6. خلصوا ليخدموا
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.


الوقت هو صباح أحد الأيام عند بحر الجليل‏.‏ فلقد أتى يهوشوه وتلاميذه إلى الشاطيء إثر ليلة عاصفة قضوها على سطح الماء في عرض البحر‏.‏ وها هو نور الشمس المشرق يلمس البحر واليابسة كما ببركة السلام‏.‏ ولكن ما أن تطأ أقدامهم الشاطيء حتى يستقبلهم منظر أرهب من منظر البحر الصاخب المتلاطم الأمواج‏.‏ فمن أحد المخابيء التي بين القبور يندفع إليهم مجنونان كأنّما يريدان أن يمزّقاهم إرباً إرباً.‏ وكانت تتدلّى من أيدي هذين الرجلين أجزاء من سلاسل كانا قد كسراها عند هروبهما من الحبس‏.‏ إنّ لحمهما ممزّق يسيل منه الدمُ وعيونهما تسطع من خلال شعرهما الطويل الأشعث‏.‏ وكأنّ صورة الإنسان قد امَّحت منهما تماماً فأصبحا أكثر شبهاً بالوحوش البرية منهما بالبشر.

فيهرب التلاميذ ورفاقهم رعباً،‏ ولكنّهم في الحال يجدون أنّ يهوشوه لم يهرب معهم فيعودون للبحث عنه‏،‏ وإذا هو واقف حيث تركوه‏.‏ فذاك الذي هدّأ العاصفة‏،‏ والذي قبل ذلك التقى بالشيطان وهزمه لا يهرب أمام هذه الشياطين‏.‏ فإذ يقترب الرجلان من يهوشوه وهما يصرّان بأسنانهما والزبد يغطي شفاههما، يرفع يدَه التي أمرت الأمواج بأن تهدأ‏،‏ فلم يستطع الرجلان أن يقتربا أكثر من ذلك‏.‏ إنّهما يقفان أمامه هائجَين ولكن عاجزين.

وبسلطانٍ يأمر الأرواح الشريرة بأن تخرج منهما‏.‏ إنّ الرجلين التعيسين يتحققان من أنّ شخصاً قريباً منهما يستطيع تخليصهما من الشياطين التي تعذّبهما‏.‏ فيخرّان عند قدمي المخلص ليتوسّلا إليه في طلب رحمته‏.‏ ولكن عندما تنفرج شفاههما تتكلم الشياطين على لسانيهما قائلة: "مَا لَنَا وَلَكَ يَا يهوشوه ابن يهوه.‏ أجئتَ إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا‏؟" (متى 8: 29).

لكنّ الأرواح الشريرة تُرغَم على الإفراج عن فريستيها‏،‏ فيحدث تغيير عجيب في المجنونين‏،‏ فالنور ينبثق في عقليهما وتلمع عيونهما بالذكاء‏.‏ ووجهاهما اللذان تشوَّها بحيث صارا على صورة الشيطان يصبحان الآن هادئين‏.‏ وأيديهما الملوّثة بالدمِ تهدأ‏،‏ ثم يرفع الرجلان صوتهما بالشكر ليهوه.

وفي أثناء ذلك فالشياطين إذ خرجت من ذينك الرجلين دخلت في الخنازير وساقتها إلى الهلاك‏،‏ فأسرع رعاة الخنازير ليذيعوا الخبر‏،‏ فاجتمعت المدينة كلّها لملاقاة يهوشوه.‏ لقد كان المجنونان رعباً للإقليم كله‏،‏ أمّا الآن فإنّ هذين الرجلين لابسان وعاقلان وجالسان عند قدمي يهوشوه يصغيان إلى أقواله ويمجّدان اسم من قد شفاهما‏.‏ ولكنّ شهود هذا المنظر العجيب لا يفرحون‏.‏ فخسارة الخنازير تبدو في نظرهم أخطر من خلاص هذين الرجلين اللذين كانا في أسر الشيطان‏،‏ فيتجمعون في رعب حول يهوشوه ويتوسّلون إليه أن ينصرف من تخومهم فيجيبهم إلى ‏ طلبهم، وينزل إلى السفينة في الحال‏،‏ ووجهته الشاطيء الآخر.

