2. أيام الخدمة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

 

في بيت الصياد في كفرناحوم كانت حماة بطرس مطروحة مريضة قد أخذتها "حُمَّى شَدِيدَةٌ.‏ فسألوه من أجلها فلمس‏ (يهوشوه)‏ يدها فتركتها الحُمَّى" (‏لوقا‏4: 38؛‏ مرقس1: 30؛‏ متى 8: 15)،‏ ثم قامت وخدمت المخلّص وتلاميذه.

وسرعان ما انتشرت الأخبار‏.‏ لقد أجريت المعجزة في يوم السبت‏،‏ ولخوف الشعب من المعلمين لم يجسروا على المجيء في طلب الشفاء حتى غابت الشمس‏.‏ حينئذ تقاطر سكّان المدينة على ذلك البيت الوضيع‏،‏ الذي كان فيه يهوشوه،‏ من البيوت والحوانيت والأسواق‏.‏ وكان المرضى يُحملون على نقّالات‏،‏ ومنهم من كانوا يتوكأون على عصّيهم أو يستندون على أذرع أصدقائهم‏.‏ وهكذا كانوا يسيرون مترنّحين بوهَنٍ إلى حيث كان المخلّص. 

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس يوم السبت الحالي (Saturday).  يجب أيضاً الأخذ في الاعتبار أنّ السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الجريجوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائماً في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر قمري، الأمر الذي لا يستطيع أن ينجزه أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.

وساعة بعد ساعة كان الناس يجيئون ويروحون‏،‏ لأنّه لم يكن أحد يعلم ما إذا كان ذلك الشافي سيظلّ معهم إلى اليوم التالي أم لا‏.‏ لم يسبق لمدينة كفرناحوم أن شهدت مثل ذلك اليوم‏.‏ لقد امتلأ الجوّ بأصوات الانتصار وهتاف النجاة والخلاص.

ولم يتوقّف يهوشوه عن عمله حتى شُفيَ آخر مريض‏.‏ كان قد مضى شطرٌ طويلٌ من الليل عندما انصرف الناس من هناك‏،‏ وعاد الهدوء إلى بيت سمعان‏.‏ ثم انقضى ذلك اليوم الطويل المُثير‏،‏ والتمس يهوشوه الراحة‏.‏ ولكن فيما كانت المدينةُ هاجعةً "فِي الصُّبْحِ بَاكِرًا جِدًّا قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ" (مرقس 1: 35).

وفي بكور ذلك اليوم جاء بطرس ورفاقُه إلى يهوشوه قائلين له إنّ أهل كفرناحوم يفتّشون عنه‏.‏ وكم كانت دهشتهم عظيمة عندما سمعوه يقول"إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخَرَ أيضاً بملكوت يهوه لأني لهذا قد أرسلت" (‏لوقا 4: 43).

‏ففي غمرة الاهتياج الذي شمل مدينة كفرناحوم كان هنالك خطر من أن يغيب عن الأنظار الهدفُ من رسالته‏،‏ فلم يكن يهوشوه يقنع باجتذاب انتباه الناس إليه كصانع معجزات أو شافي أمراض الجسد وحسب‏،‏ ولكنّه أراد أن يجتذبَ الناس إليه كمخلّصهم‏.‏ ففي حين كان الناس يتوقون لأن يؤمنوا بأنّه قد أتى كملك ليقيم ملكاً أرضياً،‏ كان هو يسعى ليحوّل أفكارهم عن الأرضيّات إلى الروحيّات‏.‏ فالنجاح العالمي المجرّد سيتدخّل مع عمله ويعترضه.

اهتزّت روحُه أمام دهشة الجمع العديم الاكتراث‏.‏ وإنّ حياتَه لم يخالطها الاعتداد بالذات‏،‏ والطاعة والولاء اللذين يقدّمهما العالم لذوي المراكز والثراء والمواهب كانا بعيدين عن ابن الإنسان‏.‏ إنّ يهوشوه لم يستخدم أيّة وسيلة مما يستخدمها الناس للحصول على ولاء الشعب أو طاعته‏.‏ فقبل ولادته بعدّة قرون جاءت عنه هذه النبوّة‏:‏ "لا يَصِيحُ وَلاَ يَرْفَعُ وَلاَ يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ . قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِيءُ. إِلَى الأَمَانِ يُخْرِجُ الْحَقَّ" (إشعياء 42:  2، 3).

لقد حاول الفرّيسيون أن يشتهروا بواسطة تدقيقهم في التمسّك بالطقوس‏،‏ والافتخار بعبادتهم‏،‏ ولقد برهنوا على غيرتهم على الدين بجعله موضوع مباحثاتِهم‏.‏ وكانت المنازعات بين الفئات المتعادية صاخبةً وطويلةً.‏ ولم يكن أمراً غير عادي أن تُسمع في الشوارع ألفاظُ الجدال الغاضب من أفواه العلماء وأساتذة الشريعة‏.

