12. الوصايا العشر
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس السبت الحالي "Saturday". يجب أيضا الأخذ في الاعتبار أن السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الجريجوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائما في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر، الأمر الذي لا يستطيع أن يفعله أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.

بعد حلول الشعب في سيناء حالا دعي موسى لمقابلة يهوه في الجبل، فجعل يتسلق وحده ذلك الطريق الصاعد الوعر، واقترب من السحابة التي دلت على مكان حضور الإله (يهوه). كان بنو إسرائيل مزمعين أن يدخلوا في علاقة خاصة قريبة بيهوه العلي، وأن يتحدوا معا ككنيسة وأمة تحت حكم يهوه. وهذه هي الرسالة التي أمر يهوه موسى أن يبلغها الشعب:

"أَنْتُمْ رَأَيْتُمْ مَا صَنَعْتُ بِالْمِصْرِيِّينَ. وَأَنَا حَمَلْتُكُمْ عَلَى أَجْنِحَةِ النُّسُورِ وَجِئْتُ بِكُمْ إِلَيَّ. فَالآنَ إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي، وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. فَإِنَّ لِي كُلَّ الأَرْضِ. وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً" (انظر خروج 19).

عاد موسى إلى المحلة وإذ استدعى شيوخ إسرائيل ردد على مسامعهم رسالة يهوه فكان جوابهم: "كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ يهوه نَفْعَلُ" وهكذا دخلوا في عهد مقدس مع يهوه وقطعوا على أنفسهم عهدا أن يقبلوه سيدا عليهم، وبموجب هذا العهد صاروا، بمعنى خاص، رعايا تحت سلطانه.
بعد ذلك صعد قائدهم إلى الجبل مرة أخرى، فقال له يهوه: "هَا أَنَا آتٍ إِلَيْكَ فِي ظَلاَمِ السَّحَابِ لِكَيْ يَسْمَعَ الشَّعْبُ حِينَمَا أَتَكَلَّمُ مَعَكَ، فَيُؤْمِنُوا بِكَ أَيْضًا إِلَى الأَبَدِ" حين كانت تصادفهم في الطريق صعوبات كانوا يعمدون إلى التذمر على موسى وهارون وكانوا يتهمونهما بأنهما يقودان جماهير إسرائيل إلى الهلاك. لذلك أراد يهوه أن يكرم
موسى أمامهم لكي يقودهم ذلك إلى الثقة بإرشاداته.
ولقد أراد يهوه أن يجعل فرصة النطق بالشريعة منظر جلال رهيب ليكون ذلك متمشيا مع صفة الشريعة السامية، وكان لابد للشعب من أن يقتنع أن كل ما يتعلق بعبادة يهوه وخدمته ينبغي أن ينظر إليه بكل وقار واحترام. وقد قال يهوه لموسى: "اذْهَبْ إِلَى الشَّعْبِ وَقَدِّسْهُمُ الْيَوْمَ وَغَدًا، وَلْيَغْسِلُوا ثِيَابَهُمْ، وَيَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْيَوْمِ الثَّالِثِ. لأَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَنْزِلُ يهوه أَمَامَ عُيُونِ جَمِيعِ الشَّعْبِ عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ"، ففي أثناء هذه الأيام كان ينبغي للجميع أن يشغلوا وقتهم في الاستعداد المقدس للظهور أمام يهوه، وأن تكون أشخاصهم وثيابهم مطهرة من كل نجاسة. وإذ يشير موسى إلى خطاياهم كان لا بد لهم من تكريس نفوسهم للتذلل والصوم والصلاة، لكي تتطهر قلوبهم عن الإثم.
تمت كل الاستعدادات طبقا للأوامر، وإطاعة لأمر آخر أشار موسى عليهم بإقامة حدود حول الجبل حتى لا يتعدى إنسان أو بهيمة ذلك النطاق المقدس، فالذي يتطاول ويمس الجبل فجزاؤه الموت في الحال.
