4. لمسة الإيمان
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

 

"إِنْ مَسَسْتُ ثَوبِهِ فَقَطْ شُفِيتُ" (مرقس 9: 21). إنّ امرأةً مسكينةً هي التي نطقت بهذا الكلام‏،‏ وقد تألّمت من مرضٍ جعل حياتها عبئاً ثقيلاً مدى اثنتي عشرة سنة‏.‏ وقد أنفقت كلّ أموالِها على الأطباء والعقاقير ليقول لها الأطباء إنّ مرضَها لابُرء منه‏.‏ ولكنّها عندما سمعت عن الشافي العظيم انتعشت آمالها‏.‏ فجعلت تفكّر قائلة‏:‏ "لو أمكنني الاقتراب منه فقط لأكلّمه فقد أنال الشفاء".  

كان المسيا سائرا في طريقه إلى بيت يايرس معلّم اليهود الذي كان قد التمس منه أن يأتي ويشفي ابنتَه بتوسّلات من قلبٍ كسيرٍ قائلاً:‏ "ابْنَتِي الصَّغِيرَةُ عَلَى آخِرِ نَسَمَةٍ. لَيْتَكَ تَأْتِي وَتَضَعُ يَدَكَ عَلَيْهَا لِتُشْفَى فَتَحْيَا" (مرقس 5: 23). هذه التوسّلات حرّكت قلب يهوشوه العطوف الحنون، ففي الحال ذهب مع ذلك الرئيس إلى بيته‏.

وكانا يسيران على مهلٍ لأنّ الجموع كانت تزحمُ المسيا من كلِّ جانب‏.‏ وإذ كان المخلّص يشقُّ لنفسه طريقاً في وسط ذلك الزحام اقترب من المكان الذي كانت المرأة المريضةُ واقفةً فيه‏.‏ كانت قد حاولت مراراً عديدةً أن تدنوَ منه‏،‏ ولكن بلا جدوى‏.‏ أمّا الآن فقد سنحت لها‏ الفرصة. لم تجد وسيلةً للكلام معه‏،‏ ولم تحاول تأخيرَ تقدّمِه البطيء‏،‏ ولكنّها كانت قد سمعت أنّ الشفاء يتحقق بمجرّد لمس ثيابه‏،‏ وخوفاً من أن تفلت منها فرصتُها الوحيدةُ للشفاء تقدّمت إلى الأمام قائلة لنفسها‏:‏ "إنْ مَسَسْتُ ثَوبِهِ فَقَطْ شُفِيتُ".

لقد عرف المسيا كلَّ ما جال بخاطرها‏،‏ وكان يشقُّ طريقه إلى حيث كانت واقفة‏،‏ وقد تحقق من شدّةِ حاجتها‏،‏ فكان يساعدها على ممارسة إيمانها.

وإذ كان ماراً بها مدّت يدها وأفلحت في لمس هُدبِ ثوبه فقط‏.‏ وفي تلك اللحظة علمت أنّها قد برئت‏.‏ ففي تلك اللمسة الواحدة تركّز إيمانُ حياتِها‏،‏ وفي الحال زال ألمُها وضعفُها‏.‏ وفي الحال أحسّت بهزّةٍ كما من تيار كهربائي يخترق كلُّ أنسجةِ كيانِها‏.‏ وملأ نفسها احساساً بالصحّة الكاملة‏:‏ "علمت في جسمها أنّها قَدْ بَرِئْتَ من الداء" (مرقس 5: 29).

رغبت تلك المرأةُ الشاكرةُ في التعبير عن شكرها للشافي القدير الذي أسدى إليها بلمسة واحدة أكثر مما فعل الأطباء في اثنتي عشرةَ سنةٍ طويلةٍ،‏ ولكنّها لم تكن لتجرؤَ على ذلك‏.‏ فبقلبٍ شكورٍ حاولت الانسحاب من وسط ذلك الجمع‏،‏ وإذا بيهوشوه يتوقّفَ فجأةً عن السير‏،‏ وإذ تطلّع فيما حوله سأل قائلا‏:‏ "من الذي لمسني؟".