ولكنّ حياة يهوشوه كانت على عكس ذلك تماماً.‏ ففي تلك الحياة لم يكن يُسمَع صوت جدال صاخب ولم يُشاهَد قطّ أيُ تفاخر بالعبادة‏،‏ ولا عملُ يرمي إلى الظفر بالاستحسان‏.‏ كان المسيا مستتراً في يهوه،‏ وقد أُعلن يهوه في صفات ابنه‏،‏ وكان يهوشوه يرغب في أن تتجه عقول الناس إلى هذا الإعلان‏.

إن "شَمْسُ الْبِرِّ" لم يشرق على العالم في ملء مجده ونوره ليبهر الحواس بمجده‏.‏ لقد جاء هذا القول عن المسيا‏:‏ "خُرُوجُهُ يَقِينٌ كَالْفَجْرِ" ‏(‏هوشع ‏6: 3).‏ إنّ نور النهار يشرق على الأرض بكلّ هدوء ولطف مبدّداً الظلام وموقظاً العالم إلى الحياة‏.‏ هكذا تشرق شمس البرّ "وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَ" (ملاخي 2:4).

"هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي" (إشعياء 42: 1).

"لأنك كنت حصناً للمسكين حصناً للبائس في ضيقه ملجأ من السيل ظلاً من الحر" (إشعياء ‏25: 4).

"هكَذَا يَقُولُ يهوه خالق السموات وناشرها باسط الأرض ونتائجها معطي الشعب عليها نسمة والساكنين فيها روحاً.‏ أَنَا يهوه قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ. لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ" (إشعياء 42: 5- 7).

"وأسيّر العمي في طريق لم يعرفوها‏.‏ في مسالك لم يدروها أمشّيهم‏.‏ أجعل الظلمة أمامهم نوراً والمعوّجات مستقيمة‏.‏ هذه الأمور أفعلها ولا أتركهم" (‏إشعياء 42: 16).

"غنوا ليهوه أغنية جديدة تسبيحه من أقصى الأرض‏.‏ أيها المنحدرون في البحر وملؤه والجزائر وسكانها‏.‏ لترفع البرية ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار‏.‏ ولتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا‏.‏ ليعطوا يهوه مجداً ويخبروا بتسبيحه فِي الْجَزَائِرُ" ‏(‏إشعياء 42: 10- 12).

"تَرَنَّمِي أَيَّتُهَا السَّمَوَاتُ لأنّ يهوه قد فعل‏.‏ اهتفي يا أَسَافِلِ الأرض أشيدي أيتها الجبال ترنماً الوعر وكل شجرة فيه لأن يهوه قد فدى يعقوب وفي إسرائيل تمجد‏" (‏إشعياء 44: 23).

"إنّ يوحنا المعمدان من أعماق سجن هيرودس‏،‏ حيث كان يراقب وينتظر في خيبة ألم وحيرة بالنسبة إلى عمل المخلّص أرسل اثنين من تلاميذه إلى يهوشوه بهذه الرسالة" أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟" (متى 11: 3).

ولم يُجب المخلّص عن سؤال التلميذين في الحال‏.‏ ففيما كانا واقفين متعجّبين من صمته كان المرضى والمتألّمون قادمين إليه‏.‏ إنّ صوت ذلك الشافي القدير اخترق الأذن الصماء‏.‏ إنّ كلمة منه أو لمسة من يده كانت تفتح العيون العمياء لترى نور النهار ومشاهد الطبيعة ووجوه الأصدقاء ووجه المخلّص‏.‏ وقد وصل صوته إلى آذان المحتضرين فقاموا في ملء الصحّة والنشاط.‏ والذين استبدّ بهم الجنون أطاعوا كلامه‏،‏ فزال عنهم جنونهم وسجدوا له‏.‏ والفلاحون الفقراء والفعلة الذين كان المعلّمون ينبذونهم ويزدرونهم على اعتبار أنّهم نجسون تجمهروا حوله فكان يخاطبهم بكلام الحياة الأبديـّة‏.

وهكذا انقضى النهار وكان تلميذا يوحنا يريان ويسمعان كلّ شيء‏.‏ أخيراً دعاهما يهوشوه إليه وأمرهما بأن يذهبا ويخبرا يوحنا بما قد رأيا وسمعا‏،‏ وفي ختام كلامه أضاف هذا القول‏:‏ "طُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ" (لوقا 7: 23). وحمل التلميذان الرسالة وكانت فيها الكفاية.

