18. ما هو المَقدِس؟
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

ان الآية الكتابية التي كانت من دون كل الآيات الاخرى اساس تعليم المجيء والعمود المركزي فيها هي الاعلان القائل: "إلى الفين وثلاث مئة صباح ومساء فيتبرأ [يتطهر] القدس" (دانيال 8: 14). كانت هذه الكلمات مألوفة لدى كل المؤمنين بقرب مجيء المسيا. وكانت آلاف الافواه تنطق بهذه النبوة وترددها على أنها كلمة سر ايمانهم. وقد أحس الجميع أن على الحوادث المنبأ بها في تلك النبوة تتوقف ابهج انتظاراتهم اشراقا وأعظم الآمال التي يحتضنونها. وقد بينا أن هذه الايام النبوية تنتهي في خريف عام 1844. فبالاشتراك مع باقي العالم المسيحي كان المجيئيون يعتقدون ان العالم او جزء منه هو القدس. وفهموا ان تبرئة القدس او تطهيره كان هو تطهير الارض بالنار في اليوم الاخير العظيم، وان هذا سيحدث في المجيء الثاني. ولهذا استنتجوا ان المسيا سيعود الى الارض في عام 1844.

ولكن الوقت المحدد مر ولم يظهر المسيا. وكان المؤمنون يعلمون ان كلمة يهوه لا تخيب ابدا، اذاً فلا بد أن يكون هنالك خطأ في تفسير النبوة، ولكن أين كان ذلك الخطأ؟ وكثيرون اندفعوا في طياشة لقطع عقدة المعضلة بانكار كون الـ 2300 يوم تنتهي في عام 1844. ولم يكن في المستطاع تبرير ذلك الا بالقول ان المسيا لم يأت في الوقت الذي انتظروه فيه. وقد تحاجوا قائلين انه لو كانت الايام النبوية تنتهي في عام 1844 لكان المسيا قد جاء ليطهر القدس بكونه يطهر الارض بالنار، وما دام لم يأتِ فلا يمكن أن تكون الايام قد انقضت.
فلو قُبل هذا الاستنتاج لكان معناه نبذ حساب الفترات النبوية. لقد وُجد ان ال 2300 يوم بدأت عند تنفيذ الامر الذي اصدره ارتحشستا بتجديد اورشليم وبنائها في خريف عام 457 ق.م. فاذ نجعل هذا التاريخ نقطة البدء يكون هنالك توافق تام في تطبيق كل الحوادث المنبأ بها في ايضاح تلك المدة المذكورة في (دانيال 9: 25-27). فالتسعة والستون اسبوعا أي ال 483 سنة، وهي الحقبة الاولى من ال 2300 سنة، كانت ستصل الى مسيا، المسيا، ومعموديته ومسحه بالروح القدس في سنة 27 للميلاد، وهذا تمم التحديد بكل دقة. وفي منتصف الاسبوع السبعين كان مسيا سيُقطع. فبعد معمودية المسيا بثلاث سنين ونصف عُلق على الصليب في ربيع عام 31 م. ان السبعين اسبوعا او ال 490 سنة كانت خاصة باليهود. وفي نهاية هذه المدة ختمت الامة على رفضها للمسيا باضطهاد تلاميذه (برجم استفانوس اول شهيد مسيحي في سنة 34 م)، فتوجه الرسل الى الامم في عام 34 م. ان انقضاء 490 سنة من 2300 سنة يُبقي 1810 سنين. فمن سنة 34 للميلاد تنتهي ال 1810 سنة عام 1844 م. وقد قال الملاك: "حينئذ يتبرأ [يتطهر] القدس". فكل تحديدات النبوة السابقة تمت بلا ريب في الوقت المحدد. وبهذا الحساب كان كل شيء واضحا ومتوافقا عدا هذا الامر وهو انه لم تقع فعلا اي حادثة مطابقة لتطهير القدس في عام 1844. ولكن كوننا ننكر ان الايام قد انتهت في ذلك التاريخ معناه اننا نلقي بالمسألة كلها في الارتباك وننبذ المواقف التي ثبتت بموجب اتمام النبوة الذي لا يخطئ.