نظر إليه بطرس في دهشةٍ وأجابه قائلا‏ًً:‏"يا مُعَلِّمُ الْجُمُوعُ يُضَيِّقُونَ عَلَيْكَ وَيَزْحَمُونَكَ وَتَقُولُ مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي؟" (لوقا 8: 45).

فقال يهوشوه:‏ "قَدْ لَمَسَنِي وَاحِدٌ لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي" (لوقا 8: 46). لقد أمكنه أن يمّيزَ لمسةَ الإيمان من اللمسات الفجائيّة الطارئة التي كان يلمسه بها ذلك الجمع العديم الاكتراث‏.‏ لقد لمسه واحد لقصدٍ عميق‏.‏ وقد حصل على مطلبه.

إنّ المسيا لم يسأل السؤال ليعرف سرّاً كان خافياً عليه‏،‏ بل كان لديه درسٌ ليعلّمه لتلاميذه وللشعب وللمرأة‏.‏ فقد رغب في أن يلهمَ المتألّمين بالرجاء‏.‏ وأراد أن يبرهنَ على أنّ الإيمان هو الذي أتى بالقوّةِ الشافية‏.‏ ينبغي ألاّ تُغفلَ ثقةُ المرأةِ بدون أن يعلّقَ عليها. فينبغي أن يتمجّدَ يهوه باعترافها الشكور‏.‏ وقد أرادها المسيا أن تفهمَ انّه يمتدح عملَ إيمانِها‏.‏ ولم يُردها أن تنصرفَ بنصف بركة فقط‏.‏ لم يكن لها أن تظلَّ تجهلُ معرفتَه لآلامِها ومحبَّته الرحيمة وامتداحَه لإيمانها بقدرته على أن يخلّص إلى التمام كلّ من يُقبلون إليه.

إذ اتّجه المسيا ببصره نحوَ المرأةِ أصرّ على معرفة الذي لمسه‏.‏ فإذ وجدت أن لا جدوى من التستّرِ تقدّمت إلى الأمام مرتعدةً وطرحت نفسَها عند قدميه‏.‏ وبدموعِ الشكر أخبرته أمام كلِّ الشعب لماذا لمست ثوبَه وكيف برئت في الحال‏.‏ كانت تخشى لئلا يكون لمسُها لثوبه عملاً يدلُّ على الغطرسة‏،‏ ولكنّ المسيا لم ينطق بكلمةِ لومٍ واحدة بل تكلّم فقط بكلام الاستحسان‏.‏ وقد صدر كلامُه من قلبه المحبِّ العطوف على آلام البشر‏.‏ قال لها بكلِّ لطفٍ.‏ "ثِقِي يَا ابْنَةُ إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ" (لوقا 8: 48). فأدخلت تلك الكلماتُ سروراً عظيماً إلى قلبها ولم يُعدْ الخوفُ يُنغّص عليها فرحها‏.

إنّ ذلك الجمعَ المحبَّ للاستطلاع المتزاحم على يهوشوه لم تُمنح لأحدٍ منه قوّةُ محيّية‏،‏ أمّا تلك المرأة المتألّمة التي لمسته بإيمانٍ فنالت الشفاء‏.‏ وكذلك في الروحيات فإنّ الاتصال العرضي يختلف عن لمسة الإيمان‏.‏ إنّ الاعتقادَ المجرّدَ أنّ المسيا هو مخلّص العالم لا يمكنه أن ينيلَ النفسَ الشفاء‏.‏ فالإيمان الذي للخلاص ليس هو مجرّد المصادقة على حقّ الإنجيل‏،‏ إنّما الإيمان الحقيقي هو الذي يقبل المسيا كالمخلّصِ الشخصي‏.‏ لقد بذل يهوه ابنَه الوحيدَ حتى أنا بإيماني به لا أهلك‏،‏ بل تكون لي الحياة الأبدية‏ (‏ يوحنا 3: 16).‏ فعندما آتي إلى المسيا حسب كلمته‏،‏ عليَّ أن أومن بأنني قد حصلت على نعمته المخلّصة‏.‏ والحياة التي أحياها الآن إنّما أحياها "فِي الإِيمَانِ إِيمَانِ ابْنِ يهوه الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي" (غلاطية 2: 20).