ولكنّ شعور المجنونين اللذين شفيا يختلف عن ذلك اختلافاً بيِّناً،‏ فهما يرغبان في أن يكونا في صحبة مخلصهما‏.‏ فبوجودهما في محضره يحسّان بأنّهما بمأمن من الشياطين التي قد عذّبت حياتهما وأضاعت رجولتهما‏.‏ فإذ يزمع يهوشوه أن يدخل القارب يظلاّن ملازمين له ويجثوان عند قدميه ويتوسّلان إليه أن يسمح لهما بالبقاء إلى جانبه حيث يمكنهما سماع أقواله‏.‏ ولكنّ يهوشوه يأمرهما بالذهاب إلى بيتهما حتى يخبرا بكم صنع السيد بهما.

هنا لهما عمل يعملانه‏ -‏ أن يذهبا إلى بيتٍ وثنيّ ويتحدثا عن البركات التي نالاها من يهوشوه.‏ إنّه يصعب عليهما مفارقة المخلّص‏،‏ وستصادفهما صعوبات كثيرة وتحدق بهما المتاعب من جرّاء معاشرتهما لمواطنيهما الوثنيين‏.‏ وإنّ طول أمدِ انقطاعهما عن معاشرة الناس يجعلهما غير مؤهلين للقيام بهذا العمل‏.‏ ولكن إذ يعيّن لهما المسيا واجبهما يُبديان استعدادهما للطاعة.

لم يكتفيا بإخبار أهلهما وجيرانهما عن يهوشوه بل طافا في كلّ أنحاء المدن العشر‏،‏ وكانا في كلّ مكان يعلنان للناس عن قدرته على أن يخلّص ويصفان كيف حررهما من الشياطين.

مع كون أهل كورة الجرجسيين لم يقبلوا يهوشوه فإنّه لم يتركهم في الظلام الذي قد اختاروه‏.‏ فعندما أمروه بالانصراف عن تخومهم لم يكونوا قد سمعوا كلامه‏.‏ كانوا يجهلون طبيعة ما قد رفضوه‏.‏ ولذلك أرسل إليهم النور عن طريق ذينك الرجلين اللذين لا يرفضون الإصغاء إليهما.

كان قصد الشيطان من غرق قطيع الخنازير أن يبعد الناس عن المخلّص ويمنع الكرازة بالإنجيل في ذلك الإقليم‏.‏ ولكنّ نفس هذا الحادث أيقظ أهل الإقليم جميعا كما لم يكن يمكن لأي شيء آخر أن يوقظهم‏،‏ وحوَّل انتباههم إلى المسيا‏.‏ فمع أنّ المخلّص نفسه قد رحل فإنّ الرجلين اللذين قد شفاهما ظلاّ باقيين كشاهدين لقدرته‏.‏ فذانك اللذان كانا وسيطين لسلطان الظلمة صارا قناتين للنور ورسولَين لابن يهوه.‏ وعندما عاد يهوشوه إلى المدن العشر تجمهر الناس حوله ولمدة ثلاثة أيام سمع آلاف من كلّ الإقليم المجاور رسالةَ المخلص.

كان الرجلان المجنونان اللذان شفيا أوّلَ المرسلين الذين أرسلهم المسيا ليكرزوا بالإنجيل في إقليم المدن العشر‏.‏ إنّ هذين الرجلين قد أصغيا إلى كلام السيد وقتا قصيراً جداً،‏ ولم تسمع آذانهما عظةً واحدةً من عظاته‏،‏ ولم يستطيعا أن يعلّما الناس مثلما كان يستطيع التلاميذ الذين رافقوه كلّ يوم‏.‏ ولكنّهما استطاعا أن يخبرا الناس بما قد عرفاه‏،‏ بما قد رأياه وسمعاه بأنفسهما وما أحسّا به من قدرة المخلّص‏.‏ وهذا ما يستطيع كلّ واحد أن يفعله ممن قد لمست نعمة يهوه قلوبهم‏.‏ هذه هي الشهادة التي يدعو إليها سيدنا والتي يهلك العالم لسبب حاجته إليها‏.

