7. التوبَة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كيف يتبرر الإنسان عند يهوه؟ وكيف يتزكّى المذنبُ؟ إنما بالمسيا وحده نصيرُ في وفاقٍ مع يهوه، واتّساق مع القداسة، ولكن كيف يتسنّى لنا أن نأتي إلى المسيا؟ كثيرون يسألون هذا السؤال الذي سأله الجمهور في يوم الخمسين إذ "نُخسوا في قلوبهم" فصرخوا قائلين: "ماذا نصنع" (أعمال 2: 7)، وأول كلمة أجاب بها القديس بطرس كانت قوله: "توبوا" (أعمال 2: 37)، وما لبث بعد ذلك أن قال في موضع آخر: "توبوا وارجعوا لتُمحى خطاياكم" (أعمال 3: 19).

أما التوبة فهي الحزنُ على الخطية والإقلاع عنها، ولا يقلعُ عنها المرءُ ما لم يتبيّن شرَّها ولا يصيرُ تغييرٌ في الحياة ما لم يرجعَ عنها رجوعًا باتًا.

غيرَ أنّ الكثيرين يخطئون فهم كُنْه التوبة، فمنهم من يحزن على خطيئة، بل يحاول إصلاح سيرتِه إصِلاحًا خارجيًا، لأنّه إنما يخشى أنّ خطيته قد تجلب عليه خسارةً وألمًاً، ولكنّه لم يتب توبة بمعنى الكلمة، لأنه إنما يندب الآلام لا الخطية، فشأنه شأن عيسو الذي بعد أن باع البكورية بكى على ضياع بركاتِها إلى الأبد، وحاله حال بلعام الذي أقر بذنبه، خوفًا على حياتِه حين رأى الملاك يعترض طريقه والسيفُ السليلُ بيَده، ولكنّه لم يتب عن الخطية ولم يبغض شرّها، لأنّه لم يغير قصدَه واتجاهه، وهكذا يهوذا الاسخريوطي فبعد أن أسلم سيدّه اعترف قائلا: "أخطأت إذ أسلمت دما بريئا" فالذي أكرهه على الاعتراف هو شعوُره بالإدانة وانتظاره القصاص، لأن العواقب التي لا بدّ من أن تأتي بها الخطية ملأت نفسَه رعبًاً وقشعريرةً، وأما الحزنَ العميقُ على إنكاره ابنَ يهوه، والأسف الشديدَ على خيانته قدوسَ إسرائيل، فكانت نفسُه بريئةً منهما، وفـرعون كان كلّما حـلت به ضربة من الضربات يصرخ قائلاً: "أخطأت" حتّى إذا ما استجاب يهوه لصراخه ودعائه عاد إلى عناده وكبريائه، فهؤلاء جميعهم كانوا يحزنون لا بسبب الخطية ذاتها بل خوفًا من عواقبها المؤلمة.

ولكن عندما يستسلم الإنسان لتأثير الروح القدس يحيا الضمير، فيأخذ الخاطيء يدرك شيئًا من عمق الناموس وقدسية الشريعة التي هي قاعدة حكم يهوه في السماء وعلى الأرض، ويشرق في نفسه "النور الذي ينير كل إنسان" خارقًا إلى الأعماق وكاشفًا خفايا القلب فيمتلك فكر الخاطيء الشعور بالتبكيت والإدانة، ثم يرى برَّ يهوه فيعتريه الرعبُ من الظهور بذنبه ونجاسةِ قلبه أمام فاحص القلوب ومختبر الكلى، ثم يرى أيضًا محبةَ يهوه، وجمالَ القداسة، وبهجةَ الطهارة، فيتوق إلى التطهير وإلى استعادة صلته بالسماء.

إنّ الصلاة التي صلاها داود إثر سقطتِه لتصوّر لنا الحزن الحقيقي بسبب الخطية، فقد كانت توبته خالصةُ وعميقةُ، إذ لم تبدُ منه أية محاولة لتلطيف جُرمه أو لاستصغارِ ذنبه، ولم تكن الرغبة في النجاة من العقاب الذي هدده هي التي أوحت إليه بهذه الصلاة، وإنّما داود كان قد أدرك فداحة تعدّيه، وتبين له ما في نفسه من دنس ونجاسة، فأبغض الخطية وكرهها، حتى أنه، حين صلى، لم يلتمس فقط الحصول على الغفران بل طلب أيضا طهارة القلب، فقد كان مشتاقًا إلى بهجة القداسة، توَّاقًا إلى استعادة صلته بيهوه إلهه، كما عبّر عن ذلك بقوله: "طوبى للذي غفر أثمُه، وسُتِرَت خطيتُه. طوبى لرجل لا يحسب له يهوه خطية، ولا في روحه غش" (مزمور 32: 1، 2).

