10. صوت صارخ في البرية
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

 

لقد قام سابق المسيا ورائده من وسط تلك الجماعة الأمينة في إسرائيل التي ظلت تنتظر مجيء مسيا أمدا طويلا . كان زكريا الكاهن الشيخ وامرأته أليصابات "كِلاَهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ يهوه" (لوقا 6:1) . وفي حياتهما الهادئة المقدسة كان يشرق نور الرجاء كنجم لامع بدد ظلمة تلك الأيام الشريرة . وقد أعطي لهذين الزوجين الصالحين الوعد بأنهما سينجبان ابنا يتقدم أمام وجه السيد ليعد طرقه .

كان زكريا يعيش في إقليم اليهودية الجبلي ، ولكنه كان قد صعد إلى أورشليم ليخدم مدة أسبوع في الهيكل ، خدمة كان يطلب من كل الكهنة أن يقوموا بها مرتين في كل عام كل في نوبة فرقته ، "فَبَيْنَمَا هُوَ يَكْهَنُ فِي نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ أَمَامَ يهوه، حَسَبَ عَادَةِ الْكَهَنُوتِ ، أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى هَيْكَلِ يهوه وَيُبَخِّرَ" (لوقا 1: 8، 9) .

كان واقفا أمام مذبح الذهب في المسكن ، وكانت سحابة البخور تصعد أمام يهوه مصحوبة بصلوات إسرائيل . وفجأة أحس بوجود كائن سماوي . فقد كان ملاك يهوه"وَاقِفًا عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ" (لوقا 1: 11) ، وكان موقف الملاك دليلا على الرضى الإلهي ، ألاّ أن زكريا لم يلاحظ ذلك . لقد ظل سنين طويلة يصلي طالبا مجيء الفادي ، وها هي السماء ترسل الآن رسولها ليعلن له أن تلك الصلوات ستستجاب في وقت قريب . ولكن تراءى له أن رحمة يهوه عظيمة جدا بحيث لا يستحقها إنسان مثله ، وقد امتلأ خوفا واستذنابا لنفسه .

الوعد لزكريا

ولكن الملاك حيَّاه باليقين المفرح قائلا: "لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا ، لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا . وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ ، لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ يهوه، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ . وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى يهوه إِلهِهِمْ . وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ ، وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ ، لِكَيْ يُهَيِّئَ ليهوه شَعْبًا مُسْتَعِدًّا . فَقَالَ زَكَرِيَّا لِلْمَلاَكِ: كَيْفَ أَعْلَمُ هذَا ، لأَنِّي أَنَا شَيْخٌ وَامْرَأَتِي مُتَقَدِّمَةٌ فِي أَيَّامِهَا؟" (لوقا 13:1-18) .

إن زكريا كان يعرف جيدا كيف ولد لإبراهيم ابن في شيخوخته لأنه آمن أن الذي وعد هو أمين . ولكن لمدة لحظة تتجه أفكار هذا الكاهن الشيخ إلى ضعف البشرية فينسى أن يهوه لابد أن يتمم ما قد وعد به . ما كان أعظم الفرق بين عدم الإيمان هذا وبين ذلك الإيمان الحلو الشبيه بإيمان الأطفال الذي أظهرته مريم عذراء الناصرة التي أجابت على إعلان الملاك العجيب بقولها: "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ يهوه. لِيَكُنْ لِـي كَقَوْلِكَ" (لوقا 1: 38) إن ولادة ابن لزكريا كولادة ابن لإبراهيم وابن مريم ، كانت لتعلم درسا روحيا عظيما ، درسا نحن متباطئون في تعلمه وسرعان ما ننساه . إننا في ذواتنا عاجزون عن عمل أي صلاح ، ولكن ما لا نستطيعه نحن سيتحقق بقوة يهوه لكل نفس خاضعة مؤمنة . لقد أعطي ابن الموعد بالإيمان: وبالإيمان تولد الحياة الروحية وبه نستطيع أن نعمل أعمال البر .

