14. قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كان يوحنا المعمدان يكرز الآن ويعمد في بيت عبرة في عبر الأردن ، في موضع لا يبعد كثيرا عن ذلك المكان حيث أوقف يهوه مياه النهر عن جريانها حتى عبر إسرائيل . وعلى بعد قليل من هذا المكان أسقطت أجناد السماء معاقل أريحا واستحكاماتها ، فعادت ذكريات تلك الحوادث وانتعشت ، وأضفت على رسالة المعمدان أهمية عظيمة . أفلا يمكن أن ذاك الذي قد صنع تلك المعجزات المدهشة في العصور القديمة يعود فيعلن قدرته لخلاص العبرانيين؟ كان هذا هو الفكر الذي أثار قلوب الشعب الذين كانوا يتوافدون على شواطىء الأردن .

كان تأثير كرازة المعمدان في الأمة عميقا وعظيما جدا بحيث استرعى اهتمام السلطات الدينية ، كما أن خطر نشوب ثورة جعل الرومان يشتبهون في كل تجمهر لجموع الشعب ، وكل ما من شأنه أن يساعد على إحداث ثورة يقوم بها الشعب أثار مخاوف رؤساء اليهود . لم يكن يوحنا يقيم وزنا لسلطة رجال السنهدريم ، كلا ، ولا سعى للظفر بمصادقتهم على أعماله . كان قد وبخ رؤساء الشعب ، الفريسيين منهم والصدوقيين . ومع ذلك فقد اتبعه الشعب بكل شوق وتلهف . وبدا أن اهتمامهم بعمله يزداد يوما بعد يوم . ومع أنه لم يذعن لرجال السنهدريم فقد اعتبروا أنه ككارز لعموم الشعب كان تحت سلطانهم .

كان هذا المجمع مكونا من أعضاء مختارين من رجال الكهنوت ومن رؤساء الأمة ومعلميها ، وكان الرئيس في العادة هو رئيس الكهنة ، كما كان رجال المجمع حسب العرف رجالا متقدمين في السن وإن لم يكونوا أشياخا . ووجب أن يكونوا متعلمين ليس فقط ملمين بمبادئ الديانة اليهودية وتاريخ الأمة بل أيضاً بالعلوم العامة . وكان ينبغي أن يكونوا خالين من كل عيب جسماني ومتزوجين وآباء ، إذ كان المفروض فيهم أن يكونوا محبين ومنصفين للناس أكثر من غيرهم . وكان مكان اجتماعهم مقصورة كبيرة ملحقة بالهيكل في أورشليم مخصصة لذلك الغرض . وفي الأيام التي كان اليهود فيها متمتعين بالاستقلال كان مجمع السنهدريم هو المحكمة العليا في الأمة ، وتحت يده سلطات مدنية وإكليريكية . ومع أنهم كانوا آنئذٍ خاضعين للولاة الرومان فقد كان ذلك المجمع متمتعا بنفوذ كبير في المسائل المدنية والدينية على السواء .

فحص عمل المعمدان

لم يستطع السنهدريم أن يؤخر فحص عمل يوحنا ، فقد كان بعض رجاله يذكرون الرؤيا التى كان زكريا قد رآها في الهيكل ، والنبوة التي تنبأ بها عن أن ابنه سيكون بشيرا بمجيء مسيا . ولكن في غمرة الأحداث والتطورات التي حدثت مدة ثلاين عاما غابت هذه الأمور عن الأذهان إلى حد كبير . أما الآن فقد عادت إلى الأذهان بسبب الإثارة التي أحدثتها كرازة يوحنا .