وفي صبيحة اليوم الثالث إذ اتجهت أنظار الشعب نحو الجبل رأوا قمته مغطاة بسحابة ثقيلة زادت سوادا وكثافة وانحدرت إلى أسفل حتى لفت الجبل كله بظلمة وغموض رهيب، وحينئذ سمع صوت كصوت بوق يدعو الشعب لملاقاة يهوه، ثم قادهم موسى إلى أسفل الجبل، ومن الظلمة الداجية لمعت البروق بينما سمع صوت هزيم الرعود التي رددت صداها الجبال المجاورة. "وَكَانَ جَبَلُ سِينَاءَ كُلُّهُ يُدَخِّنُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ يهوه نَزَلَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ، وَصَعِدَ دُخَانُهُ كَدُخَانِ الأَتُونِ، وَارْتَجَفَ كُلُّ الْجَبَلِ جِدًّا"، وكان "مَجْدِ يهوه كَنَارٍ آكِلَةٍ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ" أمام عيون ذلك الجمهور المجتمع "فَكَانَ صَوْتُ الْبُوقِ يَزْدَادُ اشْتِدَادًا جِدًّا" وكانت علائم حضور يهوه مرعبة جدا بحيث ارتجفت خوفا كل جماعة إسرائيل وسقطوا على وجوههم أمام يهوه، بل حتى موسى نفسه صرخ قائلا: "أَنَا مُرْتَعِبٌ وَمُرْتَعِدٌ" (عبرانيين 12: 21).
أما الآن فانقطعت الرعود، ولم يعد صوت البوق يسمع وسكتت الأرض، فكانت هنالك فترة صمت رهيب، وحينئذ سمع صوت يهوه، وإذ تكلم يهوه من وسط الضباب المحيط به حين وقف على الجبل محاطا بحاشية من الملائكة أعلن شريعته. وإن موسى حين وصف ذلك المنظر قال: "جَاءَ يهوه مِنْ سِينَاءَ، وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ رِبْوَاتِ الْقُدْسِ، وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لَهُمْ. فَأَحَبَّ الشَّعْبَ. جَمِيعُ قِدِّيسِيهِ فِي يَدِكَ، وَهُمْ جَالِسُونَ عِنْدَ قَدَمِكَ يَتَقَبَّلُونَ مِنْ أَقْوَالِكَ" (تثنية 33: 2، 3) .
إن يهوه قد أعلن نفسه ليس فقط في ذلك الجلال الرهيب، جلال القاضي والمشترع، بل كالحارس الرحيم لشعبه، فقال: "أَنَا يهوه إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ" (خروج 20: 2). فذاك الذي قد عرفوه كمرشدهم ومنقذهم، والذي قد أخرجهم من مصر فاتحا لهم طريقا في وسط البحر والذي أغرق فرعون بجيوشه، والذي أعلن نفسه، مبرهنا على أنه أعظم من كل آلهة مصر-هو الذي يكلمهم الآن معلنا شريعته .
إن الشريعة لم تعلن في هذا الوقت لأجل فائدة العبرانيين دون سواهم، لقد أكرمهم يهوه بأن جعلهم حراسا وحفاظا على شريعته، ولكن كان ينبغي أن تعتبر كأمانة مقدمة عندهم لأجل كل العالم. إن الوصايا العشر تلائم كل بني الإنسان، وقد أعطيت لأجل تعليم الجميع وحكم الجميع. إن الوصايا العشر التي هي مختصرة وشاملة وذات سلطان تشمل واجبات الإنسان نحو يهوه إلهه ونحو إخوته بني الإنسان، وهي كلها مبنية على مبدأ المحبة كأساس "تُحِبُّ يهوه إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ" (لوقا 10: 27؛ تثنية 6: 4، 5؛ لاوين 19: 18) في الوصايا العشر نجد هذه المبادئ مذكورة بأسباب ومنطبقة على أحوال الإنسان وظروفه.
"لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي" (خروج 20: 3-17).
إن يهوه السرمدي الذاتي الوجود غير المخلوق، الذي هو نفسه أصل الكل وعلة وجود الكل وعائل الكل، هو وحده الذي يحق أن يقدم له أعظم إكرام وعبادة. والإنسان منهي عن أن يعطي لأي شخص أو أي شيء آخر المكان الأول من محبته أو عواطفه أو خدمته. فكل ما نحبه مما يجعلنا نقلل من محبتنا ليهوه أو يعطل خدمتنا التي يجب أن نقدمها له نجعله بذلك إلها لنا.
"لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ."
إن الوصية الثانية تنهانا عن عبادة الإله الحقيقي بواسطة التماثيل أو الصور. إن أمما وثنية كثيرة ادعت أن تماثيلها كانت مجرد رموز أو صورا يُعبد بها الإله، ولكنه تعالى أعلن أن مثل هذه العبادة خطية. إن محاولة تشبيه الإله السرمدي بأشياء مادية يحط من تفكير الإنسان عن يهوه. والعقل إذ ينحرف عن كمال السُيد غير المحدود لابد من أن ينجذب إلى المخلوق دون الخالق. وحيث قد انحطت أفكاره عن يهوه فلابد أن ينحط هو نفسه.