يهوه قاد شعبه

لكنّ يهوه قاد شعبه في حركة المجيء العظيمة. فلقد لازمت قوته ومجده العمل، فلم يسمح ان ينتهي بالظلام وخيبة الآمال ويوصم بوصمة العار على انه اهتياج تعصبي كاذب. ولم يسمح ان يترك كلمته مكتنفة بالشك وعدم اليقين. ومع ان كثيرين هجروا حسابهم القديم للفترات التاريخية وانكروا صحة الحركة المبنية عليه، فان آخرين لم يرغبوا في نبذ نقاط الايمان والاختبار التي كانت تسندها كلمة يهوه وشهادة روحه. لقد اعتقدوا انهم اتخذوا مبادئ سليمة للتفسير في درسهم النبوات وانه يجب عليهم التمسك بالحقائق التي حصلوا عليها والسير على النهج نفسه الذي اعتمدوه في بحوثهم الكتابية. وبروح الصلاة الحارة راجعوا موقفهم ودرسوا الكتاب لاكتشاف خطئهم، فاذ لم يجدوا غلطة واحدة في الفترات النبوية ارشدهم يهوه الى فحص موضوع القدس باكثر دقة.

ففي بحثهم عرفوا انه لا يوجد نص في الكتاب او برهان يدعم الرأي القائل ان الارض هي القدس، وانما وجدوا في الكتاب شرحا وافيا لموضوع القدس وطبيعته وموقعه وخدماته، اذ كانت شهادة الكتَّاب القديسين واضحة ومفصلة بحيث تجعل المسألة مفهومة بلا شك ولا ابهام. وفي الرسالة الى العبرانيين يكتب بولس الرسول قائلاً: "ثم العهد الاول كان له ايضا فرائض خدمة والقدس العالمي. لانه نُصب المسكن الاول الذي يقال له القدس الذي كان فيه المنارة والمائدة وخبز التقدمة. ووراء الحجاب الثاني المسكن الذي يقال له قدس الاقداس فيه مبخرة من ذهب وتابوت العهد مغشى من كل جهة بالذهب الذي فيه قسط من ذهب فيه المن وعصا هرون التي افرخت ولوحا العهد. وفوقه كروبا المجد مظللين الغطاء" (عبرانيين 9: 1-5).

ان القدس الذي يشير اليه بولس هنا كان هو الخيمة التي اقامها موسى بأمر يهوه كالمسكن الارضي للعلي: "فيصنعون لي مقدسا لاسكن في وسطهم" (خروج 25: 8)، هذا ما أمر يهوه به موسى عندما كان يهوه في الجبل. كان الاسرائيليون مسافرين في البرية وكانت الخيمة مصنوعة بحيث يمكن نقلها من مكان الى مكان ومع ذلك فقد كانت مسكنا فخما جدا. لقد كانت جدران القدس مكونة من ألواح مستقيمة مغشاة بغشاء سميك من الذهب وموضوعة في قواعد من الفضة بينما كان السقف مكونا من جملة ستائر او اغطية متتابعة كانت اعلاها من الجلد اما الداخلية منها فكانت من الكتان المشغول بصنعة الكروبيم الجميلة. وفضلا عن الدار الخارجية التي كانت تحتوي على مذبح المحرقة كانت الخيمة نفسها مكونة من مسكنين يسمى احدهما القدس، والآخر قدس الاقداس يفصل بينهما حجاب او ستار جميل ثمين، وكان على باب المسكن الاول حجاب مشابه لهذا.