كان قد انقطع ظهور الأنبياء في إسرائيل منذ عهد بعيد ، ومنذ عهد بعيد أيضاً لم يُرَ مثل ذلك الإصلاح الذي بدأ ينتشر ، فكانت الدعوة إلى التوبة والاعتراف بالخطية أمرا جديدا ومفزعا لكثيرين . لذا رفض كثيرون من قادة الشعب الذهاب لسماع وعظ يوحنا وتشهيره بالخطية لئلا يضطروا لفضح أسرارهم وخطاياهم أمامه ، إلاّ أن كرازته كانت إعلانا صريحا بظهور مسيا . لقد كان معروفا تماما أن السبعين أسبوعا المذكورة في نبوة دانيال التي تتناول مجيء مسيا كانت موشكة على الانتهاء ، وكان الجميع يتوقون إلى أن يكون لهم نصيب في مجد أمتهم الذي كان الجميع ينتظرونه . وهكذا كانت الحماسة عامة وعظيمة جدا حتى أن رجال السنهدريم كانوا مضطرين إما إلى المصادقة على عمل يوحنا أو رفضه . فبدأ سلطانهم على الشعب يتضاءل . والسؤال الخطير الذي كان يواجههم هو كيف يحتفظون بنفوذهم وسلطانهم . وإذ كانوا يريدون الوصول إلى نتيحة ما ، أرسلوا إلى الأردن وفدا من الكهنة واللاويين للتفاوض مع هذا المعلم الجديد .

كان جمهور كبير من الشعب مجتمعين يصغون إلى وعظ يوحنا ، وإذا بمبعوثي مجمع اليهود يقتربون منه . وبمحاولة إظهار السلطة التي كان القصد منها التأثير في الشعب وجعل النبى يبدي لهم الاحترام اللائق، اقترب أولئك المعلمون وبحركة بدا فيها احترام يكاد يصل إلى درجة الخوف أفسح الشعب لهم طريقا ليصلوا إلى يوحنا ، فوقف أولئك الرجال العظام في ثيابهم الفاخرة وفي كبرياء المقام والسلطان أمام نبي البرية ، ثم سألوه قائلين: "مَنْ أَنْتَ؟" (يوحنا 1: 19) . وإذ كان يوحنا يعرف أفكارهم أجابهم قائلا: "لَسْتُ أَنَا الْمَسِيا" (يوحنا 20:1) . ثم عادوا يسألونه: "إِيلِيَّا أَنْتَ؟" فقال: "لَسْتُ أَنَا" ،"أَلنَّبِيُّ أَنْتَ؟" فأجاب: "لاَ" فقالوا له: "مَنْ أَنْتَ ، لِنُعْطِيَ جَوَابًا لِلَّذِينَ أَرْسَلُونَا؟" فقال:"أَنَا صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: قَوِّمُوا طَرِيقَ يهوه، كَمَا قَالَ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ" (يوحنا 1: 21-23) .

إن النبوة التي أشار اليها يوحنا هي تلك النبوة الجميلة التي نطق بها إشعياء حين قال: "عَزُّوا ، عَزُّوا شَعْبِي ، يَقُولُ إِلهُكُمْ . طَيِّبُوا قَلْبَ أُورُشَلِيمَ وَنَادُوهَا بِأَنَّ جِهَادَهَا قَدْ كَمُلَ ، أَنَّ إِثْمَهَا قَدْ عُفِيَ عَنْهُ ... صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ:أَعِدُّوا طَرِيقَ يهوه. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلاً لإِلَهِنَا . كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا ، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلاً . فَيُعْلَنُ مَجْدُ يهوه وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا ، لأَنَّ فَمَ يهوه تَكَلَّمَ " (إشعياء40: 1-5) .

سابق المسيا

في العصور القديمة عندما كان ملك يسافر في بعض أجزاء مملكته حيث الطرق غير ممهدة كان يتقدم أمام مركبته جماعة من الناس ليمهدوا أمامه الطريق فيخفضون المرتفعات المنحدرة ويملأون المنخفضات حتى يمكن أن يسافر الملك آمنا لا يعوقه عائق . والنبي يستخدم هذه المادة هنا في وصف عمل الإنجيل: "كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ" . إن روح السيّد عندما يلمس النفس بقوته المحيية العجيبة تخفض كبرياء الإنسان . وسيرى الناس أن المسرات العالمية والمركز والسلطان أشياء تافهة لا قيمة لها لأن الظنون "وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ يهوه" لابد أن تهدم . وكل فكر لابد أن يستأسر "إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيا" (2 كورنثوس 10: 5) . ثم أن الوداعة والمحبة المضحية اللتين يستهين بهما الناس ترتفعان على اعتبار أن لهما قيمة عظيمة دون سواهما . هذا هو عمل الإنجيل الذي كانت رسالة يوحنا جزءا منه .