"أَنَا يهوه إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ" إن العلاقة الوثيقة المقدسة بين يهوه وشعبه ممثلة في صورة زواج. فلكون عبادة الأوثان هي زنى روحي فإن غضب يهوه عليها يليق بأن يدعى غيرة.
"أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ" لا مفر للأبناء من أن يقاسوا من جراء نتائج أخطاء آبائهم، ولكنهم لا يعاقبون على جرائم آبائهم إلا إذا شاركوهم في خطاياهم، ومع ذلك فمن المألوف أن الأولاد يسيرون في أثر خطوات آبائهم. فالأبناء يشاركون آباءهم في خطيتهم بالوراثة والقدوة. إن الأميال الخاطئة والشاهية المفسدة والأخلاق المنحلة، وكذلك الأمراض الجسدية والانحطاط -كل هذه تنتقل كميراث من الأب إلى ابنه إلى الجيل الثالث والرابع. هذا الحق الخطر ينبغي أن يكون رادعا قويا يمنع الناس من السير في طريق الخطية.
"وَأَصْنَعُ إِحْسَانًا إِلَى أُلُوفٍ مِنْ مُحِبِّيَّ وَحَافِظِي وَصَايَايَ" إن الوصية الثانية إذ تنهانا عن عبادة الآلهة الكاذبة تحتم علينا، ضمنا، أن نعبد الإله الحقيقي، وهو يعد بأنه يصنع إحسانا لكل الأمناء، ليس فقط إلى الجيل الثالث والرابع كما هدد بالغضب مبغضيه، بل إلى ألوف الأجيال.
"لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ يهوه إِلهِكَ بَاطِلاً، لأَنَّ يهوه لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلاً."
إن هذه الوصية لا تنهانا فقط عن الأقسام الكاذبة والحلف العادي، ولكنها تنهانا أيضا عن استخدام اسم يهوه بكيفية طائشة في عدم مبالاة، بدون توقير لذلك الاسم المخوف. إننا نهين يهوه حين نذكر اسمه بدون توقير في أحاديثنا العادية، وحين نستشهد به في الأمور التافهة، وحين نكرر اسمه مرارا بدون تفكير. "قُدُّوسٌ وَمَهُوبٌ اسْمُهُ" (مزمور 111: 9). ينبغي لكل الناس أن يتأملوا في جلاله وطهارته وقداسته حتى ينطبع على القلب شعور بصفاته السامية، وينبغي أن ينطقوا باسمه القدوس بكل خشوع ووقار.
"اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ. سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ ليهوه إِلهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ. لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ يهوه السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ. لِذلِكَ بَارَكَ يهوه يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ."
إن السبت لم يذكر هنا على أنه تشريع جديد بل على أن أساسه قد وضع عند بدء الخليقة. فينبغي أن يذكر ويحفظ كتذكار لعمل الخالق. وإذ أشار إلى يهوه كصانع السماوات والأرض فهو يميز بين يهوه والآلهة الكاذبة. فالذين يحفظون اليوم السابع يبرهنون بهذا على أنهم عبدة الإله (يهوه). وهكذا نرى أن السبت هو علامة ولاء الإنسان ليهوه طالما وجد على الأرض من يعبدونه. إن الوصية الرابعة هي الوصية الوحيدة بين الوصايا العشر التي ذكر فيها اسم المشترع ولقبه، وهي الوصية الوحيدة التي ترينا بسلطة من أعطيت الشريعة. وهكذا هي تشتمل على ختم يهوه مضافا إلى شريعته، برهانا على قانونيتها وقوتها الملزمة.
لقد أعطى يهوه للناس ستة أيام فيها يمارسون أعمالهم. وهو يطلب منهم أن يعملوا أعمالهم في ستة أيام العمل. ثم أن أعمال الضرورة والرحمة مسموح بها في يوم السبت، إذ يجب العناية بالمتألمين والمرضى في كل الأوقات. أما الأعمال التي لا ضرورة لها فينبغي الامتناع عنها امتناعا باتا. "إِنْ رَدَدْتَ عَنِ السَّبْتِ رِجْلَكَ، عَنْ عَمَلِ مَسَرَّتِكَ يَوْمَ قُدْسِي، وَدَعَوْتَ السَّبْتَ لَذَّةً، وَمُقَدَّسَ ليهوه مُكَرَّمًا، وَأَكْرَمْتَهُ عَنْ عَمَلِ طُرُقِكَ وَعَنْ إِيجَادِ مَسَرَّتِكَ" (إشعياء 58: 13) ثم أن النهي لا ينتهي عند هذا الحد، بل يقول النبى: "وَالتَّكَلُّمِ بِكَلاَمِكَ" فأولئك الذين يتحدثون عن العمل أو شؤون التجارة أو يرسمون خططهم في يوم السبت هم معتبرون في نظر يهوه كأنهم يمارسون أعمالهم أو يعقدون صفقاتهم التجارية فعلا. فلكي نقدس السبت ينبغي ألا نسمح لعقولنا أن تفكر في أي شيء عالمي. ثم أن الوصية تشمل كل من في داخل أبوابنا، فكل سكان البيت عليهم أن يلقوا جانبا أشغالهم الدنيوية في أثناء الساعات المقدسة، وعلى الجميع أن يتحدوا في إكرام يهوه بخدمة طوعية في يومه المقدس.
"أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ يهوه إِلهُكَ."
الآباء يستحقون قدرا من المحبة والاحترام لا يستحقه أي شخص آخر. إن يهوه نفسه الذي وضع عليهم مسؤولية الاهتمام بالنفوس المسلمة لهم كعهدة بين أيديهم، رسم أنه في بكور حياة الأولاد، ينوب الوالدون عن يهوه أمام أولادهم، فذاك الذي يرفض السلطة الأبوية الشرعية إنما يرفض سلطان يهوه. والوصية الخامسة لا توجب على الأولاد أن يقدموا لوالديهم الإكرام والخضوع والطاعة وحسب، بل أيضا أن يقدموا لهم المحبة والرقة، ويخففوا من همومهم ويحرصوا على سمعتهم ويعزوهم في شيخوختهم، كما تحتم أيضا تقديم الإكرام للخدام والحكام وكل من قد قلدهم يهوه السلطان.
يقول الرسول: "... هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ" (أفسس 6: 2). وقد كانت هذه الوصية المصحوبة بالوعد، بالنسبة إلى بني إسرائيل الذين كانوا ينتظرون دخول كنعان بعد قليل، ضمانا للمطيعين بالعمر الطويل في تلك الأرض الشهية. ولكن لها معنى أوسع، إذ هي تشمل كل إسرائيل. يهوه وعدهم بالحياة الأبدية على الأرض حينما تتحرر من لعنة الخطية.
"لاَ تَقْتُلْ."
كل أعمال الظلم التي تفضي إلى تقصير العمر، وروح العداء والانتقام، أو الاندفاع في تيار الغضب الذي يؤدي إلى إيقاع الأذى والعدوان على الغير، أو حتى يجعلنا نتمنى لهم الضرر لأن "كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ" (1 يوحنا 3: 15) والإهمال الأناني في رعاية المحتاجين أو المتألمين، وكل انغماس وكل حرمان لا لزوم له، والإفراط في العمل الذي يفضي إلى الإضرار بالصحة -كل هذه الأمور تعتبر، إلى حد كبير أو صغير، نقضا للوصية السادسة.
"لاَ تَزْنِ."
هذه الوصية لا تنهى فقط عن الأعمال النجسة بل تنهى أيضا عن الأفكار والرغبات الشهوانية وكذلك الأعمال التي تثيرها. الطهارة مطلوبة ليس فقط في الحياة الخارجية بل أيضا في النيات الخفية وانفعالات القلب. إن المسيا يهوشوه الذي علمنا عن حقوق شريعة يهوه البعيدة المدى أعلن أن الفكر الشرير والنظرة الشهوانية كلاهما خطية كالفعل غير المشروع.
"لاَ تَسْرِقْ."
إن الخطايا العلنية والسرية متضمنة كلها في هذا النهي. إن الوصية الثامنة تنهى عن سرقة الناس والمتاجرة بالعبيد، وتنهى أيضا عن حروب الغزو. إنها تحرم اللصوصية والسرقة، وتتطلب الاستقامة الكاملة في أدق تفاصيل شؤون الحياة، وتنهى عن الاحتيال في التجارة، وتتطلب إيفاء الديون والأجور العادلة. وهي تعلن أن كل محاولة لاستغلال جهل الآخرين أو ضعفهم أو سوء حالهم تسجل في أسفار السماء على أنها احتيال.
"لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ."
الكلام الكاذب في أي أمر، وكل محاولة لمخاتلة القريب هي متضمنة هنا. إن نية الخداع هي ما تقرر الكذب. يمكن أن يكذب الإنسان بنظرة العين أو بحركة اليد أو بتعبير على الوجه كما يكذب بالكلام فعلا. وكل مبالغة مقصودة وكل تلميح أو تنويه يقصد به أن يحمل تأثيرا مخطئا أو مبالغا فيه، وحتى تقرير الحقائق بكيفية مضللة هو كذب. هذه الوصية تحرّم كل مسعى للإضرار بسمعة قريبنا بالتحريف أو سوء الظن، بالافتراء أو النميمة، وحتى حجز الحق وكبته عن قصد، الأمر الذي ينتج عنه ضرر للغير، هو نقض للوصية التاسعة.
"لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ."
إن الوصية العاشرة تضرب على أصل كل الخطايا، فهي تحرّم الرغبة أو الشهوة الأنانية التي تنشأ عنها الأعمال الخاطئة، فذاك الذي، امتثالا لشريعة يهوه، يمتنع عن التمادي حتى في الاشتهاء الخاطئ لما يملكه إنسان آخر لن يكون مجرما في ارتكاب خطأ نحو بني جنسه.
هذه هى الوصايا العشر التي سمعت من وسط الرعود والنار، في عرض عجيب لقدرة المشترع العظيم وجلاله. لقد قرن يهوه إعلان شريعته بإظهار قدرته ومجده حتى لا ينسى شعبه هذا المنظر أبدا، ولتنطبع في أذهانهم آثار التوقير العظيم لواضع الشريعة، خالق السماء والأرض. كما كان يريد أن يرى كل الناس قدسية شريعة يهوه وأهميتها ودوامها.
أما بنو إسرائيل فقد شملهم الرعب العظيم. إن قوة كلمات يهوه الرهيبة بدت أعظم مما تستطيع قلوبهم المرتجفة أن تحتمله، لأنه إذ بسطت أمامهم شريعة يهوه ، شريعة الحق والاستقامة تحققوا هول الخطية وشر آثامهم في نظر يهوه القدوس أكثر مما فعلوا قبلا. لقد تقهقروا بعيدا عن الجبل خوفا منهم ورهبة. وصرخ الجميع إلى موسى قائلين: "تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ. وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا يهوه لِئَلاَّ نَمُوتَ" فأجابهم قائدهم بقوله: "لاَ تَخَافُوا. لأَنَّ يهوه إِنَّمَا جَاءَ لِكَيْ يَمْتَحِنَكُمْ، وَلِكَيْ تَكُونَ مَخَافَتُهُ أَمَامَ وُجُوهِكُمْ حَتَّى لاَ تُخْطِئُوا" (خروج 20: 19-21) ومع ذلك فقد وقف الشعب من بعيد شاخصين برعب إلى ذلك المنظر. "أَمَّا مُوسَى فَاقْتَرَبَ إِلَى الضَّبَابِ حَيْثُ كَانَ يهوه."
إن عقول الشعب إذ كانت عمياء ومنحطة بسبب العبودية والوثنية لم تكن مهيأة لأن تقدر، التقدير الكامل، مبادئ وصايا يهوه العشر البعيدة المدى. فلكي تُفهم مطاليب الوصايا العشر وتُنفذ أعطيت وصايا إضافية لشرح مبادئ الوصايا العشر وتطبيقها. وقد سميت هذه الشرائع أحكاما، لأنها صيغت بحكمة وعدالة غير محدودة، ولأن القضاة كان عليهم أن يحكموا بموجبها. وهي، على خلاف الوصايا العشر، سلمت خاصة لموسى الذي كان عليه أن يبلغها للشعب.
وأول تلك الشرائع هي الخاصة بالعبيد. كان المجرمون في العصور القديمة يباعون أحيانا عبيدا بأمر القضاة، وفي بعض الحالات كان الدائنون يبيعون المدينين، وكان الفقر يدفع بعض الناس لأن يبيعوا أنفسهم أو أولادهم. ولكن العبراني لم يكن ليباع عبدا مدى الحياة. فقد كانت مدة خدمته كعبد لا تتجاوز ست سنين، وفي السنة السابعة كان يطلق حرا. أما سرقة الرجال والقتل العمد والتمرد على سلطة الآباء فكان قصاصها الموت، وكان يسمح لهم في الاحتفاظ بالعبيد من غير الإسرائيليين، ولكن كان يجب المحافظة على حياتهم وأشخاصهم، فمن قتل عبدا كان لابد من أن يتحمل القصاص، فإذا أوقع عليه سيده أي أذى حتى لو كان كسر سن من أسنانه كان يلتزم بأن يطلقه حرا.
لقد كان الإسرائيليون أنفسهم عبيدا منذ عهد قريب. فالآن بعد ما صار لهم الحق في اقتناء العبيد كان عليهم أن يحترسوا من مراعاة روح القسوة والاغتصاب التي كانوا قد قاسوا الأمرين منها على أيدي المسخرين المصريين. إن ذكرى عبوديتهم المريرة كان يجب أن تجعلهم يضعون أنفسهم في مكان العبيد، وتقودهم إلى الشفقة والرأفة، وأن يعاملوا الغير كما يريدون أن يُعامَلوا هم.
