13. الســبت
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس السبت الحالي "Saturday". يجب أيضا الأخذ في الاعتبار أن السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الجريجوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائما في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر، الأمر الذي لا يستطيع أن يفعله أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.

لقد قدس السبت عند الخليقة. وحيث أنه قد جعل لأجل الإنسان فقد بدأ عندما، "تَرَنَّمَتْ كَوَاكِبُ الصُّبْحِ مَعًا، وَهَتَفَ جَمِيعُ بَنِي يهوه" (أيوب 38: 7). كان السلام سائدا حينئذٍ على العالم لأن الأرض كانت في حالة انسجام ووفاق مع السماء. "رَأَى يهوه كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا" (تكوين 1: 31)، واستراح فرحا بما أتمه من عمل.
ولكونه استراح في يوم السبت، لذلك "بَارَكَ يهوه الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَهُ". لقد أفرز للعمل المقدس وأعطاه يهوه لآدم كيوم راحة وكان تذكارا لعمل الخلق، وهكذا صار رمزا لقدرة يهوه ومحبته. والكتاب يقول: إن يهوه "صَنَعَ ذِكْرًا لِعَجَائِبِهِ"، "لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ" (تكوين 2: 3؛ مزمور 111: 4؛ رومية 1: 20).
تذكار عمل الخلق
والذي خلق كل شيء هو ابن يهوه، "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ يهوه… كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يوحنا 1: 1-3). وحيث أن السبت هو تذكار لعمل الخلق إذا فهو علامة على محبة المسيا وقدرته.
إن السبت يتجه بأفكارنا إلى الطبيعة ويجعلنا في حالة ارتباط بالخالق. ففي أغاريد الطيور وحفيف الاشجار وموسيقى البحار لا نزال نسمع صوت ذاك الذي قد نادى آدم في جنة عدن في وسط هبوب ريح النهار. وإذ نشاهد قدرته في الطبيعة نتعزَّى لأن الكلمة التي خلقت كل شيء هي التي تتكلم بكلام الحياة للنفس. وذاك "الَّذِي قَالَ أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ يهوه فِي وَجْهِ يهوشوه المسيا" (2 كورنثوس 4: 6).
هذا الفكر هو الذي ألهم المرنم بهذه التسبيحة: "لأَنَّكَ فَرَّحْتَنِي يَا يا يهوه بِصَنَائِعِكَ. بِأَعْمَالِ يَدَيْكَ أَبْتَهِجُ. مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا يهوه! وَأَعْمَقَ جِدًّا أَفْكَارَكَ!" (مزمور 92: 5،4).
والروح القدس يعلن بلسان إشعياء النبي قائلا: "فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَ الإله، وَأَيَّ شَبَهٍ تُعَادِلُونَ بِهِ؟ ... أَلاَ تَعْلَمُونَ؟ أَلاَ تَسْمَعُونَ؟ أَلَمْ تُخْبَرُوا مِنَ الْبَدَاءَةِ؟ أَلَمْ تَفْهَمُوا مِنْ أَسَاسَاتِ الأَرْضِ؟ الْجَالِسُ عَلَى كُرَةِ الأَرْضِ وَسُكَّانُهَا كَالْجُنْدُبِ. الَّذِي يَنْشُرُ السَّمَاوَاتِ كَسَرَادِقَ، وَيَبْسُطُهَا كَخَيْمَةٍ لِلسَّكَنِ ... «فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي فَأُسَاوِيهِ؟» يَقُولُ الْقُدُّوسُ. ارْفَعُوا إِلَى الْعَلاَءِ عُيُونَكُمْ وَانْظُرُوا، مَنْ خَلَقَ هذِهِ؟ مَنِ الَّذِي يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنْدَهَا، يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ؟ لِكَثْرَةِ الْقُوَّةِ وَكَوْنِهِ شَدِيدَ الْقُدْرَةِ لاَ يُفْقَدُ أَحَدٌ. لِمَاذَا تَقُولُ يَا يَعْقُوبُ وَتَتَكَلَّمُ يَا إِسْرَائِيلُ: «قَدِ اخْتَفَتْ طَرِيقِي عَنِ يهوه وَفَاتَ حَقِّي إِلهِي»؟ أَمَا عَرَفْتَ أَمْ لَمْ تَسْمَعْ؟ إِلهُ الدَّهْرِ يهوه خَالِقُ أَطْرَافِ الأَرْضِ لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَعْيَا ... يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُدْرَةً، وَلِعَدِيمِ الْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً". "لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ. لاَ تَتَلَفَّتْ لأَنِّي إِلهُكَ. قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ وَعَضَدْتُكَ بِيَمِينِ بِرِّي". "اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأَنِّي أَنَا الإله وَلَيْسَ آخَرَ". هذه هي الرسالة المكتوبة على صفحات الطبيعة والتي قد أفرز السبت لتظل ماثلة في الأذهان. وهذا هو أمر يهوه لإسرائيل: "قَدِّسُوا سُبُوتِي فَتَكُونَ عَلاَمَةً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ" (إشعياء 40: 17-29؛ 41: 10؛ 45: 22؛ حزقيال 20: 20).