إنّ كثيرين يفهمون الإيمانَ على أنّه رأي‏.‏ لكنّ الإيمانَ المخلّصَ هو صفقة بموجبها يرتبط من يقبلون المسيا بعهدِ صلةٍ مع يهوه.‏ والإيمان الحيّ يعني مزيداً من الحيويّة والنشاط واتكالاً واثقاً بموجبه تصيرُ النفسُ قوّةً غالبةً بنعمة المسيا.

إنّ الإيمانَ قوّة غالبة أقوى من الموت‏.‏ ولو أنّ المرضى يستطيعون أن يُثبّتوا أنظارَهم بالإيمان في الشافي القدير لكنّا نرى نتائجَ عجيبةً ومدهشة‏.‏ فهو يُحيي الجسد والنفس.

وفي خدمتنا لضحايا العادات الشريرة بدلاً من أن نوجّهَ أنظارَهم إلى اليأس والدمار اللذين هم منساقون إليهما لنوجّهَ أنظارَهم إلى يهوشوه.‏ ثبّتوا أنظارَهم في أمجاد السماويات‏.‏ إنّ هذا سيحقق شفاءَ الجسدِ والنفسِ أكثر من أهوال الهاوية عندما يوضع نصبَ عيونِ العاجزين والذين يبدو عليهم اليأس‏.

بـِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا

إن عبداً لقائدِ مئةٍ كان مطروحاً مفلوجاً.‏ كان الخدم عند الرومان عبيداً يُشترون ويُباعون في الأسواق‏،‏ وفي الغالب كانوا يعاملون بمنتهى الامتهان والقسوة‏.‏ ولكنّ قائدَ المئةِ كان مشفقاً وعطوفاً على خادمه وكان يتوق إلى شفائه‏.‏ وكان يؤمن بأنّ يهوشوه يستطيع أن يشفيه. لم يكن قد رأى المخلّص‏،‏ ولكنّ الأخبار التي كان قد سمعها ألهمته الإيمان‏.‏ وبالرغم من تمسّكِ اليهود بالرسميّات والطقوس فقد كان هذا الروماني مقتنعاً بأنّ دينهم أسمى من دينه وأفضل‏.‏ لقد حطّم ونقضَ من قبل سياجاتِ التعصّب القومي والكراهية التي قد فصلت بين الفاتحين والمغلوبين على أمرهم.‏ ولقد أبدى احترامَه لخدمة يهوه وأبدى لليهود عطفاً وإشفاقاً كمن هم عبيده الساجدون له‏.‏ ووجد في تعاليم المسيا التي وصلته أخبارُها ما كانت تحتاجُه النفس‏.‏ وكل ما هو روحي في داخله استجاب لأقوال المخلّص‏.‏ ولكنّه ظنّ نفسَه غيرَ مستأهلٍ لأن يقتربَ،‏ فطلب من شيوخ اليهود أن يسألوه بشأن شفاء عبده.

فتقدّم أولئك الشيوخ بطلبهم إلى يهوشوه قائلين له في إلحاح‏:‏ "إِنَّهُ مُسْتَحِقٌ أَنْ يُفْعَلَ لَهُ هذَا لأَنَّهُ يُحِبُّ أُمَّتَنَا وَهُوَ بَنَى لَنَا الْمَجْمَعَ" (لوقا 7: 4، 5).

ولكن فيما كان يهوشوه في طريقه إلى بيت قائد المئة وصلته رسالة من قائد المئة نفسه يقول له‏:‏ "يَا سَيِّدُ لاَ تَتْعَبْ لأَنِّي لَسْتُ مُسْتَحِقّاً أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي" (لوقا 7: 6).