                                                                القدس


القدس وقدس الاقداس
وفي القدس كانت المنارة [الشمعدان] في جهة الجنوب ولها سبعة سرج لتنير القدس نهارا وليلا، اما في الشمال فكانت توجد مائدة خبز التقدمة، وامام الحجاب الذي يفصل القدس عن قدس الاقداس كان يوجد مذبح الذهب للبخور الذي كانت تصعد منه كل يوم سحابة البخور العطر امام يهوه.
وفي قدس الاقداس كان يوجد التابوت الذي كان عبارة عن صندوق من الخشب الثمين المغشى بالذهب، وفيه وُضع لوحا الحجر اللذان كتب يهوه عليهما الوصايا العشر. وكان فوق التابوت غطاء يسمى كرسي الرحمة، وكان قطعة من الصناعة الفخمة الجميلة، وفوق الغطاء كان كروبان كل منهما على احد طرفيه، وكل ذلك من الذهب الخالص. وفي هذا المسكن كان يعلن الحضور الالهي في سحابة المجد بين الكروبين.
هيكل سليمان
وبعدما سكن العبرانيون في أرض كنعان واستراحوا واستبدلت الخيمة بهيكل سليمان الذي كان بناء متينا دائما، وعلى مساحة اكبر، فقد روعيت فيه النسب نفسها ووضع فيه الاثاث نفسه الذي كان في الخيمة. على هذا الشكل كان الهيكل -إلا عندما صار خرابا في عهد دانيال- الى ان دمر بأيدي الرومان في سنة 70 للميلاد.
هذا هو القدس الوحيد الذي وجد على الارض والذي يخبرنا عنه الكتاب المقدس. وقد أعلن بولس أنه قدس العهد الاول. ولكن الا يوجد قدس للعهد الجديد؟
فاذ اتجه طالبو الحق مرة أخرى الى الرسالة الى العبرانيين اكتشفوا ان وجود مقدس ثانٍ او مقدس العهد الجديد كان متضمنا في قول بولس الذي اقتبسناه من قبل اذ يقول: "ثم العهد الاول كان له ايضا فرائض خدمة والقدس العالمي". ان استعمال كلمة "ايضا" يشير الى ان بولس قد سبق فذكر هذا القدس. فاذ عادوا الى أول الاصحاح السابق قرأوا هذا القول: "وأما رأس الكلام فهو ان لنا رئيس كهنة مثل هذا قد جلس في يمين عرش العظمة في السموات خادما للاقداس والمسكن الحقيقي الذي نصبه يهوه لا انسان" (عبرانيين 8: 1، 2).
هنا يُعلَن قدس العهد الجديد. لقد نصب الانسان القدس الاول الذي بناه موسى، أما هذا فقد بناه يهوه لا انسان. في القدس الاول كان الكهنة يمارسون خدماتهم، اما في هذا فيخدم المسيا رئيس كهنتنا عن يمين يهوه. كان المقدس الاول على الارض اما الآخر ففي السماء.
وفوق هذا، فالخيمة التي اقامها موسى كانت حسب مثال. فقد أمره يهوه قائلا: "بحسب جميع ما أنا أريك من مثال المسكن ومثال جميع آنيته هكذا تصنعون". وقد قدمت اليه الوصية مرة اخرى قائلة: "وانظر فاصنعها على مثالها الذي اظهر لك في الجبل" (خروج 25: 9 ، 40). وبولس يقول: ان المسكن الاول "رمز للوقت الحاضر الذي فيه تقدم قرابين وذبائح"، وان أماكنه المقدسة هي "أمثلة الاشياء التي في السموات"، وان الكهنة الذين يقدمون قرابين حسب الناموس كانوا يخدمون "شبه السماويات وظلها"، وان "المسيا لم يدخل الى اقداس مصنوعة بيد اشباه الحقيقية بل الى السماء عينها ليظهر الآن امام وجه يهوه لأجلنا" (عبرانيين 9: 9 ، 23؛ 8: 5؛ 9: 24).