يوم راحة للجميع

لقد كانت وصية السبت ضمن الشريعة المعطاة في سيناء. ولكن لم تكن هي المرة الأولى التي عُرِف فيها أن ذلك اليوم هو يوم الراحة. فلقد كان شعب إسرائيل يعرفونه قبل مجيئهم إلى سيناء، وقد حفظوا السبت وهم في طريقهم إلى هناك. وعندما دنسه بعضهم وبخهم يهوه قائلا: "إِلَى مَتَى تَأْبَوْنَ أَنْ تَحْفَظُوا وَصَايَايَ وَشَرَائِعِي؟" (خروج 16: 28).
لم يكن السبت لإسرائيل وحدهم بل لكل العالم. لقد أعلن للإنسان في جنة عدن، وكغيره من الوصايا العشر المكتوبة على اللوحين لن يبطل التزام حفظه أبد الدهر. قال المسيا عن تلك الوصايا التي من بينها الوصية الرابعة: "إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لا يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ" وطالما الأرض والسماوات باقية فالسبت سيظل رمزا لقدرة الخالق. وعندما تعود جنة عدن إلى الظهور في الأرض مرة أخرى فكل من تظلهم السماء سيحفظون يوم يهوه يوم الراحة المقدس، ويكون "من سبت إلى سبت" أن كل من يسكن في الأرض الجديدة سيصعد "لِيَسْجُدَ أَمَامِي، قَالَ يهوه" (متى 5: 18؛ إشعياء 66: 23).
لا توجد شريعة أخرى سلمت لليهود كانت هي المميز العظيم الذي به امتازوا على سائر الشعوب المجاورة كما كانت شريعة السبت. و قد قصد يهوه من هذا أن حفظ يوم السبت يخصصهم لذاته كعابديه، كما كان ينبغي أن يكون رمزا لاعتزالهم عن عبادة الأوثان وارتباطهم بالإله الحقيقي. ولكن ينبغي أن يكون الناس أنفسهم قديسين حتى يمكنهم حفظ السبت مقدسا وبالإيمان يكونون شركاء في بر المسيا. وعندما قدم لإسرائيل هذا الأمر القائل: "اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ". قال لهم يهوه أيضا: "تَكُونُونَ لِي أُنَاسًا مُقَدَّسِينَ" (خروج 20: 8؛ 22: 3 1). وبهذه الكيفية وحدها كان يمكن أن يكون السبت علامة لفرز إسرائيل كعباد يهوه.