ولكن أولئك الأحبار عادوا يسألون يوحنا قائلين: "فَمَا بَالُكَ تُعَمِّدُ إِنْ كُنْتَ لَسْتَ الْمَسِيا ، وَلاَ إِيلِيَّا ، وَلاَ النَّبِيَّ؟" (يوحنا 1: 25) . إن كلمة "النبي" كانت تشير إلى موسى . لقد كان اليهود يميلون إلى الاعتقاد أن موسى سيقام من الأموات ويؤخذ إلى السماء . ولم يكونوا يعلمون أنه قد قام . وعندما بدأ المعمدان خدمته ظن كثيرون أن موسى النبي قد قام من الأموات لأنه كان ملما إلماما كاملا بالنبوات وبتاريخ إسرائيل .

وكان الاعتقاد أيضاً أنه قبل مجيء مسيا سيظهر إيليا بشخصه . ولكن هذا الانتظار قابله يوحنا بالإنكار . إلاّ أن كلامه كان له معنى أعمق . وقد قال يهوشوه بعد ذلك مشيرا إلى يوحنا: "وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا ، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِــيَ" (متى 14:11) . لقد جاء يوحنا بروح إيليا وقوته ، ليقوم بعمل كالذي قام به إيليا . فلو قبله اليهود لكان ذلك العمل قد أكمل لهم . ولكنهم لم يقبلوا رسالته ، إذ بالنسبة إليهم لم يكن هو إيليا فلم يستطع أن يتمم لهم الرسالة التي قد أتى لاتمامها .

كثيرون ممن اجتمعوا عند نهر الأردن كانوا حاضرين عندما اعتمد يهوشوه ، ولكن العلامة التى أعطيت حينئذٍ لم تعلن إلاّ لنفر قليل منهم . ففي أوائل شهور خدمة المعمدان رفض كثيرون النداء الذي أطلقه لهم ليتوبوا . وهكذا قسوا قلوبهم وأظلمت أذهانهم . فلما شهدت السماء ليهوشوه عند عماده لم يلاحظوا ذلك ، فالعيون التي لم تلتفت قط بإيمان إلى غير المنظور لم تشاهد إعلان مجد يهوه ، والآذان التي لم تصغ قط إلى صوته لم تسمع كلمات الشهادة . وكذلك الحال اليوم . ففي كثير من الأحيان يعلن حضور المسيا والملائكة الخادمين في وسط اجتماعات الشعب ، ومع ذلك فكثيرون لا يدرون عن ذلك ولا يرون شيئا غير عادي . ولكن حضور المسيا يعلن للبعض الآخر ، فتنتعش قلوبهم بالسلام والرجاء ويتعزون ويتشجعون و يتباركون .

"الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي"

ثم أن أولئك المبعوثين القادمين من أورشليم سألوا يوحنا قائلين "فَمَا بَالُكَ تُعَمِّدُ؟" ولبثوا ينتظرون منه جوابا . وفجأة إذ كان يوحنا يدور بعينيه بين تلك الجموع التهبت عيناه وأشرق وجهه واضطرم في نفسه انفعال عميق . ثم بسط يده وصاح قائلا: "أَنَا أُعَمِّدُ بِمَاءٍ ، وَلكِنْ فِي وَسْطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ . هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي ، الَّذِي صَارَ قُدَّامِي ، الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ " (يوحنا 1: 26 و 27) .

فكانت تلك الرسالة التى كان على أولئك المبعوثين أن يحملوها إلى مجمع السنهدريم واضحة وقاطعة . ولم تكن كلمات يوحنا تنطبق على شخص آخر غير ذاك الذي سبق الإنباء عنه منذ أمد بعيد . لقد كان مسيا في وسطهم فجعل الكهنة والرؤساء يتلفتون حولهم في دهشة وذهول لعلهم يرون ذاك الذي تكلم عنه يوحنا ، ولكن لم يمكنهم تمييزه من بين ذلك الجمع .