الاصل العظيم

ان القدس الذي في السماء الذي يخدم فيه يهوشوه لاجلنا هو الاصل العظيم الذي كان القدس الذي بناه موسى على مثاله. لقد وضع يهوه روحه على الرجال الذين اقاموا القدس الارضي. فالمهارة الفنية التي استخدمت في صنعه كانت مظهرا لحكمة يهوه. كان للجدران مظهر الذهب الخالص، ومن كل جهة تنعكس عليه أنوار السرج السبعة للمنارة الذهبية. وكانت مائدة خبز التقدمة ومذبح البخور يلمعان كالذهب المصقول. والستارة الفاخرة البديعة التي كونت السقف والمشغولة بصور الملائكة بالاسمانجون والارجوان والقرمز، كل ذلك زاد من جمال المشهد. وخلف الحجاب الثاني كان الشكينا المقدس وهو مظهر مجد يهوه المنظور الذي لم يكن أحد غير رئيس الكهنة يدخل أمامه ويعيش.
ان بهاء المسكن الارضي الذي لا يبارى عكس أمام العيون البشرية امجاد ذلك الهيكل السماوي الذي فيه يخدم المسيا كسابق لأجلنا أمام عرش يهوه. انه المسكن الثابت الذي فيه ملك الملوك حيث الوف الوف تخدمه وربوات ربواتٍ وقوف قدامه (دانيال 7: 10)، ذلك الهيكل الممتلئ بمجد العرش الابدي حيث السرافيم حراسه اللامعون الذين يغطون وجوههم اكراما وتعبدا لم يستطيعوا ان يجدوا في افخم بناء اقامته يد انسان الا انعكاسا باهتا لعظمته ومجده. ومع ذلك فقد كانت توجد في القدس الارضي وخدماته حقائق مهمة للناس خاصة بالقدس السماوي والعمل العظيم الذي يجري فيه لفداء بني الانسان.
الاماكن المقدسة في القدس الذي في السماء يرمز اليها المسكنان اللذان في القدس الارضي. وقد رأى يوحنا الرسول في رؤيا منظر هيكل يهوه في السماء، فرأى "امام العرش سبعة مصابيح نار متقدة" (رؤيا 4: 5). وقد رأى ملاكا "معه مبخرة من ذهب وأعطي بخورا كثيرا لكي يقدمه مع صلوات القديسين جميعهم على مذبح الذهب الذي أمام العرش" (رؤيا 8: 3). لقد سمح للنبي بأن يرى المسكن الاول من القدس الذي في السماء، ورأى هناك "السبعة المصابيح التي من نار"، "ومذبح الذهب" اللذين كان يرمز اليهما المنارة ومذبح البخور اللذان في القدس الارضي. ومرة اخرى "انفتح هيكل يهوه" (رؤيا 11: 19) فتطلع في داخل الحجاب الداخلي الى قدس الاقداس. وهنا رأى "تابوت عهده" الذي كان يرمز إليه التابوت المقدس الذي صنعه موسى لتوضع فيه شريعة يهوه.
وجد الذين كانوا يدرسون الموضوع برهانا لا ينقض على وجود قدس في السماء. لقد صنع موسى القدس الارضي حسب مثال اظهر له. وقد علمنا بولس ان المثال هو القدس الحقيقي الذي في السماء. ويوحنا يشهد بأنه قد رآه في السماء.
في الهيكل الذي في السماء، مسكن يهوه، عرشه المثبت بالبر والعدل. وفي قدس الاقداس توجد شريعته، القانون العظيم للحق الذي به يختبر كل الجنس البشري. والتابوت الذي فيه حفظ لوحا الشريعة يغطيه الغطاء [كرسي الرحمة] الذي امامه يتوسل المسيا لاجل الخاطئ باستحقاق دمه. وهكذا يمثل اتحاد العدل بالرحمة في تدبير فداء الانسان. هذا الاتحاد لم يكن في وسع غير الحكمة الالهية غير المحدودة ان تبتكره وغير القدرة الالهية غير المحدودة ان تتممه. انه اتحاد يملأ قلوب كل سكان السماء بالدهشة والتمجيد ليهوه. يمثل الكروبان اللذان كانا في القدس الارضي ينظران بوقار الى كرسي الرحمة، الاهتمام الذي به يتأمل الاجناد السماويون في عمل الفداء. هذا هو سر الرحمة الذي تشتهي الملائكة ان تطلع عليه: ان يهوه يستطيع ان يكون بارا فيما يبرر الخاطئ التائب، وهو يجدد معاشرته لجنسنا الساقط وشركته معه، وان المسيا امكنه ان يتنازل ليرفع جماهير لا حصر لها من هاوية الهلاك ويلبسهم ثياب بره النقية ليجمع بينهم وبين الملائكة الذين لم يسقطوا قط، وليعيشوا الى الابد في حضرة يهوه.
نبوة جميلة
ان عمل المسيا، كشفيع ووسيط للانسان، مذكور في تلك النبوة الجميلة التي اوردها عنه زكريا: "الغصن اسمه ... فهو يبني هيكل يهوه... وهو يحمل الجلال ويجلس ويتسلط على كرسيه [كرسي ابيه]، ويكون كاهنا على كرسيه وتكون مشورة السلام بينهما كليهما" (زكريا 6: 12 ، 13).
"يبني هيكل يهوه". ان المسيا بذبيحته وشفاعته هو اساس كنيسة يهوه وبانيها. والرسول بولس يشير اليه على انه "حجر الزاوية الذي فيه كل البناء مركبا معا ينمو هيكلا مقدسا في يهوه. الذي فيه انتم ايضا مبنيون معا مسكنا ليهوه في الروح" (افسس 2: 20-22).
"يحمل الجلال". للمسيا مجد فداء جنسنا الساقط. فمدى دهور الابد ستكون انشودة المفديين هي هذه: "الذي احبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه ... له المجد والسلطان الى ابد الآبدين" (رؤيا 1: 5 ، 6).
"ويجلس ويتسلط على كرسيه ويكون كاهنا على كرسيه". ليس الآن "على كرسي مجده"، فملكوت المجد لم يؤت به بعد، فبعدما يكمل عمله كوسيط "يعطيه يهوه الاله كرسي داود ابيه ... ولا يكون لملكه نهاية" (لوقا 1: 32 ، 33). ان المسيا ككاهن هو الآن جالس مع الآب في عرشه (رؤيا 3: 21). فعلى كرسيه مع يهوه السرمدي يوجد ذاك الذي "احزاننا حملها وأوجاعنا تحملها"، الذي تجرب "في كل شيء مثلنا بلا خطيئة"، لكي يكون قادرا "ان يعين المجربين". "ان اخطأ احد فلنا شفيع عند الآب" (اشعياء 53: 4؛ عبرانيين 4: 15؛ 2: 18؛ 1 يوحنا 2: 1). ان شفاعته هي شفاعة الجسد المسحوق المطعون والحياة التي بلا عيب. فاليدان المثقوبتان والجنب المطعون والرجلان المشوَّهتان تتوسل لأجل الانسان الساقط الذي دُفع في فدائه هذا الثمن الذي لا يمكن تقديره.