جعلوه حملا ثقيلا
فلما ارتد اليهود عن يهوه وأخفقوا في تخصيص بر المسيالأنفسهم بالإيمان ما عاد السبت ذا معنى أو دلالة بالنسبة إليهم. لقد كان الشيطان يحاول أن يمجد نفسه وأن يبعد الناس عن المسيا، واجتهد في إفساد السبت لأنه رمز قدرة المسيا، فتمم رؤساء اليهود إرادة الشيطان بإحاطة يوم راحة يهوه بمطاليب عسرة الحمل. وفي أيام المسيا كان السبت قد أصبح فاسدا جدا بحيث أن حفظه كشف عن أخلاق الناس الأنانيين المستبدين، لا عن صفات الآب السماوي المحب. وفي الواقع أن معلمي اليهود صوروا يهوه كمن يضع شرائع يستحيل على الناس أن يحفظوها، وجعلوا الشعب ينظرون إلى يهوه كما لو كان طاغية مستبدا، كما جعلوهم يفكرون بأن حفظ السبت كما قد طلب يهوه يجعل الناس متصلبين قساة القلوب. وكان عمل المسياأن يكتسح سوء الفهم هذا ويقضي عليه. ومع أن معلمي الناموس تعقبوه بعداوة لا تعرف الرحمة فلم يبد عليه أنه قد امتثل لمطاليبهم بل تقدم إلى الأمام حافظا السبت بموجب شريعة يهوه.
وفي أحد السبوت عندما كان المخلص وتلاميذه عائدين من مكان العبادة اجتازوا في حقل به حنطة ناضجة. وكان يهوشوه دائبا في عمله إلى ساعة متأخرة، وفي أثناء مرورهم في الحقول ابتدأ التلامذ يقطفون سنابل القمح ويفركونها بأيدهم ثم يأكلونها. ولو حدث ذلك في غير يوم السبت لما كان هنالك أي اعتراض لأن من كان يعبر في حقل حنطة أو في بستان أو كرم كان له كامل الحرية أن يجمع ما يريد أن يأكله (انظر ما جاء في تثنية 23: 24، 25). ولكن التجرؤ على عمل ذلك في يوم السبت كان يعتبر تدنيسا له وانتهاكا لحرمته. وفضلا عن أن قطف السنابل اعتبر حصادا فقد اعتبر فركها بمثابة دراس للحنطة. وهكذا كان هنالك ذنب مضاعف حسب رأي المعلمين.
وسرعان ما اشتكى الجواسيس ليهوشوه قائلين: "هُوَذَا تَلاَمِيذُكَ يَفْعَلُونَ مَا لاَ يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي السَّبْتِ!" (متى 12: 2). عندما اتهم يهوشوه بكسر السبت في بيت حسدا دافع عن نفسه بإثبات بنوته للآب وبإعلانه أنه يعمل على وفاق مع الآب. فلما هوجم التلاميذ الآن سرد للمتهمين مثالا من العهد القديم عن أعمال عملها في السبت أولئك الذين كانوا يخدمون يهوه.
إساءة القصد من السبت
كان معلمو اليهود يفتخرون بأنهم يعرفون الكتب، لكن جواب المخلص انطوى على توبيخ وجهه لجهلهم الكتب المقدسة إذ قال لهم: "أَمَا قَرَأْتُمْ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ جَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ؟ كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ يهوه وَأَكَلَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لَهُ وَلاَ لِلَّذِينَ مَعَهُ، بَلْ لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ"، "أَوَ مَا قَرَأْتُمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ الْكَهَنَةَ فِي السَّبْتِ فِي الْهَيْكَلِ يُدَنِّسُونَ السَّبْتَ وَهُمْ أَبْرِيَاءُ؟ وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ ههُنَا أَعْظَمَ مِنَ الْهَيْكَلِ!" "ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ سيد السَّبْتِ أَيْضًا" (لوقا 6: 3، 4 مرقس 2: 27، 28؛ متى 21: 5، 6).
فإذا كان حقا وصوابا أن يشبع داود جوعه من الخبز المفرز لأغراض مقدسة، إذا فقد كان حقا وصوابا أيضا أن يشبع التلاميذ جوعهم بقطف سنابل الحنطة في ساعات السبت المقدسة ثم أن الكهنة في الهيكل كانوا يوم السبت يقومون بأعمال أكثر مما في باقي الأيام. ولو مارس إنسان هذا العمل نفسه في أعماله الدنيوية لأصبح تعديا، ولكن عمل الكهنة كان في خدمة يهوه، فكانوا يمارسون تلك الطقوس التي كانت تشير إلى قوة المسيا الفادية، وكان عملهم على وفاق مع غاية السبت. أما الآن فقد أتى المسيا نفسه. إن التلاميذ في قيامهم بأعمال المسيا كانوا يخدمون يهوه. وما كان لازما لإتمام هذا العمل كان من الصواب عمله في يوم السبت.