أجاب الملاك على تساؤل زكريا بقوله: "أَنَا جِبْرَائِيلُ الْوَاقِفُ قُدَّامَ يهوه، وَأُرْسِلْتُ لأُكَلِّمَكَ وَأُبَشِّرَكَ بِهذَا" (لوقا 1: 19) . قبل ذلك بخمس مئة سنة كشف جبرائيل لدانيال عن المدة النبوية التي كانت ستمتد إلى مجيء المسيا . وإن معرفة زكريا بقرب نهاية تلك المدة حرك قلبه ليصلي طالبا مجيء مسيا . إن نفس ذلك الرسول الذي بواسطته أعطيت تلك النبوة قد أتى الآن ليعلن إتمامها .

ثم إن قول الملاك "أَنَا جِبْرَائِيلُ الْوَاقِفُ قُدَّامَ يهوه" يدل على أن له مركزا رفيعا ومقاما ممتازا في السماء . وعندما أتى هو نفسه برسالة إلى دانيال قال:"وَلاَ أَحَدٌ يَتَمَسَّكُ مَعِي عَلَى هؤُلاَءِ إِلاَّ مِيخَائِيلُ رَئِيسُكُمْ" (دانيال 21:10) . أما عن جبرائيل فالمخلص يقول: "وَبَيَّنَهُ مُرْسِلاً بِيَدِ مَلاَكِهِ لِعَبْدِهِ يُوحَنَّا" (رؤيا 1:1) . والملاك يعلن ليوحنا قائلا: "أَنِّي عَبْدٌ مَعَكَ وَمَعَ إِخْوَتِكَ الأَنْبِيَاءِ"  (رؤيا 9:22) . هذا فكر مدهش- إن الملاك الذي يقف في المرتبة الثانية بعد ابن يهوه هو الشخص المختار ليكشف للناس الخطاة عن مقاصد يهوه.

 هَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا 

لقد عبر زكريا عن شكه في كلام الملاك ، فحكم عليه أن يكون صامتا لا يتكلم حتى يتم ذلك الكلام ، إذ قال له الملاك: "هَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا وَلاَ تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّمَ ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ هذَا" (لوقا 20:1) . كان واجب الكاهن في هذه الخدمة يقتضي أن يصلى طالبا غفران خطايا كل الناس وخطايا الأمة ، وطالبا أيضا مجيء مسيا ، لكن زكريا لما حاول أن يفعل ذلك لم يستطع أن ينطق بكلمة واحدة .

وإذ خرج ليبارك الشعب "كَانَ يُومِئُ إِلَيْهِمْ وَبَقِيَ صَامِتًا" (لوقا 1: 22) . لقد لبثوا ينتظرونه وقتا طويلا ، وبدأوا يخشون لئلا تكون قد أهلكته دينونة يهوه، ولكن عندما خرج إليهم من القدس كان وجهه يلمع ببهاء مجد يهوه"فَفَهِمُوا أَنَّهُ قَدْ رَأَى رُؤْيَا فِي الْهَيْكَلِ" (لوقا 1: 22) . وقد أعلمهم زكريا عن طريق الإيماءات بما قد رآه وسمعه ، "وَلَمَّا كَمِلَتْ أَيَّامُ خِدْمَتِهِ مَضَى إِلَى بَيْتِهِ" (لوقا 1: 23) .

وما إن ولد الطفل الموعود به حتى فكت عقدة لسان أبيه " وَتَكَلَّمَ وَبَارَكَ يهوه. فَوَقَعَ خَوْفٌ عَلَى كُلِّ جِيرَانِهِمْ . وَتُحُدِّثَ بِهذِهِ الأُمُورِ جَمِيعِهَا فِي كُلِّ جِبَالِ الْيَهُودِيَّةِ ، فَأَوْدَعَهَا جَمِيعُ السَّامِعِينَ فِي قُلُوبِهِمْ قَائِلِينَ: أَتَرَى مَاذَا يَكُونُ هذَا الصَّبِيُّ؟" (لوقا 64:1-66) . كل هذا حوّل اهتمام الناس إلى مجيء مسيا الذي كان يوحنا مزمعا أن يعد له الطريق .

حل الروح القدس على زكريا ، وبهذه الكلمات الجميلة تنبأ عن رسالة ابنه قائلا:"وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى ، لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ يهوه لِتُعِدَّ طُرُقَهُ . لِتُعْطِيَ شَعْبَهُ مَعْرِفَةَ الْخَلاَصِ بِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُمْ ، بِأَحْشَاءِ رَحْمَةِ إِلهِنَا الَّتِي بِهَا افْتَقَدَنَا الْمُشْرَقُ مِنَ الْعَلاَءِ . لِيُضِيءَ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ ، لِكَيْ يَهْدِيَ أَقْدَامَنَا فِي طَرِيقِ السَّلاَمِ" (لوقا 76:1-79) .

