12. التجربة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

 

"أَمَّا يهوشوه فَرَجَعَ مِنَ الأُرْدُنِّ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ ، وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ" (لوقا 1:4) . إن ما قاله مرقس بهذا الصدد له دلالة أعظم إذ يقول:"وَلِلْوَقْتِ أَخْرَجَهُ الرُّوحُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ ،وَكَانَ هُنَاكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَانِ . وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ" ، "وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ" . (مرقس 1: 12، 13؛ لوقا 4: 2) .

إن يهوشوه عندما اقتيد إلى البرية لكى يجرب كان منقادا بروح يهوه. إنه لم يداعب التجربة . لقد انطلق إلى البرية لينفرد بنفسه ، ليتأمل في رسالته وعملة . وإذ صام وصلى كان عليه أن يعد نفسه للسير في الطريق المخضب بالدم الذي كان عليه أن يسلكه . ولكن الشيطان علم أن المخلص قد ذهب إلى البرية فظن أن هذا أنسب وقت فيه يقترب منه .

إن نتائج عظيمة وحوادث هامة وخطيرة لأجل العالم كانت في خطر عظيم في ذلك الصراع الهائل بين سيد النور ورئيس مملكة الظلام . فبعدما جرب الشيطان الإنسان فأخطأ ادعى إبليس أن الأرض له وخلع على نفسه لقب رئيس هذا العالم . فبعدما جعل طبيعة أبوينا الأولين مشابهة ومطابقة لطبيعته ظن أنه سيقيم ملكوته هنا في العالم ، وأعلن أن الناس قد اختاروه ملكا وسيدا عليهم . وعن طريق سيطرته على الناس بسط سلطانه على العالم ، فأتى المسيا ليكذِّب ادعاءات الشيطان . وكابن الإنسان قصد المسيا أن يكون وفيا ومخلصا ليهوه. وهكذا يتبرهن أن الشيطان لم يسيطر على الجنس البشري سيطرة كاملة ، وأن ادعاءه بأنه رئيس العالم هو ادعاء كاذب . وكل من تاقوا للتحرر من سلطانه يمكن أن تُرَدّ لهم حريتهم . إن المملكة التي خسرها آدم بالخطية سترد له .

تحدي سلطان إبليس

ومنذ رن صوت ذلك الإعلان الإلهي في جنة عدن قائلا للحية:"وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا" (تكوين 15:3) علم الشيطان أنه لم يخضع العالم لنفسه إخضاعا كاملا . فلقد كانت هنالك قوة تعتمل في قلوب البشر تقاوم الشيطان وتصمد أمام سلطانه . وقد كان يراقب باهتمام زائد الذبائح التي كان آدم ونسمله يقدمونها ، فرأى في تلك الطقوس رمزا للشركة بين الأرض والسماء . وقد بذل قصاراه ليوقف هذه الشركة . وأساء في تصوير يهوه وتصوير الطقوس التي كانت تشير إلى المخلص . وبذلك جعل الناس يخافون من يهوه وينظرون إليه كمن يُسَر بإهلاكهم . والذبائح التي كان ينبغي أن تعلن محبته كانت تقدم فقط بقصد تسكين غضب يهوه. ثم أثار الشيطان شهوات الناس الشريرة لكي يثبت سلطانه عليهم . وعندما سلم يهوه كلمته المكتوبة للناس جعل الشيطان يدرس النبوات الخاصة بمجيء المخلص . ومن جيل إلى جيل حاول أن يعمي الناس عن هذه النبوات حتى يرفضوا المسيا عندما يجيء .