وقد روعيت حقوق الأرامل والأيتام بكيفية خاصة، وفرض على الشعب أمر الشفقة والعطف عليهم في عجزهم فيقول يهوه: "إِنْ أَسَأْتَ إِلَيْهِ فَإِنِّي إِنْ صَرَخَ إِلَيَّ أَسْمَعُ صُرَاخَهُ، فَيَحْمَى غَضَبِي وَأَقْتُلُكُمْ بِالسَّيْفِ، فَتَصِيرُ نِسَاؤُكُمْ أَرَامِلَ، وَأَوْلاَدُكُمْ يَتَامَى" (خروج 22: 23، 24) أما الغرباء الذين أرادوا أن يتحدوا مع إسرائيل فكان لا بد من حمايتهم من الظلم والعنف. "وَلاَ تُضَايِقِ الْغَرِيبَ فَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ نَفْسَ الْغَرِيبِ، لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ" (خروج 23: 9).
وقد حُرِّم عليهم أخذ رباً من الفقراء. إن ثوب الفقير أو غطاءه إذا أُخَذ كرهن ينبغي أن يعاد إليه في وقت الغروب. والمتهم في سرقة كان عليه أن يعوض ضعف ما سرقه. وقد فرض الشعب إكرام القضاة والحكام، وقدم للقضاة إنذار بألا يعوجوا القضاء بكونهم يساعدون في نجاح قضية كاذبة أو أن يقبلوا رشوة، كما حرم على الناس الافتراء والسعي بالوشاية، أما أعمال الشفقة فقد فرضت على الشعب حتى مع الأعداء.
وعاد يهوه يذكرهم مرة أخرى بوجوب تقديس السبت، وقد عينت لهم الأعياد السنوية. وفي أثناء هذه الأعياد كان على كل الرجال أن يجتمعوا أمام يهوه ويقدموا له تقدمات شكرهم وباكورات ثمار إنعاماته التي قد أغدقها عليهم. وقد أبان لهم الغرض من كل تلك الأنظمة، فلم يكن الدافع إليها مجرد فرض سلطة استبدادية، ولكن الغرض منها جميعها كان خير إسرائيل، ولقد قال يهوه: "وَتَكُونُونَ لِي أُنَاسًا مُقَدَّسِينَ" (خروج 22: 31) مستأهلين لأن يعترف بهم يهوه القدوس.
وكان على موسى أن يسجل هذه الشرائع ويحفظها بكل حرص لتكون أساس الشريعة القومية، مع الوصايا العشر التي قد وضعت الشرائع الأخرى لشرحها، والتي هي شرط إتمام مواعيد يهوه لإسرائيل. وهذه هي الرسالة التي قدمها لهم يهوه."هَا أَنَا مُرْسِلٌ مَلاَكًا أَمَامَ وَجْهِكَ لِيَحْفَظَكَ فِي الطَّرِيقِ، وَلِيَجِيءَ بِكَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَعْدَدْتُهُ. اِحْتَرِزْ مِنْهُ وَاسْمَعْ لِصَوْتِهِ وَلاَ تَتَمَرَّدْ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ لاَ يَصْفَحُ عَنْ ذُنُوبِكُمْ، لأَنَّ اسْمِي فِيهِ. وَلكِنْ إِنْ سَمِعْتَ لِصَوْتِهِ وَفَعَلْتَ كُلَّ مَا أَتَكَلَّمُ بِهِ، أُعَادِي أَعْدَاءَكَ، وَأُضَايِقُ مُضَايِقِيكَ" (خروج 23: 20-22) وطوال سني تجوال إسرائيل كان المسيا ممثلا في عمود السحاب وعمود النار قائدا لهم. وعندما كانت هنالك رموز تشير إلى مخلص آت كان هنالك أيضا مخلص حاضر وهو الذي كان يصدر أوامره لموسى ليبلغها للشعب، والذي وضع أمامهم على أنه المجرى الوحيد للبركة.
وبعد نزوله من الجبل "جَاءَ مُوسَى وَحَدَّثَ الشَّعْبَ بِجَمِيعِ أَقْوَالِ يهوه وَجَمِيعِ الأَحْكَامِ، فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ وَقَالُوا: كُلُّ الأَقْوَالِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا يهوه نَفْعَلُ" (انظر خروج 24) فهذا التعهد مع كلام يهوه الذي جعلهم تحت التزام الطاعة كتبه موسى في كتاب.
وتبع ذلك المصادقة على العهد. فقد بني مذبح عند أسفل الجبل وأقيم إلى جواره اثنا عشر عمودا "لأَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ" شهادة على قبولهم للعهد. وأصعد المحرقات فتيان بني إسرائيل الذين كانوا قد اختيروا للقيام بهذه الخدمة.