"أَمَّا الصَّبِيُّ فَكَانَ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ ، وَكَانَ فِي الْبَرَارِي إِلَى يَوْمِ ظُهُورِهِ لإِسْرَائِيلَ"(لوقا 80:1) . قبلما ولد يوحنا قال الملاك:"لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ يهوه، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ يَشْرَبُ ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ"(لوقا 1: 15) . لقد دعا يهوه ابن زكريا للقيام بعمل عظيم وهو أعظم عمل أُسنِد إلى إنسان إطلاقا . ولكي ينجز هذا العمل ينبغي أن يعمل يهوه معه ، وسيكون روح يهوه مرافقا له إذا كان يطيع تعليمات الملاك.

رسول للسيد

كان على يوحنا أن يخرج كرسول السيد ليجيء بنور يهوه إلى الناس . عليه أن يحول أفكارهم في اتجاه جديد ، وأن يقنع الشعب بقداسة مطاليب يهوه وحاجتهم إلى بره الكامل . مثل ذلك الرسول ينبغي أن يكون قديسا ، وعليه أن يكرس جسده لسكنى روح يهوه فيه . ولكي يتمم رسالته كان يجب أن يكون سليم البنية وله قوة ذهنية وروحية ممتازة . لذلك أصبح من الضروري له أن يكبح نهمه وشراهته وعواطفه ، ويتحكم في كل قواه بحيث يكون قادرا على الوقوف بين الناس ثابتا لا تزعزعه الظروف المحيطة به بل يكون كجبال البرية وصخورها الراسخة .

وفي أيام يوحنا المعمدان كان جشع الناس في سبيل جمع المال وولعهم بالترف وحب الظهور قد انتشر بين طبقات الشعب . إن الملذات الشهوانية والإفراط في الأكل والشرب كانت تسبب الأمراض الجسدية والانحطاط وتخدر الأحاسيس الروحية وتضعف الإحساس بالخطية . كان على يوحنا أن يقف كمصلح ، وكان عليه بحياته المعتدلة ولبسه البسيط أن يوبخ انصراف الناس في أيامه إلى اللهو والتأنق والإفراط في كل شيء . ولهذا أعطيت التعليمات الخاصة بيوحنا إلى أبويه ، وهى درس في الاعتدال يقدمه إلى العالم ملاك آتٍ من أمام عرش السماء .

وفي أيام الصبا والشباب يسهل تشكيل الخلق والتأثير فيه ، وفي هذه الحالة يجب أن تتوافر في الإنسان فضيلة ضبط النفس . فحين يجلس أفراد الأسرة حول النار وفي المجلس العائلي تبذل الجهود لإحداث تأثيرات تدوم في حياة الصغار وتكون لها آثار تدوم إلى الأبد . إن العادات التي تتمكن من قلوب الأولاد في حياتهم الباكرة تقرر فيما بعد ما إذا كان الإنسان سينتصر في معركة الحياة أم ينهزم ، أكثر مما تقرره مواهبهم الطبيعية . إن الشباب هو وقت الزرع والغرس ، وهو يقرر نوع الحصاد للحياة الحاضرة والعتيدة .

كان على يوحنا كنبي أن "يَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ ، وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ ، لِكَيْ يُهَيِّئَ ليهوه شَعْبًا مُسْتَعِدًّا" (لوقا 1: 17) وفي إعداد الطريق لمجيء المسيا أول مرة كان يوحنا ممثلا للذين سيعدون شعبا لمجيء السيد مرة ثانية . لقد أسلم العالم نفسه للإفراط والشهوات والملذات . و لقد كثرت الأخطاء والخرافات . كما زادت وتضاعفت أشراك الشيطان لإهلاك النفوس . وكل الذين يريدون أن يكملوا القداسة في خوف يهوه عليهم أن يتعلموا درس الاعتدال وضبط النفس . ينبغي إخضاع الأهواء والشهوات لقوى العقل العليا . إن تدريب النفس هذا لازم وجوهري لإنماء القوى الذهنية والرؤى الروحية التي ستعيننا على فهم حقائق كلمة يهوه المقدسة والحمل بها . فلهذا السبب يجد الاعتدال لنفسه مركزا هاما في عملية التأهب لمجيء المسيا ثانية .