ولما ولد يهوشوه علم الشيطان أن شخصا قد أتى بتفويض إلهي يتحدى سلطانه وينازعه عليه . فارتعب من رسالة الملاك التي شهدت لسلطان الملك الوليد . ولقد عرف الشيطان جيدا المركز الذي احتله المسيا في السماء كحبيب الآب . فكون ابن يهوه يأتي إلى الأرض كإنسان ، ملأه دهشة وخوفا . ولم يستطع أن يسبر سر هذه التضحية العظيمة ، إذ أن نفسه المحبة لذاتها لم تستطع أن تدرك تلك المحبة المقدمة لجنسنا الذي قد خدعه الشيطان . ولم يكن الناس يدركون جيدا مجد السماء وسلامها ولا فرح الشركة مع يهوه، ولكن هذه كانت معروفة تماما لدى لوسيفر- الكروب المظلل . ومنذ أن خسر السماء عزم على أن يثأر لنفسه بأن يشرك آخرين معه في سقوطه . ويمكنه عمل ذلك بكونه يجعل الناس يبخسون قدر الأمور السماوية ويجعلهم يضعون قلوبهم على الأرضيات .

ولم يكن يمكن لرئيس جند السماء أن يكسب قلوب الناس لملكوته دون أن تقوم في طريقه العراقيل والعقبات . فمنذ أن كان طفلا في بيت لحم أخذ الشرير يهاجمه دون انقطاع . لقد كانت صورة يهوه واضحة المعالم في وجه المسيا، لذا عزم مجمع الشيطان على أن يقهروه . حيث لم يوجد إنسان جاء إلى العالم ونجا من سلطان ذلك المخادع . وقد تعقب أجناد ذلك الحلف الجهنمي خطوات السيد لكي يشهروا عليه الحرب ويغلبوه إن أمكنهم ذلك .

كان الشيطان بين الشهود في معمودية المخلص . وقد رأى مجد الآب يظلل الابن السماوي . وسمع كذلك صوت يهوه معلنا ألوهية يهوشوه. ومنذ أن أخطأ آدم كان الجنس البشري قد انقطعت شركته مع يهوه، وصار الاتصال بين الأرض والسماء عن طريق المسيا . أما الآن وقد جاء يهوشوه "فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ" (رومية 8: 3) فقد تكلم الآب نفسه . كان قبلا يتصل بالبشر عن طريق المسيا، أما الآن فهو يتصل بهم في المسيا . لقد كان الشيطان يأمل أنه بسبب كراهية ليهوه وبغضه للشر سيحدث انفصال أبدي بين الأرض والسماء ، ولكن وضح الآن أن الصلة بين يهوه والإنسان قد أعيدت .

قاهر أو مقهور

رأى الشيطان أن عليه أن يكون إما قاهرا أو مقهورا ، وكان يعلق أهمية عظيمة على نتيجة ذلك الصراع إذ كان ينطوي عليها أشياء كثيرة ، فلم يستأمن عليها أحد ملائكته المتحالفين معه ، بل ينبغي له أن يقود المعركة بنفسه ، فاصطفت كل قوى الارتداد ضد ابن يهوه، وبذلك صار المسيا هدفا لسهام كل قوات الجحيم .

إن كثيرين ينظرون إلى هذا الصراع بين يهوشوه والشيطان على أنه لا علاقة خاصة له بحياتهم . ولذلك فهو لا يتطلب منهم اهتماما كبيرا . ولكن هذا الصراع يتكرر في أعماق كل قلب بشري . ولا يمكن أن إنسانا يترك صفوف جيش الشر من أجل خدمة يهوه دون أن يهاجمه الشيطان . إن الإغراءات التي قاومها المسيا هي نفسها التي نجد صعوبة في الصمود لها . لقد صُبَّت عليه تلك الإغراءات بقوة أشد عنفا مما تهجم به علينا بنسبة سمو أخلاقه عن أخلاقنا . وإذ كان عبء خطايا العالم الفظيع يثقل كاهله ثبت المسيا أمام تجربة الشهية (شهوة الطعام) وتجربة محبة العالم وتعظم المعيشة أي التفاخر الذي يؤدي إلى الغطرسة . لقد كانت هذه هي التجارب التي انهزم بها آدم وحواء والتي سرعان ما نستسلم نحن لها .