لما أشار يوحنا إلى يهوشوه وقت عماده وقال عنه أنه حمل يهوه ، أريق نور جديد على عمل مسيا ، إذ اتجه فكر نبي البرية إلى ما قاله إشعياء: "كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ" (إشعياء 53: 7) . وفي الأسابيع التالية درس يوحنا النبوات وكل ما يختص بالخدمة الكفارية باهتمام عظيم . إنه لم يميز بكل جلاء بين مظهري عمل المسيا كذبيح متألم وكملك قاهر- ولكنه كان يعلم أن مجيئه له دلالة أعمق مما كان يفهمه الكهنة أو الشعب . وعندما رأى يهوشوه بين الجمع عند عودته من البرية كان ينتظر منه بكل ثقة أنه سيقدم للشعب علامة تظهره على حقيقته، وبصبر كاد ينفد انتظر من المخلص أن يعلن عن رسالته ، ولكنه لم ينطق بكلمة ولا صنع آية . إن يهوشوه لم يستجب لإعلان المعمدان عنه بل اندمج بين تلاميذ يوحنا دون أن يقدم برهانا ظاهرا على عمله الخاص ودون أن يتخذ أي إجراء لإشهار نفسه .

حمل يهوه

وفي اليوم التالي رأى يوحنا يهوشوه مقبلا إليه . فإذ رأى نور مجد يهوه يستقر عليه ، بسط ذلك النبي يديه وأعلن قائلا: "هُوَذَا حَمَلُ يهوهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ! هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: يَأْتِي بَعْدِي ، رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي ، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي . وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ . لكِنْ لِيُظْهَرَ لإِسْرَائِيلَ لِذلِكَ جِئْتُ أُعَمِّدُ بِالْمَاءِ ... وَشَهِدَ يُوحَنَّا قَائلاً:إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ . وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ ، لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ ، ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ ، فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ . وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ يهوهِ" (يوحنا 1: 29- 34) .

فهل كان هذا هو المسيا؟ لقد نظر الشعب بتهيب ودهشة إلى ذاك الذي قد أعلن عنه أنه ابن يهوه . لقد تأثروا تأثرا عميقا من كلام يوحنا إذ كلمهم باسم يهوه ، فظلوا يصغون إلى أقواله كل يوم وهو يوبخ خطاياهم ، وكل يوم كان يزيد اقتناعهم بأنه مرسل من السماء . ولكن من هذا الذي هو أعظم من يوحنا المعمدان؟ لم يكن في لبسه أو هيئته ما يدل على سمو مرتبته . كان يبدو عليه أنه شخص بسيط يلبس مثلهم ملابس الفقراء .

وقد كان بين ذلك الجمع بعض ممن قد رأوا المجد الإلهي وسمعوا صوت يهوه من السماء عند معمودية المسيا ، ولكن منذ ذلك الحين تغير منظر المخلص تغيرا كبيرا . فعند معموديته رأوا وجهه وقد تجلى بنور من السماء ، أما الآن فقد بدا شاحبا ومنهكا ومضنى وهزيلا ، ولم يعرفه غير النبي يوحنا .

ولكن عندما نظر إليه الناس رأوا وجها امتزج فيه الإشفاق الإلهي بالقوة التي كان هو عالما بسرها . فكل نظرة من نظراته وكل تعبير على وجهه كان مميزا بالوداعة ومعبرا عن المحبة التى لا ينطق بها. وقد بدا كأنه كان محاطا بجو روحي سماوي . ففي حين أنه كان رقيقا ووديعا في عاداته وتصرفاته فقد اقتنع الناس بالقود الكامنة فيه التي مع ذلك لم يمكن إخفاؤها إخفاء كاملا . فهل يمكن أن يكون هذا هو الذي ظل إسرائيل ينتظره هكذا طويلا؟

لقد جاء يهوشوه فقيرا ومتواضعا لكي يكون لنا مثالا وفاديا . فلو ظهر في أبهة الملك وجلاله فكيف كان يمكنه أن يعلم الناس الوداعة؟ وكيف كان يمكنه أن يقدم للشعب تلك الحقائق المؤثرة الفاحصة التي نطق بها في موعظته على الجبل؟ وأين كان يوجد رجاء للمساكين والأذلاء في الحياة لو أتى المسيا ليعيش بين الناس كملك عظيم؟

أما أولئك المجتمعون فقد بدا لهم أنه من المستحيل أن يكون ذاك الذي قد أشار إليه يوحنا هو من ترتكز فيه أنتظاراتهم وآمالهم العظيمة . وهكذا شمل الارتباك وخيبة الأمل كثرين منهم .