ثقافة يوحنا

وفي النظام الطبيعي للأشياء كان يمكن لابن زكريا أن يتهذب لخدمة الكهنوت . إلاّ أن تعليم مدارس معلمي إسرائيل ما كان ليؤهله لعمله . فلم يرسله يهوه إلى معلمي اللاهوت ليتعلم كيف يفسر الكتب المقدسة . ولكنه دعاه إلى البرية ليتعلم من الطبيعة ومن إله الطبيعة .

كان الإقليم الذي عاش فيه موحشا في وسط التلال الجرداء والكهوف الصخرية . ولكنه هو الذي اختار أن يهجر تمتعات الحياة ومباهجها ويجتاز ذلك التدريب الصارم في البرية . كانت تلك البيئة تناسب عادات البساطة وإنكار الذات ، فإذ لم تكن تضايقه ضجة العالم أمكنه أن يدرس دروس الطبيعة والوحي والعناية الإلهية . وكم ردد أبوا يوحنا التقيان على مسمعه كلام الملاك لزكريا! فمنذ صباه كانت مهمته ماثلة أمامه ، وقد قبل القيام بتلك المهمة المقدسة ، لذا رحب بالوحدة في البرية لينجو من ذلك المجتمع الذي قد طغى عليه عدم الإيمان والشكوك والنجاسة . إنه لم يكن يثق بقوته الذاتية للثبات أمام التجربة ، وكان يرتجف من الاتصال الدائم بالخطية لئلا يفارقه الإحساس بشناعتها .

وحيث إنه قد كُرِّس ليكون نذيرا ليهوه منذ ولادته فقد أقر هو باختياره هذا النذر في تكريسه نفسه مدى الحياة . كان يلبس لباس الأنبياء الأقدمين وهو عبارة عن ثوب من وبر الإبل وعلى حقويه منطقة من جلد ، "وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا"(متى 4:3) ، مما وُجِدَ في البرية ، وكان يشرب من الماء العذب الصافي المنحدر من التلال .

غير أن يوحنا لم يقضِ حياته متعطلا في استغراق حزين أو وحدة أنانية ، ولكنه من وقت لآخر كان يخرج ليختلط بالناس ، ويلاحظ باهتمام ما يجري في العالم . فمن هذا المعتكف الهادئ كان يراقب ما تتمخض عنه الأحداث . وببصيرة مستنيرة بروح يهوه درس أخلاق الناس ليعرف كيف يستطيع أن يوصل رسالة السماء إلى قلوبهم . لقد كانت تبعة رسالته موضوعة عليه ، فبالتأمل والصلاة وهو في وحدته حاول أن يمنطق نفسه للعمل الذي أمامه والذي وقف له حياته .

ومع إنه كان يعيش في البرية لم يكن بمنأى عن التجارب ، ولكنه على قدر الإمكان سد كل المنافذ التي كان يمكن أن يتسلل منها إليه الشيطان ، ومع ذلك كان المجرّب لا يكف عن مهاجمته . إلاّ أن أحاسيسه الروحية كانت نقية ، إذ كان قد نمى قوة خلقه وعزيمته وبمساعدة الروح القدس أمكنه أن يكتشف تحركات الشيطان ويقاوم سلطانه .

العيش في البرية

لقد وجد يوحنا في البرية مدرسته ومقدسه . فكموسى ، وهو في وسط جبال مديان ، كان هو أيضا محاصرا بحضور يهوه، ومحاطا ببراهين قدرته . لم يكن نصيبه أن يعيش في وسط جلال معتكفات الجبال العظيمة كما كانت الحال مع قائد إسرائيل العظيم ، ولكنه كان يرى أمامه جبال موآب عبر الأردن ، وكانت تتحدث عن ذاك المثبت الجبال والذي يمنطقها بالقوة . إن منظر الطبيعة المرعب الكئيب في البرية التي عاش فيها صوَّر أمامه حالة إسرائيل بكل وضوح . فإن كرم السيد الشهي المحمل بالثمار قد أمسى خرابا يبابا . ولكن فوق الصحراء الجرداء انبسطت السموات المنيرة الجميلة . والسحب المتجمعة التي كانت تنذر بعاصفة هائلة كان يزينها قوس قزح الوعد . وهكذا أشرق مجد ملك مسيا الموعود به فوق انحطاط إسرائيل ، وسطع نور قوس عهد رحمة يهوه فوق سحب الغضب .