وبعدما رشَّ موسى دم الذبائح على المذبح "أَخَذَ كِتَابَ الْعَهْدِ وَقَرَأَ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ" وهكذا تكررت شروط العهد بكل وقار، وكان للشعب الحرية الكاملة للاختيار بين الامتثال وعدم الامتثال لتلك الشروط. كانوا في البداءة قد وعدوا بأن يطيعوا صوت يهوه، ولكنهم كانوا منذ ذلك الحين قد سمعوا الشريعة وهي تعلن على مسامعهم، وقد فصلت مبادئها أمامهم لكي يعرفوا فحوى مشتملات ذلك العهد الذي طلب منهم الامتثال له. ومرة أخرى أجاب الشعب بالإجماع قائلين: "كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ يهوه نَفْعَلُ وَنَسْمَعُ لَهُ" (انظر خروج 24) "لأَنَّ مُوسَى بَعْدَمَا كَلَّمَ جَمِيعَ الشَّعْبِ بِكُلِّ وَصِيَّةٍ بِحَسَبِ النَّامُوسِ، أَخَذَ دَمَ ... وَرَشَّ الْكِتَابَ نَفْسَهُ وَجَمِيعَ الشَّعْبِ، قَائِلاً: هذَا هُوَ دَمُ الْعَهْدِ الَّذِي أَوْصَاكُمُ يهوه بِهِ" (عبرانيين 9: 19، 20).
أجريت الترتيبات الآن لتثبيت الأمة المختارة تثبيتا كاملا تحت سلطان يهوه ملكا لهم، وسمع موسى أمر يهوه قائلا له: "اصْعَدْ إِلَى يهوه أَنْتَ وَهَارُونُ وَنَادَابُ وَأَبِيهُو، وَسَبْعُونَ مِنْ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ، وَاسْجُدُوا مِنْ بَعِيدٍ. وَيَقْتَرِبُ مُوسَى وَحْدَهُ إِلَى يهوه " فبينما سجد الشعب في أسفل الجبل فهؤلاء الرجال المختارون صعدوا فوقه. لقد كان على الشيوخ السبعين أن يساعدوا موسى في حكم إسرائيل، ووضع يهوه عليهم روحه، وأكرمهم بأن أراهم لمحة من قدرته وعظمته، "وَرَأَوْا إِلهَ إِسْرَائِيلَ، وَتَحْتَ رِجْلَيْهِ شِبْهُ صَنْعَةٍ مِنَ الْعَقِيقِ الأَزْرَقِ الشَّفَّافِ، وَكَذَاتِ السَّمَاءِ فِي النَّقَاوَةِ" إنهم لم يروا اللاهوت بل رأوا مجد حضوره. ما كان يمكنهم قبل ذلك أن يحتملوا منظرا كهذا، ولكن إظهار قدرة يهوه ملأهم هيبة وقادهم إلى التوبة. لقد ظلوا يتأملون في مجده وطهارته ورحمته حتى أمكنهم الاقتراب أكثر إلى ذاك الذي كان موضوع تأملاتهم.
دعي موسى "وَيَشُوعُ خَادِمُهُ" لملاقاة يهوه، وحيث أنهما كانا سيقضيان بعض الوقت هناك فقد عين ذلك القائد، هارون وحور يساعدهما الشيوخ لينوبوا عنه في أثناء غيابه "فَصَعِدَ مُوسَى إِلَى الْجَبَلِ، فَغَطَّى السَّحَابُ الْجَبَلَ، وَحَلَّ مَجْدُ يهوه عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ" فغطى السحاب الجبل مدة ستة أيام علامة على حضور يهوه الخاص، ومع ذلك فلم يكن هنالك إعلان لذاته أو تبليغ لإرادته، وفي خلال هذه المدة ظل موسى منتظرا دعوة إلى حضرة العلي، وقد أمره يهوه قائلا: "اصْعَدْ إِلَيَّ إِلَى الْجَبَلِ، وَكُنْ هُنَاكَ" ومع أن صبر موسى وطاعته كانا يجتازان في امتحان فهو لم يتضجر من السهر ولا بارح مكانه. إن فترة الانتظار هذه كانت له فرصة استعداد وامتحان دقيق لنفسه. حتى خادم يهوه المحبوب هذا لم يستطع الاقتراب مباشرة إلى يهوه واحتمال مظاهر مجده، فلقد كان بحاجة إلى ستة أيام ليكرس نفسه ليهوه بفحصه لقلبه وبالتأمل والصلاة قبلما أمكنه التأهب للاتصال المباشر بخالقه.
