه إلى أقصى حدود الاحتمال‏.‏ وإنّ ردّ الفعل الناتج عن هذا الإجهاد العظيم فيه اختبارٌ قاسٍ لخلُقه إلى أبعد حدّ.‏ وحينئذ تشتدّ التجربة إلى أقصى حدود قوّتها‏.‏ إنّ الطبيب أكثر من كلّ إنسان يحترف أيّةَ مهنة أخرى، بحاجة إلى ضبط النفس وطهارة الروح والإيمان الذي يتمسّك بالسماء‏.‏ فلأجل غيره ولأجل نفسه لا يمكنه إغفالُ القانون الجسدي‏.‏ فالتهّور في العادات الجسديّة يؤدّي إلى التهوّر في الآداب.

الواقي الوحيد

إنّ سلامةَ الطبيب الوحيدة هي‏،‏ في كلّ الظروف‏،‏ أن يعملَ بموجب المبدأ،‏ متقوّياً ومتسامياً بالعزم الثابت الذي يوجد في يهوه وحده‏.‏ عليه أن يقفَ في جلال خلُقه الأدبي‏.‏ وعليه أن يحيّا يوماً فيوماً وساعة فساعة ولحظة فلحظة كمن هو أمام العالم غير المنظور‏.‏ أن يتشدّد "كأنه يرى من لا يُرَى".

البرّ متأصّل في التقوى،‏ فلا يمكن لإنسان أن يظلّ محتفظاً بالحياة الطاهرة القويّة أمام بني جنسه ما لم تكن حياتُه مستترة مع المسيا في يهوه.‏ فعلى قدر ما يعظم نشاطُ الإنسان بين الناس ينبغي أن تكون شركةُ قلبه مع السماء أوثق وأقرب.

وكلّما كانت واجبات الطبيب معجّلةً وملحّةً وكلّما عظمت مسوؤلياتُه‏،‏ عظمت تبعاً لذلك‏،‏ حاجتُه إلى قوّة يهوه،‏ وينبغي افتداءُ الوقت من الأمور الزمنيّة للتأمّل في الأمور الأبديّة‏.‏ وعليه أن يقاوم العالمَ المتعدّي الحدود والزاحف عليه‏،‏ الذي يريد أن يضغطَه بحيث يفصل بينه وبين نبع القوّة‏.‏ وعليه‏،‏ أكثر من جميع الناس‏،‏ بالصلاةِ ودرس الكلمة‏،‏ أن يضع نفسَه في حمى ترس يهوه الواقي‏،‏ وعليه في كلّ ساعة أن يحيّا في اتصال دائم وشركة واعية مع مباديء الحقّ والبرّ والرحمة التي تُعلن صفاتِ يهوه في النفس.

وبقدر ما يقبل الإنسان كلمة يهوه ويطيعها فهي تطبع بقوّتها وتلمس بحياتها كلَّ نبعٍ من ينابيع النشاط وكلَّ طورٍ من أطوار الخلق‏.‏ وهي تُطهّر كلّ فكر وتُنظّم كلّ رغبة‏.‏ فالذين يجعلون كلمة بهوه متّكلهم سيكونون رجالاً ويتقوون‏.‏ إنّهم يرتفعون فوق كلّ الأشياء السفلى حتى يصلوا إلى جوِّ نقيٍّ خالٍ من النجاسة‏.

وعندما يكون الإنسان في شركة مع بهوه فإنّ ذلك العزم القويم الذي لا التواء فيه الذي حفظ يوسف ودانيال في وسط فساد البلاط الوثني سيجعل حياتَه حياةَ الطهارة التي لا يدانيها دنس‏.‏ وثياب أخلاقه ستكون بلا عيب‏.‏ وسيظهر في حياته نورُ المسيا الذي لا يشوبه ظلام‏.‏ومن فوقه سيلمع نورُ كوكب الصبحِ المنيرِ بثبات ومجد لا يعتريه تغييرٌ أو أفول‏.

مثل هذه الحياة ستكون عنصراً من عناصر القوّة في المجتمع‏.‏ وستصير حاجزاً يصدّ الشرّ وحمى للمجَرّبين ونوراً هادياً للذين في وسط الصعوبات والمخاوف والمفشّلات يبحثون عن الطريق المستقيم.

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
11
25
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
01
23
Calendar App