"ارحمني يا يهوه حسب رحمتك، حسب كثرة رأفتك امح معاصيّ، اغسلني كثيرًا من إثمي ومن خطيتي طهرني لأني عارف بمعاصيّ وخطيتي أمامي دائمًا … طهرني بالزوفا فأطهر، اغسلني فأبيض أكثر من الثلج … قلبًاً نقيًاً أخلق فيّ يا يهوه وروحًا مستقيمًا جدد في داخلي، لا تطرحني من قدام وجهك وروحـك القـدوس لا تنزعه مني، رد لي بهـجة خلاصـك وبروح منتدبة أعضدني" (مزمور 51: 1-3، 7، 10-12). "نجني من الدماء يا يهوه إله خلاصي، فيسبِّح لساني برك" (مزمور 51: 14).

فمثل هذه التوبة ليست في مقدورنا، إنها فوق طاقتنا، وإنما نؤتاها من المسيا الذي إذ "صعد إلى العلاء أعطى الناس عطايا" من بينها عطية التوبة.

يخطيء كثيرون فهم هذه الحقيقة فيفشلون في الحصول على المعونة التي يريدها لهم المسيا، إذ يظنّون أنه ليس في إمكانهم أن يأتوا إليه إلا إذا تابوا أولاً، وأنّ التوبة هي التي تعدّ لهم السبيل للحصول على الغفران، نعم إنّ التوبة تسبق الغفران، لأنّه لا يشعر بحاجته إلى الغفران، إلاّ كلّ ذي قلبٍ منكسرٍ وروحٍ منسحقة، ولكن هل معنى ذلك أنّه يجب على الخاطيء ألاّ يأتي إلى المسيا حتى يتوب أولا؟ وهل نجعل من التوبة عقبة تحول دون وصول الخاطيء إلى مخلّصه؟

إنّ الكتاب المقدس لا يعلّم أنّ الخاطيء يجب أن يتوب قبل أن يستجيب لتلك الدعـوة التي يناشـدنا بها المسـيح قائلا: "تعـالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (متى 11: 28)، إذ أنّ القوة التي تقودنا إلى التوبة الحقيقية إنما هي قوة من المسيا، كما أوضح ذلك القديس بطرس للإسرائيليين في قوله: "هذا رفعَّه يهوه بيمينه رئيسًا ومخلصًا ليُعطي إسرائيل التوبة وغفران الخطايا" (أعمال 31:5)، فكما أننا بدون المسيا لا نستطيع الحصول على الغفران كذلك أيضًا لا يمكن الحصول على التوبةِ بدونه. ويصدق الأمر كذلك على الروح القدس الذي يعطيه يهوه لمن يطيعونه (أعمال 5: 32).

إنّ المسيا هو مصدر كل باعث حقٍ، وهو وحده القادر أن يغرس في قلوبنا عداوة للخطية، فكلّ رغبةً، تتوّلد فينا نحو الحق والطهارة، وكلّ ما نحسّه من الشعور بذنبِنا وإثميتِنا إنما هو دليل على أنّ روحه يعمل فينا.

لقد قال المسيا: "وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع". فيجب أن يُعلنَ المسيا للخطاة مخلصًا يموت عن خطية العالم لأننا، إذ نراه، حمل يهوه، مرفوعًا على صليب جلجثة، نأخذ ندرك شيئًا من سرّ الفداء، فيقتادنا لطف يهوه إلى التوبة، فالمسيا بموته عن الخطاة أماط اللثام عن حبّ يفوق الوصف والإدراك، وكلما تأمّل الخاطيء في هذا الحب لانَ قلبُه، وذابت روحُه وانسحقت نفسه فيه.