إنّ الإنجيل يجب أن يُقدَّم لا كنظرية عديمة الحياة بل كقوة حية لتجديد الحياة‏.‏ إنّ يهوه يريد أن يشهد خدامُه لهذه الحقيقة وهي أنّه بواسطة نعمته يمكن أن يتحلّى الناس بصفات شبيهة بصفات المسيا ويمكنهم أن يفرحوا بيقين محبته العظيمة‏.‏ إنّه يريدنا أن نشهد لحقيقة كونه لا يقنع حتى تعود إلى كلّ من يقبلون الخلاص حقوقُهم ومركزُهم وامتيازاتُهم المقدّسة كبنيه وبناته‏.

وحتّى الذين كانت حياتُهم وتصرفاتُهم مغيظةً ليهوه إلى الغاية القصوى هو يقبلهم مجاناً.‏ وعندما يتوبون يمنحهم روحه القدوس ويرسلهم إلى محلّة العصاة الخائنين ليذيعوا أنباء رحمته‏.‏ والذين انحطّوا بحيث أمسوا آلاتٍ بيد الشيطان‏،‏ يتغيّرون بقوّة المسيا فيصيرون رسلَ البرّ ويُرسَلون ليخبروا الناس بكم صنع السيد بهم ورحمهم‏.

بك تسبيحي دائماً

إنّ المرأة بعد أن شُفيت بلمسة الإيمان في كفرناحوم أرادها المسيا أن تعترف بالبركة التي نالتها‏.‏ فالهبات التي يمنحها الإنجيل ينبغي ألاّ يحصل عليها الناس خلسة أو أن يتمتعوا بها في الخفاء.

"أَنْتُمْ شُهُودِي يَقُولُ يهوه وَأَنَا الإله" (إشعياء 43: 12).

إنّ اعترافَنا بأمانة أن يهوه هو وسيلة السماء المختارة لإعلان المسيا للعالم‏.‏ علينا أن نعترف بنعمته كما قد ظهرت في قديسيه منذ القديم‏.‏ ولكن ما سيكون أفعل هو شهادة اختبارنا‏.‏ إننا نكون شهوداً ليهوه عندما نعلن في أنفسنا فاعلية القوة الإلهية‏.‏ لكلّ فرد حياة متميزة عن الآخرين جميعاً واختبار يختلف اختلافاً جوهرياً عن اختباراتهم‏.‏ ويهوه يريد أن يرتفع حمدنا إليه متميزاً بطابعنا الشخصي‏.‏ هذه الاعترافات الثمينة لمدح مجد نعمته عندما تسندها حياة مسيحية‏،‏ لها قوة لا تقاوم تعمل على خلاص النفوس.

إنّه لأجل فائدتنا وخيرنا كوننا نحفظ كلّ هبة من يهوه جديدة في ذاكرتنا‏.‏ فبهذه الوسيلة يتقوى الإيمان ويتشدد ليطلب وينال ما هو أكثر فأكثر‏.‏ يوجد تشجيع لنا في أقل بركة ننالها نحن أنفسنا من يهوه أكثر من كلّ البيانات التي يمكننا أن نقرأها عن إيمان الآخرين واختبارهم‏.‏ إنّ النفس التي تستجيب لنعمة يهوه تشبه جنّة رياَّ.‏ مثل ذلك الإنسان تنبت صحته سريعاً ونوره يضيء ويشرق في الظلمة‏،‏ ومجد السيد عليه يُرى.

"مَاذَا أَرُدُّ ليهوه مِنْ أَجْلِ كُلِّ حَسَنَاتِهِ لِي. كَأْسَ الْخَلاَصِ أَتَنَاوَلُ وَبِاسْمِ يهوه أَدْعُو أُوفِي نُذُورِي ليهوه مُقَابِلَ كُلِّ شَعْبِه" (مزمور 116: 12- 14).

"أُغَنِي ليهوه فِي حَيَاتِي وَأُرَنِّمُ لإِلهِي مَا دُمْتُ مَوْجُودًا. فيلذ له نشيدي وأنا أفرح بيهوه" (مزمور 104: 33، 34).