وإذا كان منفردا في الليل الساكن كان يقرأ وعد يهوه لإبراهيم بالنسل الذي كنجوم السماء التي لا تعد ولا تحصى . كما أن نور الفجر الذي كان يضيء جبال موآب كان يحدثه عن ذاك الذي سيكون "كَنُورِ الصَّبَاحِ إِذَا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ" (2 صموئيل 4:23) . وفي ضياء النور عند الظهر رأى بهاء ظهوره عـندما "يُعْلَنُ مَجْدُ يهوه وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا" (إشعياء 5:40).

وبروح متهيبة ومبتهجة في نفس الوقت كان يفتش الأسفار النبوية عن إعلانات مجد مسيا- النسل الموعود به المزمع أن يسحق رأس الحية ، شيلون "مانح السلام" المزمع أن يظهر قبل أن ينتهي حكم آخر ملك ممن يجلسون على عرش داود . لقد جاء الوقت الآن ، ففي القصر المبني على جبل صهيون كان يجلس والٍ روماني . وبموجب كلمة يهوه الأكيدة ولد المسيا .

كانت الصور التي صورها إشعياء في رؤياه عن مجد مسيا موضوع دراسة يوحنا ليلا ونهارا- الغصن الذي كان ينبت من أصل يسى ، الملك الذي يملك بالعدل "وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ" ويكون "كَمَخْبَأٍ مِنَ الرِّيحِ ... كَظِلِّ صَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ فِي أَرْضٍ مُعْيِيَةٍ " ، فلا يقال عن أورشليم فيما بعد "مَهْجُورَةٌ" ولا يقال بعد لأرضها  بل"مُوحَشَةٌ" تدعى "حَفْصِيبَةَ" وتدعى أرضها "بَعُولَةَ" (إشعياء 11: 4 ؛ 32: 2؛ 62: 4) ، فامتلأ قلب ذلك الشاب المنفي المعتزل بالرؤيا المجيدة .

إساءة فهم مهمة يهوشوه

لقد نظر الملك في بهائه فنسى نفسه . رأى القداسة في جلالها فأحس بعجزه وعدم استحقاقه . وكان على تمام الأهبة للخروج كرسول السماء غير مُخوَّف من إنسان بشري لأنه قد رأى السيد. لقد استطاع أن يقف ثابتا وشجاعا في حضرة الملوك الأرضيين لأنه قد سجد متضعا أمام ملك الملوك .

لكن يوحنا لم يكن يدرك تماما طبيعة ملكوت مسيا ، فكان ينتظر خلاص الأمة الإسرائيلية من أعدائها ، بينما مجيء الملك بالبر وتثبيت إسرائيل كأمة مقدسة كان ذلك هو الغاية العظمى لرجائه . وهكذا آمن بأن النبوة التي قيلت عند ولادته ستتم وهى تقول: "لِيَصْنَعَ رَحْمَةً ... وَيَذْكُرَ عَهْدَهُ الْمُقَدَّسَ ... أَنْ يُعْطِيَنَا إِنَّنَا بِلاَ خَوْفٍ ، مُنْقَذِينَ مِنْ أَيْدِي أَعْدَائِنَا ، نَعْبُدُهُ بِقَدَاسَةٍ وَبِرّ قُدَّامَهُ جَمِيعَ أَيَّامِ حَيَاتِنَا" (لوقا 1: 72- 75) .

إنه قد رأى بني شعبه مخدوعين ومكتفين بنفوسهم ونائمين مستريحين في خطاياهم ، فتاق إلى إيقاظهم لحياة القداسة . وقد كانت غاية الرسالة التي أعطاه يهوه إياها ليحملها إليهم هي إيقاظهم من سباتهم العميق وجعلهم يرتعبون من شرورهم العظيمة . إذ قبلما يجد بذار الإنجيل مكانا كان يجب حرث تربة القلب ، وقبلما يطلبون من يهوشوه الشفاء كان عليهم أن يتحققوا من هول خطر جروح الخطية التي فيهم .