ويحدث أنّ بعضًا من الناس يستهجنون شرّ أعمالهم، فيقلعون عنها وهم لا يدرون أنّ الذي يعمل فيهم ويجذبهم إلى هذا الإصلاح هو المسيا، ولكن الحقيقة هي أنّ كل مجهود إصلاحي يقومون به عن رغبة خالصة لعمل ما هو حق وصواب إنّما هو تأثير روح المسيا الذي يجتذبهم إليه، إذ يستحثّ قلوبَهم، من حيث لا يشعرون، فتحيا ضمائرهم، وتتغير حياتُهم، وإذ يستميلهم المسيا ليلتفوا إلى الصليب ويروه معلّقًا هناك مطعونًا بخطاياهم، تتمكن الوصية من ضمـائرهم، فيتجلّى لهم شـرّ حـياتهم، وتنكشـف لهم الخطية المتأصلة في قلوبهم وإذ يدركون شيئًا من برّ المسيا وكماله يصيحون قائلين: ما هي الخطية حتى يستلزم فداءُ فرائسها كل هذه التضحية‍ وهل يتطلّب الأمر كلّ هذه المحبّة وكل هذا الاتضاع وكل هذه الآلام لكي لا نهلك بالخطية بل تكون لنا الحياة الأبدية؟

وقد يقاوم الخاطيء هذه المحبة، وقد يرفض أن ينقاد إلى يهوشوه، ولكنّه إذا لم يقاوم فإنه لا بدّ من أن ينجذب إليه، إذ أنّ معرفة تدبير الخلاص تقوده إلى الصليب فيأتي إليه نادمًا على خطاياه التي سببت كلَّ هذه الآلام لابن يهوه الحبيب.

إنّ القوة الإلهية التي تعمل في إحياء الطبيعة هي عينها التي تعمل في قلوب الناس وتخلق فيهم شوقًا وهيامًا إلى ما يفتقرون إليه وما لا يستطيع العالم أن يمدّهم به، وروح يهوه هو الذي يتوسّل إليهم أن يلتمسوا فقط الأشياء التي تنيلهم السلام والراحة، أي نعمة المسيا وبهجة القداسة، فبوسائلَ مرموقةٍ، وغير مرموقة يسعى مخلصنا دائمًا إلى استمالةِ عقولِ الناسِ من ملذّات الخطية غير المشبعة إلى البركات الثمينةٍ التّي ينالونها فيه، فإلى كل من يلتمس عبثًا أن يرتوي من آبار العـالم المشـققة يوجّه يهوه دعوتَه قائلا: "من يعطش فليأت. ومن يرد فليأخذ ماء حياةٍ مجانًا" (رؤيا 22: 17).

فأنتم يا من تتوق قلوبكم إلى ما هو أفضل وأسمى مما يعطيكم إياه العالم، اعلموا أنّ شوقكم هذا هو صوت يهوه لضمائركم، واطلبوا إليه أن يمنحكم التوبة، ويعلن لكم المسيا في محبته الفائقة الوصف، وطهارته الكاملة، ففي حياتِه قد تمثّلت المباديء التي تتلخص فيها الشريعة الإلهية، أعني المحبة ليهوه والمحبة للإنسان، فالمحبة والرحمة كانتا جوهر حياة يهوشوه، حتى إننا إذ نراه نتيقن من نجاسة قلوبنا ونلتمس رحمتَه الغافرة.

قد يكون أنّنا تملّقنا أنفسنا، كما راود نيقوديموس نفسه، فنظن أنّ حياتَنا مستقيمة، وأنّ أخلاقنا قويمة فلا نحتاج إلى أن نتذلل أمام يهوه تذلل أحد عامة الخطاة، ولكن متى أشرق في قلوبنا نور المسيا ظهر لنا مدى نجاستنا وأثرتنا وعداوتنا ليهوه، وعندئذ نعرف أنّ كلّ أعمالِنا ملوّثة بل أنّ أعمال برّنا كثوبِ عدّة، وأنّ دم المسيا وحده كفيل بتطهيرنا من نجاسة الخطية وبتجديد قلوبنا لكي نكون مشابهين لصورته.