فإذ يواصل المخلّص السير في طريقه‏،‏ يأتيه قائدُ المئةِ بنفسه ليكملَ الرسالة قائلا‏:‏ "لَمْ أَحْسِبْ نَفْسِي أَهْلاً أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ". "لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَيَبْرَأَ غُلاَمِي. لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِنْسَانٌ مُرَتَّبٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ لِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي وَأَقُولُ لِهذَا اذْهَبْ فَيَذْهَبُ وَلآخَرَ ائْتِ فَيَأْتِي وَلِعَبْدِي افْعَلْ هذَا فَيَفْعَلُ" (لوقا 7: 7؛ متى 8: 8، 9).

‏وكأنّما قائد المئة يقول‏:‏ "إني أمثّل سلطان روما وجنودي يعتبرون سلطاني أسمى سلطانٍ،‏ كذلك أنت تمثّلُ سلطانَ الإله السرمدي وكلُّ الخلائق رهن كلمتِك‏.‏ فتستطيع أن تأمرَ المرضَ فيمضي ويطيع كلمتَك‏.‏ قل كلمة فيبرأ غلامي".

قال له المسيا‏:‏ "كَمَا آمَنْتَ لِيَكُنْ لَكَ. فَبَرَأَ غُلاَمُهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ " (متى 8: 13).

لقد امتدح شـيوخ اليهـود قـائدَ المئة أمـام المسـيح بسـبب الإحسان الذي أسداه إلى "أُمَّتَنَا" قائلين‏:‏ إنّه مستحقُ لأنّه "بَنَى لَنَا الْمَجْمَعَ".‏ أمّا قائدُ المئة فقال عن نفسه‏:‏ "لَسْتُ مُسْتَحِقًّا".‏ ومع ذلك فهو لم يخَفْ من أن يسأل العونَ من يهوشوه.‏ إنّه لم يركن إلى صلاحِه ولكنّه اعتمد على رحمة المخلّص‏.‏ وكانت حجّتُه الوحيدة هي حاجتُه الشديدة.

إنّه بإمكان كلِّ إنسان أن يأتي إلى المسيا بنفس هذه الكيفيّة‏:‏ "لاَ بـِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا" (تيطس 3: 5). فهل تحسّ أنّك لكونك خاطئاً فأنت لا تستطيع أن ترجو الحصول على بركة من يهوه؟ اذكر أنّ المسيا قد أتى إلى العالم ليخلّص الخطاة‏.‏ ليس لدينا ما نستحقّ لأجله أن ننالَ حظوةً لدى يهوه.‏ والحجة التي يمكننا التقدّم بها الآن وفي كلِّ وقت هي حالة العجز التام التي نحن فيها‏،‏ والتي تجعل قوّتَه الفادية ضرورةً لازمةً لنا كلَّ اللزوم‏.‏ فإذ ننبذ كلَّ اعتمادٍ على الذات يمكنّنا أن نشخصَ في صليبِ جلجثة قائلين:

"إني ضعيف خاطيء لا عون لي إلاّ الصليب"

"إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ. كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِن" (مرقس 9: 23). الإيمان هو الذي يربطنا بالسماء ويمنحنا قوّةً لمقاومة قوات الظلمة‏،‏ ففي المسيا أعدّ يهوه الوسائل الكفيلة بإخضاع كلِّ صفةٍ شرّيرةٍ ومقاومة كلَّ تجربة مهما تكن قسوتُها‏.‏ ولكنّ كثيرين يحسّون بأنّه يعوز‏هم الإيمان،‏ ولذلك يظلّون بعيدين عن المسيا‏.‏ فليُلقِ هؤلاء أنفسَهم‏،‏ وهم شاعرون بعجزهِم وعدمِ استحقاقهم‏،‏ على رحمة مخلّصهم العطوف‏.‏ لا تنظروا إلى ذواتِكم بل إلى المسيا‏.‏ فذاك الذي شفى المرضى وأخرج الشياطين وهو يجول بين الناس‏،‏ لا يزالُ هو نفسُه الفادي القدير. إذاً تمسَّك بمواعيدِه على أنّها أوراقُ من شجرةِ الحياة‏،‏ فهو القائل‏:‏ "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا " (يوحنا 6: 37). وإذ تُقبل إليه آمن بأنَّه يقبلك لأنّ هذا ما وعد به‏.‏ ولن تهلك طالما تفعل ذلك‏ -‏ لن تهلكَ أبداً.