إن يهوه لا يرسل رسله ليتملقوا الخطاة ، ولا يرسل رسالة السلام لكي يجعل النجسين يستكنون في طمأنينتهم الكاذبة المؤدية إلى الهلاك . ولكنه يثقل الحمل على ضمائر الأثمة ويطعن النفس بسهام التبكيت . إن الملائكة الخادمين يستعرضون أمامهم دينونة يهوه الرهيبة ليعمقوا فيهم الإحساس بحاجتهم لكي يصرخوا قائلين:"مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟" (أعمال 16: 30) . وحينئذ فاليد التي قد أذلتهم وأجلستهم في التراب سترفع التائبين منهم . والصوت الذي وبخ الخطية وأخزى الكبرياء والطموح يسأل الخاطئ بأرق عبارات العطف قائلا: "مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟" (لوقا 18: 41) .

حالة الأمة

عندما بدأ يوحنا خدمته كانت الأمة في حالة اهتياج وتبرم وكانوا موشكين أن يقوموا بثورة . فلما عُزل أرخيلاوس صارت اليهودية تحت سيطرة روما المباشرة . إن طغيان الولاة الرومان واغتصابهم وإصرارهم على إدخال الرموز والعادات الوثنية إلى الأرض المقدسة ، كل ذلك أضرم نيران الثورة التي لم يخمدها إلاّ دماء الآلاف من أشجع رجال إسرائيل. كل ذلك زاد من حقد الشعب وكراهيتهم لروما ، وزاد من شوقهم للتحرر من سلطانها.

في وسط تلك المنازعات والخصومات سمع صوت آتٍ من البرية ، صوت مفزع وعبوس ، ولكنه مليء بالرجاء قائلا: "تُوبُوا ، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ" (متى 2:3) . هذا الصوت أيقظ الشعب بقوة جديدة وغريبة . لقد تنبأ الأنبياء عن مجيء المسيا على أنه حادث سيحدث في المستقبل البعيد ، ولكن هنا إعلان يقول إنه قد اقترب . إن ظهور يوحنا المفاجئ الغريب عاد بأفكار الشعب إلى الرائين الأقدمين . ففي عاداته ولبسه كان يشبه إيليا النبي . فبروح إيليا وقوته وبَّخ الأمة على فسادها . وشجب الخطايا المتفشية بين الشعب . لقد كان كلامه واضحا وموجها ومؤثرا . وكان كثيرون يعتقدون أن نبيا من القدماء قد قام ، وقد استيقظت الأمة كلها وتقاطرت جماهير الشعب إلى البرية .

أعلن يوحنا عن مجيء مسيا ، ودعا الناس إلى التوبة . وكرمز للتطهير من الخطية كان يعمدهم في مياه الأردن . وهكذا بدرس ظاهر أمام العيون وله دلالته أعلن يوحنا أن أولئك الذين يدعون أنهم شعب يهوه كانوا منجسين بالخطية ، وإنه بدون تطهير القلب والحياة لن يكون لهم نصيب في ملكوت مسيا .

وقد أتى إلى يوحنا الرؤساء ومعلمو اليهود والجنود والعشارون والفلاحون ليسمعوه . وقد أفزعهم إنذار يهوه الخطير إلى حين . وكثيرون تابوا واعتمدوا ، وخضع الناس من كل الطبقات لمطاليب المعمدان حتى يكون لهم نصيب في الملكوت الذي قد أعلن عنه .

ثم جاء كثيرون من الكتبة والفريسيين معترفين بخطاياهم وطالبين المعمودية . ولكنهم كانوا مترفعين إذ حسبوا أنفسهم أفضل من غيرهم . وجعلوا الناس يحترمونهم لأجل تقواهم المزعومة . أما الآن وقد انكشفت خفايا قلوبهم الآثمة . وقد أقنع الروح القدس يوحنا بأن كثيرين من أولئك القوم لم يكن في قلوبهم اقتناع حقيقي بالخطية ، بل كانوا انتهازيين . وكأصدقاء للنبي كانوا يأملون أن يجدوا حظوة لدى الملك الجديد ، وإذ يقبلون المعمودية على يدي هذا الكارز الشاب الشهير كانوا يفكرون في زيادة نفوذهم على الشعب .

 يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي 

ففاجأهم يوحنا بهذا السؤال الفاحص:"يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي ، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟ فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ . وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَــنَا إِبْراهِيمُ أَبًا . لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ يهوه قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ" (متى 7:3-9) .

