8. الاعـتراف
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

"من يكتم خطاياه لا ينجح ومن يقرّ بها ويتركها يرحم" (أمثال 28: 13). إذن فما يشترطه يهوه علينا، لكي يمنحنا رحمته ويهبنا عفوه وغفرانه، سهل وعادل ومعقول، فهو لا يطلب منا أمرًا يسوءنا أو يكدرنا، ولا يفرض علينا تجشّم الأسفار وركوب الأخطار لأداء حجّ أو بلوغ مزار، ولا يأمرنا بأن نقوم بأعمالٍ تقشّفية، وممارساتٍ تعذيبية، تكفيرًا عما اقترفناه من تعدّ وعصيان، وإنما كلّ ما يطلبه يهوه منا لكي يشملنا برحمتِه هو الاعتراف بخطايانا والإقلاع عنها.
يقول الرسول: "اعترفوا بعضُكم لبعضٍ بالزلات. وصلوا بعضُكم لأجل بعضٍ لكي تشفوا" (يعقوب 5: 16)، فلنعترف بخطايانا ليهوه، فهو وحده قادر على أن يهبنا الغفران، ولنعترف أيضًا بعضّنا لبعض بالزلات، فإذا بدرت منك إساءةٌ نحو صديق لك أو جار، فمن حقّه عليك أن تقرّ له بخطئك كما أنّه من الواجب عليه هو أيضًا أن يرضى ويصفح. ثم بعد ذلك عليك أن تلتمسَ عفوَ يهوه وغفرانه، لأنّ ذلك الأخ الذي اجترأت عليه وجرحتَه إنّما هو ملك يهوه، فإن أضررت به، فأنت تخطيء إلى الخالق، ومتى أتممت اعترافَك ليهوه، وأقررت بذنبك لأخيك، فإن القضية تصبح أمام الوسيط الحقيقي، ورئيس الكهنة الأعظم الذي هو "مجرّب في كلّ شيء مثلنا، بلا خطية"، "قادر أن يرثي لضعفاتنا" (عبرانيين 4: 15)، وقادر أن يطهرنا من كل وصمة إثم. (عبرانيين 7: 25).
إذن فأولئك الذين لم يذللوا نفوسهم أمام يهوه، معترفين بذنبهم لم يقوموا بعد بأول شرط من شروط قبولهم، لأننا إن كنا لم نتب ليهوه توبة لا رجعة عنها ولا انتكاص، وإن كنا لم نعترف له بخطايانا بتذلل وانكسار، ولم ننظر إلى الإثم نظرة مُقت واستنكار، فلا نكون حتى الآن قد طلبنا حقا الصفح والغفران، وإن كنا لم نطلب، فنحن لم نجد بعد سلام يهوه، فإنه لا يوجد سبب لعدم نيلنا غفرانا عن خطايانا الماضية سوى أننا غير راغبين في التذلل أمام يهوه والإذعان لكلمة الحق، فإن يهوه قد أعطانا تعليماتٍ صريحةً في هذا الشأن تبين لنا أن الاعتراف بالخطايا، سواء أكان بصفة فردية أم علنية، يجب أن يصدر عن القلب، ويجب أن يعترف به الفم ويردده اللسان، لأن الاعتراف ليس مجرد لغو أو كلام يلقى جزافا، وليس هو مجرد تصريح ينتزع من صاحبه انتزاعا، دون أن يدرك جسامة خطيته، ويشعر بشدة نفوره منها واستنكاره لها، وإنما الاعتراف الصحيح الذي يجد سبيلا إلى رحمة يهوه وعفوه، هو الذي يصدر من أعماق النفس ويصعد من صميم القلب، كما يقول المرنم، "قريب هو يهوه من المنكسري القلوب ويخلص المنسحقي الروح" (مزمور 34: 18).