"يهوه بيَّن محبته لنا لأنّه ونحن بعد خطاة مات المسيا لأجلنا‏" (‏رومية‏ 5: 8).

"إِنْ كَانَ يهوه مَعْنَا فَمَنْ عَلَينَا‏.‏ اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟" (رومية 8: 31، 32).

"فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ يهوه الَّتِي فِي المسيا يهوشوه سيدنا" (رومية 8: 38، 39).

تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِــي

كان مرضُ البَرَصِ من أرهبِ الأمراض المعروفةِ في الشرق‏.‏ فلكونِه مرضاً سريعَ العدوى ولا بُرءَ منه وذا تأثير مرعبٍ لضحاياه أخافَ أكثرَ الناسِ شجاعةً.‏ وكان اليهود يعتبرونه قضاءً من يهوه بسبب الخطيّة‏،‏ ولذلك كان يُدعى "الضربة" و "إصبع يهوه"‏.‏ وإذ كان متأصّلاً في الجسم ولا يمكن استئصالُه‏،‏ ومميتاً،‏ كان يُنظر إليه كرمزٍ للخطية.

وبموجب الناموس الطقسي كان يُحكم على الأبرص بأنّه نجسُ.‏ وكلّ ما يلمسه يتنجّس‏.‏ وكانت أنفاسُه تُفسد الهواءَ وتلوّثه‏.‏ وكان يُطرد من مساكنِ الناسِ كمن قد مات‏.‏ والذي كان يُشتبه فيه بأنّه قد أُصيب بهذا المرض كان عليه أن يعرضَ نفسَه على الكهنة الذين كان عليهم أن يفحصوه ويحكموا في أمره‏.‏ فإن حُكِمَ عليه بأنّه أبرصُ كان يُعزل بعيداً عن عائلته ويُقطع من جماعة إسرائيل‏،‏ ويُحكم عليه بأن يعاشرَ المصابين بمثل مرضه دون سواهم‏.‏ وحتى الملوك والرؤساء لم يمكن إعفاؤهم من هذا الحكم‏.‏ فالملك الذي يُصاب بهذا المرضِ المخيفِ كان ينبغي له أن يتنازلَ عن صولجان الملك ويهربَ من المجتمع‏.

وعلى الأبرص أن يحملَ لعنةَ دائِه بعيداً عن أصدقائه وأقربائه‏.‏ وكان مُلزَماً بأن يذيع نبأّ كارثته‏،‏ وأن يمزّقَ ثيابَه ويصرخ منذراً بالخطر‏،‏ محذّراً الجميع حتى يهربوا من عدواه‏.‏ وإنّ الصرخة القائلة‏:‏ "نجس نجس" التي كان يَنطق بها ذلك المنفي الوحيد بنغمةٍ نائحةٍ حزينةٍ كانت إنذاراً يسمعه الناسُ بالخوف والاشمئزاز‏.