"وتكون مشورة السلام بينهما كليها". ان محبة الآب، التي ليست اقل من محبة الابن، هي نبع خلاص الجنس الساقط الهالك. وقد قال يهوشوه لتلاميذه قبل انطلاقه: "ولست اقول لكم اني أنا اسأل الآب من اجلكم لان الآب نفسه يحبكم" (يوحنا 16: 26، 27). لقد كان يهوه"في المسيا مصالحا العالم لنفسه" (2 كورنثوس 5: 19). وفي الخدمة في القدس الاعلى "تكون مشورة السلام بينهما كليهما". "هكذا احب يهوه العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية" (يوحنا 3: 16).

ماهية المقدس

ان السؤال القائل: "ما هو القدس؟" نجد له جوابا واضحا في الكتاب. فكلمة "قدس"، كما هي مستعملة في الكتاب، تشير اولا الى الخيمة التي بناها موسى كمثال للسماويات، وتشير ثانيا الى "المسكن الحقيقي" في السماء الذي كان القدس الارضي يرمز اليه. وبموت المسيا انتهت الخدمة الرمزية. "فالمسكن الحقيقي" في السماء هو قدس العهد الجديد. وبما ان النبوة الواردة في (دانيال 8: 14) تتم في هذا النظام او هذا العهد، فلا بد ان يكون القدس الذي تشير اليه النبوة هو قدس العهد الجديد. ففي نهاية ال2300 يوم أي في عام 1844 لم يكن يوجد قدس على الارض مدى قرون عديدة. ان القول: "الى الفين وثلاث مئة صباح ومساء فيتبرأ [يتطهر] القدس" يشير بلا ريب الى القدس الذي في السماء.
ولكن يبقى اهم سؤال ينتظر الاجابة وهو: ما هو تطهير القدس؟ ان حقيقة وجود مثل هذه الخدمة في ارتباطها بالقدس الارضي منصوص عنها في اسفار العهد القديم. ولكن هل يمكن ان يكون في السماء ما يحتاج الى تطهير؟ ان ما ورد في (عبرانيين 9) يعلمنا بكل وضوح عن تطهير القدس الارضي والسماوي كليهما حيث يقول الرسول: "وكل شيء تقريبا يتطهر حسب الناموس بالدم، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة. فكان يلزم ان امثلة الاشياء التي في السموات تطهر بهذه [بدم الذبائح]، واما السماويات عينها فبذبائح افضل من هذه" (عبرانيين 9 : 22 ، 23)، اي دم المسيا الزكي الثمين.