وقد أشار الشيطان إلى خطية آدم كدليل على أن شريعة يهوه جائرة متعسفة ولا يمكن إطاعتها . وإذ اتخذ المسيا جسم بشريتنا كان عليه أن يعوض عن سقوط آدم ويفتديه . ولكن عندما هاجم العدو آدم ، لم يكن في قلبه أي أثر للخطية . فوقف في قوة الرجولة الكاملة وكان يتمتع بنشاط عقلي وجسماني كامل ، وكان محاطا بأمجاد عدن وكانت له شركة مع الخلائق السماوية كل يوم . ولم يكن الأمر كذلك مع يهوشوه حين دخل إلى مجاهل البرية ليكافح مع الشيطان . لقد ظلت قوى الناس البدنية والذهنية والأدبية تتضاءل شيئا فشيئا مدى أربعة آلاف سنة . فأخذ  يهوشوه على نفسه ضعفات البشرية وانحطاطها . وبدون هذه الوسيلة ما كان يستطيع أن ينتشل الإنسان من أعمق أغوار انحطاطه و فساده .

كثيرون يدَّعون أنه كان من المستحيل على المسيا أن ينهزم أمام التجربة . ولو كان الأمر كذلك لما أمكن أن يأخذ مكان آدم ، ولما أمكنه أن يحرز النصرة التي قصر آدم عن إحرازها . ولو كانت حروبنا أشد وطأة مما على يهوشوه بأي معنى من المعاني ففي هذه الحال لا يمكنه أن يعيننا . ولكن مخاصنا أخذ جسم بشريتنا بكل احتمالاتها وتبعاتها . لقد اتخذ طبيعة الإنسان بما فيها من إمكانية الخضوع للتجربة . فليس هنالك ما نلتزم أن نتحمله مما لم يتحمله هو قبلنا .

التجربة الأولى

وكما كانت الحال مع ذينك الزوجين المقدسين في جنة عدن كذلك كانت الحال مع المسيا إذ كان اشتهاء الأكل هو أساس التجربة الأولى التي هوجم بها ، ففي نفس الشيء الذي بدأ به الخراب والهلاك ينبغي أن يبدأ عمل فدائنا ، فكما سقط آدم بسبب شهود الأكل كذلك ينبغي أن ينتصر المسيا بإنكار تلك الشهوة والتغلب عليها ،"فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، جَاعَ أَخِيرًا . فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ابْنَ يهوه فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا . فَأَجَابَ وَقَالَ: مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ يهوه" (متى 4: 2- 4) .

منذ عهد آدم إلى أيام المسيا زاد انغماس الناس من قوة حب الشهية والشهوة فصار سلطانها عظيما بحيث لم يستطع أحد أن يكبحها . وهكذا انحط الناس وأصيبوا بالسقم ، فأمسى من المستحيل عليهم أن ينتصروا بقوتهم . والمسيا كنائب عن الإنسان انتصر باحتماله أقسى امتحان . ولأجلنا لجأ المسيا إلى ضبط النفس الذي كان أقوى من الجوع ومن الموت . وكان لهذه النصرة الأولى كثير من النتائج التي تتدخل في كل حروبنا مع قوات الظلمة .

إن يهوشوه عندما دخل البرية كان محاطا بمجد الآب ، وإذ كان مشغولا بالشركة مع يهوه سما فوق الضعف البشري . ولكن المجد رحل عنه فتُرِك هو ليصارع التجربة . وكانت التجربة تلح عليه في كل لحظة ، فانكمشت طبيعته البشرية من الصراع الذي كان ينتظره ، وظل صائماً ومصليا أربعين يوما . وإذ كان جسمه ضعيفا وهزيلا بسبب الجوع ، وإذ كان مضنى ومنهوكا بسبب العذاب النفسي والعقلي"كَانَ مَنْظَرُهُ كَذَا مُفْسَدًا أَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ ، وَصُورَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي آدَمَ" (إشعياء 14:52) . فكانت تلك الفرصة هي فرصة الشيطان السانحة ، وقد ظن أنه سيكون حينئذٍ قادرا على قهر المسيا .