كان اليهود قد حرفوا وعد يهوه بالرضى الأبدي عن إسرائيل ، وهو يقول:"هكَذَا قَالَ يهوه الْجَاعِلُ الشَّمْسَ لِلإِضَاءَةِ نَهَارًا ، وَفَرَائِضَ الْقَمَرِ وَالنُّجُومِ لِلإِضَاءَةِ لَيْلاً ، الزَّاجِرُ الْبَحْرَ حِينَ تَعِجُّ أَمْوَاجُهُ ، يهوه إله الْجُنُودِ اسْمُهُ: إِنْ كَانَتْ هذِهِ الْفَرَائِضُ تَزُولُ مِنْ أَمَامِي ، يَقُولُ يهوه، فَإِنَّ نَسْلَ إِسْرَائِيلَ أَيْضًا يَكُفُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أُمَّةً أَمَامِي كُلَّ الأَيَّامِ . هكَذَا قَالَ يهوه: إِنْ كَانَتِ السَّمَاوَاتُ تُقَاسُ مِنْ فَوْقُ وَتُفْحَصُ أَسَاسَاتُ الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ ، فَإِنِّي أَنَا أَيْضًا أَرْفُضُ كُلَّ نَسْلِ إِسْرَائِيلَ مِنْ أَجْلِ كُلِّ مَا عَمِلُوا، يَقُولُ يهوه" (ارميا 31: 35-37) . كان اليهود يبررون أن تناسلهم الطبيعي من إبراهيم يعطيهم حق امتلاك هذا الوعد . ولكنهم أغفلوا الشروط التي قد وضعها يهوه. فقبلما أعطى هذا الوعد قال:"أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا ... لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ"(ارميا 31: 33 ، 34) .

إن الشعب الذي شريعة يهوه مكتوبة على قلبه هو الذي حقق له السيد إحسانه ورضاه أنهم يكونون متحدين به . ولكن اليهود كانوا قد انفصلوا عن يهوه. فبسبب خطاياهم كانوا يقاسون البلايا من هول أحكامه . وهذا كان السبب في عبوديتهم لأمة وثنية . لقد أظلمت المعاصي عقولهم ، ولكون السيد قد بسط لهم رحمة في العصور الغابرة كانوا يعتذرون عن خطاياهم . وكانوا يخدعون أنفسهم بالقول إنهم أفضل من غيرهم من الناس وإنهم يستحقون نوال بركات يهوه.

هذه الأمور"كُتِبَتْ لإِنْذَارِنَا نَحْنُ الَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْنَا أَوَاخِرُ الدُّهُورِ"(1كورنثوس 11:10) . كم من مرة نعرف بركات يهوه ونخدع أنفسنا بالقول إننا قد أنعم علينا لأجل صلاحنا . إن يهوه لا يستطيع أن يصنع معنا ما يشتاق إلى صنعه . فنحن نستخدم عطاياه لإرضاء ذواتنا وتقسية قلوبنا في عدم الإيمان والخطية.

فساد أخلاق معلمي الشعب

أعلن يوحنا لمعلمي إسرائيل أن كبرياءهم وأنانيتهم وقسوتهم قد برهنت على أنهم أولاد الأفاعي ولعنة قاتلة ماحقة للشعب وليسوا أولاد إبراهيم البار المطيع . أما بالنظر إلى النور المعطى من يهوه فقد كانوا أشر من الوثنيين الذين كانوا يدعون أنهم أرفع منهم جدا . لقد نسوا الصخر الذي منه قطعوا ونقرة الجب الذي منه حفروا . ولم يكن يهوه موقوفا عليهم في إنجاز مقاصده . فكما قد دعا إبراهيم من وسط شعب وثني كذلك كان يمكنه أن يدعو آخرين ليخدموه ، ومع أن قلوب أولئك الآخرين ربما تبدو عديمة الحياة كأحجار الصحراء فإن روحه يستطيع أن يحييهم ليفعلوا مشيئته ويقبلوا إتمام وعده .

ثم قال النبي:"وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ" (متى 3: 10) . إن قيمة الشجرة لا تقدر باسمها بل بثمرها . فمتى كان الثمر لا قيمة له فإن اسم الشجرة لا يمكن أن ينقذها من القطع والهلاك . ولهذا أعلن يوحنا لليهود أن موقفهم أمام يهوه تقرره أخلاقهم وحياتهم . فلا قيمة للاعتراف أو الادعاء ولا جدوى منهما . فإذا لم تكن حياتهم متمشية ومنسجمة مع شريعة يهوه فليسوا شعبه .