وفي اليوم السابع الذي وافق يوم سبت دعي موسى إلى السحابة وانفتحت السحابة أمام عيون كل إسرائيل وكان منظر مجد يهوه كنار آكلة، "وَدَخَلَ مُوسَى فِي وَسَطِ السَّحَابِ وَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ. وَكَانَ مُوسَى فِي الْجَبَلِ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً" إن الأربعين يوما التي قضاها موسى في الجبل مع يهوه لم تشمل ستة أيام الاستعداد. في أثناء الستة الأيام كان يشوع مع موسى وكانا كلاهما يأكلان من المن ويشربان من "الجدول الذي كان ينبع من الجبل" ولكن يشوع لم يدخل في السحابة مع موسى بل ظل في الخارج وكان يأكل ويشرب كل يوم وهو منتظر عودة موسى، ولكن موسى ظل صائما مدة الأربعين يوما.
إن موسى في أثناء بقائه في الجبل تلقى تعليمات من يهوه بشأن بناء مقدس يتجلى فيه يهوه بكيفية خاصة، إذ يقول: "فَيَصْنَعُونَ لِي مَقْدِسًا لأَسْكُنَ فِي وَسَطِهِمْ" (خروج 25: 8) هكذا أمر يهوه. وللمرة الثالثة ذكر أمر يهوه الخاص بتقديس يوم السبت، فلقد أعلن يهوه قائلا: "هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلاَمَةٌ إِلَى الأَبَدِ"، "لِتَعْلَمُوا أَنِّي أَنَا يهوه الَّذِي يُقَدِّسُكُمْ، فَتَحْفَظُونَ السَّبْتَ لأَنَّهُ مُقَدَّسٌ لَكُمْ ... إِنَّ كُلَّ مَنْ صَنَعَ فِيهِ عَمَلاً تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ بَيْنِ شَعْبِهَا" (خروج 31: 13، 14، 17) وكان موسى قد تلقى أوامر من يهوه بأن يسرع بإقامة خيمة لأجل خدمة يهوه، والآن كان يمكن أن يستنتج الشعب، لأن غايتهم من هذا العمل هي مجد يهوه، ولحاجتهم القصوى إلى مكان للعبادة، أنه يسمح لهم بأن يقوموا بهذا العمل في يوم السبت، فلكي يحال بينهم وبين ارتكاب ذلك الخطأ أعطي لهم الإنذار أنه حتى نفس قدسية ذلك العمل الخاص واضطرارهم للقيام به ليهوه خاصة بأسرع ما يمكن -كل هذا ينبغي ألا يسوقهم إلى نقض يوم الراحة المقدس.
كان شعب إسرائيل سيكرمون منذئذ بحضور ملكهم، فلقد قال يهوه: "وَأَسْكُنُ فِي وَسَطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا"، "وَأَجْتَمِعُ هُنَاكَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَيُقَدَّسُ بِمَجْدِي" (خروج 29: 45،43)، هذا هو التأكيد الذي أعطي لموسى. وكرمز لسلطان يهوه وكبيان شامل لإرادته أعطيت لموسى نسخة من الوصايا العشر مكتوبة بإصبع يهوه نفسه على لوحي حجر (تثنية 9: 10؛ خروج 32: 15، 16) لكي يوضعا بكل إكرام وتقدير في المقدس الذي بعدما يقام سيكون مركز عبادة الأمة.
لقد رفع يهوه شأن بني إسرائيل من أمة من العبيد إلى أن صاروا أرفع من كل الشعوب، وخاصة لملك الملوك. فصلهم عن العالم ليستأمنهم على وديعة مقدسة، إذ أودع بين أيديهم شريعته، وقصد أنه عن طريقهم يحفظ معرفة ذاته بين الناس، وهكذا كان نور السماء سيشرق على عالم مكتنف بالظلام، وكان سيرتفع صوت يدعو الناس من كل الشعوب لأن يتركوا عبادة الأوثان ليعبدوا يهوه الحي. فإذا برهن بنو إسرائيل على أمانتهم على الوديعة المسلمة لهم فسيصيرون قوة في العالم. وسيكون يهوه حصنهم ويرفعهم فوق كل الأمم الأخرى، وعن طريقهم سيعلن نوره وحقه، وسيثبتون إلى جانب سلطته الحكيمة المقدسة كمثال لسمو عبادته فوق كل أشكال العبادة الوثنية.
(المرجع لهذا الدرس كتاب الآباء والأنبياء، صفحة 261-273).

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
13
29
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
03
27
افرحوا بالخالق في يوم قدسه. سبت مبارك.
Calendar App