إنه لم يذكر شيئا عن الأقوال التى كان الكهنة والأحبار ينتظرون سماعها من أن يهوشوه سيرد الملك إلى إسرائيل . لقد كانوا ينتظرون مثل هذا الملك ويترقبون مجيئه ، وكانوا على أتم استعداد لقبوله والترحيب به . أما ذاك الذي يحاول أن يقيم في قلوبهم ملكوت البر والسلام فهذا لا يقبلونه .

وفي اليوم التالي إذ كان اثنان من التلاميذ واقفين غير بعيد ، رأى يوحنا يهوشوه مرة أخرى في وسط الشعب ومرة أخرى أضاء وجه ذلك النبي بمجد يهوه غير المنظور عندما صاح يقول:"هُوَذَا حَمَلُ يهوهِ!" (يوحنا 1: 36) . وقد هزت هذه الكلمات مشاعر ذينك التلميذين ، مع أنهما لم يفهما معناها تمام الفهم . فما معنى هذا الاسم الذي أطلقه يوحنا عليه:"حَمَلُ يهوهِ"؟ إن يوحنا نفسه لم يوضح المعنى .

يطلبان يهوشوه

وإذ ترك ذانك التلميذان يوحنا ذهبا يطلبان يهوشوه . وكان أندراوس أخو سمعان أحد التلميذين ، أما التلميذ الآخر فهو يوحنا البشير . فكان هذان التلميذان أول من تتلمذا للمسيا . وقد تبعا يهوشوه مدفوعين بدافع قوي لا يقاوم- وكانا يتوقان إلى التحدث معه ، ومع ذلك فقد كانا متهيبين وصامتين ، وكانا غارقين في التفكير في هذا السؤال:"أهذا هو مسيا"؟

علم يهوشوه أن ذينك التلميذين يتبعانه ، وكانا باكورة ثمار خدمته فامتلأ قلب ذلك المعلم الإلهي فرحا لأن ذينك الشخصين قد استجابا لنداء نعمته . فالتفت إليهما مع ذلك وسألهما قائلا: "مَاذَا تَطْلُبَانِ؟" (يوحنا 38:1) . لقد كان يريد أن يترك لهما الحرية في أن يرجعا أو أن يخبراه برغبتهما .

ولكنهما كانا يحسان أن لهما غرضا واحدا ، وكان يشغل أفكارهما شخص واحد . فصاحا: "سيدي... أَيْنَ تَمْكُثُ؟" (يوحنا 38:1) . إنهما لم يكونا يستطيعان في فترة ذلك اللقاء القصير على جانب الطريق أن يستوعبا ما كانا يتوقان إلى تعلمه . لقد رغبا في الانفراد بيهوشوه والجلوس عند قدميه وسماع كلامه .

"فَقَالَ لَهُمَا: تَعَالَيَا وَانْظُرَا . فَأَتَيَا وَنَظَرَا أَيْنَ كَانَ يَمْكُثُ ، وَمَكَثَا عِنْدَهُ ذلِكَ الْيَوْمَ" (يوحنا 1: 39) .

لو كان يوحنا واندراوس عديمي الإيمان كالكهنة والرؤساء لما كانا يجلسان عند قدمي يهوشوه ليتعلما منه بل كانا يأتيان لينتقداه ويحكما على كلامه . إن كثيرين يوصدون الباب في وجه أثمن الفرص . ولكن هذين التلميذين لم يتصرفا هكذا ، بل استجابا لنداء الروح القدس في كرازة يوحنا المعمدان . وها هما الآن يميزان صوت المعلم السماوي ، فوجدا في كلام المسيا كل عذوبة وصدق وجمال . وقد أشرق نور إلهي على أسفار العهد القديم وما بها من تعاليم ، وظهر أمامهما الحق المتعدد الجوانب في نور جديد .

إن التوبة والانسحاق والإيمان والمحبة هي التي تعين النفس على قبول حكمة من السماء ، وإن الإيمان العامل بالمحبة هو مفتاح المعرفة ، وكل من يحب "يَعْرِفُ يهوهَ" (1يوحنا 7:4) .

التلاميذ الأُوَّل

لقد كان التلميذ يوحنا رجلا حارا وعميقا في محبته ، غيورا ولكن كثير التأمل . لقد بدأ يرى مجد المسيا- لا العظمة العالمية التي كان قد تعلم أن ينتظرها ، بل ذلك المجد "كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا" (يوحنا 1: 14) . كان مستغرقا في تأمله في الموضوع العجيب .