مكر العدو

أتى إلى المخلص- وكأنما كان ذلك استجابة لصلاة السيد- شخص في هيئة ملاك آت من السماء . وادعى ذلك الشخص أنه جاء مفوضا من يهوه ليعلن أن صوم المسيا قد انتهى . فكما أرسل يهوه إلى إبراهيم ملاكا ليمنع يده عن تقديم ابنه اسحق ذبيحة ، فكذلك إذ اكتفى الآب بتطوع المسيا للسير في الطريق المخضب بالدم أرسل ملاكا ليخلصه . هذه كانت الرسالة المرسلة إلى يهوشوه. كان المخلص قد غشي عليه من الجوع ، وكان مشتاقا إلى الطعام عندما أقبل عليه الشيطان فجأةً . وإذ أشار إلى الحجارة الملقاة على وجه الصحراء والتي تشبه الخبز قال له المجرب:"إِنْ كُنْتَ ابْنَ يهوه فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا" (متى 4: 3) .

ومع أنه جاء في شبه ملاك نور فقد فضحته هذه الكلمات وأظهرته على حقيقته:  "إِنْ كُنْتَ ابْنَ يهوه" - في هذه الكلمات تلميح إلى الشك ، فلو عمل يهوشوه بمشورة الشيطان لكان ذلك تسليما بالشك ، إذ قصد المجرب أن يسقط المسيا بنفس الوسائل التي أفلحت في إسقاط أبوينا الأولين . ما أعظم الدهاء والخبث اللذين بهما اقترب الشيطان إلى حواء في الجنة! لقد سألها قائلا:"أَحَقًّا قَالَ يهوه لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟" (تكوين 3: 1) . إلى هنا كان كلام المجرب صادقا ، ولكن الطريقة التي تكلم بها كانت تشيع فيها نغمة الاحتقار لكلام يهوه، إذ كان في قوله نفي خفي سري وشك في صدق يهوه. لقد حاول الشيطان أن يبث في عقل حواء فكرة كون أنه لا يقصد أن ينفذ وعيده ، وأن تحريمه الأكل من تلك الثمرة الحلوة الجميلة هو أمر مناقض لمحبته وشفقته على الإنسان . وكذلك نجد الشيطان هنا يحاول أن يستميل المسيا لقبول آرائه هو: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ يهوه" . إن هذه الكلمات جاشت محمومة في ذهنه . إن نغمة كلامه يشيع فيها الارتياب: أهكذا يعامل يهوه ابنه؟ أيتركه في البرية مع الوحوش بدون طعام أو رفاق أو عزاء؟ وهو يوعز إليه أن يهوه لا يقصد البتة أن يصل ابنه إلى مثل هذه الحالة ، "إِنْ كُنْتَ ابْنَ يهوه" فأظهر قدرتك في إسعاف نفسك وسد هذا الجوع الشديد الذي تعانيه . قل أن يصير هذا الحجر خبزا .

قصد الشيطان

إن الصوت الذي أقبل من السماء قائلا:"هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ "(متى 3: 17) كان لا يزال يرن في أذني الشيطان . ولكنه كان مصمما على أن يجعل المسيا يشك في هذه الشهادة . لقد كانت كلمة يهوه هي اليقين الذي لا يتزعزع على صدق رسالة المسيا الإلهية ، الذي جاء لكي يعيش كإنسان بين الناس ، وكلمة يهوه هي التي أعلنت ارتباطه بالسماء ، فكان الشيطان يقصد أن يشككه في تلك الكلمة . فلو أمكن أن تتزعزع ثقة المسيا بيهوه أبيه، لعرف الشيطان أن النصرة في هذا الصراع كله ستؤول إليه . وسيكون قادرا على أن يقهر المسيا . كما كان يرجو أن يهوشوه وهو تحت ضغط اليأس والجوع الشديد سيفقد إيمانه بأبيه ويصنع معجزة للترفيه عن نفسه . فلو فعل هذا لانهار تدبير الخلاص من أساسه .