وقد استعاد يوحنا في ذهنه النبوّة الواردة عن مسيّا‏:‏ "لأَنَّ يهوه مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ. لأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ ليهوه.. لأُعَزِّيَ كُلَّ النَّائِحِينَ" (إشعياء 61: 1، 2). لقد كان يهوشوه الناصري هو مسيّا ا‏لموعود به. وقد ظهر برهان ألوهيّته في خدمته حاجات البشريّة المتألّمة‏.‏ وقد ظهر مجده في تنازله إلى منزلتنا الوضيعة.

إنّ أعمال المسيا فضلاً عن كونها قد أعلنت عنه أنّه مسيّا فقد أبانت الكيفيّة التي بها سيتأسّس ملكوتُه‏.‏ لقد كُشِفَ ليوحنا عن نفس الحقّ الذي كُشف لإيليّا في البريّة عندما جاءت (1‏ ملوك 19: 11، 12).‏ "رِيحٌ عَظِيمَةٌ وَشَدِيدَةٌ قَدْ شَقَّتِ الْجِبَالَ وَكَسَّرَتِ الصُّخُورَ أَمَامَ يهوه وَلَمْ يَكُنِ يهوه فِي الرِّيحِ. وَبَعْدَ الرِّيحِ زَلْزَلَةٌ وَلَمْ يَكُنِ يهوه فِي الزَّلْزَلَةِ. وَبَعْدَ الزَّلْزَلَةِ نَارٌ وَلَمْ يَكُنِ يهوه فِي النَّارِ" وبعد النار كلّم يهوه النبيّ بصوت منخفض خفيف‏.‏ وهكذا كان على يهوشوه أن يقوم بعمله لا بقلب العروش والممالك‏،‏ ولا بالفخامة والمظاهر الخارجيّة بل بواسطة مخاطبة قلوب الناس بحياة الرحمة والتضحية بالذات‏.

إنّ ملكوت يهوه لا يأتي بمظاهر خارجيّة‏.‏ ولكنّه يأتي عن طريق رقّة ولطف وحي كلمته‏،‏ وبواسطة عمل روحه الخفيّ،‏ وشركة النفس مع ذاك الذي هو حياتها‏.‏ إنّ أعظم مظاهر قوّته يُرى في الطبيعة البشريّة عندما تصل إلى كمال صفات المسيا.

على أتباع المسيا أن يكونوا نور العالم‏.‏ ولكن يهوه لا يأمرهم بأن يبذلوا جهداً لكي ينيروا‏.‏ وهو لا يحبّذ أي محاولة مبعثها الاكتفاء بالذات للتظاهر بالصلاح الفائق‏.‏ ولكنّه يرغب في أن تتشرّب نفوسُهم مباديءَ السماء وتتشبّع بها‏،‏ وحينئذ فإذ يحتكّون بالعالم سيشعّ منهم النور الذي فيهم‏.‏ وولاؤهم الثابت في كلّ عمل من أعمال الحياة سيكون من وسائل الإنارة.

إنّ الثروة أو المركز السامي والأثاثات الغالية والأبنية الفخمة والزخارف ليست شرطاً أساسيّاً لتقدّم عمل يهوه.‏ ولا الأعمال العظيمة التي تظفر باستحسان الناس والتي تخدم الغرور‏.‏ إنّ التظاهر العالمي مهما يكن مهيباً لا قيمة له في نظر يهوه.‏ إنّه يقدّر الأشياء غير المنظورة والأبديّة أكثر من الأشياء المنظورة والزمنيّة‏.‏ فهذه لها قيمتها على قدر ما تعبّر عن تلك‏.‏ إنّ أثمن إنتاج للفنّ ليس فيه أيّ جمال يمكن مقارنته بجمال الخلق الذي هو ثمر عمل الروح القدس في النفس.

إنّ يهوه عندما بذل ابنَه وأرسله إلى عالمنا منح الخلائق البشريّة غنى لا يزول‏-‏ غنى لو قورنت به كلّ ثروات العالم المكنوزة منذ إنشائه لاعتبرت كلا شيء‏.‏ لقد أتى المسيا إلى الأرض ووقف أمام بني الإنسان مزوّداً بالمحبّة الأزليّة المذخّرة‏،‏ وهذا هو الكنز الذي سنحصل عليه عندما نرتبط به‏،‏ وعلينا أن نعلنه ونوزّعه.

إنّ المجهود البشري يكون فعّالاً في عمل يهوه طبقا لتقوى الخادم وتكريسه‏-‏ بإظهار قوّة نعمة المسيا على تغيير الحياة‏.‏ علينا أن نمتاز عن العالم لأنّ يهوه قد وضع سِمَتَه علينا ولأنه يُظهر فينا صفاتِ محبّته‏.‏ إنّ فادينا يسترنا ببرّه.

إنّ يهوه باختياره الرجال والنساء لخدمته لا يسأل ما إذا كانوا يملكون ثروة عالمية أو علماً أو فصاحة‏.‏ وإنّما هو يسأل‏:‏ "هل هم يسيرون في طريق الوداعة حتى أعلمهم طريقي؟ وهل يمكنني أن أضع أقوالي في أفواههم؟ وهل يمثلونني؟".