"من يتكلم بجبروت يهوه.‏ من يخبر بكل تسابيحه؟‏" (مزمور 106: 2).

"ادعوا باسمه‏.‏ عرفوا بين الأمم بأعماله‏.‏ غنوا له رنموا له‏.‏ أنشدوا بكل عجائبه‏.‏ افتخروا باسمه القدوس‏.‏ لتفرح قلوب الذين يلتمسون يهوه" (مزمور 105: 1، 2، 3).

"لأن رحمتك أفضل من الحياة شفتاي تسبحانك .. كما من شحم ودسم تشبع نفسي وبشفتي الابتهاج يسبحك فمي‏.‏ إذا ذكرتك على فراشي في السهد ألهج بك‏.‏ لأنك كنت عونا لي وبظل جناحيك أبتهج‏" (مزمور 63: 3- 7).

"على يهوه توكلت فلا أخاف‏.‏ ماذا يصنعه بي الإنسان‏.‏ آه يهوه عليَّ نذورك‏.‏ أوفي ذبائح شكر لك‏.‏ لأنك نجيت نفسي من الموت‏.‏ نعم ورجليَّ من الزلق لكي أسير قدام يهوه في نور الأحياء" (مزمور 56: 11- 13).

"يا قدوس إسرائيل تبتهج شفتاي إذ أرنم لك‏.‏ ونفسي التي فديتها‏.‏ ولساني أيضا اليوم كله يلهج ببرك".

"أنت‏..‏ متكلي منذ صباي‏..‏ بك تسبيحي دائماً" (مزمور 71: 22-24، 5، 6).

"أذكر اسمك في كل دور‏...‏ من أجل ذلك تحمدك الشعوب" (مزمور 45: 17).

مَجَّانًا أَخَذْتُمْ ، مَجَّانًا أَعْطُوا 

ينبغي ألاّ تُحَد دعوة الإنجيل أو تحصر في حيّز ضيق‏،‏ فتقدم للمختارين القليلين الذين نظن أنّهم سيكرموننا إذا قبلوها‏.‏ بل يجب أن تُقدّم الرسالة للجميع‏.‏ إنّ يهوه عندما يبارك أولاده فالبركة ليست لهم وحدهم ولكنّها لأجل العالم‏.‏ وعندما يمنحنا هباته فذلك لكي نضاعفها بتوزيعها واقتسامها مع الآخرين‏.

إنّ المرأة السامرية التي تحدثت مع يهوشوه عند بئر يعقوب ما إن وجدت المخلّص حتى أتت بالآخرين إليه‏.‏ وقد برهنت على أنّها رسول أكثر فاعلية من تلاميذه أنفسهم‏.‏ إنّ التلاميذ لم يروا في السامرة شيئاً يدلّ على أنّها حقل مشجع‏.‏ وكانت أفكارهم مركّزة في عمل عظيم يُعمَل في المستقبل‏.‏ ولم يروا أنه يوجد حولهم حصاد يجب أن يُجمَع‏.‏ ولكن عن طريق المرأة التي احتقروها جيء بكلّ المدينة لتسمع يهوشوه.‏ لقد حملت النور إلى مواطنيها في الحال.

هذه المرأة تمثّل تأثير الإيمان العملي بالمسيا‏.‏ فكلّ تلميذ حقيقي يولد في ملكوت يهوه كمُرسل‏.‏ وما إن يعرف المخلّص حتى يرغب في أن يُعرّف الآخرين به‏.‏ إنّه لا يستطيع أن يحبس الحقّ المخلّص والمقدّس في قلبه‏.‏ فالذي يشرب من الماء الحيّ يصير فيه ينبوع حياة‏،‏ وهكذا فالمتناول يصبح معطياً.‏ إنّ نعمة المسيا في النفس تشبه نبع ماء في القفر يفيض منه الماء لإنعاش الجميع‏،‏ ويجعل من هم موشكون على الهلاك راغبين في شرب ماء الحياة‏.‏ ونحن إذ نقوم بهذا العمل نحصل على بركة أعظم مما لو عملنا لأجل أنفسنا فقط‏.‏ فإذ نعمل على نشر بشرى الخلاص نصير قريبين من المخلّص‏.