وقد كان في الإقليم الذي خدم فيه المسيا كثيرون من هؤلاء المتألمين‏،‏ وإذ وصلهم نبأُ عملِه كان بينهم واحد انبثق الإيمان في قلبه‏.‏ فلو أمكنه الذهاب إلى يهوشوه فقد يشفى.‏ ولكن كيف يمكنه أن يجدَ يهوشوه؟ وكيف يمكنُه أن يعرضَ نفسَه على الشافي وقد حُكِم عليه بالنفي الدائم ؟ وهل سيشفيه المسيا؟ ألا يلعنُه كما قد فعل الفريسيون والأطباء أيضاً وينذرُه بالهروب من مساكن الناس؟

إنّه يفكّر في كلِّ ما قيل له عن يهوشوه.‏ إنّه لم يطرد أحداً ممن جاءوا يطلبون منه العون‏.‏ فيعقدُ ذلك الرجلُ التعسُ العزمَ على أن يجد المخلّص‏.‏ فمع كونه مطروداً بعيداً عن المدن فربّما يمكنه أن يلتقيَ به عبر أحد المسالك الفرعيّة في الطرق الجبليّة أو يجدَه وهو يعلّم خارج ‏ المدن. نعم إنّ الصعوبات عظيمة‏،‏ ولكن هذا هو رجاؤه الوحيد.

إنّ الأبرص إذ يقفُ من بعيدٍ تلتقط أذناه كلماتٍ قليلةً مما ينطق به المخلّص‏.‏ ويراه وهو يضع يديه على المرضى.‏ ويرى العُرجَ والعميَ والمفلوجين والذين هم في دور الاحتضار من هولِ الأمراض المتعددة‏،‏ يقومون أصحّاء وهم يسبّحون يهوه على خلاصهم‏،‏ فيتشدد إيمانُه‏.‏ ثم يقترب أكثرَ فأكثرَ إلى ذلك الجمع المصغي إليه‏.‏ إنّه ينسى كلَّ التقيّيدات المفروضة عليه وسلامةَ الشعب والخوفَ الذي به ينظر إليه جميعُ الناس‏.‏ فهو لا يفكّر في غير الرجاء المبارك في الشفاء.

إنّ منظرَه كريهُ.‏ لقد أغار عليه المرضُ إغاراتِه المخيفة‏،‏ ومنظرُ جسمه المتعفّن مرعبُ.‏ فإذ يراه الناس يتراجعون‏.‏ وفي رعبهم يترامون بعضهم على بعض للهروب من ملامسته‏.‏ بعضُهم يحاولون منعه من الاقتراب من يهوشوه ولكنّهم عبثا يحاولون‏.‏ إنّه لا يراهم ولا يسمعهُم. وتعبيرُهم عن اشمئزازهم منه لا يؤثـّرُ فيه‏،‏ فهو لا يرى إلاّ ابنُ يهوه وحدَه ولا يسمع إلاَّ صوتَه المُحيي للمحتضرين.

فإذ يتقدّمُ إلى يهوشوه يخرُّ عند قدميه بهذه الصرخة‏:‏ "يَا سَيِّدُ إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي" (متى 8: 2).

فيجيبه يهوشوه وقد مدّ يدَه ولمسه قائلاً:‏ "أُرِيدُ فَاطْهُرْ" (متى 8: 3).

ففي الحال يحدثُ تغييرٌفي الأبرص‏.‏ فدمُه يصير دمَ الصحّةِ،‏ وأعصابُه تصير حسّاسةً،‏ وعضلاتُه تصير قوّيةً،‏ وسطحُ جلدِ جسمِه الأبيضِ بياضاً غيرَ عادي والمُغطّى بالقشور‏،‏ الذي هو من خصائصِ البرصِ يختفي ويصيرُ لحمُه كلحمِ صبّي صغير.

ولو علم الكهنةُ بالحقائق الخاصّةِ بشفاء الأبرصِ لكانت كراهيّتُهم للمسيا تجعلهم يحكمون حكما غادرا‏.‏ وقد رغب يهوشوه في الحصول على حكمٍ لا محاباة فيه‏،‏ ولذلك هو يأمرُ الرجلَ ألاّ يقول لأحدٍ عن الشفاء بل أن يقدّم نفسَه في الهيكل بلا إبطاء ومعه القربان قبل أن تنتشرَ أيُّ أخبار كاذبة عن المعجزة‏.‏ ولكن قبلما يقبلُ الكهنةُ مثل ذلك القربان كان يُطلب منهم أن يفحصوا مقدّمَه ويشهدوا بأنّه قد شُفي تماماً.