فإنّ النفس إذ يتخللها شعاع يسير من مجد يهوه، وقبس ضئيل من طهارة المسيا، يتضح لها في ألمٍ ما بها من لوثة ودنس، وتنكشف لها نقائص الصفات البشرية واعوجاجها، وتتبين ما هي عليه من فساد في الميول وجحود في القلب ونجاسة الشفاه، وهكذا يعرض أمام عيني الخاطيء ما قد قام به من أعمال الخيانة، بنقضه ناموس يهوه، وتعطيل أحكام الشريعة، مما يجعله في حالة ألم وانسحاق تحت تأثير روح يهوه الفاحص القلوب، وإذ تتجلى صفات المسيا الطاهرة النقية لمثل هذا الخاطيء فإنه يمقت نفسَه ويكرهها.

إنّ دانيال حين رأى الرسول السماوي، وشهد ما حفّه من المجد والبهاء، بدأ يتملّكه شعور قوي وإحساس جارف بأنّه إنسان ناقص ومخلوق ضعيف، وقد وصف هذا المنظر العجيب فقال: "ولم تبق فيَّ قوة، ونضارتي تحولت فيَّ إلى فساد، ولم أضبط قوة" (دانيال 10: 8)، فإن النفس التي يمسّها الروح على هذا النحو لا بدّ من أنها تكره الأنانية، وتعاف محبة الذات، وتنشدُ، بواسطة برّ المسيا، حياةَ الطهارة التي توائمُ شريعةَ يهوه، وتتفق مع أوصاف المسيا وسجاياه.

وكذلك الرسـول بولس فإنه قال عن أعماله الظاهرية وسـيرته الخارجية: "من جهة البرّ الذي في الناموس بلا لوم" (فيلبي 3: 6)، ولكنّه عندما تبين طبيعة الناموس الروحية، رأى نفسه خاطئًا، فهو إذ طابق الناموسَ على حياته مطابقة حرفية ظاهرية، كما يفعل الناس، رأى نفسَه بلا لوم، ولكنّه حينما تأمّل في عمق الشريعة المقدّسة رأى نفسَه كما رآه يهوه، فانحنى خجلاً واتضاعًا واعترف بإثمه وذنبه قائلاً: "أما أنا فكنت بدون الناموس عائشًا قبلاً، ولكن لما جاءت الوصية عاشت الخطية فمتُّ أنا" (رومية 7: 9)، وهكذا عندما عرف روحانية الناموس ظهرت له شناعة الخطية وبشاعتها، وزايله كل ما كان في نفسه من زهو وافتخار.

فيهوه، وإن كان يرى الذنوب تتفاوت في جسامتها، لا يستصغر خطية ما، مهما صغرت في أعين الناس، لأنّ حكم الإنسان حكم جزئي ناقص وأمّا يهوه فيقدّر الأمور على حقيقتها، فالناس يحتقرون السكير مثلاً وينذرونه بسوء المغبة والمصير، في حين أنهم يتغاضون عن زجر أهل الكبرياء والأنانية والطمع، وهي الخطايا التي يمقتها يهوه بنوعِ خاص، لأنها تنافي طبيعته السمحة وتضاد المحبّة الخالصة التي تكوّن جوّ العالم الذي لم تصل إليه الخطية، فقد يشعر مرتكب إحدى الخطايا الجسيمة بالخزى والعار، ويحس بافتقاره إلى البرّ واحتياجه إلى المسيا، ولكن المتكبّر لا يشعر بحاجة ما، فتحول كبرياؤه دونه ودون المسيا وتحرمه من بركات الخلاص التي جاء يهوشوه لكي يمنحه إياها.

فإنّ ذلك العشار المسكين الذي صلّى قائلاً: "ارحمني أنا الخاطيء" (لوقا 18: 13)، اعتبرَ نفسَه شريراً أثيمًا، وهكذا كان يراه غيرُه أيضًا، ولكنّه شعر بحـاجته، فجاء بذنبه وعاره إلى يهوه، ملتمسًا رحمتَه، وفتح قلبه لتأثيرات روح يهوه القدوس كيما يجدده ويغيرّه، وسلّم نفسه للنعمة القادرة أن تخلصه وتحرره، وأما الفرّيسي فكانت صلاتُه مملوءةً بروح الزهو والافتخار، مما دلّ على أنّ قلبه كان مغلقًا دون تأثير الروح القدس فإنه بسبب ابتعاده عن إلهه لم يستطع أن يشعر بنجاستِه وإذ لم يشعر بحاجته مضى دون أن ينال شيئًا.