فالاعتراف الحقيقي هو الذي يتسم بالتحديد، ويتناول الاقرار بالخطايا على وجه التخصيص، وهذه الخطايا قد تكون من النوع الذي يجب عرضه أمام يهوه فقط، وقد تكون أيضا ذات صفة علنية، فيجب أن نعترف بها جهارا، ولكن في كل الحالات يجب أن يكون الاعتراف محددا ومنصبا على الاعتراف بالخطية التي ارتكبناها.
ففي زمن صموئيل ضلّ الإسرائيليون عن يهوه، وفقدوا إيمانهم به، وأخذوا يشكوّن في قدرته على حمـايتهم، والذود عن كيانهم، والدفاع عن قضيتهم، حتى تحوّلت قلوبهم عن الحاكم الأعظم الذي بيده مقاليد الكون بأسره رغبة منهم في أن يكون لهم ملك أسوة بمن حولهم من الأمم والشعوب، وقد تم لهم ما أرادوا ولكنهم باؤوا بالفشل والخيبة، ولم يتذوقوا طعم السلام والاستقرار حتى أتوا إلى يهوه واعـترفوا بما اقترفوه من جحود وإنكار، إذ قالوا لصموئيل: "صلِّ عن عبيدك إلى يهوه إلهك حتى لا نموت لأننا قد أضفنا إلى جميع خطايانا شرّا بطلبنا لأنفسنا ملكا" (1 صموئيل 12: 19)، فالاسرائيليون إذ اقتنعوا بأن نكرانهم للجميل هو الذي أقصاهم عن إلههم، وأدّى إلى فصم عرى الشركة بينه وبينهم، لم يروا مندوحة عن تحديد اعترافهم بذكر هذه الخطية بالذات، إذ قالوا: "لأننا قد أضفنا إلى جميع خطايانا شرّا بطلبنا لأنفسنا ملكا".
غير أن الاعتراف لا يكون مقبولا عند يهوه، إلا إذا كان مقترنا بالتوبة والإصلاح، فيجب أن تتناول الحياة تغييرات ظاهرة، ويجب العمل على نبذ كل شيء يسيء إلى يهوه، ولن يتأتى كل هذا إلا نتيجة لحزن حقيقي وتوبة خالصة، واما الإصلاح الذي يتعين علينا ان نقوم به من جانبنا فقد بيَّنه النبي إشعياء جليا وواضحا في قوله: "اغتسلوا تنقوا، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني، كفوا عن فعل الشر، تعلمَّوا فعل الخير، اطلبوا الحق، انصفوا المظلوم، اقضوا لليتيم، حاموا عن الأرملة" (إشعياء 1: 16، 17)، وكذلك نوَّه به حزقيال في قوله: "ان رد الشرير الرهن وعوَّض عن المغتصب، وسلك في فرائض الحياة بلا عمل اثم فانه حياة يحيا. لا يموت" (حزقيال 33: 15). وأيضا فصَّـله الرسول بولس في قوله: "فانه هوذا حزنكم هذا عينه بحسب مشيئة يهوه، كم انشأ فيكم من الاجتهاد بل من الاحتجاج بل من الغيظ بل من الخوف بل من الشوق بل من الغـيرة بل من الانتقـام. في كل شيء أظهرتم أنفسكم أنكم أبرياء في هذا الأمر" ( 2 كورنثوس 7: 11).
فالخطية متى أماتت الشعور الأدبي، تجعل فاعل الإثم لا يرى ما في صفاته من نقائص وعيوب، ولا يتحقق فداحة الشر الذي ارتكبه، فما لم يخضع لقوة الروح القدس المقنعة، يظل غير مدرك لخطيته إدراكا كاملا، وتكون اعترافاته خالية من روح الجد والإخلاص إذ يحاول عند كل اعتراف أن يلتمس لنفسه الأعذار، ناسبا أخطاءه إلى الظروف التي أحاطت به، والتي لولاها لما ارتكب مثل هذا الذنب الذي يلام عليه.