لقد اقتنع سامعو يوحنا وتبكتوا من وعظه الفاحص القلوب . فجاءوا يسألونه قائلين إذاً:"فَمَاذَا نَفْعَلُ؟" ، فأجاب وقال لهم: "مَنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيُعْطِ مَنْ لَيْسَ لَهُ ، وَمَنْ لَهُ طَعَامٌ فَلْيَفْعَلْ هكَذَا" (لوقا 11:3) . ثم حذر العشارين من الظلم ، كما حذر الجنود من القسوة والعنف .

تم قال لهم إن كل من قد صاروا رعايا في ملكوت المسيا لابد أن يبرهنوا على ذلك بتوبتهم وإيمانهم . وستظهر في حياتهم صفات الرفق والأمانة والولاء . إنهم يخدمون المحتاجين ويقدمون تقدماتهم ليهوه، ويكونون حصنا ودرعا للقاصرين وغير المحصنين ، ويقدمون للناس مثالا في الفضيلة والرأفة . وهكذا يبرهن أتباع المسياعلى قوة الروح القدس المغيرة والمجددة . وترى في حياتهم اليومية صفات العدل والرحمة ومحبة يهوه. وإلاّ فإنهم سيكونون كالتبن الذي يطرح في النار .

 الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي 

ثم قال يوحنا:"أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ ، وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي ، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ . هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ"(متى 11:3) . كان النبي إشعياء قد أعلن من قبل أن السيد سيطهر شعبه من آثامهم "بِرُوحِ الْقَضَاءِ وَبِرُوحِ الإِحْرَاقِ" (إشعياء 4:4) . وهذا ما قاله السيد لإسرائيل: "وَأَرُدُّ يَدِي عَلَيْكِ ، وَأُنَقِّي زَغَلَكِ كَأَنَّهُ بِالْبَوْرَقِ ، وَأَنْزِعُ كُلَّ قَصْدِيرِكِ"(إشعياء 1: 25). أما بالنسبة إلى الخطية أينما وجدت فإن "إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ" (عبرانيين 29:12) . وكل من يخضعون لسلطان يهوه فإن روحه يحرق الخطية . أما إذا تعلق الناس بالخطية فسيحرقون معها وحينئذٍ فمجد يهوه الذي سيهلك الخطية سيهلكهم . إن يعقوب بعد ليلة صراعه مع الملاك قال:"لأَنِّي نَظَرْتُ يهوه وَجْهًا لِوَجْهٍ ، وَنُجِّيَتْ نَفْسِي"(تكوين 30:32) . لقد ارتكب يعقوب خطية عظيمة ضد أخيه عيسو ولكنه تاب ، فغفر إثمه وتطهر من خطيته ولذلك أمكنه احتمال الوجود في حضرة يهوه. ولكن أينما يمثل الناس أمام يهوه وهم بكل إصرار يحتضنون الشر فلابد من هلاكهم . وعند مجيء المسيا الثاني سيباد الأثيم"بِنَفْخَةِ فَمِهِ ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ" (1تسالونيكي 2: 8). إن نور مجد السيد الذي يمنح الحياة للأبرار سيهلك الأثمة .

في أيام يوحنا المعمدان كان المسيا مزمعا أن يظهر كمن هو معلن وكاشف صفات يهوه. ونفس حضوره سيكشف للناس خطاياهم . ولا يمكنهم أن يدخلوا في شركة معه ما لم يكونوا راغبين في التطهر من الخطية . إن الأنقياء القلب هم وحدهم الذين يسكنون في حضرته.

وهكذا أعلن المعمدان رسالة يهوه لإسرائيل وقد حفظ كثيرون تعاليمه . وفي سبيل الطاعة ضحى كثيرون بكل شيء ، واتبعت جماهير الشعب هذا الكارز الجديد من مكان إلى آخر ، وقد كان يرجو عدد غير قليل منهم أن يكون هو مسيا ، ولكن إذ رأى يوحنا الشعب منصرفين إليه انتهز كل فرصة لتوجيه إيمانهم إلى ذاك المزمع أن يأتي.

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
2
3
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
04
30
Calendar App