إنّ السيد يقول عمّن يقبلون نعمته‏:

"وَأَجْعَلُهُمْ وَمَا حَوْلَ أَكَمَتِي بَرَكَةً وَأُنْزِلُ عَلَيْهِمِ الْمَطَرَ فِي وَقْتِهِ فَتَكُونُ أَمْطَارَ بَرَكَةٍ" (حزقيال 34: 26).

"وَفِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ الْعَظِيمِ مِنَ الْعِيدِ وَقَف يهوشوه وَنَادْىَ قَائِلاً إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَنْ آمَنَ بِي كَمَا قَالَ الْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ" (يوحنا 7 : 37، 38).

فالذين يتناولون عليهم أن يوزعوا على الآخرين‏.‏ إنّ صرخات طلب العون تأتي من كلّ صوب‏.‏ ويهوه يطلب رجالاً ليخدموا بني جنسهم بفرح‏.‏ هنالك أكاليل لا تبلى يجب الظفر بها‏،‏ وملكوت السموات يجب الحصول عليه‏،‏ ويجب إنارة العالم الذي يكاد أن يهلكه الجهل.

"أَمَا تَقُولُونَ إِنَّهُ يَكُونُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ يَأْتِي الْحَصَادُ. هَا أَنَا أَقُولُ لَكُمُ ارْفَعُوا أَعْيُنَكُمْ وَانْظُرُوا الْحُقُولَ إِنَّهَا قَدِ ابْيَضَّتْ لِلْحَصَادِ. وَالْحَاصِدُ يَأْخُذُ أُجْرَةً وَيَجْمَعُ ثَمَرًا لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" (يوحنا 4: 35، 36).

لمدة ثلاث سنين كان التلاميذ يرون مثال يهوشوه العجيب ماثلاً أمامهم‏.‏ وكانوا يسيرون معه ويحادثونه يوماً بعد يوم‏،‏ وهم يستمعون لأقواله التي تمنح الفرح للمتعبين والثقيلي الأحمال ويرون مظاهر قدرته نحو المرضى والمُعذَّبين‏.‏ وعندما حان الوقت الذي فيه يتركهم منحهم نعمة وقوة ليسيروا بعمله قدماً باسمه‏.‏ كان عليهم أن ينشروا نور إنجيله‏،‏ إنجيل المحبة والشفاء‏،‏ وقد وعدهم المخلّص أنه سيكون حاضراً معهم دائماً،‏ وبواسطة الروح القدس سيكون أقرب إليهم مما كان وهو يسير بين الناس بهيئة منظورة.

ونحن علينا أن نعمل العمل الذي عمله التلاميذ‏.‏ فيجب على كلّ مسيحيّ أن يكون مرسلاً.‏ علينا أن نخدم من هم بحاجة إلى العون بالعطف والحنان والرفق‏،‏ محاولين التخفيف من آلام الإنسانيّة المعذّبة وويلاتها بغيرة وعدم أنانيّة.

بإمكان الجميع أن يجدوا عملاً يعملونه‏.‏ ولا حاجة بأحدٍ أن يحسّ أنّه لا مكان له حيث يمكنه أن يعمل لأجل المسيا‏.‏ إنّ المخلّص يوحَّد نفسه مع كلّ فرد من بني الإنسان‏.‏ إنّه ابن الإنسان‏،‏ وبهذا هو أخ لكلّ ابن وابنة من نسل آدم‏.‏ وعلى أتباعه ألاّ يحسّوا بأنّهم منفصلون عن العالم الهالك الذي حولهم‏.‏ إنّهم جزء من نسيج الإنسانية العظيم‏،‏ والسماء تنظر إليهم كإخوة للخطاة كما للقديسين.