وقد أراد المسيا أن يعلم تلاميذه وأعداءه أن خدمة يهوه ينبغي أن تكون أولا، لأن الغاية من عمل يهوه في هذا العالم هي فداء الإنسان. إذا فما يلزم عمله في يوم السبت لإنجاز هذا العمل هو مطابق لشريعة السبت. وبعد ذلك توج يهوشوه حجته بإعلانه عن نفسه أنه "سيد السبت"- كمن هو فوق كل تساؤل وكل قانون. فهذا القاضي الأعلى يبرئ تلاميذه من كل لوم إذ لجأ إلى نفس الوصايا التي كانوا متهمين بكسرها.
لم يكتف المسيا بأن تمر هذه المسألة بمجرد توجيه توبيخ إلى أعدائه، فقد أعلن لهم أنهم في عماهم أخطأوا غاية السبت فقال لهم: "لَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى الأَبْرِيَاءِ!" (متى 12: 7). إن طقوس اليهود الكثيرة التي كانوا يمارسونها بلا قلب لم تكن لتسد حاجتهم إلى الاستقامة الحقيقية والمحبة الرقيقة التي طالما ميزت عبدة يهوه الحقيقيين.

يشفي في السبت

ومرة أخرى عاد المسيا فكرر حقيقة كون الذبائح في ذاتها عديمة القيمة، فلقد كانت وسيلة لا غاية، وكان الغرض منها إرشاد الناس إلى المخلص وبذلك يكونون في حالة انسجام ووفاق مع يهوه. إن خدمة المحبة هي التي يقدرها يهوه. فمتى قصر الإنسان في ذلك فإن كل الطقوس الروتينية تصير مكرهة له. وهذا يصدق على السبت أيضا، لقد كان القصد منه أن يكون فرصة فيها يدخل الإنسان إلى قدس الشركة مع يهوه، ولكن متى كان القلب مشغولا بالطقوس العاطلة فإن غاية السبت تتعطل وتبطل، وحفظه حفظا ظاهريا يمسي سخرية.
وفي سبت آخر إذ دخل يهوشوه أحد المجامع رأى هناك إنسانا يده يابسة. وكان الفريسيون يراقبون يهوشوه وهم متلهفون لمعرفة ما سيفعله. ولقد عرف المخلص جيدا أنه لو شفى المريض في يوم السبت فسيعتبر متعديا، ولكنه لم يتردد في نقض سياج المطاليب التقليدية التي أحاطت بيوم السبت، بل أمر الرجل المريض بأن يقف، ثم قال لهم: "هَلْ يَحِلُّ فِي السَّبْتِ فِعْلُ الْخَيْرِ أَوْ فِعْلُ الشَّرِّ؟ تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ قَتْلٌ؟" كان عند اليهود مبدأ يقول بأن إهمال عمل الخير متى سنحت الفرصة لعمله معناه عمل الشر، وإن إهمال تخليص النفس هو قتل لها. وهكذا التقى يهوشوه بالمعملين في ميدانهم: "فَسَكَتُوا. فَنَظَرَ حَوْلَهُ إِلَيْهِمْ بِغَضَبٍ، حَزِينًا عَلَى غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ: «مُدَّ يَدَكَ». فَمَدَّهَا، فَعَادَتْ يَدُهُ صَحِيحَةً كَالأُخْرَى" (مرقس 3: 4،5).
وعندما سئل يهوشوه هذا السؤال: "هَلْ يَحِلُّ الإِبْرَاءُ فِي السُّبُوتِ؟" أجاب قائلا: "أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ سَقَطَ هذَا فِي السَّبْتِ فِي حُفْرَةٍ، أَفَمَا يُمْسِكُهُ وَيُقِيمُهُ؟" (متى 12: 10-12).