وقد طلب أندراوس أن يشرك معه غيره في الفرح الذي ملأ قلبه ، فذهب يبحث عن أخيه سمعان وإذ وجده صاح قائلا: "قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا" (يوحنا 1: 13) . ولم ينتظر سمعان دعوة ثانية . كان هو أيضاً قد سمع كرازة يوحنا المعمدان فأسرع إلى المخلص . وإذ استقرت عليه عين المسيا عرف أخلاقه وتاريخه . لقد عرف المخلص طبيعة بطرس المندفعة وقلبه المحب العطوف وطموحه وثقته بنفسه وتاريخ سقوطه وتوبته ، وخدماته في الحقول التبشيرية وموته شهيدا- عرف يهوشوه ذلك كله فقال له: "أَنْتَ سِمْعَانُ بْنُ يُونَا . أَنْتَ تُدْعَى صَفَا الَّذِي تَفْسِيرُهُ: بُطْرُسُ" (حجر) - (يوحنا 42:1) .

"فِي الْغَدِ أَرَادَ يهوشوه أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْجَلِيلِ ، فَوَجَدَ فِيلُبُّسَ فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي" (يوحنا 1: 43) ، فامتثل فيلبس لأمر المسيا ، وفي الحال بدأ هو أيضاً يخدمه .

وفيلبس دعا نثنائيل ، وكان نثنائيل هذا بين الجمع عندما أشار المعمدان إلى يهوشوه قائلا إنه حمل يهوه . وإذ نظر نثنائيل إلى يهوشوه خاب أمله . فهل هذا الإنسان الذي تبدو عليه سمات الفقر والكدح يمكن أن يكون هو مسيا؟ إلاّ أن نثنائيل لم يقدر أن يقرر رفض يهوشوه ، لأن رسالة المعمدان أدخلت الاقتناع إلى قلبه .

وفي الوقت الذي دعاه فيه فيلبس ، كان نثنائيل معتكفا في حديقة هادئة ليتأمل في إعلان المعمدان والنبوات الخاصة بمسيا ، فصلى طالبا من يهوه أن يعرفه ما إذا كان من قد أعلن عنه المعمدان هو المخلص . وقد استقر عليه الروح القدس مؤكدا له أن يهوه قد افتقد شعبه وأقام لهم قرن خلاص . وقد عرف فيلبس أن صديقه كان يفتش النبوات . وإذ كان نثنائيل مستغرقا في الصلاة تحت شجرة تين عرف فيلبس مكانه إذ كثيرا ما كانا يصليان معا في ذلك المكان المنعزل الذي تحجبه الأشجار .

لقد وجدناه

إن رسالة فيلبس القائلة:"وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ" (يوحنا 45:1) بدا كأنها إجابة مباشرة لصلاته . ولكن إيمان فيلبس كان مع ذلك مزعزعا ، فلقد أضاف يقول في تشكك: "يهوشوه ابْنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ" (يوحنا 1: 45) وقد ثار التعصب في نفس نثنائيل فصاح يقول: "أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟" (يوحنا 46:1) .

لكن فيلبس لم يشتبك في جدال ، بل قال له: "تَعَالَ وَانْظُرْ . وَرَأَى يهوشوه نَثَنَائِيلَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ ، فَقَالَ عَنْهُ: هُوَذَا إِسْرَائِيلِيٌّ حَقًّا لاَ غِشَّ فِيهِ" (يوحنا 46:1،47) ، فصاح نثنائيل قائلا في اندهاش:"مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُنِي؟" أجاب يهوشوه وقال له: "قَبْلَ أَنْ دَعَاكَ فِيلُبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ ، رَأَيْتُكَ" (يوحنا 1: 48) .

وكان ذلك كافيا ، فالروح الإلهي الذي شهد لنثنائيل وهو معتكف للصلاة تحت التينة خاطبه الآن على لسان يهوشوه . ومع أنه كان مرتابا ومتأثرا بالتعصب إلى حد ما ، فقد أتى نثنائيل هذا إلى يهوشوه برغبة صادقة لمعرفة الحق وقد تحققت الآن رغبته ، فأصبح إيمانه أعظم من إيمان من قد أتى به إلى المسيا . وقد أجاب قائلا: "يَا مُعَلِّمُ ، أَنْتَ ابْنُ يهوهِ! أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ!" (يوحنا 49:1) .