وإذا تبيّنتَ ما أنت عليه من إثمٍ وخطية، فلا تنتظر ريثما تُصلح ذاتَك، وكم من الناس يظنّون أنهم ليسوا أهلاً لأن يأتوا إلى المسيا. ألعلّك تحاول أن تصلح نفسَك باجتهاد؟ و "هل يغيرّ الكوشي جلدّه أو النمر رقطه، فأنتم أيضًا تقدرون أن تصنعوا خيرا أيها المتعلمون الشر" (إرميا 13: 23)، فإنما معونتنا هي من يهوه فقط، فيجب ألا نتطلع إلى فرص أفضل، ويجب ألاّ ننتظر حتى نصير أحسن تطبّعًا وتخلّقًا، أو أشد اقتناعًا وتوثقًا، فإننا من أنفسنا لا نستطيع أن نفعل شيئًا، بل يجب أن نأتي إلى المسيا كما نحن.

فلا يخدعن أحد نفسه ويحسب أن يهوه من فرط محبته وكرم رحمته سيخلّص أخيرًا حتى رافضي نعمته. إنّ الخطية لمرض عضال، لا يدرك استحالة البُرءِ منه إلا من نظر إليه في نور الصليب، فعلى الذين يتكلون على رحمة يهوه ويقولون إنّه من جوده لا يهلك الخاطيء، أن يتأملوا مليًّا في جلجثة، فلأنّ المسيا لم يجد سبيلاً لخلاص الإنسان من قوة الخطية ونجاستها ولم يكن في إمكانه أن يعيد له الحياة الروحية، والشركة مع القديسين، إلا بهذه التضحية العظمى، أخذ جرم الخطية على نفسه ومات عوضًا عن الخاطيء فتشهد محبةَ ابن يهوه وتخبر تضحيتُه العظمى بفداحةِ الخطية، وتعلنان أنّ لا أمل بالنجاة منها ومن سلطانها، ولا رجاءَ بالحصول على حياةٍ أبديةٍ إلا بخضوع النفس للمخلّص يهوشوه خضوعًا كاملاً.

ويحـاول أحيانًا الذين يصرون على خطاياهم، أن يبرروا أنفسـهم بقولهم: "نحن مثل أولئك القوم الذين يُدعون مسيحيين، فإنهم ليسوا بأفضل منا تضحية ونكرانًا لذواتهم، وليسوا بأكثرَ منا حذرًا وتعقلاً، بل هم مثلنا يحبّون اللهو والتدلل" وهكذا يتعللون بأخطاء الآخرين، ممن يدعون مسيحيين، ولكن خطايا الآخرين ونقائصهم لا يمكن أن تبرر إنسانًا لأن يهوه لم يعطنا مثالاً بشريًا ناقصًا، وإنما أعطانا ابنه القدوس لكي نتمثل به، فأولئك الذين ينعون على المسيحيين سلوكهم الخاطيء، هم جديرون بأن يُظهروا في حياتهم سلوكًا أفضل، ومثلاً أسمى وأنبل، لأنه إذا كانت لديهم فكرة سامية كهذه، بشأن ما يجب أن تكون عليه حياة المؤمن الحقيقي، أفلا تكون خطيتهم أكبر وأعظم، بلى، لأنهم عرفوا الحق ولم يتبعوه.

وحذار من أن تؤجّل أو تسوّف الإقلاع عن خطاياك، بل عليك أن تبادر إلى طلب تطهير قلبك بواسطة يهوشوه، فقد أخطأ هذه الحقيقة كثيرون، فحلّت بهم الخسارة الأبدية، ولست أطيل الكلام في هذا المقام عن قصر الحياة وعدم تحققنا من نهايتها، فللتأجيل خطر أشد وأدهى مما نتصور، لا يفطن إليه الناس كثيرًا، وهو أننا بركوننا إلى التأجيل، نرفض توسلات روح يهوه القدوس، ونؤثر أن نبقى في الخطية على أن نسلم أنفسنا ليهوه، فمن هنا يتأتّى الخطر، ذلك لأن التساهل مع الخطية، مهما بدت لنا صغيرةً، يعرضنا لخسارة لا حدّ لها، فنحن إن لم نقهرها، قهرتنا وأفضت بنا إلى الهلاك.