تطهير القدس

ان التطهير في كلتا الخدمتين الرمزية والحقيقية ينبغي ان يتم بالدم، دم الذبائح في الخدمة الاولى ودم المسيا في الخدمة الثانية. فبولس يقرر ان السبب الذي لأجله يجب ان يتم التطهير بالدم هو أنه من دون سفك دم لا تحصل مغفرة. ان رفع الخطيئة وازالتها هو العمل الذي ينبغي انجازه، ولكن كيف يمكن ان تكون هنالك خطيئة متصلة بالقدس في السماء او على الارض؟ هذا ما يمكن ان نفهمه بالرجوع الى الخدمة الرمزية، لان الكهنة الذين كانوا يخدمون على الارض انما كانوا يخدمون "شبه السماويات وظلها" (عبرانيين 8: 5).
لقد كانت خدمة القدس الارضي تنحصر في قسمين، فالكهنة كانوا يخدمون كل يوم في القدس، بينما كان رئيس الكهنة يمارس مرة واحدة في السنة خدمة تكفيرية خاصة في قدس الاقداس لاجل تطهير القدس. ويوما بعد يوم كان الخاطئ التائب يأتي بذبيحته الى باب خيمة الاجتماع، واذ يضع يده على الذبيحة يعترف بخطاياه، وبهذه الطريقة الرمزية كانت خطاياه تنتقل منه الى الذبيحة البريئة. وبعد ذلك كانت الذبيحة تُذبح. والرسول يقول: "بدون سفك دم" لا تحصل مغفرة. "لان نفس الجسد هي في الدم" (لاويين 17: 11). ان شريعة يهوه التي كسرت تطلب حياة من قد خالفها. فكان الكاهن يأخذ الدم، وهو رمز الحياة التي خسرها الخاطئ الذي حملت الذبيحة ذنبه، الى القدس ويرشه أمام الحجاب الذي كان خلفه التابوت الذي يحتوي على الشريعة التي تعداها الخاطئ. فبهذا الطقس كانت الخطيئة، بواسطة الدم، تنتقل الى القدس بطريقة رمزية. وفي بعض الحالات لم يكن الدم يحمل الى القدس بيد الكاهن كما أمر موسى ابني هرون قائلا: "قد أعطاكما [يهوه] اياها لتحملا اثم الجماعة" (لاويين 10: 17). وكان كلا الطقسين يرمزان الى نقل الخطيئة من التائب الى القدس.

مثل هذا كان العمل الذي كان يمارس من يوم الى يوم على مدار السنة. وهكذا انتقلت خطايا اسرائيل الى القدس، وكانت الحاجة تتطلب القيام بعمل خاص لرفعها. لقد أمر يهوه بالتكفير عن كل من المسكنين المقدسين فقال: "فيكفر عن القدس من نجاسات بني اسرائيل ومن سيئاتهم مع كل خطاياهم وهكذا يفعل لخيمة الاجتماع القائمة بينهم في وسط نجاساتهم". كما كان ينبغي التكفير عن المذبح لكي "يطهره ويقدسه من نجاسات بني اسرائيل" (لاويين 16: 16 ، 19)