يوجد ملايين فوق ملايين من بني الإنسان العائشين في المرض والجهل لم يسبق لهم قطّ أن سمعوا عن محبة المسيا لهم‏.‏ فلو أخذنا مكانَهم وأخذوا هم مكانَنا ما الذي كنّا نريدهم أن يفعلوه معنا؟ كل هذا علينا أن نفعله لأجلهم طالما هو في مقدورنا‏.‏ إنّ قانون المسيا للحياة الذي به إمّا أن يثبت الإنسان أو يسقط في يوم الدين هو هذا‏:‏"كُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ" (متى 7: 12).

إنّنا مدينون بكل ما جُعِل لنا حظوة وامتيازاً أكثر من غيرنا‏ -‏ سواء أكان ذلك تهذيباً أو ثقافة أو نبلَ أخلاقٍ أو تربيةً مسيحيةً أو اختباراً دينياً ‏-‏ نحن مدينون بكلّ ذلك لمن هم أقل حظوةً منا‏.‏ وعلينا أن نخدمهم بقدر استطاعتنا‏.‏ فإن كنّا أقوياء علينا أن نسند ونعضد أيدي الضعفاء‏.

إنّ ملائكة المجد الذين يرون دائماً وجه الآب الذي في السموات يفرحون بأن يخدموا أولاده الأصاغر‏.‏ وإنّ الملائكة يوجدون دائما حيث تكون الحاجة إليهم على أشدها‏،‏ مع الذين يخوضون أعنف المعارك ضد الذات‏،‏ والذين بيئتهم تثبّط عزائمهم إلى الحد الأقصى.‏ وذوو النفوس الضعيفة المرتعدة الذين يتصفون بصفات كثيرة معيبة وكريهة هم عهدتهم الخاصة‏.‏ وما يعتبره الأنانيون خدمة مذلّة‏،‏ أي خدمة من هم تعساء وفي كلّ شيء هم أدنى خلقاً‏،‏ إنّما هو خدمة الخلائق الطاهرة الخالية من الخطية‏،‏ القادمة من السموات العليا.

إنّ يهوشوه لم يعتبر السماء مكاناً محبوباً أو مرغوباً فيه بينما كنّا نحن هالكين‏.‏ لقد ترك المواطن السماوية ليحيا حياة العار والهوان ويموت موتاً مشيناً.‏ فذاك الذي كان غنيّاً بكنوز السماء التي لا تقدّر بثمن افتقر لكي نستغني نحن بفقره‏.‏ وعلينا نحن أن نسير في الطريق الذي سار فيه‏.

ينبغي لمن يصير ابناً ليهوه أنه منذ ذلك الحين ينظر إلى نفسه كحلقة في السلسلة المدلاة لتخليص العالم‏،‏ ومتحداً بالمسيا في تدبير رحمته إذ يخرج معه ليطلب ويخلص الهالكين.

كثيرون يحسّون أنّه امتياز عظيم أن يزور الإنسان مشاهد حياة المسيا على الأرض ويسير في الأماكن التي وطئتها قدماه‏،‏ وينظر إلى البحيرة التي أحب أن يعلّم بجوارها والتلال والوديان التي طالما وقعت عليها عيناه‏.‏ ولكننا في غير حاجة للذهاب إلى الناصرة أو كفرناحوم أو بيت عنيا حتى نقتفي آثار خطوات يهوشوه.‏ إننا نجد آثار قدميه إلى جوار أسرّة المرضى،‏ وفي مواطن الفقر‏،‏ وفي الأزقة المزدحمة في المدن الكبيرة‏،‏ وفي كل مكان توجد فيه قلوب بشرية بحاجة إلى العزاء.

علينا أن نشبع الجياع ونكسو العراة المتألمين والمحزونين‏.‏ علينا أن نخدم البائسين ونلهم بالرجاء قلوب القانطين العديمي الرجاء.

إنّ محبة المسيا الظاهرة في الخدمة الخالية من الأثرة ستكون أفعلَ في إصلاح فاعلِ الشرّ مما يمكن أن يفعله السيف أو محكمة القضاء‏.‏ إن حدّ السيف وحكم القضاء لازمان لإلقاء الرعب في قلب من يتعدّى القانون‏،‏ ولكنّ المرسلَ المحبَّ في إمكانه أن يفعل أكثرَ من هذا‏.‏ كثيراً ما يحدث أنّ القلب الذي يقسّيه التوبيخ تذيبه محبة المسيا‏.