القيمة السامية للبشرية
لم يجرؤ الجواسيس على مجاوبة المسيا على مسمع من الجموع خشية أن يوقعوا أنفسهم في ورطة، إذ عرفوا أنه إنما نطق بالحق. ولكنهم في سبيل الإبقاء على تقاليدهم كانوا يفضلون أن يتركوا ذلك الإنسان المتألم ليقاسي هول آلامه، مع أنهم كانوا بكل اهتمام ينتشلون حيوانا أعجم ساقطا في حفرة حتى لا يموت بسبب إهمالهم انتشاله حتى لا يخسروا ثمنه. وهكذا كان اهتمامهم بالحيوان الأعجم أعظم من الاهتمام بالإنسان المخلوق على صورة يهوه. وهذا يصور لنا عمل كل الديانات الكاذبة ، فهي تبدأ باهتمام الإنسان بتمجيد نفسه أكثر من يهوه، ولكن عاقبة ذلك هي انحطاط الإنسان إلى درجة أدنى من الحيوان. إن كل دين مضاد لسلطان يهوه يختلس من الإنسان المجد الذي كان له عند بدء الخليقة والذي سيعاد إليه في المسيا. فكل دين كاذب يعلم معتنقيه أن يكونوا عديمي الاكتراث لحاجات البشر وآلامهم وحقوقهم. ولكن الإنجيل يعطى للبشرية قيمة عظيمة لكونها مشتراة بدم يهوشوه المسيا، وهو يعلمنا أن نراعى حاجات الناس وضيقاتهم بكل رقة ورفق. والسيد يقول: "وَأَجْعَلُ الرَّجُلَ أَعَزَّ مِنَ الذَّهَبِ الإِبْرِيزِ، وَالإِنْسَانَ أَعَزَّ مِنْ ذَهَبِ أُوفِيرَ" (إشعياء 13: 12).
إن يهوشوه حين واجه الفريسيين بهذا السؤال: هل يحل في السبت فعل الخير أو فعل الشر، تخليص نفس أو قتل- واجههم بنواياهم الشريرة. كانوا يطلبون موته بكل ما في قلوبهم من حقد مرير، في حين كان هو يخلص النفوس ويمنح السعادة للجموع، فهل كان الأفضل في يوم السبت ارتكاب جريمة القتل كما كانوا يقصدون أن يفعلوا أكثر من شفاء المرضى المتألمين كما قد فعل هو؟ وهل كان من العدالة والصواب أن يبقوا في قلوبهم شهوة القتل في يوم يهوه المقدس بدلا من أن يضمروا المحبة لكل الناس، تلك المحبة التي تعبر عن نفسها في أعمال الرحمة؟
يهوشوه إذ يشفي الرجل ذا اليد اليابسة يدين عادات اليهود ويبقي الوصية الرابعة كما كانت حين أعطاها يهوه لشعبه. وقد أعلن قائلا: "إِذًا يَحِلُّ فِعْلُ الْخَيْرِ فِي السُّبُوتِ!" وإذ أزاح يهوشوه بعيدا نواهي اليهود العديمة المعنى أكرم السبت، بينما أولئك الذين كانوا يشتكون من الفادي كانوا يمتهنون كرامة يوم يهوه المقدس.
هل أبطل السبت؟
إن من يعتقدون أن المسيا قد أبطل الناموس يعلمون بأنه قد نقض السبت وبرر تلاميذه الذين قد انتهكوا كرامته. وهكذا هم يستندون إلى نفس الأركان التي قد استند اليها اليهود المماحكون. وهم في هذا يناقضون شهادة المسيا نفسه الذي قد أعلن قائلا: "أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ" (يوحنا 15: 10). فلا يهوشوه المسيا ولا أتباعه نقضوا شريعة السبت، بل كان المسيا هو الممثل الحي للناموس. وطوال حياته المقدسة لم يوجد أي تعد لمطاليبه، فإذ نظر إلى أمة من الشهود كانوا يبحثون عن علة واحدة لإدانته أمكنه أن يقول لهم دون أن يراجعه أحد: "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟" (يوحنا 8: 46).
إن المخلص لم يأتِ لكي ينقض أو يلغي ما قد تكلم به الآباء والأنبياء، لأنه هو نفسه الذي قد تكلم على أفواه ممثليه أولئك، وكل حقائق كلمة يهوه قد أتت منه. غير أن هذه الأمور الغالية قد وضعت في أوضاع كاذبة، وجعل نورها الثمين يخدم الكذب والخطأ. ولكن يهوه أراد لها أن ترفع من أوضاع الخطأ وتوضع في إطار الحق. وهذا العمل لا يمكن أن تقوم به غير يد يهوه. إن الحق إذ ارتبط بالباطل كان يخدم أغراض عدو يهوه والإنسان. وقد أتى المسيا ليضعه في الوضع الذي فيه يمجد يهوه ويعمل على خلاص البشرية.
"السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ، لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ" هذا ما قاله يهوشوه في (مرقس 2: 27). إن التشريعات التي قد وضعها يهوه هي لخير بني الإنسان: "لأَنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ هِيَ مِنْ أَجْلِكُمْ"، "أَبُولُسُ، أَمْ أَبُلُّوسُ، أَمْ صَفَا، أَمِ الْعَالَمُ، أَمِ الْحَيَاةُ، أَمِ الْمَوْتُ، أَمِ الأَشْيَاءُ الْحَاضِرَةُ، أَمِ الْمُسْتَقْبَلَةُ. كُلُّ شَيْءٍ لَكُمْ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فاللمسيا ، والمسيا ليهوه" (2 كورنثوس 4: 15؛ 1 كورنثوس 3: 22 ،23). إن الوصايا العشر التي من بينها شريعة السبت أعطاها يهوه لشعبه كبركة. قال موسى: "فَأَمَرَنَا يهوه أَنْ نَعْمَلَ جَمِيعَ هذِهِ الْفَرَائِضَ وَنَتَّقِيَ يهوه إِلهَنَا، لِيَكُونَ لَنَا خَيْرٌ كُلَّ الأَيَّامِ، وَيَسْتَبْقِيَنَا كَمَا فِي هذَا الْيَوْمِ" (تثنية 6: 24). ثم أعطيت الرسالة لإسرائيل على لسان المرنم وهي تقول: "اعْبُدُوا يهوه بِفَرَحٍ. ادْخُلُوا إِلَى حَضْرَتِهِ بِتَرَنُّمٍ. اعْلَمُوا أَنَّ يهوه هُوَ الإله. هُوَ صَنَعَنَا، وَلَهُ نَحْنُ شَعْبُهُ وَغَنَمُ مَرْعَاهُ. ادْخُلُوا أَبْوَابَهُ بِحَمْدٍ، دِيَارَهُ بِالتَّسْبِيحِ. احْمَدُوهُ، بَارِكُوا اسْمَهُ" (مزمور 100: 2-4). وقد أعلن يهوه قائلا:"كُلُّ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ السَّبْتَ لِئَلاَّ يُنَجِّسُوهُ ... آتِي بِهِمْ إِلَى جَبَلِ قُدْسِي، وَأُفَرِّحُهُمْ فِي بَيْتِ صَلاَتِي" (إشعياء 56: 6، 7).
يوم يهوه
"إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ سيد السَّبْتِ أَيْضًا" (لوقا 6: 15). إن هذه الكلمات مليئة بالتعليم والعزاء. فلكون السبت قد جعل لأجل الإنسان فهو يوم يهوه. إنه ملك المسيا الذي "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يوحنا 1: 3) . وبما أنه خلق كل الأشياء، إذا فهو خالق السبت أيضا. فلقد أفرزه ليكون مذكرا بعمل الخلق، ويشير إليه كالخالق والمقدس. وهو يعلمنا أن ذاك الذي خلق كل ما في السماء وما في الأرض وفيه يقوم الكل هو رأس الكنيسة وبقوته قد صولحنا مع يهوه. لأنه إذ يتكلم عن إسرائيل يقول: "وَأَعْطَيْتُهُمْ أَيْضًا سُبُوتِي لِتَكُونَ عَلاَمَةً بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، لِيَعْلَمُوا أَنِّي أَنَا الرَّبُّ مُقَدِّسُهُمْ" أي أجعلهم مقدسين (حزقيال 20: 12). إذا فالسبت هو علامة أو رمز لقدرة المسيا على أن يجعلنا مقدسين. والسبت كرمز لقوته المقدسة أعطي لكل من قد صاروا جزءا من شعب يهوه بواسطة المسيا.