يستطيع يهوه أن يستخدم كلّ إنسان بنسبة ما يستطيع أن يضع من روحه في هيكل النفس‏.‏ والعمل الذي يقبله هو العمل الذي يعكس صورته‏.‏ وعلى تابعيه أن يحملوا مميزات مبادئه الخالدة التي لا تُمحى كشهادتهم التي يقدّمونها للعالم.

بذراعه يجمع الحملان

إنّ يهوشوه وهو يخدم في شوارع المدن تشقّ الأمّهات لأنفسهنّ الطريق في وسط الجمع وهنّ حاملاتٍ صغارهنّ المرضى والمحتضرين بين أذرعهنّ محاولاتٍ أن يصلن إلى مكان يراهنّ منه‏.

ها هنّ أولئك الأمّهاتُ الشاحباتُ الوجوه المرهقاتُ واليأس يكاد يتسرّب إلى قلوبهنّ،‏ ومع هذا فهنّ مصمّماتُ ومثابراتُ.‏ وفيما هنّ يحملن عبءَ آلامهنّ يطلبن المخلّص‏،‏ وإذ يصدّهنّ الجمعُ المزدحمُ ليرجعن إلى الوراء فالمسيا يشقّ لنفسه الطريق إليهنّ خطوةً فخطوة حتى يقف إلى جوارهنّ. فينبثق في قلوبهنّ نورُ الرجاء‏.‏ وتنهمر من عيونهنّ دموعُ الفرح عندما يلتفت إليهنّ وينظرن إلى عينيه الناطقين بحنوّ ومحبّة شديدين.

فإذ يختار المخلّص واحدةً من تلك الجماعة يسترعي ثقتـَها بقوله لها‏ :‏  "ماذا أفعل لك؟" فتخبره بحاجتها وصوتُها مختنقُ بالبكاء قائلة‏:‏  "يا معلم ليتك تشفي طفلي‏"،‏ فيأخذ المسيا طفلها من على ذراعيها فيبارحهُ المرضُ عندما يلمسه‏.‏ يختفي شحوب الموت ويسري تيّار القوّة المانحة الحياة في عروق ذلك الطفل وتتقوّى عضلاتـُه‏.‏ ويخاطب السيّد تلك الأمّ بكلام العزاء والسلام‏،‏ ثم تتقدّم أمّ أخرى في مثل حالة الأولى،‏ حاجتُها ملحّة وتدعو إلى الإسراع‏.‏ ومرّةً أخرى يستخدم المسيا قوّته المانحة الحياة والجميع يقدّمون آياتِ الحمد والإكرام لذاك الذي يصنع العجائب‏.

إنّنا نتحدث كثيراً عن عظمة حياة المسيا‏.‏ نتحدث عن العجائب التي أجراها والمعجزات التي صنعها‏،‏ ولكن اهتمامه بالأمور التي تبدو صغيرة هو برهان أقوى على عظمته.

كان اليهود معتادين الإتيان بأولادهم إلى أحد المعلمين ليضع يديه عليهم مباركاً إيّاهم‏،‏ ولكنّ التلاميذ ظنّوا أنّ عمل المخلّص أهمّ من أن يقاطع بهذه الكيفيّة‏.‏ فعندما جاءته الأمهات طالبات أن يبارك أولادهنّ نظر التلاميذ إليهنّ باستياء‏،‏ فقد ظنّوا أن هؤلاء الأولاد أصغر من أن يستفيدوا من زيارتهم ليهوشوه واستنتجوا أنّه سيستاء من وجودهم‏.‏ ولكنّ المسيا أدرك الهمّ والعبء اللذين حملتهما الأمهات في تربية أولادهنّ بموجب كلمة يهوه.‏ كان قد سمع توسلاتهن‏،‏ وهو بنفسه الذي اجتذبهن إلى حضرته.

إنّ إحدى الأمهات تركت بيتها وذهبت مع ولدها للبحث عن يهوشوه.‏ وفيما كانت سائرة في طريقها أخبرت إحدى جاراتِها بما عزمت على عمله فرغبت تلك الجارة في أن يبارك يهوشوه أولادَها‏،‏ وهكذا جاءت عدّة أمّهات معاً يصحبن أطفالهنّ.‏ كان بعض أولئك الأولاد قد تخطّوا دور الطفولة إلى مرحلة الصبا والشباب‏.‏ وعندما أعربت الأمّهات عن رغبتهنّ سمع يهوشوه بعطف طلبهنّ الخجول الدامع‏.‏ ولكنّه انتظر ليرى كيف سيعاملهنّ التلاميذ‏.‏ فلمّا رأى التلاميذَ يوبّخون أولئك الأمّهات ويطردونهنّ ظنّاً منهم أنّهم بذلك يُسدون إليه معروفاً،‏ أبان لهم خطأَهم قائلاً: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ يهوه" (‏مرقس‏10: 14).‏ ثم أخذ الأولاد بين ذراعيه ووضع يديه عليهم ومنحهم البركة التي جاءوا من أجلها.