يوم الكفارة العظيم

وكان على الكاهن ان يدخل الى قدس الاقداس مرة في السنة في يوم الكفارة العظيم لأجل تطهير القدس. والعمل الذي كان يمارس هناك كان مكملا للخدمات التي كانت تقدم على مدار السنة. وفي يوم الكفارة كان يؤتى بتيسين من المعزى الى باب الخيمة، وكانت تلقى عليهما قرعتان "قرعة ليهوه وقرعة لعزازيل" (لاويين 16: 8). فالتيس الذي كانت تقع قرعته ليهوه كان يذبح كذبيحة خطيئة عن الشعب، وكان على الكاهن ان يأتي بدمه الى داخل الحجاب ويرش دمه على غطاء التابوت [كرسي الرحمة] وأمامه. وكان يجب ايضا أن يرش من الدم على مذبح البخور الذي كان امام الحجاب.
"ويضع هرون يديه على رأس التيس الحي ويقر عليه بكل ذنوب بني اسرائيل وكل سيئاتهم مع كل خطاياهم ويجعلها على رأس التيس ويرسله بيد من يلاقيه الى البرية. يحمل التيس عليه كل ذنوبهم الى ارض مقفرة" (لاويين 16: 21 ، 22). ولا يعود تيس عزازيل ثانية الى محلة اسرائيل. وكان يُطلب من الرجل الذي يرسله الى البرية ان يغتسل ويغسل ثيابه قبل عودته الى المحلة.
وكان القصد من هذا الطقس كله هو أن يطبع على عقول بني اسرائيل وقلوبهم حقيقة قداسة يهوه وكراهيته الخطيئة، واكثر من هذا ان يريهم انه لا يمكنهم ان يتصلوا بالخطيئة من دون ان يتنجسوا. وكان يطلب من كل انسان ان يذلل نفسه ويحزنها عندما تمارس عملية الكفارة هذه. كان ينبغي الاعتكاف عن كل الاعمال، وكان على كل جماعة اسرائيل ان يقضوا الوقت في التذلل المقدس امام يهوه بالصلاة والصوم وفحص القلب فحصا عميقا.

تعليم حقائق مهمة

وهنالك حقائق مهمة عن الكفارة يمكن تعلمها من الخدمة الرمزية: كان في المستطاع قبول بديل عن الخاطئ، لكنّ الخطيئة لم تكن تشطب بدم الذبيحة. لذلك قُدمت وسيلة بها كانت تنتقل الخطيئة الى القدس. فبتقديم الدم كان الخاطئ يعترف بسلطة الناموس، فيعترف بذنبه في تعديه، ويعرب عن شوقه الى الغفران بالايمان بفادٍ سيأتي، ولكنه لم يكن يتحرر تماما من دينونة الناموس. ففي يوم الكفارة بعدما كان رئيس الكهنة يأخذ ذبيحة من الجماعة كان يدخل الى قدس الاقداس بدم الذبيحة ويرشه على غطاء التابوت فوق الشريعة مباشرة لكي يقدم ترضيته عن مطالبها. وحينئذ ففي وظيفته كوسيط كان يأخذ الخطايا على نفسه ويحملها من القدس، واذ يضع يديه على رأس تيس عزازيل كان يعترف عليه بكل هذه الخطايا، وبذلك كان بطريقة رمزية ينقلها من نفسه الى التيس. وكان التيس يحملها بعيدا فتُعتبر قد انفصلت وابتعدت عن الشعب الى الابد.
هكذا كانت الخدمة تمارس على "شبه السماويات وظلها". وما كان يصنع بطريقة رمزية في خدمة القدس الأرضي يصنع حقيقة في خدمة القدس السماوي. ان مخلصنا بعد صعوده بدأ عمله كرئيس كهنتنا. فبولس يقول: "لان المسيا لم يدخل الى اقداس مصنوعة بيد اشباه الحقيقية بل الى السماء عينها ليظهر الآن امام وجه يهوه لاجلنا" (عبرانيين 9: 24).
ان خدمة الكاهن على مدار السنة في مسكن القدس الاول "داخل الحجاب"، الذي كان بابًا يفصل القدس عن الدار الخارجية، ترمز الى عمل الخدمة التي دخلها المسيا عند صعوده. لقد كان عمل الكاهن في الخدمة اليومية ان يقدم دم ذبيحة الخطيئة امام يهوه، كما كان يقدم البخور الصاعد مع صلوات اسرائيل. وهكذا تقدم المسيا باستحقاق دمه امام الآب لأجل الخطاة كما قدم امامه ايضا صلوات التائبين المؤمنين معطرة ببره. مثل هذا كان عمل الخدمة في مسكن القدس الاول في السماء.
وقد تبعه ايمان التلاميذ الى هناك عندما صعد المسيا من بينهم الى السماء بعيدا من انظارهم. هنا تركز رجاؤهم، ذلك الرجاء الذي قال عنه بولس: "كمرساة للنفس مؤتمنة وثابتة تدخل الى ما داخل الحجاب. حيث دخل يهوشوه كسابق لاجلنا صائرا ... رئيس كهنة الى الابد"، "وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة الى الاقداس فوجد فداء ابديا" (عبرانيين 6: 19، 20؛ 9: 12).
ولمدى ثمانية عشر قرنا ظل عمل الخدمة هذا في مسكن القدس الاول. وقد توسل دم المسيا لأجل المؤمنين التائبين وحصل لهم على الغفران والقبول لدى الآب، ومع ذلك فقد ظلت خطاياهم مسجلة في الاسفار. وكما ان في الخدمة الرمزية كان يوجد عمل كفارة في ختام السنة، كذلك قبل ان يكمَّل عمل المسيا لفداء الناس يوجد عمل كفارة لمحو الخطيئة وازالتها من القدس. فهذه هي الخدمة التي بدأت في نهاية ال2300 يوم. ففي ذلك الوقت دخل رئيس كهنتنا الى قدس الاقداس، كما قد سبق النبي دانيال وأنبأ بذلك، ليمارس آخر جزء من عمله المقدس، أي ليطهر القدس.