إن الشيطان وابن يهوه عندما تقابلا ليتحاربا أولا كان المسيا رئيس جند السماء . والشيطان ، قائد العصيان في السماء قد طُرِد آنئذٍ ، أما الآن فقد انعكست الحالة كما كان يبدو ، فالشيطان يفاخر بامتيازاته المزعومة وبحسن استخدامها . قال الشيطان إن واحدا من أقوى الملائكة قد طرد من السماء . وكان منظر يهوشوه يوحي بأنه هو ذلك الملاك الساقط إذ كان متروكا من يهوه والناس . إن الكائن الإلهي لابد أن يكون قادرا على إسناد ادعائه بعمل معجزة:"إِنْ كُنْتَ ابْنَ يهوه، فَقُلْ لِهذَا الْحَجَرِ أَنْ يَصِيرَ خُبْزًا" (لوقا 3:4) . قال له المجرب: إن هذا العمل الذي به تظهر قدرتك الخالقة سيكون دليلا قاطعا على ألوهيتك ، وسيضع حدا ونهاية لهذا الصراع .

لم يكن يهوشوه يستطيع أن يصغي صامتا إلى كلام هذا المخادع الأعظم بدون حرب أو كفاح . ولكن ابن يهوه لم يكن ليبرهن للشيطان على ألوهيته أو يوضح له سبب اتضاعه . فلو أذعن لمطاليب ذلك المتمرد الثائر لما أمكن الحصول على أية فائدة لا لخير الإنسان ولا لمجد يهوه. فلو استجاب لاقتراح العدو لكان الشيطان يقول له بعد ذلك: أرنى آية أومن بواسطتها أنك ابن يهوه. إن البرهان الساطع ما كان مجديا لسحق قوة التمرد من قلبه . وما كان المسيا ليستخدم السلطان الإلهي لخيره هو . لقد جاء لكي يحتمل التجربة كما يجب علينا نحن أن نحتملها ، تاركا لنا مثالا في الإيمان والخضوع . فهو لم يصنع معجزة لا في هذه المناسبة ولا في أي وقت من حياته المستقبلة لأجل نفعه الشخصي ، ولكن كل العجائب التي أجراها كانت لخير الآخرين . ومع أن يهوشوه قد عرف الشيطان من البدء فهو لم يُستَفز لمصارعته . وإذ تقوى عندما تذكر صوت الشهادة التي جاءته من السماء استراح في محبة أبيه . إنه لم يرد أن يتداول أو يتفاوض مع التجربة .

مَكْتُوبٌ

واجه يهوشوه الشيطان بكلام يهوه قائلا:"مَكْتُوبٌ" وفي كل تجربة جرب بها كان سلاح محاربته كلمة يهوه. لقد طلب الشيطان من يهوشوه أن يصنع معجزة لإثبات ألوهيته . ولكن ما كان أعظم من كل المعجزات هو الاعتماد الراسخ على القول:"هكَذَا قَالَ السيد" الذي كان آية لا يمكن أن تدحض . وطالما كان المسيا ثابتا في موقفه هذا لم يستطع المجرب أن يغنم أية فائدة .