تعزّت الأمّهات وعُدنَ إلى بيوتهنّ وقد حصلن على قوّة وبركة بفضل أقوال المسيا‏.‏ وتشجّعن على حمل أعبائهنّ بفرحٍ جديدٍ وعلى خدمة صغارهنّ بأمل مشرق.

ولو أمكن لنا اكتشاف الحياة المستقبلة لتلك الجماعة الصغيرة لرأينا أولئك الأمّهات يستعدن إلى أذهانِ أولادهنّ مشهدَ ذلك اليوم ويردّدن على أسماعهم كلماتِ المحبّة التي نطق بها المخلّص‏.‏ وكنّا نرى أيضاً بعد ذلك كم مرّة حفظت ذكرى تلك الأقوال أولئك الأولاد من التوّغل بعيداً عن الطريق المرسوم لمفدِيّ السيد.

إنّ المسيا لا يزال اليوم هو نفسُه المخلّص الرحيم كما كان عندما جال بين الناس‏.‏ إنه بكلّ يقين مُعين الأمّهات اليوم كما كان عندما جمع الصغار إلى ذراعيه في اليهودية‏.‏ إنّ أطفال بيوتنا هم مقتنى دمِه كما كان أولئك الأطفالُ منذ القديم.

إنّ يهوشوه يعرفُ الحملَ الذي يثقّل قلب كلّ أمّ.‏ فذاك الذي كانت له أمّ كافحت ضدّ الفقر والفاقة يعطف على كلّ أمّ في تعبها وكفاحها‏.‏ وذاك الذي سافر سفراً طويلاً لكي يخفّف من لوعة قلب أمّ كنعانيّة جزعة سيفعل نفس ذلك العمل لأمّهات اليوم‏.‏ وذاك الذي أعاد إلى أرملة نايين‏ ابنها.‏ والذي وهو يعاني سكراتِ الموت على الصليب أوصى برعاية أمّه‏،‏ يتأثّر اليوم بحزن الأمّ.‏ إنّه في كلّ حزن وكلّ حاجة يعزّي ويعين.

فلتأت الأمّهات إلى يهوشوه بمربكاتهنّ،‏ وسيجدن نعمةً كافيةً تعينهنّ في رعاية أولادهنّ.‏ إنّ الأبواب مفتوحة لكلّ أمّ ترغب في طرح حملها عند قدمي المخلّص‏.‏ فذاك الذي قال‏:‏ "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ" (‏مرقس ‏10: 14)‏. ما يزال يدعو الأمّهاَت للإتيان بصغارهن ليباركهم.‏

إنّ يهوشوه قد رأى في الأطفال الذين أُتيَ بهم إليه‏،‏ الرجال والنساءَ المزمعين أن يكونوا ورثةَ نعمتِه ورعايا ملكوته‏،‏ وبعض منهم كانوا مزمعين أن يصيروا شهداءَ لأجله‏.‏ عرف أنّ هؤلاء الأولاد سيستمعون إليه ويقبلونه فادياً لهم بأسرع ممّا فعل الكبار الذين كان كثيرون منهم من الحكماء الدنيويين والقساة القلوب‏.‏ وفي تعليمه نزل إلى مستواهم‏.‏ فذاك الذي هو جلال السماء أجاب عن أسئلتهم وبسط لهم تعاليمَه الهامّةَ بحيث تفهمها عقولُهم الصغيرة‏.‏ لقد غرس في أذهانهم بذارَ الحقِّ الذي في مستقبل السنين سينمو ويثمر للحياة الأبدية.

إنّ يهوشوه عندما قال للتلاميذ ألاّ يمنعوا الأولاد من الإتيان إليه كان يتحدث إلى تابعيه في كلّ العصور - إلى موظفي الكنيسة والخدّام والمساعدين وجميع المسيحيين‏.‏ إنّه يجتذب إليه الأولادَ ويقول‏:‏ "دعوهم يأتون إِلَيَّ" وكأنّما هو يقول‏:‏ إنّهم سيأتون إذا لم تمنعوهم.

لا تجعلوا صفاتِكم المنافية لصفات المسيا تسيء تمثيلَ يهوشوه.‏ لا تُبقوا الصغارَ بعيدين عنه بجمودكم وعُنفكم وجفائِكم‏.‏ ولا تقدّموا لهم أبداً علّةً تجعلهم يحسّون أنّ السماء ستكون مكاناً محزناً وكئيباً إذا كنتم هناك‏.‏ ولا تتحدّثوا عن الدين كشيء لا يفهمه الأولاد‏،‏ ولا تتصرّفوا بحيث يفهمون أنّه لا يُنتّظر منهم أن يقبلوا المسيا في حداثتهم‏.‏ ولا تثبّتوا في أذهانهم تلك الفكرةَ الخاطئةَ وهي أنّ ديانة المسيا هي ديانة الحزن والوجوم‏،‏ وأنّهم إذ يأتون إلى المخلّص عليهم أن يتخلّوا عن كلّ ما يجعل الحياة سعيدة بهجة.