وقد أُجريَ هذا الفحص‏.‏ والكهنة الذين كانوا قد حكموا على الأبرص بالنفي شهدوا الآن بأنّه شُفي‏.‏ وأعيدَ الرجل الذي شُفيَ إلى بيته ومجتمعه‏،‏ وقد أحسّ بأنّ هبةَ الصحّةِ ثمينةُ جداً.‏ لقد فرح وتهلّل بنشاط الرجولة وبعودته إلى أسرته‏،‏ ولكن بالرغم من تحذير يهوشوه لم يستطع أن يخفي حقيقةَ شفائِه أكثرَ من ذلك‏،‏ وبفرحٍ عظيمٍ كان يجول معلناً قدرةُ ذاك الذي أبرأه.

عندما أتى هذا الرجل إلى يهوشوه كان "مملوءاً برصاً"‏.‏ فقد تغلغل سمُّ البرصِ القتّالِ في كلِّ جسمه‏.‏ وحاول التلاميذ أن يمنعوا سيّدَهم من ملامسته لأنّ من لمس الأبرص صار هو أيضاً نجساً‏.‏ ولكنّ يهوشوه إذ وضع يده على الأبرص لم يتنجّس‏.‏ وقد طهُرَ البرص‏.‏ وهذا يصدقُ على برصِ الخطيّة - المتأصّل والمميت والذي يستحيلُ تطهيرُه بقوّةٍ بشرّيةٍ:‏ "كلّ الرأس مريض وكلّ القلب سقيم‏.‏ من أسفل القدم إلى الرأس ليس فيه صحّة بل جرح وإحباط وضربة طرية‏" (‏إشعياء 1: 5، 6).‏ ولكنّ يهوشوه إذ يأخذ جسمَ بشرّيتنا لا يُصاب بالعدوى ولا يتنجّس‏.‏ ففي وجوده وجُدت نعمة الشفاء للخاطيء،‏ وكلّ من يخرّ عند قدميه قـائلاً بإيمان‏:‏      "يَا سَـيِّدُ إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَـهِّرَنِي" سيسمع جـوابَه القائل‏: "أُرِيدُ فَاطْهُرْ".

ففي بعض مناسبات الشفاء لم يمنحُ يهوشوه البركةَ المطلوبةَ في الحال‏.‏ ولكن في حالة البرص ما إن قُدّمَ الطلبُ حتى أُجيبَ فوراً.‏ إننا عندما نصلّي طالبين بركاتٍ أرضيةً قد تتأخّرُ الإجابةُ،‏ أو قد يعطينا يهوه شيئا آخر غير ما طلبناه‏،‏ ولكنّ الأمَر لا يكون كذلك عندما نطلب الخلاصَ من الخطيّة‏.‏ إنّه يريد أن يطهّرنا من الخطية ويجعلنا أولاداً له ويقدّرنا أن نحيا حياةَ القداسة‏.‏ إنّ المسيا "بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ يهوه وَأَبِينَا" (غلاطية 1: 4)، "وَهذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا. وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبْنَا يَسْمَعُ لَنَا نَعْلَمُ أَنَّ لَنَا الطِّلِبَاتِ الَّتِي طَلَبْنَاهَا مِنْهُ"(1يوحنا 5: 14، 15).

لقد نظر يهوشوه إلى المتضايقين والمثقّلي القلوب‏،‏ والذين ذبلت آمالهم وضُربت‏،‏ والذين كانوا يحاولون بالأفراح الأرضيّة أن يهدّئوا أشواق نفوسهم‏،‏ فدعا الجميع ليجدوا الراحة فيه.

فَتَجِدُوا رَاحَةً

إنّه بكلِّ رقةٍ ولطفٍ أمر الشعبَ الكادحَ قائلا‏:‏ "اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ" (متى 11: 29).