كان كل من آدم وحواء يقنع نفسَه، بأن أمرًا يسيرًا كالأكل من الشجرة المنهيّ عنها لا يمكن أن تترتب عليه نتائج مروّعة وعواقب وخيمة، كالتي حذرهم منها يهوه، ولكنّ هذا الشيء اليسير إنما كان اعتداءً على ناموس يهوه، ذلك الناموس الثابت المقـدس، وقد أدى هذا الاعتداء إلى فصل الإنسان عن يهوه، وتدفّق عواملِ الموتِ والشقاء إلى هذا العالم بكيفية تفوق كلّ وصف، ومنذ ذاك الحين أخذت صيحات الحزن والعويل، تتصاعد من جيل إلى جيل، وصارت الخليقة كلّها تئن وتتمخّض، نتيجة لتمرّد الإنسان وعصيانه، ولقد شعرت السماء نفسَها بنتائج عصيانِ الإنسان، وشقِّه عصا الطاعة على يهوه، وإنّ جلجثة لتذكّرنا دائمًا بتلك التضحية العجيبة التي اقتضاها التكفير عن الاعتداء على ناموس يهوه، فيجب ألا ننظر إلى الخطية كأنها أمر تافه وهيّن، فإنّ كل ما نأتيه من أعمالِ التعدي، وكلّ ما نبديه من إهمالٍ أو رفضٍ لنعمة المسيا، لا بدّ من أن يكون له ردّ فعلٍ في نفوسنا، إذ تتحجّر قلوبنا، وتنحطّ مداركنا، فلا نصبح فقط أقلّ ميلاً لتلبية دعوة المسيا، بل نصير أيضًا أقلّ مقدرة على الخضوع لروح يهوه القدوس، والاستجابة لتوسّلاتِه الرقيقة.

غير أنّه يوجد أناس يحاولون تهدئة ضمائرهم المضطربة بظنّهم أنّهم قادرون على أن يغيروا مسلكهم الشرير متى شاؤوا، وأنّه في استطاعتهم أن يغيروا مجرى حياتهم حتى بعد استخفافهم بنداءات الرحمة، وإصرارهم على مقاومة روح يهوه القدوس، وحتى بعد انحيازهم إلى جانب الشيطان، ولكن هذا كلّه لا يمكن أن يتمّ بمثل هذه السهولة، إذ تكون أخلاقهم قد تكيّفت تمامًا، على مرّ الزمن، بما حصلوا عليه من الاختبار والتدريب، وتشكّلت بممارسة العادات والتجاريب، حتى ليتعذّر على الكثيرين منهم أن يتقبلوا سمةَ المسيا.

فإنّ أية خصلة من الخصال الخاطئة، أو أية رغبة من الرغبات الآثمة، إذا تُركت وشأنها، كافية لأن تضعف تأثير الإنجيل، وتبطل مفعوله. وإنّ كل تساهل نبديه نحو الإثم، من شأنه أن يزيد النفس إعراضًا عن يهوه وصدودًا عن الحق الإلهي، إنّما هو يحصد ما قد زرع، وليس بين دفَّتي الكتاب المقدس تحذيرٌ يدعونا إلى الخوف من الاستخفاف بالشرّ مثل قوله: "الشرير تأخذه آثامه، وبحبال خطيته يمسك" (أمثال 5: 22).

إنّ المسيا على أتم استعداد لتحريرنا من الخطية، ولكنّه لا يفرض علينا ذلك جبرًا وقسرًا، فإذا كانت إرادتنا - بسبب إصرارنا على الخطية وتمادينا فيها -قد أصبحت تميل بكليتها إلى فعل الشر، وإذا كنا مصرّين على عدم قبول نعمته، فماذا عساه أن يفعل بنا بعد ذلك؟ فنحن إنّما نهلك أنفسنا بإصرارنا على رفض محبته، "هوذا الآن وقت مقبول، هوذا الآن يوم خلاص"، "إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم" (2 كورنثوس 6: 2؛ عبرانيين 3: 7، 8).

"إنّ الإنسان ينظر إلى العينين وأما يهوه فإنه ينظر إلى القلب" (1 صموئيل 16: 7). نعم، إنّه ينظر إلى القلب البشري الذي تصطرع فيه شتّى العواطف والأحاسيس، القلب الجائل التائه، المملوء بكلّ زيفٍ ونجاسة، فيعلم بواعثَه ونيّاتِه ومقاصده. فتوجه إليه أيها الخاطيء، واعرض أمامه نفسك بكلّ ما فيها من تلوّث وتلطخ، واكشف خفاياها أمام عينه التي ترى كلَّ شيء، واصرخ مرددًا قول المرنم: "اختبرني يا إلهى واعرف قلبي امتحني واعرف أفكاري. وانظر إن كان فيّ طريق باطل واهدني طريقًا أبديًا" (مزمور 139: 23، 24).