وإذ يحرّك روح يهوه القدّوس قلوبَ الأولاد فعليكم أنتم أن تتعاونوا معه في عمله‏.‏ علّموهم أنّ المخلّص يدعوهم‏،‏ وأنّ لا شيء يمكن أن يملأ قلبَه بالفرح أكثر من أن يسلّموه أنفسهم في بكور حياتهم ونضارة صباهم.

مسؤولية الوالدين

إنّ المخلّص يرعى النفوس التي قد اشتراها بدمه بأعظم رقّة وحنان‏.‏ إنّهم مطلب محبّته‏،‏ وهو ينظر إليهم بحنين لا يعبّر عنه‏.‏ إنّ قلبه ينعطف ليس فقط إلى من قد نالوا أعظمَ قسطٍ من التهذيب أو الأولاد ذوي الجاذبيّة العظيمة بل أيضاً إلى الذين عن طريق الوراثة أو بسبب الإهمال صارت أخلاقُهم ممقوتةً ومثيرةً للنفور‏.‏ إنّ كثيرين من الوالدين لا يدركون إلى أيّ حدّ هم مسؤولون عن هذه الصفات في أولادهم‏.‏ إنّه تعوزهم الرقّة والحكمة اللتان بهما يمكنهم أن يعالجوا أخطاء أولادهم الذين كانت لهم هم يدُ في اعوجاجهم وتشكيل أخلاقهم بهذه الصورة‏.‏ ولكنّ يهوشوه ينظر إلى هؤلاء الأولاد بعطفٍ وإشفاقٍ.‏ ويسير متتبّعاً السبب إلى النتيجة.

ويمكن للخادم الأمين أن يكون وسيلة المسيا في اجتذاب هؤلاء الأولاد المخطئين إلى المخلّص‏.‏ فبالحكمة واللباقة يستطيع أن يربطهم إلى قلبه ويلهمهم بالشجاعة والرجاء‏،‏ وبنعمة المسيا قد يراهم وإذا هم قد تغيّرت أخلاقهم بحيث يصدق عليهم القول‏: ‏"لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ يهوه".

خَمْسَةُ أَرْغِفَةِ من شَعِيرٍ تشبع جمعاً غفيراً

ظلّ الشعب ملازماً للمسيا وتلاميذه طوال اليوم حين كان يعلّم عند البحر‏.‏ لقد أصغوا إلى كلامه الصالح الذي كان بسيطاً وواضحاً جداً بحيث كان كبلسان جلعاد لأرواحهم‏.‏ وكان في لمسات يده الإلهيّة الشفاء للمرضى والحياةُ للمحتضرين‏.‏ وقد كان ذلك اليوم في نظرهم كالسماء على الأرض‏،‏ فلم يشعروا بما فات عليهم من الوقت منذ أن تناولوا أيّ طعام.

بدأت الشمس تختفي وراء الأفق الغربيّ،‏ ومع ذلك ظلّ الناس في أماكنهم‏.‏ أخيراً جاء التلاميذ إلى يهوشوه وألحّوا عليه أن يصرف الجموع لأجلِ خاطرهم هم‏.‏ كان كثيرون منهم قد جاءوا من بعيد ولم يأكلوا شيئاً منذ الصباح‏.‏ وكان يمكنهم أن يجدوا طعاماً في المدن والقرى المجاورة‏.‏ ولكنّ المسيا قال لهم "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا" (‏متى ‏14: 16).‏ ثم التفت إلى فيلبّس وسأله قائلا‏:‏ "مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزًا لِيَأْكُلَ هؤُلاَءِ ؟" (يوحنا 6: 5).

فتطلع فيلبس إلى ذلك البحر الزاخر بالرؤوس البشريّة وفكّر في استحالة الحصول على طعام لمثل ذلك الجمع الغفير‏.‏ فأجاب قائلا إنّه لا يكفيهم خبز بمئتي دينار ليأخذ كلّ واحد شيئاً يسيراً.