لقد وجَّه المسيا كلامَه هذا إلى جميع بني الإنسان‏.‏ وسواء علم الناس أم لم يعلموا فجميعهم متعبون وثقيلو الأحمال‏.‏ والجميع يرزحون تحت أحمال لا يستطيع أحد غير المسيا أن يرفعها عن كواهلهم‏.‏ وأثقلُ حملٍ نحمله هو حملُ الخطيّة‏.‏ فلو تُركنا لنحمل هذا الحمل فلابدّ أن يسحقَنا‏.‏ ولكنّ ذاك الذي هو بلا خطيّة أخذ مكاننا‏،‏ "ويهوه وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إشعياء53: 6).‏

لقد حمل ثقلَ آثامنا وهو سيرفع الحملَ عن كواهلنا المُتعبة‏،‏ وسيمنحنا الراحةَ.‏ وهو سيحمل أيضا الهمَّ والحزنَ.‏ وهو يدعونا لأن نُلقي كلَّ همّنا عليه لأنّه يحملنا على قلبه.

إنّ أخانا الأكبرَ هو بجوار العرش السرمدي‏.‏ وهو ينظر إلى كلِّ إنسان يتّجه بنظره إليه كمخلّص‏.‏ إنّه يعرف بالاختبار ما هي ضعفات البشريّة وما هي احتياجاتنا وأين تكمن قوّةُ تجاربنا‏،‏ لأنّه "مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا بِلاَ خَطِيَّةٍ" (عبرانيين 4: 15).‏ فيا ابن يهوه المُرتعد إنّه ساهرُ عليك‏.‏ هل أنت مجرّب؟ إنّه سيخلّص‏.‏ أضعيفُ أنت؟ هو سيقوّي‏.‏ أم أنت جاهلّ؟ هو سيُنير‏.‏ أجريح أنت؟ هو سيشفي‏.‏ إنّ السيد "يحصي عدد الكواكب" ومع ذلك فهو "يُشفي المُنكسري القلوب ويجبرُ كسرَهم" (مزمور 147: 3، 4).

مهما تكن همومُك وتجارُبك فابسط قضيتَك أمام السيد.‏ وستتشدد روحُك وتقوى على الاحتمال‏.‏ وسيفتح أمامَك الطريقَ لتحرر نفسَك من كلِّ ارتباك وصعوبة‏.‏ وعلى قدر ما تعرف أنّك ضعيفُ وعاجز‏ -‏ بقدر ذلك ستتقوّى بقوّتهِ.‏ وكلما ثقلُت أحمالُك ازدّدت إحساساً ببركةِ الراحةِ في إلقائها على حامل أثقالك‏.

قد تفصلُ الظروفُ بين الأصدقاء‏،‏ وقد تُباعدُ بيننا وبينَهم مياهُ البحر الصاخبة‏.‏ ولكن لا ظرفَ ولا مسافةَ يمكن أن يفصلانا عن المخلّص‏.‏ فأينما نكون هو عن يمينّنا ليعضّدنا ويحفظنا ويسندنا ويُفرحنا‏.‏ إنّ محبةَ المسيا لمفدييه هي أعظم من محبّةِ الأم لابنها‏.‏ إنّه امتيازُ أن نستريح في محّبتِه قائلين‏:‏ "إني سأتّكلُ عليه لأنّه قد بذل حياتَه لأجلي".

قد تتغيّرُ محبّةُ الإنسان‏،‏ أمّا محبّةُ المسيا فلا يعتريها تغيير‏.‏ فعندما نصرخ إليه في طلب العون تمتدُّ يدَه لإنقاذنا.

"فَإِنَّ الْجِبَالَ تَزُولُ وَالآكَامَ تَتَزَعْزَعُ أَمَّا إِحْسَانِي فَلاَ يَزُولُ عَنْكِ وَعَهْدُ سَلاَمِي لاَ يَتَزَعْزَعُ قَالَ رَاحِمُكِ يهوه" (إشعياء 54: 10).

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
4
3
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
06
27
Calendar App