كثيرون يقبلون الدين عقليًا، ويحملون صورة التقوى، في حين أن القلب غير متجدد، فلتكن طلبتك "قلبًا نقيًا اخلق فيّ يا يهوه وروحًا مستقيمًا جدد في داخلي" (مزمور 51: 10). ولكن كن أمينًا لنفسك، باذلاً كلّ جدٍ واهتمام، وتشبّث وإصرار، كما لو كنت مشرفًا على الهلاك، فهذا أمر يجب تسويته، ويجب أن يحلّ بينك وبين يهوه بصفة نهائية لأنّ التعلّق برجاء وهمي يكفي وحده لإهلاكنا.

وادرس كلمة يهوه بروح الصلاة، فإنّ فيها شريعته، وحياة المسيا، ومباديء "القداسة التي بدونها لن يرى أحد السًيد" (عبرانيين 12: 14)، فضلاً عن أنها تقنعنا بالخطية وتعلن لنا طريق الخلاص بوضوح وجلاء، فانتصت لها، باعتبارها صوت يهوه الذي يخاطب نفسك.

ومتى أدركت جسامة خطيتك، وتجلت لك نفسك على حقيقتها فلا تستسلم لليأس والقنوط -فإنما لأجل الخطاة قد جاء المسيا من السماء، فيا له من حبّ فائق عجيب! إذ أننا لا نصالح يهوه، بل هو الذي "كان في المسيا، مصالحًا العالم لنفسه" (2 كورنثوس 5: 19)، فإنّ يهوه بحنوّ ومحبة هو الذي يستعطف أولادّه الشاردين، ليردّهم عن زيغهم وضلالهم، وليس من أبٍ بشري يتسع صبره وحلمَه لاحتمال غلطات أولاده وأخطائهم، كما يفعل يهوه مع الذين يحاول إنقاذّهم، ومن مثل يهوه في عطفه وحنوّه على الخاطيء الأثيم؟ وهل من شفاه بشرّية سكبت هذه التوسلات الرقيقة التي بها يناشد يهوه الإنسان الضال؟ أجل، إنّ كلّ مواعيدِه وتحذيراتِه إن هي إلا تنسمات محبته التي لا يُنطق بها.

عندما يأتي الشيطان ويوسوس لك أنك خاطيء، أنك خاطيء جدًّا، تطلع إلى فاديك وتحدث عن استحقاقاتِه، فإن التطلع إلى نوره مما يساعدك، ثم اعترف بخطيتك، واجحد عدوَّ الخير، وقل له: "إنّ المسيا يهوشوه جاء إلى العالم ليخلّص الخطاة" (1 كورنثوس 1: 15). لما سأل المسيا سمعان سؤالاً فيما يختص بمديونين كان أحدهما مدينًا بمبلغ زهيد، والآخر كان مدينًا بمبلغ جسيم جدًا ولكن السيد سامح الاثنين، فأيهما يكون أكثر حبًّا لسـيده، أجاب سمعان قائلاً: "أظن الذي سامحه بالأكثر" فنحن كنا من أردأ الخطاة، ولكن المسيا مات لكي نوهب الغفران، وإنّ استحقاقاتِ ذبيحته وتضحيتَه لتكفي للتشفّع فينا أمام الآب، والذين سامحهم يهوه بالأكثر سيحبّونه أكثر، وسيكونون أقرب الناس إلى عرشه، ليسبحوه على محبّته العظمى، وتضحيتِه التي لا حدّ لها. فإننا، كلما ازددنا إدراكًا لمحبة يهوه، تحققنا أكثرَ حقيقةَ محبته، واطّلعنا على مدى اتضاعِه ومبلغٍ تضحيتِه، انفطرت قلوُبنا حزنًاً وتأسّفًاً، وذابت أفئدتُنا حنّوًا وتعطّفًاً.

(المرجع لهذا الدرس كتاب طريق الحياة، صفحة 19-31).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
11
20
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
01
18
Calendar App