عمل الدينونة

وكما حدث قديما ان خطايا الشعب وضعت بالايمان على ذبيحة الخطيئة وبواسطة دمها انتقلت الخطيئة الى القدس الارضي بطريقة رمزية، كذلك في العهد الجديد تنتقل خطايا التائب وبالايمان توضع على المسيا وتنتقل فعلا الى القدس السماوي. وكما تم التطهير الرمزي للقدس الارضي بإزالة الخطايا التي كان قد تنجس بها كذلك يتم التطهير الفعلي للقدس السماوي بإزالة الخطايا المسجلة هناك او محوها. ولكن قبل ان يتم هذا ينبغي فحص الاسفار المسجلة فيها الخطايا للحكم في من هم الذين بواسطة التوبة عن الخطيئة والايمان بالمسيا يؤهلون لنوال بركات كفارته. ولذلك فتطهير القدس يشمل ايضا عملية فحص، عملية دينونة. وهذا العمل يجب انجازه قبل المجيء الثاني للمسيا لفداء شعبه. لانه عندما يأتي ستكون اجرته معه ليجازي كل واحد كما يكون عمله (رؤيا 22: 12).وهكذا رأى اولئك الذين اتبعوا نور الكلمة النبوية ان المسيا بدلا من المجيء الى الارض في نهاية ال2300 يوم في عام 1844 دخل الى قدس اقداس المقدس السماوي ليكمل عمل الكفارة الختامي استعدادا لمجيئه.

وقد رؤي ايضا انه في حين ان ذبيحة الخطيئة كانت ترمز الى المسيا كذبيحة، ورئيس الكهنة كان يرمز الى المسيا كوسيط، فان تيس عزازيل يرمز الى الشيطان مبتدع كل خطيئة والذي ستوضع عليه، نهائيا، خطايا التائبين الحقيقيين. وعندما ازال رئيس الكهنة الخطايا من القدس بفضل دم ذبيحة الخطيئة وضعها على تيس عزازيل. وعندما يزيل المسيا خطايا شعبه من القدس السماوي في نهاية خدمته بفضل دمه فسيضعها على الشيطان الذي، تنفيذا للحكم، ينبغي ان يتحمل القصاص الاخير. وقد ارسل تيس عزازيل الى ارض مقفرة على الا يعود ثانية الى جماعة اسرائيل. وهكذا سيُنفى الشيطان الى الابد من حضرة يهوه شعبه ويمحى من الوجود في الهلاك النهائي للخطيئة والخطاة.

(المرجع لهذا الدرس كتاب الصراع العظيم، صفحة 450-464).


حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
12
28
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
02
24
Calendar App