فإنّ آدم وحواء بعد أن أكلا من الشجرة المنهيّ عنها، شعرا بالخزي والعار وأحسَّا بالرهبة والخوف، فكان جلّ همهما في مبدأ الأمر منصرفا إلى تلمّس وسيلة الاعتذار عن خطيتهما، والتخلص من حكم الموت الرهيب، فلما بدأ يهوه يسألهما عن الخطية التي اقترفاها، أخذ آدم ينحي باللائمة على يهوه وعلى المرأة، إذ قال: "المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت" (تكوين 3: 12)، وكذلك المرأة بدورها أخذت تنحي اللائمة على الحـية، إذ قالت: "الحية غرّتني فأكلت" (تكوين 3: 13)، فكأني بحواء تعترض على يهوه قائلة لماذا خلقت الحية ولماذا تركتها تتسلل إلى جنة عدن؟ فهي تلقي التبعة على يهوه سبحانه، وتجعله مسؤولا عن زلتهما وسقطتهما، ولا عجب في ذلك فإن روح التنصّل من المسؤولية وتبرئة أنفسنا تولدت في الأصل عند ابليس الملقب بأبي الكذاب ومنه سرت إلى كل ذرية آدم وحواء، فمثل هذه الاعترافات ليست من إيحاء الروح الإلهي، وبالتالي فهي غير مقبولة البتة عند يهوه، أمّا التوبة الصحيحة فإنها تجعل الإنسان يحمل ذنبه بنفسه، ويقرّ به في غير خداع ونفاق، كما فعل ذلك العشَّار الذي لم يجرؤ أن يرفع وجهه نحو السماء، بل قرع على صدره وصرخ قائلا: "يهوه ارحمني أنا الخاطيء" فعاد إلى بيته مبررا، وهكذا يتبرر كل من اعترف بذنبه لأن يهوشوه نفسَه يتشفَع بدمه في كل نفس تائبة.
وإنّ الأمثلة الواردة في كلمة يهوه بشأن التوبة الحقيقية توضح لنا روح الاعتراف الصحيح الخالي من كل تعلّل وتنصّل، وتبين لنا الإقرار الخالص الذي لا يشوبه البرّ الذاتي، فبولس، مثلا، لم يحاول قط ان يبريء نفسه مما اقترفه ضد الكنيسة، بل هو يصور خطيته كأشدّ ما تكون اسودادا وإظلاما دون أن يحاول استصغار ذنبه، إذ يقول: "وفعلت ذلك أيضا في أورشليم، فحبست في سجون كثيرين من القديسين، آخذاً السلطان من قبل رؤساء الكهنة، ولما كانوا يُقتلون ألقيت قرعة بذلك، وفي كل المجامع كنت … أطردهم إلى المدن التي في الخارج" (أعمال 26: 10، 11). بل ولم يتردد أن يقول: "صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول أن المسيا يهوشوه جاء إلى العالم ليخلّص الخطاة الذين أولهم أنا" (1 تيموثاوس 1: 15).
أجل، فإنما بالتواضع والانكسار، والتوبة والاستغفار يستطيع الخاطيء أن يقدّر شيئا من محبة يهوه، وشيئاً مما انفق في جلجثة، فيأتي إلى يهوه كما يأتي إلى أبيه، معترفا بكل ذنوبه، وتائبا عن كل خطاياه، لأنه مكتوب: "إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل اثم" (1 يوحنا 1: 9).
[بخصوص خطية التجديف على الروح القدس، (متى 12: 31، 32)، بما أنّ الروح القدس هو الواسطة الوحيدة التي تبكّت المرء على الخطيّة وتقدّم له هبة الغفران بيهوشوه المسيا فمن يصر على رفض تبكيت الروح القدس له على خطاياه فهو بالتالي يرفض في الوقت نفسه الغفران. وبكلمة موجزة أنّ الخطيّة التي لا تُغفر هي الخطيّة التي ترفض الغفران].
(المرجع لهذا الدرس كتاب طريق الحياة، صفحة 32-36).

 
حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
1
29
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
04
26
افرحوا بالخالق في يوم قدسه. سبت مبارك.
Calendar App