إنّ المرسل‏،‏ فضلاً عن كونه قادراً على تخفيف آلام الجسم‏،‏ يستطيع أن يقود الخاطيء إلى الطبيب العظيم الذي يستطيع أن يطهّرَ النفس من برص الخطية‏.‏ إنّ يهوه يقصد عن طريق خدامه أن يسمع المرضى والتعساء ومن بهم أرواح شريرة‏،‏ صوته‏.‏ وعن طريق الوسائط البشرية يريد أن يكون معّزياً لا يعرف العالم له مثيلاً.

لقد بذل المخلّص حياتَه الغاليةَ لكي يقيم كنيسةً قادرةً على خدمة المتألمين والحزانى والمجرَّبين‏.‏ وقد يكون هنالك جماعة من المؤمنين الفقراء غير متعلّمين وليس من يعرفهم‏،‏ ومع ذلك ففي المسيا يمكنهم أن يعملوا عملا في البيت وفي المجتمع وحتى في"الأقاليم البعيدة" تكون نتائجه بعيدة المدى كالأبدية‏.

إنّ هذا الكلام الذي وُجِّه إلى التلاميذ الأوّلين يُوَجَّه إلى أتباع المسيا اليوم إذ يقول‏:

"دُفِــعَ إِلَيَّ كُـلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّــمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ فَاذْهَــبُوا وَتَلْــمِذُوا جَــمِيعَ الأُمَمِ". "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (متى 28: 18،19، مرقس 16: 15).

ثمّ إنّ لنا وعد حضوره إذ يقول‏:‏ "هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (متى 28: 20).

واليوم لا توجد جماهير محبّة للاستطلاع تتقاطر إلى البرية لترى المسيا وتسمعه‏.‏ وصوتُه لا يُسمع في الشوارع المزدحمة بالناس‏.‏ ولا يُسمع صوت من جانب الطريق يقول‏:‏ "يهوشوه  الناصري مجتاز" ‏(‏لوقا‏ 18: 37).‏ ومع ذلك فإنّ هذه الكلمة تصدق اليوم‏.‏ إنّ المسيا يسير في شوارعنا غيرَ منظور‏.‏ إنّه يأتي إلى بيوتنا برسائل الرحمة‏.‏ إنّه ينتظر ليتعاون مع من يطلبون أن يخدموا باسمه‏.‏ إنّه في وسطنا ليشفي ويبارك إذا قبلناه.

"هَكَذا قَالَ يهوه فِي وَقْتِ الْقُبُولِ اسْتَجَبْتُكَ وَفِي يَوْمِ الْخَلاَصِ أَعَنْتُكَ فَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ لإِقَامَةِ الأَرْضِ لِتَمْلِيكِ أَمْلاَكِ الْبَرَارِيِّ. قَائِلاً لِلأَسْرَى اخْرُجُوا. لِلَّذِينَ فِي الظَّلاَمِ اظْهَرُوا".

"مَا أَجْمَلَ عَلَى الْجِبَالِ قَدَمَيِ الْمُبَشِّرِ الْمُخْبِرِ بِالسَّلاَمِ الْمُبَشِّرِ بِالْخَيْرِ الْمُخْبِرِ بِالْخَلاَصِ الْقَائِلِ لِصِهْيَوْنَ قَدْ مَلَكَ إِلهُكِ" (إشعياء 49: 8، 9؛ 52: 7).

|"أَشِيدِي تَرَنَّمِي مَعًا يَا خِرَبَ .. لأَنَّ يهوه قَدْ عَزَّى شَعْبَهُ .. فَدَى أُورُشَلِيمَ .. قَدْ شَمَّرَ يهوه عَنْ ذِرَاعِ قُدْسِهِ أَمَامَ عُيُونِ كُلِّ الأُمَمِ فَتَرَى كُلُّ أَطْرَافِ الأَرْضِ خَلاَصَ إِلهِنَا" (اشعياء52: 9، 10).

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
4
3
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
06
27
Calendar App