فسأل يهوشوه كم من الطعام يمكن الحصول عليه من ذلك الجمع‏.‏ فقال أندراوس‏:‏ "هُنَا غُلاَمٌ مَعَهُ خَمْسَةُ أَرْغِفَةِ شَعِيرٍ وَسَمَكَتَانِ ، وَلكِنْ مَا هذَا لِمِثْلِ هؤُلاَءِ؟" (يوحنا 6: 9). فأمر يهوشوه بأن يُؤتيَ إليه بها‏.‏ ثم أمر تلاميذه بأن يُجلسوا الناس على العشب‏.‏ فلما فعلوا كذلك أخذ الطعام"رَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى الأَرْغِفَةَ لِلتَّلاَمِيذِ ، وَالتَّلاَمِيذُ لِلْجُمُوعِ "، "فَأَكَلَ الْجَمِيعُ وَشَبِعُوا ثُمَّ رَفَعُوا ما فضل مِنَ الْكِسَرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مَمْلُوَّةً" (مرقس 14: 19، 20).

لقد أشبع المسيا الجميع بمعجزة القوّة الإلهيّة‏،‏ ومع ذلك فكم كان ذلك الطعام متواضعاً لا شئ أكثر من السمك وأرغفة الشعير التي كانت هي الطعام الذي كان صيادو الجليل يتناولونه كلّ يوم.

إنّ المسيا كان يستطيع أن يقدّم للناس عشاءً فاخراً،‏ ولكنّ الطعام المعدّ لمجرّد إشباع النهم لم يكن ليحمل درساً نافعاً لهم‏.‏ لقد رغب المسيا عن طريق هذه المعجزة أن يُعلّم الشعب درس البساطة‏.‏ فلو كان الناس اليوم بسطاء في عاداتِهم وعاشوا في وفاق مع نواميس الطبيعة كما كان آدم وحوّاء يفعلان في البدء لكانت توجد مؤونة وافرة لسدّ احتياجاتِ الأسرة البشريّة‏.‏ ولكنّ الأنانية والانغماس في النهم جلبا الخطيّة والشقاء‏،‏ من الإفراط على الجانب الواحد ومن العوز والاحتياج على الجانب الآخر.

لم يحاول يهوشوه اجتذاب الشعب إليه عن طريق إشباع شوقهم إلى الرفاهية والتنعّم‏.‏ إنّ ذلكَ الطعامَ البسيطَ المقدّمَ إلى ذلك الجمع الغفير الذين كانوا متعبين وجياعاً،‏ بعد انتهاء ذلك النهار الطويل المثير‏،‏ كان تأكيداً لقدرة المسيا ورعايته الرقيقة لهم في حاجاتِ الحياة العاديّة‏.‏ إنّ المخلّص لم يَعِد تابعيه بالحصول على تنعّمات العالم‏.‏ فقد يكون نصيبهُم الفقرَ،‏ ولكنّ كلمته صادقة وموثوق بها‏،‏ وهي أنَّ حاجاتِهم لابدّ أن تُسدّ،‏ بل لقد وعد أن يمنحهم ما هو أفضل من الخير الأرضي‏-‏ أي العزاء الثابت‏،‏ عزاء وجوده معهم.

بعدما أكل كلّ ذلك الجمع وشبعوا بقيت كميّة وافرة من الطعام‏.‏ فأمر يهوشوه تلاميذه قائلا لهم‏:‏ "اجْمَعُوا الْكِسَرَ الْفَاضِلَةَ لِكَيْ لاَ يَضِيعَ شَيْءٌ" (يوحنا 6: 12). وكان هذا الكلام يعني شيئاً أكثر من وضع الكسر في السلال‏.‏ كان الدرس مزدوجاً‏.‏ ينبغي ألاّ يضيع شيءُ أو يتلف. وينبغي ألاّ نفلت من أيدينا أيّة ميزة زمنيّة‏،‏ كما ينبغي لنا ألاّ نهمل شيئاً يمكن أن يكون ذا نفعٍ لأيّ كائن بشري‏،‏ ويجب أن يُجمع كلّ ما يمكن أن يسدّ حاجاتِ المعوزين والجياع من ساكني الأرض‏.‏ وبنفس هذا الحرص‏،‏ علينا أن نختزن الخبزَ النازل من السماء لإشباعِ جوع النفس. إنّنا نحيا بكلّ كلمة تخرج من فم يهوه.‏ وينبغي ألاّ يضيع شيء ممّا تكلّم به يهوه.‏ علينا ألاّ نهمل كلمةً واحدةً ممّا له علاقة بخلاصنا الأبدي‏.‏ ويجب ألاّ تسقط كلمة واحدة إلى الأرض بلا نفع.