وقد قال يهوه: "إِنْ رَدَدْتَ عَنِ السَّبْتِ رِجْلَكَ، عَنْ عَمَلِ مَسَرَّتِكَ يَوْمَ قُدْسِي، وَدَعَوْتَ السَّبْتَ لَذَّةً، وَمُقَدَّسَ يهوه مُكَرَّمًا ... فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ تَتَلَذَّذُ بيهوه" (إشعياء 58: 13، 14). فكل من يقبلون السبت رمزا لقدرة المسيا الخالقة والفادية سيكون السبت لذة لهم. فإذ يرون المسيا فيه يتلذذون به، السبت يوجه أنظارهم إلى أعمال الخلق كبرهان على قدرته العظيمة في الفداء. ففي حين أنه يعيد إلى الأذهان ذكرى السلام المفقود في عدن فهو يخبرنا عن السلام المسترد لنا في المخلص. وكل أعمال الطبيعة تردد دعوته القائلة: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (متى 11: 28).
إذا راجعنا الكتاب المقدّس من بداءة التكوين إلى سفر الرؤيا نجد أنّ اليوم الوحيد المُعترف بقداسته هو اليوم السابع الذي فيه استراح يهوه. وهذا هو اليوم الذي أعلن على جبل سيناء لبني إسرائيل (نحميا 9: 13، 14). وهذا هو اليوم الذي حفظه يهوشوه المسيا ورسله. وهذا هو اليوم الذي سيحفظه المفديّون في السماء طوال فترة الأبدية (إشعياء66: 22، 23).
أمر السيّد يهوشوه تلاميذه أن يصلوا وهو عالم أن خراب أورشليم لا يتم إلاّ بعد صعوده بنحو أربعين سنة، فقال: "وصلوا لكي لا يكون هربكم في شتاء و لا في سبت" (متى 24: 20). كان خراب أورشليم على يدّ تيطس في سنة 70 ميلاديا ولكنّ المسيحيين هربوا قبل ذلك التاريخ بثلاث سنوات ونصف أي في تشرين الأول (أكتوبر) سنة 66م. وكان هذا عقب انسحاب سيستوس الفجائي مع جيشه. تطلّع السيّد المسيا مشفقاً، إلى الصعوبات التي لابدّ أن يلاقيها التلاميذ في حالة هربهم يوم شتاء فنصحهم أن يصلّوا طالبين إلى يهوه لكي يدبّر الأمور بحيث لا يقع هربهم في المطر المزعج. كذلك نظر إلى قدسيّة السبت باحترام وإلى ارتباك القلوب واضطرابها فيما إذا وقع هرب المؤمنين في يوم سبت، فأرشد التلاميذ إلى الصلاة لكي ينجوا من ضرورة الهرب في ذلك اليوم. لم يقُلّ السيد المسيا أنّ الفرار يوم السبت يشكل عليهم خطيّة -كلاّ- لكنّه أراد بذلك أن يبيّن شدّة احترامه للشريعة وعظم محبّته للمؤمنين لكي لا يُحرموا من بركات الراحة الأسبوعيّة.
لاحظ أنّ اليوم الأوّل من الأسبوع قد ورد ذكره ستّ مرّات فقط في الأناجيل الأربعة وكلّها تشير إلى اليوم الذي فيه قام المسيا من الأموات (اقرأ متى 28: 1؛ مرقس 16: 2، 9؛ لوقا 24: 1؛ يوحنا 20: 1، 19) ومرة واحدة في (أعمال 20: 7) ومرة ثانية في (1 كورنثوس 16: 2) ولسنا نجد أيّ إشارة في المرّتين الأخيرتين إلى التغيير. ففي الأولى نصّ على اجتماع دينّي عقده بولس قبل سفره ليودّع الإخوة، وفي الثانية حثّ المؤمنين لخزن ما تيسّر لديهم في أوّل الأسبوع لأجل مساعدة الفقراء في اليهوديّة وأورشليم. لذلك نرى أنّ سبت العهد الجديد هو هو سبت العهد القديم وأنّه لم يرد أيّ تعليم في العهد الجديد يشير إلى استبدال اليوم السابع باليوم الأوّل من الأسبوع.
(المرجع لهذا الدرس كتاب مشتهى الأجيال، صفحة 257-265).


 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
3
30
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
06
24
Calendar App