لقد هوجم المسيا بأقسى التجارب وهو في أشد حالات الضعف . وهكذا ظن الشيطان أنه سينتصر ، إذ بهذه السياسة قد أحرز النصرة على بني الإنسان . فعندما ضعفت القوة ووهن العزم ، وعندما لم يعد الإيمان يستند على يهوه، فأولئك الذين سبق أن ثبتوا وانتصروا للحق بكل شجاعة انهزموا . لقد تضايق موسى مدى سني تجوال إسرائيل في البرية مدة أربعين سنة بينما في لحظة أفلت إيمانه من قدرة يهوه غير المحدودة فلم يستند عليها ، فأخفق وهو على حدود أرض الموعد . وكذلك كانت الحال مع إيليا الذي كان قد وقف أمام الملك أخآب غير هياب ولا وَجِل ، والذي سبق له أن جابه كل شعب إسرائيل وعلى رأسهم أنبياء البعل الأربع مئة والخمسين . ففي نهاية ذلك اليوم المخيف على جبل الكرمل ، وبعد ما قتل كل الأنبياء الكذبة وأعلن الشعب ولاءهم ليهوه هرب إيليا لأجل حياته خوفا من تهديدات إيزابل الوثنية . وهكذا استفاد الشيطان من ضعف البشرية ، وسيظل دائبا على عمله بنفس هذه الطريقة . فكلما أحاطت بالإنسان سحب أو أربكته الظروف أو آلمه الفقر أو الضيق فالشيطان يقترب إليه ليجربه ويضايقه . إنه يهاجم نقطة الضعف في أخلاقة ، ويحاول أن يزعزع ثقتنا بيهوه الذي يسمح باجتيازنا هذا الظرف أو ذاك . فنحن نجرب حتى نشك في يهوه وفي محبته . وغالبا ما يأتينا المجرب كما قد أتى إلى المسيا ، إذ يصف أمام أبصارنا كل ضعفاتنا وأمراضنا ، مُؤملا بذلك أن يثبط عزائمنا ويفصم عرى تمسكنا بيهوه. ففي هذه الحالة يكون قد تمكن من فريسته . فلو واجهناه كما قد فعل يهوشوه لكنا ننجو من هزائم كثيرة . أما إذا لجأنا إلى التفاوض مع العدو فنحن بذلك نجعله يطمع فينا فينتصر علينا .

لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ

وعندما قال المسيا للمجرب:"لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ يهوه" (متى 4: 4) كان يردد نفس الكلمات التي كان قد تكلم بها في مسامع بني يهوه قبل ذلك بأكثر من ألف وأربع مئة سنة عندما قال:"سَارَ بِكَ يهوه إِلهُكَ هذِهِ الأَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْقَفْرِ ... فَأَذَلَّكَ وَأَجَاعَكَ وَأَطْعَمَكَ الْمَنَّ الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ وَلاَ عَرَفَهُ آبَاؤُكَ ، لِكَيْ يُعَلِّمَكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ ، بَلْ بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ يهوه يَحْيَا الإِنْسَانُ" (تثنية 8: 2 ، 3) . ففي البرية التي خلت من كل وسائل الإعالة كان السيد ينزل لشعبه المن من السماء بلا انقطاع بكميات كانت كافية لكل الشعب . وقد كان القصد من تدبير هذه المؤونة لهم أن يعلمهم أنهم طالما كانوا متكلين على يهوه وسائرين في طرقه فلن يتركهم . والآن ها هو المخلص يمارس نفس الدرس الذي كان قد سبق فعلمه لإسرائيل . إذ بكلمة يهوه قدم القوت والعون للشعب الإسرائيلي ، وبنفس الكلمة تقدم المعونة ليهوشوه الذي انتظر الوقت المعين من يهوه لإرسال المعونة والنجدة . لقد كان في البرية إطاعةً ليهوه، ولم يكن يريد أن يحصل على الطعام باتباع مقترحات الشيطان . فأمام شهود المسكونة أجمعين شهد بأن احتمال أي خطب مهما عظم شأنه يعتبر كارثة أقل هولا من كارثة الانحراف عن طريق يهوه.

"لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ يهوه" . في أحيان كثيرة يأتي تابع المسيا إلى حيث لا يستطيع أن يعبد يهوه ويتقدم في مشاريعه الدنيوية في نفس الوقت . وقد يبدو أحيانا أن إطاعته لمطاليب يهوه الصريحة تقطع عنه مورد المعيشة ويلقي الشيطان في روعه أن عليه أن يضحي بعقائده السليمة المستقيمة . ولكن الشيء الوحيد الذي يمكننا الاعتماد عليه في كل العالم هو كلمة يهوه. "اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ يهوه وَبِرَّهُ ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ" (متى 33:6) . وحتى في هذه الحياة ليس من صالحنا الابتعاد عن إرادة أبينا السماوي . فمتى عرفنا قوة كلمته فلن نتبع مقترحات الشيطان للحصول على الطعام أو لإنقاذ حياتنا . والسؤالان اللذان لا ثالث لهما سيكونان هذين: بماذا يأمرنا يهوه، وبماذا يعدنا؟ فمتى عرفناهما فسنطيع أمره ونثق بوعده .

وفي الحرب الأخيرة العظيمة التي سيثيرها الشيطان سيرى الذين يبقون على ولائهم ليهوه أن كل أسباب الإعالة الأرضية قد حرمت عليهم . فلكونهم يرفضون تعدي شريعة يهوه إطاعةً للسلاطين والقوات الأرضية فلن يسمح لهم بالتعامل في البيع والشراء . وسيقضى عليهم بالموت في النهاية . (انظر ما ورد في رؤيا 13: 11- 17) . ولكن السيد يقدم هذا الوعد للمطيعين:"هُوَ فِي الأَعَالِي يَسْكُنُ . حُصُونُ الصُّخُورِ مَلْجَأُهُ . يُعْطَى خُبْزَهُ ، وَمِيَاهُهُ مَأْمُونَةٌ" (إشعياء 16:33) . بهذا الوعد سيعيش أولاد يهوه. وعندما تجتاح المجاعات الأرض سيأكلون للشبع ،"لاَ يُخْزَوْنَ فِي زَمَنِ السُّوءِ ، وَفِي أَيَّامِ الْجُوعِ يَشْبَعُونَ" (مزمور 19:37) . وقد نظر النبي حبقوق إلى ذلك الزمن المستقبل ، زمن الضيق ، فعبر بكلامه عن إيمان الكنيسة قائلا:"فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ . يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ ، وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا . يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ ، وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ ، فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بيهوه وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي" (حبقوق 3: 17، 18) .

محاولة محو صورة يهوه

ومن بين كل التعاليم التي علينا أن نتعلمها من تجربة السيد الأولى لا شيء أهم من الدرس الخاص بضبط الشهية والشهوة . ففي كل العصور نجد أن التجارب التي تهجم على الطبيعة الإنسانية كانت ولا تزال فعالة جدا في إفساد البشرية وجلب الهوان عليها . إن الشيطان عن طريق الإفراط في الأكل والشرب يعمل على تحطيم وتدمير قوى الإنسان الذهنية والأدبية التي قد منحها له يهوه على أنها هبات لا تقدر بثمن . وهكذا يصير من المستحيل على الناس أن يقدروا الأشياء ذات القيمة الأبدية . فعن طريق الانغماس الشهواني يحاول إبليس أن يمحو من النفس كل أثر لصورة يهوه.

إن الانغماس الجامح والإفراط في إشباع الشهوات وما نجم عن ذلك من أمراض وانحطاط ، الأمور التي كانت موجودة عند المجيء الأول للمسيا ، ستكون موجودة أيضاً بأكثر شدة وشر قبل مجيئه الثاني . والمسيا يعلن أن حالة العالم حينئذٍ ستكون كحالته قبل الطوفان ، وكما كانت في سدوم وعمورة قبل تدميرهما ، سيكون تصور أفكار قلوب الناس شريرا كل يوم . إننا الآن عائشون على أبواب ذلك الوقت المخيف ، فعلينا أن نعي في قلوبنا درس صوم المخلص هذا . وعن طريق العذاب الذي لا يُعبَّر عنه والذي احتمله المسيا يمكننا أن نُقدِّر شر الشهوات الجامحة . إن مثاله يعلن لنا أن رجاءنا الوحيد في الحياة الأبدية هو في إخضاع شهيتنا وشهواتنا لإرادة يهوه.