لو كان نثنائيل قد وثق بالمعلمين ليرشدوه لما وجد يهوشوه قط . ولكنه إذ نظر وسمع وحكم لنفسه صار تلميذا . وهكذا هي الحال مع كثيرين اليوم من الذين يعميهم التعصب ويصدهم عن عمل الصلاح والبر . ولكن كم يكون الفرق عظيما بالنسبة إليهم لو أنهم يأتون وينظرون!

إن الذين يركنون إلى إرشاد السلطات البشرية لن يمكنهم الوصول إلى معرفة الحق الخلاصي . إننا كنثنائيل نحتاج إلى أن ندرس كلمة يهوه لأنفسنا مصلين في طلب إنارة الروح القدس . وذاك الذي رأى نثنائيل تحت التينة سيرانا في مخدع الصلاة . وإن الملائكة القادمين من كورة النور هم أبدا قريبون من أولئك الذين بكل وداعة يطلبون الإرشاد الإلهي .

فإذ دعي يوحنا وأندراوس وسمعان وفيلبس ونثنائيل بدأ تأسيس الكنيسة المسيحية . لقد أرشد يوحنا اثنين من تلاميذه إلى المسيا ، ثم إن أحد التلميذين الأولين وهو أندراوس وجد أخاه فدعاه إلى المخلص . كما أن فيلبس بعدما دعاه السيد ذهب يبحث عن نثنائيل . فمن الذين كانوا مثلا ينبغي أن نتعلم أهمية بذل السعي الشخصي ، مقدمين الدعوة المباشرة إلى أقربائنا وأصدقائنا وجيراننا . هناك من يعترفون بأنهم قد عرفوا المسيا مدى حياتهم ومع ذلك فلم يقوموا بأي مسعى شخصى للإتيان بنفس واحدة إلى المخلص . إنهم يضعون المسؤولية كلها على خادم الكلمة . قد يكون الخادم مؤهلا جيدا للقيام بخدمته ، ولكنه لا يستطيع القيام بالعمل الذي تركه يهوه ليقوم به أعضاء الكنائس .

قنوات للنور

كثيرون يحتاجون إلى خدمة المسيا ذوي القلوب المفعمة بالمحبة . لقد هلك كثيرون ممن كان يمكن أن يخلصوا ، لو أن جيرانهم من الرجال والنساء العاديين بذلوا معهم بعض الجهود الشخصية الفردية لربحهم . وكثيرون ينتظرون أن تفدم لهم دعوة شخصية . ففي نفس العائلة والبيئة والمدينة التي نعيش فيها لنا عمل نعمله كرسل للمسيا . إذا كنا مسيحيين بالحق فهذا العمل سيكون موضوع سرورنا . وما إن يهتدي إنسان إلى يهوه حتى ينشأ في قلبه حنين لأن يُعرِّف الآخرين أي صديق غال قد وجد في يهوشوه ، إذ أن الحق المخلص والمقدس لا يمكن أن يحبس في صدره .

إن كل من هم مكرسون ليهوه هم قنوات للنور . ويهوه يجعلهم وسائل لإيصال غنى نعمته للآخرين . وهذا هو وعد يهوه لهم: "وَأَجْعَلُهُمْ وَمَا حَوْلَ أَكَمَتِي بَرَكَةً ، وَأُنْزِلُ عَلَيْهِمِ الْمَطَرَ فِي وَقْتِهِ فَتَكُونُ أَمْطَارَ بَرَكَةٍ" (حزقيال 34: 26) .

لقد قال فيلبس لنثنائيل: "تعال وانظر" . لم يطلب منه قبول شهادة إنسان آخر ، بل أن يرى المسيا لنفسه . والآن وقد صعد المسيا إلى السماء فإن تلاميذه هم ممثلوه بين الناس . ومن أفعل الوسائل لربح النفوس له هو إظهار صفاته في حياتنا اليومية . إن تأثيرنا في الآخرين لا يتوقف على ما نقوله بل على حياتنا وتصرفاتنا . قد يعارض الناس منطقنا ويتحدونه ، وقد يقاومون توسلاتنا ، ولكن حياة المحبة غير المغرضة هي حجة لا يمكنهم معارضتها أو نقضها . فالحياة الثابتة المتصفة بوداعة المسيا هي قوة في العالم .