إنّ معجزة الأرغفة تعلّمنا الاعتمادَ على يهوه،‏ عندما أشبع المسيا الخمسةَ الآلاف لم يكن الطعام قريباً في متناول اليد‏.‏ وكان يبدو أنّه لا توجد لديه وسائلُ طوعَ أمره‏.‏ فلقد كان هو هناك في البرّية مع الخمسة الآلاف ما عدا النساء والأولاد‏.‏ وهو لم يدعُ ذلك الجمعَ ليتبعه إلى هناك‏،‏ بل إنّهم إذ كانوا يتوقون للوجود في حضرته أتوا دون أن توجّه إليهم دعوة أو أمر‏،‏ ولكنّه كان يعلم أنّهم بعدما ظلّوا طوال النهار يصغون إلى تعاليمه كانوا جياعاً ومعيين‏.‏ كانوا بعيدين عن بيوتهم وقد أقبل الليل‏.‏ وكثيرون منهم لم يملكوا ما يبتاعون به طعاماً‏،‏ ولكن ذاك الذي في سبيلهم صام أربعين يوماً في البريّة لا يدعهم يعودون إلى بيوتهم صائمين. إنّ عناية يهوه قد وضعت يهوشوه حيث كان‏،‏ واعتمد هو على أبيه السماوي لأجل تدبير الوسائل الكفيلة بسدّ تلك الحاجة‏.‏ فعندما نقع نحن في مآزق علينا بالاعتماد على يهوه.‏ وفي كلّ طاريء علينا أن نطلبَ العونَ من ذاك الذي توجد طوعَ أمرِه موارد لا تنفد.

في هذه المعجزة تناول المسيا من الآب‏،‏ ثم أعطى التلاميذ‏،‏ والتلاميذ أعطوا للشعب‏،‏ والشعب أعطوا بعضهم بعضاً.‏ وهكذا كلّ المتّحدين بالمسيا يتناولون منه خبز الحياة ويوزّعون على الآخرين‏.‏ فتلاميذ المسيا هم وسيلة الاتصال المعيّنة منه ليكونوا واسطةَ اتصالِه بالشعب.‏

عندما سمع التلاميذ أمر المخلّص قائلاً لهم‏: "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا" قامت كلّ الصعوبات وتزاحمت في أذهانهم‏.‏ فسألوه قائلين‏:‏ "أنذهب إلى القرى لنبتاع طعاما؟" ولكنّ المسيا قال‏:‏ "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا".‏ فأحضر التلاميذ إلى يهوشوه كلّ ما كان عندهم ولكنّه لم يدعهم للأكل بل أمرهم بأن يخدموا الشعب‏.‏ وقد تكاثر الطعام وتبارك في يديه‏،‏ وإذ امتدت أيدي التلاميذ إلى المسيا لم ترجع فارغة قطّ.‏ فالقليل الذي كان عندهم كان كافياً للجميع‏.‏ فبعدما أكلَ الجميع وشبعوا‏،‏ أكلَ التلاميذ مع يهوشوه من الخبز الثمين المرسل من السماء.

عندما نرى حـاجاتِ الفقـراء والجهـلاء والسقماء ما أكثر ما تخور قلوبُنا‏.‏ فنسأل قائلين‏:‏ "ما جدوى قوّتِنا الضعيفة ومواردِنا الضئيلة لسدّ هذه الحاجة الهائلة؟ ألاّ ننتظر حتى يتقدّم شخص ذو مواهب ومقدرة أعظم منا ليسوس العمل‏،‏ أو ننتظر مؤسسة أخرى تضطلع بهذا العمل؟ "ولكنّ المسيا يقول‏:‏ "أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا". استخدموا الوسيلة والوقت والمقدرة التي لكم‏.‏ أيتوا بأرغفة الشعير التي معكم إلى يهوشوه.

وإن تكن المؤونةُ التي عندكم لا تكفي لإشباع الآلاف فقد تكفي لإشباع فرد‏.‏ وإذ توضع بين يدي المسيا قد تُشبعُ كثيرين‏.‏ فكالتلاميذ قدّموا ما عندكم‏،‏ والمسيا سيضاعف ما تعطونه إيّاه‏.‏ وهو سيكافيء الاعتماد الأمينَ البسيطَ عليه‏.‏ وما كان يبدو أنّه مؤونة ضئيلة سيتبرهن على أنّه وليمة فاخرة‏.

"مَنْ يَزْرَعُ بِالشُّحِّ فَبِالشُّحِّ أَيْضًا يَحْصُدُ وَمَنْ يَزْرَعُ بِالْبَرَكَاتِ فَبِالْبَرَكَاتِ أَيْضًا يَحْصُدُ .. ويهوه قَادِرٌ أَنْ يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ لِكَيْ تَكُونُوا وَلَكُمْ كُلُّ اكْتِفَاءٍ كُلَّ حِينٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ تَزْدَادُونَ فِي كُلِّ عَمَـل صَالِحٍ. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فَرَّقَ. أَعْطَى الْمَسَاكِينَ. بِرُّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ.

"والذي يقدّم بذاراً للزارع وخبزاً للآكل سيقدّم ويكثر بذاركم وينمي غلات بركم مُسْتَغْنِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ لِكُلِّ سَخَاءٍ" (2‏ كورنثوس ‏9: 6- 11). 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
5
4
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
07
27
Calendar App