ولكن يستحيل علينا بقوتنا الذاتية أن ننكر عنف طبيعتنا الفاسدة التي عن طريقها يأتينا الشيطان بالتجربة . لقد عرف المسيا أن العدو سيهاجم كل إنسان ويستفيد من ضعفه الوراثي وسيحاول بدسائسه وأكاذيبه أن يوقع في أشراكه كل من لم يضعوا ثقتهم بيهوه. إن سيدنا إذ سار في الطريق الذي علينا أن نسير فيه قد أعد لنا طريق النصرة . إنه لا يريدنا أن نقف في مواقف حرجة في حربنا مع الشيطان ولا يريدنا أن نجبن أو تهمد عزائمنا أمام هجمات الحية . يقول لنا:"ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ" (يوحنا 33:16) .

فعلى من يصارع ضد سلطان الشهية أن ينظر إلى المخلص في برية التجربة . فانظروه في نزاعه على الصليب وهو يصرخ قائلا:"أَنَا عَطْشَانُ" (يوحنا 28:19) . لقد احتمل كل ما في استطاعتنا أن نتحمله . وانتصاره يحسب لنا .

الاستناد على يهوه

استند المسيا على حكمة الآب السماوي وقوته ، إذ يقول: "وَالسَّيِّدُ يهوه يُعِينُنِي ، لِذلِكَ لاَ أَخْجَلُ ... عَرَفْتُ أَنِّي لاَ أَخْزَى ... هُوَذَا السَّيِّدُ يهوه يُعِينُنِي". وإذ يشير إلى نفسه كمن يقول لنا:"مَنْ مِنْكُمْ خَائِفُ يهوه... مَنِ الَّذِي يَسْلُكُ فِي الظُّلُمَاتِ وَلاَ نُورَ لَهُ؟ فَلْيَتَّكِلْ عَلَى اسْمِ يهوه وَيَسْتَنِدْ إِلَى إِلهِهِ" (إشعياء50: 7- 10) .

لم تكن في يهوشوه أية خالجة استجابت لتمويهات الشيطان كما يتبين من قوله:"رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ" (يوحنا 14: 30) . إنه لم يرضَ بارتكاب الخطية ولم يخضع للتجربة ولا بمجرد الفكر .

وهكذا يمكن أن تكون الحال معنا . لقد كانت بشرية المسيا متحدة بألوهيته ، وكان مؤهلا للاشتباك في تلك الحرب بسكنى الروح القدس فيه ، فأتى لكى يجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية . وطالما نحن متحدون به بالإيمان فالخطية لن تسودنا ، حيث يهوه يوجه أيدي إيماننا لتتمسك بألوهية المسيا حتى يمكن أن نبلغ إلى كمال الخلق .

وقد أوضح لنا المسيا كيف يتم هذا . بأية وسائل غلب في حربه مع الشيطان؟ بكلمة يهوه. نعم بكلمة "مَكْتُوبٌ" دون سواها أمكنه أن يقاوم التجربة . ولنا نحن قد وهبت المواعيد العظمى والثمينة لكي نصير بها "شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ" (2 بطرس 1: 4) . فكل وعد في كلمة يهوه هو لنا . وعليه ، يجب أن نحيا "بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ يهوه" فمتى هاجمتك التجربة فلا تنظر إلى الظروف أو إلى ضعفاتك الشخصية بل إلى قوة الكلمة ، إذ كل قوتها هي لك . يقول صاحب المزامير:"خَبَأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ" ، كما يقول أيضاً:"مِنْ جِهَةِ أَعْمَالِ النَّاسِ فَبِكَلاَمِ شَفَتَيْكَ أَنَا تَحَفَّظْتُ مِنْ طُرُقِ الْمُعْتَنِفِ" (مزمور 119: 11؛ 17: 4).

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
3
5
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
05
30
Calendar App