كان تعليم المسيا تعبيرا عن اقتناع واختبار داخليين والذين يتعلمون منه يصيرون معلمين حسب المثال الإلهي . فكلمة يهوه التي يتكلم بها إنسان وقد تقدس بها ، فيها قوه تمنح الحياة وتجعلها مقبولة من سامعيها وتقنعهم بأنها حقيقة حية . وحين يقبل الإنسان الحق حباً به فهو سيظهره في تصرفاته وفي كلامه . كما يُعرِّف الناس بما قد سمعه ورآه وأخذه من كلمة الحياة حتى يشترك معه الآخرون بمعرفة المسيا . إن شهادته الخارجة من شفتين مطهرتين بجمرة من على المذبح المقدس هى الحق الصراح للقلب الذي يقبله ويعمل على تقديس الخُلُق .

هذا وإن من يطلب أن ينير الآخرين سينال هو نفسه بركة ، "فَتَكُونُ أَمْطَارَ بَرَكَةٍ" وإن "الْمُرْوِي هُوَ أَيْضًا يُرْوَى" (أمثال 25:11) . لقد كان يهوه قادرا على الوصول إلى قصده في تخليص الخطاة بدون معونتنا ، ولكن لكي ننمو في أخلاقنا حتى تصير كأخلاق المسيا ينبغي لنا أن نشاركه في عمله . وحتى نتمتع بفرحه- فرح رؤية النفوس تُفتَدى بكفارته- علينا أن نشاركه في عمله لأجل فدائهم .

سَوْفَ تَرَى أَعْظَمَ مِنْ هذَا 

إن أول تعبير عبر به نثنائيل عن إيمانه ، والذي كان شاملا وحارا ومخلصا ، نزل على أذني يهوشوه كموسيقى عذبة . "أَجَابَ يهوشوه وَقَالَ لَهُ:هَلْ آمَنْتَ لأَنِّي قُلْتُ لَكَ إِنِّي رَأَيْتُكَ تَحْتَ التِّينَةِ؟ سَوْفَ تَرَى أَعْظَمَ مِنْ هذَا!" (يوحنا 50:1) . لقد نظر المخلص بفرح إلى المستقبل إلى عمله في تقديم البشارة المفرحة للمساكين الودعاء إذ يشفي المنكسري القلوب وينادي لمأسوري الشيطان بالإطلاق . وإذ فكر في البركات الثمينة التي قد أتى بها للناس أضاف يهوشوه قائلا: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً ، وَمَلاَئِكَةَ يهوهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ" (يوحنا 1: 51) .

إن المسيا يقول هنا في الواقع: على ضفاف الأردن انفتحت السموات ونزل الروح القدس عليَّ مثل حمامة ، فهذا المنظر كان علامة على أنني ابن يهوه ، فإن آمنتم بأنني ابن يهوه فسيتقوى إيمانكم وسترون السماء وقد فُتِحَت ولن تغلق ، لقد فتحتها أنا لكم . إن ملائكة يهوه يصعدون حاملين صلوات المساكين والمتضايقين إلى الآب في السماء وينزلون حاملين البركة والرجاء والشجاعة والعون والحياة لبني الإنسان .

إن ملائكة يهوه هم دائبون على الانتقال من الأرض إلى السماء ومن السماء إلى الأرض ، وإن المعجزات التي أجراها المسيا لخير المتألمين والمفديين قد أجريت بقدرة يهوه عن طريق خدمة الملائكة . وبالمسيا عن طريق خدمة رسله السماويين تنسكب علينا كل البركات من يهوه . إن مخلصنا إذ اتخذ طبيعة البشر يُوحِّد مصالحه بمصالح الساقطين من الرجال والنساء من أولاد آدم ، وعن طريق ألوهيته يمسك بعرش يهوه . وهكذا صار المسيا الواسطة التى بها يمكن أن يتحدث الناس مع يهوه ويهوه مع الناس.

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
13
2
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
02
28
Calendar App